أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ومستقبل العدالة .















المزيد.....

حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ومستقبل العدالة .


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 22:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس أكثر إثارة للريبة من أن يكون الإنسان قد أرسل آلاته إلى أطراف المجموعة الشمسية ، وحرّر الذرّة ، وشرّح الجينوم ، واخترع الذكاء الاصطناعي ، ثم إذا أراد أن يعاقب إنسانا آخر ، أغلق عليه بابا من الحديد .
كأن الحضارة كلما تقدمت خطوة في المعرفة ، عادت ألف خطوة إلى الوراء في العدالة .
ليس السجن دليلا على تقدّم الدّولة ، بل على عجزها عن ابتكار علاقة جديدة بين المجتمع والجريمة .
إن البشريّة لم تطوّر وسائل العقاب ، لأنها لم تطوّر بعد مفهومها عن الإنسان نفسه .
فما يزال القانون يرى الفرد وحدة منفصلة ، بينما تُنتَج الجريمة داخل شبكة كاملة من الاقتصاد ، والتعليم ، والمدينة ، والعمل ، والإعلام ، والعلاقات الاجتماعية . ومع ذلك، تختزل هذه الشبكة كلّها في جسد شخص واحد يُلقى خلف القضبان ، وكأن المجتمع يغسل يديه من مسؤوليته بمجرد أن يغلق باب الزنزانة .
إن السّجن هو أكثر المؤسسات رأسمالية في الدولة الحديثة .
إنّه يحوّل المشكلة الاجتماعية إلى ملفّ إداري ، والفشل الجماعي إلى ذنب فردي ، والاختلال البنيوي إلى قضية جزائية .
وحين يسجن المجتمع الفقير لأنه سرق ، ولا يسجن النظام الذي صنع الفقر ، فإنه لا يحقق العدالة ، بل يعيد توزيع الإثم على الحلقة الأضعف.
لقد بلغ الخيال السياسي حدّ اختراع العملات الرقمية ، ولم يبلغ حدّ اختراع عقوبة جديدة .
وهنا يكمن السؤال الذي لم يطرح بما يكفي :
أليس استمرار السجن طوال قرون دليلا على إفلاس المخيلة السياسية أكثر مما هو دليل على نجاح العدالة ؟
ربما آن الأوان لقلب السؤال كله.
فبدل أن نسأل : كيف نعاقب المجرم ؟
علينا أن نسأل: كيف نجعل الجريمة نفسها حدثا يتعذر أن يولد ؟
إن العقوبة ليست نهاية الجريمة ، بل اعتراف رسمي بأن المجتمع فشل قبل وقوعها .
وإذا كانت المدرسة ، والعمل ، والصحة ، والسكن ، والثقافة ، والكرامة ، قد انهارت جميعا قبل أن تقع الجريمة ، فإن الزنزانة ليست إلا الوثيقة الأخيرة التي تثبت هذا الانهيار .
إن اليسار ، إذا أراد أن يكون يسار القرن الحادي والعشرين ، فعليه أن ينقل النقاش من سياسة العقوبات إلى اقتصاد إنتاج الجريمة .
فالجرائم لا تُصنع في المحاكم .
إنها تُصنع في الأحياء المنسية ، وفي المصانع التي تستنزف الإنسان ، وفي المدن التي تقسِّم السكان إلى جزر طبقية ، وفي الأسواق التي تحوّل كل شيء إلى سلعة ، حتى الكرامة.
ولذلك فإن الثورة المقبلة لن تقاس بعدد السجون التي تبنيها الدولة ، بل بعدد السجون التي يصبح وجودها بلا معنى .
وسيكون المجتمع الأكثر تحضرا ليس ذاك الذي يملك أكثر السجون أمنا ، بل ذاك الذي تصبح فيه السجون أثرا تاريخيا ، كما أصبحت المقصلة وأدوات التعذيب آثارا في المتاحف .
