جواد بشارة
كاتب ومحلل سياسي وباحث علمي في مجال الكوسمولوجيا وناقد سينمائي وإعلامي
(Bashara Jawad)
الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 17:28
المحور:
الطب , والعلوم
إعداد جواد بشارة
تلسكوب "جيمس ويب" يؤكد وجود خلل جوهري في فهمنا للكون ويشير إلى فيزياء مجهولة
تعجز اثنتان من أدق القياسات في العلم الحديث عن الاتفاق بشأن سرعة توسع الكون، وكان من المفترض أن يحسم تلسكوب "جيمس ويب" الفضائي هذا الخلاف. ولكن بعد ثلاث سنوات من عمليات الرصد، قام التلسكوب بما هو أغرب من مجرد حسم الخلاف؛ فقد قدم أدلة قوية تشير إلى أن هذا التباين متأصل في طبيعة الكون ذاته، وأن النظرية السائدة حول كيفية عمل الكون تفتقر إلى عنصر مفقود.
ما هو "توتر هابل" (Hubble tension)؟
يتوسع الكون، ويُعبَّر عن معدل هذا التوسع برقم واحد يُعرف بـ "ثابت هابل" (ويرمز له بـ H0). عند قياس هذا الثابت بطريقتين مختلفتين، يفترض أن نحصل على القيمة نفسها، لكن الواقع يختلف عن ذلك.
عند النظر إلى المجرات القريبة نسبياً وبناء "سلم للمسافات" (distance ladder) وصولاً إليها، نجد أن معدل التوسع يبلغ حوالي 73 كيلومتراً في الثانية لكل ميغابارسيك. وفي المقابل، عند النظر إلى "إشعاع الخلفية الكونية الميكروي" (وهو الوهج الخافت المتبقي من الانفجار العظيم) وتحليل بياناته وفقاً للنموذج القياسي لعلم الكونيات، نحصل على قيمة تقارب 67. يمثل هذا فارقاً بنسبة 9 بالمائة تقريباً، وقد تجاوزت دقة هذا الفارق حاجز "الانحرافات المعيارية الخمسة" (five standard deviations)؛ وهو المعيار الذي يستخدمه الفيزيائيون لاعتبار الظاهرة "اكتشافاً" وليس مجرد مصادفة. وقد أطلق علماء الكونيات على هذا الخلاف المستعصي اسم "توتر هابل"، وهو خلاف لم يُحل منذ أكثر من عقد من الزمان.
تأتي القيمة المتعلقة بالكون المحلي بشكل أساسي من فريق بحثي يُدعى "SH0ES" بقيادة آدم ريس (Adam Riess) من جامعة جونز هوبكنز -وهو عالم حاز على جائزة نوبل لاكتشافه تسارع توسع الكون-، بينما تأتي القيمة المتعلقة بالكون المبكر من بيانات القمر الصناعي "بلانك" (Planck) التابع لوكالة الفضاء الأوروبية. طريقتان، وإجابتان مختلفتان، ولا توجد حتى الآن وسيلة للتوفيق بينهما.
ما الذي اكتشفه تلسكوب "جيمس ويب" فعلياً؟
لقياس المسافات الكونية، أنت بحاجة إلى صعود "سلم" من القياسات. تُمثِّل الدرجة الأولى مجرة حُدِّدت مسافتها بدقة باستخدام الهندسة الرياضية، وهي المجرة المعروفة باسم "NGC 4258". أما الدرجة التالية فتعتمد على استخدام نجوم "القيفاويات المتغيرة" (Cepheid variable stars)؛ وهي نجوم تنبض بمعدل يكشف عن سطوعها الحقيقي، وبالتالي فإن مقارنة سطوعها الظاهري بسطوعها الفعلي تتيح لنا تحديد المسافة التي تفصلنا عنها. تُعاير هذه المتغيرات القيفاوية بدورها المستعرات العظمى من النوع Ia، وهي نجوم تنفجر شديدة اللمعان لدرجة رؤيتها من مسافة بعيدة عبر الكون. ولا يُمكن الاعتماد على دقة كل درجة إلا بقدر دقة الدرجة التي تليها.
سلم المسافات الكونية: تُعاير كل درجة الدرجة التي تليها، بدءًا من المتغيرات القيفاوية القريبة وصولًا إلى المستعرات العظمى البعيدة، حتى يتمكن علماء الفلك من قياس معدل تمدد الفضاء نفسه. حقوق الصورة: ناسا، ووكالة الفضاء الأوروبية، و أ. فيلد (معهد علوم تلسكوب الفضاء).
لسنوات طويلة، كان الأمل الأكبر في تبديد هذا الغموض يكمن في قياس سطوع المتغيرات القيفاوية. فكاميرات هابل، على الرغم من شهرتها، لم تكن قادرة دائمًا على فصل متغير قيفاوي واحد عن سرب النجوم العملاقة الحمراء المتراصة حوله. تخيل محاولة قياس سطوع شمعة واحدة في ملعب مليء بها باستخدام كاميرا ذات رؤية ضبابية بعض الشيء. يتداخل ضوء النجوم المجاورة، فتبدو الشمعة أكثر سطوعًا مما هي عليه في الواقع، ويُفسر السطوع الأعلى على أنه أقرب. لو أن هذا "الازدحام" قد أثر خفيةً على أرقام هابل، لكانت المشكلة برمتها قد تحولت إلى خطأ في المعايرة.
لكن تلسكوب جيمس ويب حسم الأمر. فدقته في الأشعة تحت الحمراء القريبة أدق بنحو مرتين ونصف من دقة هابل، ما يكفي لتمييز النجوم القيفاوية الفردية بوضوح وسط الزحام. وجّه ريس وزملاؤه تلسكوبه نحو أكثر من ألف نجم قيفاوي منتشرة في مجرة NGC 4258 والمجرات المضيفة لثمانية مستعرات عظمى، ثم قارنوا النتائج مع نتائج هابل. تتطابق نتائج التلسكوبين بشكل شبه تام. بلغ متوسط الفرق حوالي -0.01 قدر ظاهري، وهو فرق لا يمكن تمييزه إحصائيًا عن الصفر. في ورقة بحثية نُشرت في أوائل عام 2024، أفاد الفريق باستبعاد خطأ الازدحام الكبير الذي يفسر هذا التباين عند مستوى دلالة 8.2 سيجما. وقال ريس: "يمكننا استبعاد خطأ القياس كسبب".
النجم القيفاوي نفسه، كما رصده هابل (يسار) وويب (يمين). تُتيح رؤية تلسكوب جيمس ويب بالأشعة تحت الحمراء الأكثر دقةً فصل النجم عن جيرانه المزدحمين، وهو التأثير الذي اشتبه النقاد في أنه يُؤثر على الأرقام. حقوق الصورة: ناسا، وكالة الفضاء الأوروبية، وكالة الفضاء الكندية، معهد علوم تلسكوب الفضاء، آدم ج. ريس (جامعة جونز هوبكنز، معهد علوم تلسكوب الفضاء).
وقد تعززت هذه النتيجة منذ ذلك الحين. فقد أظهر رسمٌ لاحقٌ لعينةٍ موسعةٍ من تلسكوب جيمس ويب أن المعدل المحلي يبلغ 72.6، وهو ما يزال ضمن النطاق الأعلى. بحلول أواخر عام 2025، أكدت دراسة أجراها تلسكوب "ويب" لنجوم "القيثاريات" (Cepheids) -التي تقع في مجرة مضيفة لمستعر أعظم نادر وتكاد تخلو من ضوضاء الخلفية- مجدداً أنه لا يوجد أي تحيز خفي يضخّم الأرقام. وترى الفرق التي تجري عمليات التحقق هذه الآن أن عزو "التوتر" (التباين في القياسات) إلى خطأ في القياس أصبح أمراً غير قابل للتصديق بشكل متزايد، إذ يبدو أن وجود سبب أعمق هو التفسير الأرجح. لم يكتشف "ويب" خطأً؛ بل وجد أن الخطأ الذي كان الجميع يعوّل على وجوده ليس موجوداً من الأساس.