إن المستقبل لا يحتاج إلى هندسة الزنازين ، بل إلى هندسة الشروط التي تجعل الزنزانة غير ضرورية .
وحينها لن تكون العدالة فعل انتقام ، ولا إدارة للعنف ، بل علما لإعادة إنتاج المجتمع على نحو يجعل الجريمة استثناء نادرا ، لا صناعة يومية .
وربما سيكون هذا هو الانقلاب اليساري الحقيقي القادم :
لن نطالب بإصلاح السجن .
سنطالب بإلغاء الحاجة إليه .
فالثورة ليست أن نبني زنزانة أكثر رحمة ، بل أن نبني مجتمعا يعجز عن إنجاب الزنازين .
هذه الفكرة يمكن توسيعها إلى بيان فلسفي أكثر راديكالية ، يطرح تصورا جديدا لـ"ما بعد السجن" ، لا يكتفي بإلغائه ، بل يقترح نموذجا ثوريا للعقوبة بوصفها عملية إصلاح اجتماعي شامل ، وهو طرح يمكن أن يكون أكثر جدة من مجرد الدعوة إلى "العقوبات البديلة" .
غير أن السؤال لا يتوقف عند حدود الجريمة . فالتاريخ يكشف أن السجن لم يكن مؤسسة جزائية فحسب ، بل كان ، في كثير من الأزمنة والأمكنة ، مؤسسة سياسية أيضا .
لقد تغيّرت أشكال الحكم ، وتبدّلت الدساتير ، وتبدّلت أسماء الأنظمة ، لكن الزنزانة بقيت أكثر مؤسسات الدولة استقرارا . كأن كل سلطة ، مهما اختلفت لغتها ، تحتفظ في أعماقها بحقّها الأخير في عزل من يهدد انتظامها .
وليس أخطر ما في السجن أنه يحرم الإنسان من حريته ، بل أنه يمنح السلطة القدرة على تعريف الحرية نفسها . فمن يدخل السجن لا يعاقب على فعل فقط ، بل يدخل فضاء تعاد فيه صياغة الزمن ، والهوية ، والعلاقات ، وحتى الذاكرة . إن السجن لا يحتجز الجسد وحده ، بل يسعى إلى إعادة تشكيل موقع الفرد داخل المجتمع .
ولهذا فإن تطور الحضارة لم يؤدّ إلى تراجع وظيفة السجن السياسية ، بل إلى ازدياد تعقيدها .
ففي الماضي كان الخصم ينفى ، أو ينفّذ فيه حكم جسدي ، أو يلقى في محبس رطب وراء الأسوار . أما اليوم ، فقد أصبحت منظومة العقاب تمتد خارج القضبان نفسها . فالمراقبة الرقمية ، والوصم الاجتماعي ، والقيود الإدارية ، والعزل الاقتصادي ، وحرمان الإنسان من فرص العمل أو المشاركة العامة ، قد تتحول في بعض السياقات إلى امتدادات لعقوبة لا تنتهي بانتهاء مدة السجن .
وهكذا لم تعد الزنزانة غرفة ذات أربعة جدران ، بل قد تصبح شبكة واسعة من القيود التي تلاحق الإنسان بعد خروجه .
إن السلطة الحديثة لم تلغ السجن ؛ بل جعلت المجتمع كله قابلا لأن يتحول إلى سجن بدرجات متفاوتة .
ومن هنا يبرز تناقض القرن الحادي والعشرين .
فالإنسان استطاع أن يختصر المسافات بين القارات إلى ساعات ، لكنه لم يستطع أن يختصر المسافة بين العدالة والانتقام .
واستطاع أن يجعل الآلة تتعلم ، لكنه لم يجعل القانون يتعلم من أخطائه التاريخية .
واستطاع أن يمنح الذكاء الاصطناعي قدرة على مراجعة نفسه ، بينما بقيت المؤسسات العقابية ، في كثير من النظم ، تعمل بمنطق يكاد يكون امتدادا لمخيلة القرون الماضية .