لماذا يشير هذا إلى وجود فيزياء مفقودة؟
قد تبدو قيمة بضعة كيلومترات في الثانية لكل ميغابارسيك مجرد خطأ ناتج عن تقريب الأرقام، لكنها في الواقع أبعد ما تكون عن ذلك؛ فهي قياسات دقيقة لما يُفترض أن يكون قيمة واحدة ثابتة، أُخذت عند طرفي التاريخ الكوني. فالقياس الأول يصف الكون كما هو عليه الآن، بينما يصفه الثاني كما كان عليه بعد نحو 380 ألف سنة من الانفجار العظيم، ثم يُسقِط تلك الحالة على المستقبل باستخدام القواعد التي... ...وتُعتبر هذه العناصر مسؤولة عن كل ما يقع بينهما. وعندما يتعذر التوفيق بينهما، تقع الشكوك على الحلقة التي تربط بينهما، وتلك الحلقة هي "النموذج القياسي لعلم الكونيات".
لقد حقق هذا النموذج -المعروف باسم "لامبدا-سي دي إم" (Lambda-CDM)- نجاحاً مذهلاً؛ فهو يصف كوناً يتألف من مادة عادية ومادة مظلمة وطاقة مظلمة، كما يتنبأ بنمط "إشعاع الخلفية الكونية الميكروي" بدقة مذهلة. فعند تزويد النموذج بظروف الكون في مراحله الأولى، فإنه يتوقع معدل توسع يقارب 67؛ في حين تشير القياسات المباشرة للكون المحلي إلى قيمة أقرب إلى 73. وإذا ثبتت صحة كلا الرقمين، فهذا يعني أن الكون قد تسارع مبتعداً عن تنبؤات النموذج في مرحلة ما، وهو أمر لا يجد له النموذج أي تفسير أو مكان.
إن سد هذه الفجوة يتطلب إضافة عنصر جديد إلى الفيزياء. ويبرز كمرشح أول لهذا الدور مفهوم يحمل اسماً يبدو وكأنه صِيغ خصيصاً لعناوين الأخبار، لكن المنظرين يتعاملون معه بجدية تامة، ألا وهو "الطاقة المظلمة المبكرة". وتتلخص الفكرة في حدوث طفرة وجيزة لقوة تنافرية نشطت في أجزاء من الثانية تلت الانفجار العظيم مباشرة، مما منح الكون الناشئ دفعة إضافية، ثم تلاشت تلك القوة قبل أن تترك أي بصمات أخرى. وعند إدخال هذه النبضة في المعادلات، ترتفع قيمة التنبؤ الخاص بالكون المبكر لتقترب من القيمة التي يرصدها باستمرار كل من تلسكوبي "ويب" و"هابل". وهناك مقترحات أخرى تلجأ إلى عناصر أغرب، بدءاً من أنواع إضافية من الجسيمات خفيفة الوزن في بلازما الكون المبكر، ووصولاً إلى تعديلات طفيفة على الجاذبية بمقاييس كونية.