إن اليسار الذي يطمح إلى تجاوز الرأسمالية لا يكفيه أن ينتقد توزيع الثروة ، بل عليه أن ينتقد أيضا احتكار الدولة لوسائل العقاب .
فالدولة التي تحتكر القوة ، وتحتكر القانون ، وتحتكر تفسير القانون ، وتحتكر تنفيذ العقوبة ، ثم تمنع المجتمع من مساءلة هذه السلسلة ، تقترب من تحويل العدالة إلى وظيفة من وظائف السلطة ، بدل أن تكون السلطة خاضعة للعدالة .
إن الثورة المقبلة لن تكون مطالبة بسجون أكثر إنسانية ، ولا بأبواب أقل صلابة ، ولا بوجبات أفضل داخل الزنازين .
بل ستطرح سؤالا أكثر جذرية :
لماذا ما زلنا نتخيل أن حرمان الإنسان من الحرية هو أقصى ما بلغته عبقرية الحضارة في معالجة الصراع الاجتماعي ؟
أليس هذا وحده اعترافا بأن الخيال السياسي توقّف عن الابتكار منذ قرون ؟
وربما سيأتي زمن ينظر فيه أحفادنا إلى السجون كما ننظر نحن اليوم إلى الأقفاص الحديدية التي كانت تعلّق فيها أجساد البشر في الساحات العامة : لا بوصفها ضرورة تاريخية ، بل بوصفها شاهدا على مرحلة لم تكن الإنسانية قد تعلّمت فيها بعد كيف تنصف الإنسان دون أن تطفئ إنسانيته .
ولعل أكثر ما يكشف ضيق أفق الحضارة ليس سجن من حمل السلاح، بل سجن من حمل فكرة .
فهنا تبلغ السلطة ذروة مفارقتها .
إنها تعترف ، دون أن تقصد ، بأن الكلمة أخطر من الحديد ، وأن الجملة تستطيع أن تربك ما لا تستطيع المدافع إسقاطه .
وحين يسجن صاحب رأي ، فإن الدولة لا تعلن انتصارها ، بل تعلن خوفها .
فالسلطة الواثقة من شرعيتها لا تخشى القصيدة ، ولا المقال ، ولا الخطبة ، ولا المنشور ، ولا مسرحية ، ولا السؤال . أما حين تتحول الكلمات إلى قضية جنائية ، فإن الأزمة لا تكون في اللغة ، بل في البنية التي أصبحت اللغة قادرة على زعزعتها .
إن سجين الرأي لا يعاقب لأنه أفسد النظام العام ، بل لأنه كشف أن النظام العام ليس طبيعيا كما تدّعي السلطة ، وإنما بناء تاريخي يمكن مساءلته وتغييره .
ولهذا، فإن كل سلطة تميل ، بدرجات متفاوتة ، إلى تحويل الاختلاف السياسي إلى خلل أمني .
إنها عملية بالغة الذكاء .
فالخصم لا يعود مواطنا يناقش ، بل يصبح ملفا .
ولا يعود صاحب مشروع فكري ، بل يصبح رقما في سجلّ إداري .
ولا يعود صوتا داخل المجتمع ، بل جسدا معزولا عن المجتمع .
إن السجن السياسي ليس مجرد حرمان من الحرية .
إنه محاولة لتحويل الفكرة إلى عزلة .
لكن السلطة تخطئ ، مرة بعد أخرى ، في فهم طبيعة الأفكار .
فالأجساد يمكن إغلاق أبوابها .
أما الأفكار فلا تعترف بالأقفال .
والتاريخ لا يحصي عدد المفكرين والكتاب والمناضلين الذين دخلوا السجون ، بقدر ما يحصي عدد الأنظمة التي ظنت أن الزنزانة تستطيع إيقاف حركة التاريخ .
إن السجن ، في هذه الحالة، يصبح اعترافا غير مكتوب بأن الدولة لم تعد قادرة على هزيمة الفكرة بالحجة ، فلجأت إلى إدارة الحوار بالمفاتيح والأقفال .
وهنا يبلغ الإفلاس السياسي مداه .
فكل سلطة تستبدل البرهان بالعقوبة ، إنما تعلن أن مخزونها من المعنى قد أوشك على النفاد .
إن المجتمع الذي يجرّم الرأي لا يحمي نفسه من الانقسام ، بل يؤجل الانقسام حتى يصبح أكثر انفجارا .
فالأفكار لا تموت بالصمت المفروض عليها .
إنها تنتقل إلى الهمس .
ثم إلى الذاكرة .
ثم إلى الأجيال .
ثم تعود ، بعد سنوات أو عقود ، وقد ازدادت صلابة لأنها خرجت من تجربة القمع محملة بشرعية المظلومية .
وهنا تقع السلطة في مفارقة تاريخية قاسية .
فهي تسجن الإنسان كي تمنع انتشار الفكرة ، لكنها كثيرا ما تمنح الفكرة ، من حيث لا تريد، قوة رمزية لم تكن لتحصل عليها لو تُركت تواجه النقد العلني .
ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه يسار القرن الحادي والعشرين ليس: كيف ندافع عن سجناء الرأي ؟
بل سؤال أعمق بكثير :
كيف نبني دولة يصبح فيها سجن الرأي مستحيلا من الناحية الدستورية ، ومستحيلا من الناحية الثقافية ، ومستحيلا من الناحية الأخلاقية ؟
فالمجتمع الحر لا يقاس بعدد الانتخابات التي يجريها ، بل بقدرته على احتمال الكلمة التي تزعجه .
إن الديمقراطية ليست حقّ الأغلبية في الكلام .
إنها حقّ الأقلية في أن تعارض دون أن تتحول المعارضة إلى ملفّ عقابي .
وعندما تبلغ الإنسانية هذه المرحلة ، لن يكون انتصارها أنها أغلقت آخر سجن سياسي فحسب ، بل أنها تجاوزت الفكرة نفسها التي جعلت السلطة تتوهم ، عبر آلاف السنين ، أن الحقيقة يمكن أن تحرس بقفل ، وأن الشرعية يمكن أن تصان بجدار ، وأن التاريخ يمكن أن يؤجّل بإغلاق باب زنزانة .
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها .
فالسجون ليست حكرا على الأنظمة التي تعلن عداءها للحرية ، بل نجدها أيضا في دول ترفع رايات الثورة ، أو الاشتراكية ، أو الديمقراطية ، أو حقوق الإنسان . تختلف الأعلام ، وتتبدل الشعارات ، لكن الباب الحديدي يبقى هو نفسه .
وهذا يعني أن المشكلة أعمق من طبيعة النظام السياسي وحدها .
إنها تكمن في مفهوم الدولة ذاته .
لقد ورثت معظم الدول الحديثة ، مهما كانت مرجعياتها الفكرية ، جهازا عقابيا نشأ قبلها ، ثم اكتفت بإعادة طلائه بألوانها الأيديولوجية .
فالليبرالية تقول إن السجن دفاع عن القانون .
والمحافظة تقول إنه دفاع عن النظام .
والدولة الثورية قد تقول إنه دفاع عن الثورة و الانسان.
لكن أحدا لا يسأل: لماذا بقيت الزنزانة هي اللغة المشتركة بين كل هذه المشاريع المتناقضة؟
كيف يمكن لأيديولوجيات تتناحر في كل شيء أن تتفق ، بلا نقاش تقريبا ، على أن القضبان هي الحل الأخير ؟
إن هذا الاتفاق الصامت يكشف أن الدولة ، مهما اختلف خطابها ، ما زالت تستبطن تصورا واحدا للإنسان : كائنا ينبغي إخضاعه عندما يفشل الإقناع .
وهنا ينبغي أن يوجّه النقد أيضا إلى اليسار نفسه .