لم يتم تأكيد أي من هذه الفرضيات بعد، وهذا الأمر يمثل جبهة البحث النشطة حالياً وليس مجرد تفصيل هامشي. لقد غيّر تلسكوب "ويب" موازين "عبء الإثبات"؛ فلعقد من الزمان، كان الافتراض السائد هو أن علماء الفلك -بتدقيقهم- سيكتشفون في النهاية الخلل في "سلم المسافات" الذي يستخدمونه، لكن هذا الافتراض بدأ ينهار الآن. إذ تزايدت احتمالية أن يكمن الخلل -إن وُجد- في النظرية ذاتها، مما يعني أن الكون يعمل وفق قواعد لم ننتهِ بعد من صياغتها. لقد صمد النموذج القياسي أمام كل الاختبارات التي وُضع فيها تقريباً على مدار جيل كامل، إلا أن هذا الاختبار تحديداً هو الذي يستمر في الفشل أمامه.
ما الذي قد يكون خاطئاً إذن؟
لا يوجد إجماع حول هذه الصورة، والاعتراف بذلك بصراحة هو جزء من القصة؛ إذ يعتمد فريق منافس بقيادة "ويندي فريدمان" على درجات مختلفة من "سلم المسافات" باستخدام نجوم مغايرة -تحديداً قمة فرع العمالقة الحمر وطريقة تعتمد على العمالقة الغنية بالكربون- وتكون نتائجهم دائماً أقل، حيث تقترب من 70. وتجادل "فريدمان" بأن نتائجها تقع ضمن نطاق النموذج القياسي وتتوافق معه تماماً. صحيح أن أرقامها لا تصل إلى قيمة "بلانك" (Planck) البالغة 67، إلا أنها تُضعف اليقين السابق، كما أن الخلاف بين الفريقين المحليين لا يزال قائماً دون حل. وثمة تفصيل أدق يتمثل في أن كلا النهجين المحليين يعتمدان على المستعرات العظمى من النوع Ia (Type Ia supernovae) لتحديد أبعد المسافات (أو درجات السلم الكوني)، مما يعني أنهما ليسا مستقلين تماماً عن بعضهما البعض. أما المسارات المستقلة حقاً -التي تعتمد على أشباه النجوم الخاضعة لتأثير العدسة الجاذبية أو التموجات في تجمعات المجرات- فلا تزال قيد التطوير والنضج.
وعليه، فإن الفيزياء المفقودة ليست اكتشافاً بحد ذاتها بعد؛ بل هي "المشتبه به الرئيسي" في قضيةٍ تُستبعد فيها كافة الاحتمالات البديلة واحداً تلو الآخر. لم يكشف لنا تلسكوب "ويب" (Webb) عن ماهية هذا العنصر الجديد، لكنه أخبرنا -بدقة استثنائية- بأننا على الأرجح بحاجة إليه.
إن أدق وصف للوضع الراهن لا يندرج تحت بند "الانتصار" ولا "الأزمة"، بل هو عملية "تضييق للخيارات"؛ فكلما استُبعد تفسيرٌ مريحٌ ومألوف، ازدادت الاحتمالات المتبقية غرابةً. ففي مرحلة ما -بين وهج الكون الوليد والمجرات التي تبتعد عنا في ليلنا هذا- تتوقف الأرقام عن التطابق، بينما يرفض الكون حتى الآن الإفصاح لنا عن السبب.
تُعد نشرة "Curiosity - Latest in Space" (الفضول - أحدث أخبار الفضاء) إصداراً يعتمد على دعم القراء. لتلقي المنشورات الجديدة ودعم عملي، يرجى التفكير في الاشتراك (سواء كان مجانياً أو مدفوعاً).
المصادر:
• وكالة ناسا (NASA): "تلسكوبا ويب وهابل التابعان لناسا يؤكدان معدل توسع الكون، واللغز لا يزال قائماً" (science.nasa.gov).
• وكالة الفضاء الأوروبية/ويب (ESA/Webb): "تلسكوبا ويب وهابل يؤكدان معدل توسع الكون، واللغز لا يزال قائماً" (esawebb.org).
• معهد علوم تلسكوب الفضاء (Space Telescope Science Institute): بيان صحفي رقم 2024-108 (webbtelescope.org).
#جواد_بشارة (هاشتاغ)
Bashara_Jawad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