فاليسار يفقد جوهره عندما يكتفي بتغيير الطبقة التي تدير السجن ، دون أن يتساءل عن السجن نفسه .
إن الثورة التي تكتفي بتبديل السجّان ، ولا تخضع مؤسسة العقاب كلها للنقد ، تظل أسيرة الخيال السياسي القديم ، مهما كانت شعاراتها جذرية .
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع تحرري هو أن يرث أدوات خصمه ، ثم يعتقد أن تغيير اليد التي تمسك المفتاح يكفي لتغيير معنى القفل .
فالسلطة ليست مجرد طبقة اجتماعية .
إنها أيضا عادات ، ومؤسسات ، وتقنيات حكم ، وصور ذهنية تتسلل حتى إلى أكثر المشاريع ثورية .
ولهذا قد تنتصر الثورة على النظام القديم ، لكنها تهزم أمام الجهاز الذي تركه ذلك النظام وراءه .
فتسكن المباني نفسها .
وتستخدم الملفات نفسها .
وتعتمد القوانين نفسها .
ثم تكتشف ، بعد سنوات ، أنها أصبحت تدافع عن الأدوات التي كانت تتهمها بالأمس بأنها أدوات قمع .
إن الدولة ، كما عرفها التاريخ الحديث ، تمتلك ميلا دائما إلى توسيع وسائل الضبط أكثر من ميلها إلى توسيع فضاءات الحرية .
ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال : من يحكم السجن ؟
بل : لماذا أصبح السجن جزءا من تعريف الدولة نفسها ؟
إن الحضارة لم تفشل في ابتكار عقوبة جديدة فحسب ، بل فشلت في ابتكار شكل جديد للسلطة لا يبدأ من الاحتكار وينتهي إلى العقاب .
وربما ستكون المهمة الكبرى لليسار في هذا القرن هي أن يحرر نفسه أولا من إرث الدولة العقابية ، قبل أن يدعو الآخرين إلى التحرر منها .
فليس كافيا أن ترفع راية الثورة فوق السجن .
الثورة الحقيقية تبدأ عندما يصبح وجود السجن ، بوصفه الأداة المركزية لضبط المجتمع ، موضع مساءلة جذرية لا استثناء مؤقتا .
وعندها فقط ، سيخرج الفكر التحرري من تناقضه الأكبر : أن ينادي بتحرير الإنسان ، وهو ما يزال يحتفظ ، في قلب مشروعه ، بالمؤسسة التي بنيت تاريخيا على نزع الحرية .
إن القضية ، في نهاية المطاف ، ليست قضية السجن ، بل قضية المخيلة السياسية التي عجزت ، طوال آلاف السنين ، عن تخيل المجتمع خارج ثنائية الطاعة والعقاب .
لقد تغيّرت أدوات الإنتاج مرات لا تحصى ، وتبدّلت خرائط العالم ، وانقلبت النظريات العلمية رأسا على عقب ، وظهرت مفاهيم جديدة للزمن والمادة واللغة والوعي ، لكن صورة الإنسان في الذهن السياسي بقيت ، في جوهرها ، صورة الكائن الذي لا يدار إلا بالخوف ، ولا يضبط إلا بالإكراه ، ولا يعاد دمجه إلا بعد المرور بطقوس العزل والإذعان . وكأن البشرية ، وهي تقتحم المستقبل بكل جرأة ، تجر وراءها ، في هذا المجال وحده ، قيدا فكريا يعود إلى فجر الدولة .
وهذا يكشف مفارقة أعمق من كل النقاشات القانونية والحقوقية .
فالدولة الحديثة لا تحتكر القوة المسلحة فحسب ، بل تحتكر أيضا تعريف الانحراف ، وتعريف النظام ، وتعريف الخطر ، ثم تحتكر الوسيلة التي تعلن بها انتهاء هذا الخطر . إنها تجمع ، في يد واحدة ، سلطة التشخيص ، وسلطة الحكم ، وسلطة التنفيذ . وهذه الحلقة المغلقة تجعل المؤسسة العقابية أقلّ مؤسسات الدولة قابلية للنقد ، لأنها تقدم نفسها بوصفها شرطا سابقا لوجود المجتمع ، لا خيارا تاريخيا من بين خيارات متعددة .
ومن هنا ينبع وهم كبير لازم الفكر السياسي قرونا طويلة : الاعتقاد بأن المجتمع لا يقوم إلا إذا كان في قلبه جهاز يملك حق العزل . بينما قد يكون الصحيح هو العكس ؛ فقد يكون استمرار الحاجة إلى هذا الجهاز دليلا على أن المجتمع لم يكتمل بعد ، وأنه ما زال يعالج تناقضاته بالأدوات نفسها التي ورثها من عصور السيادة المجردة .
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس : كيف نجعل السجون أكثر إنسانية ؟
ولا: كيف نحسّن شروط الاحتجاز ؟
ولا حتى : كيف نقلّص عدد المساجين ؟
بل : لماذا ظل العقل السياسي ، بكل مدارسه المتعارضة ، عاجزا عن إنتاج نموذج آخر للعدالة ، لا يكون العزل فيه هو اللغة النهائية التي ينتهي إليها كل خلاف مع القانون أو مع السلطة ؟
إن الحضارات تقاس ، في العادة ، بما تشيّده من جامعات ، ومختبرات ، ومراصد ، وموانئ ، لكنها ربما ينبغي أن تقاس أيضا بما تعجز عن هدمه . والسجن ، بهذا المعنى ، ليس مجرد بناء من الإسمنت والحديد، بل أثر حيّ لعجز نظريّ متراكم . إنه الفكرة التي بقيت صامدة ، لا لأنها أصدق الأفكار ، بل لأن أحدا لم ينجح بعد في زحزحتها من مركز الخيال السياسي .
ولعل الثورة الفكرية المقبلة لن تبدأ من الشارع ، ولا من البرلمان ، ولا من القصر ، بل من إعادة تعريف معنى العدالة ذاته . فربما أخطأت الإنسانية حين جعلت العدالة ردّا على الفعل ، بينما كان ينبغي أن تجعلها تنظيما للشروط التي تسبق الفعل . وربما انشغلت طويلا بإدارة نتائج التصدعات الاجتماعية ، بدل إعادة بناء الأسس التي تنتج تلك التصدعات .
إن المشروع التحرري في القرن الحادي والعشرين لن يختبر بقدرته على الوصول إلى الحكم ، بل بقدرته على تحرير نفسه من الأدوات التي اعتاد الحكم استخدامها . فليس كل من امتلك جهاز الدولة أصبح مضطرا إلى التفكير بعقل الدولة القديمة . وهنا يكمن الامتحان الأصعب لكل مشروع يدّعي الثورة : هل يستطيع أن يبتكر مؤسسات جديدة ، أم أنه سيعيد تشغيل الماكينة ذاتها بعد تغيير الشعار المعلّق فوقها ؟
ولعل السؤال الذي سيحاكم به المستقبل عصرنا لن يكون : كم كان عدد السجون ؟
بل سيكون : كيف استطاعت البشرية أن تبلغ هذا الحد من التقدم العلمي ، ثم بقيت تؤمن ، حتى القرن الحادي والعشرين ، بأن الباب الحديدي هو آخر ما يمكن أن يبتكره العقل في مواجهة الإنسان ؟
عندئذ فقط سيدرك المؤرخون أن السجن لم يكن أعظم اختراع في تاريخ السلطة ، بل كان أعظم اعتراف بفشلها . فكل زنزانة تشيّد هي شهادة على عجز المجتمع عن إنتاج شروط تقلّل الحاجة إلى الإكراه ، وكل باب يغلق هو إعلان بأن السياسة توقفت عند حدود السيطرة ، ولم تبلغ بعد أفق التحرير .
ولذلك فإن اليسار الذي يريد أن يكون يسار المستقبل ، لا يسار الذاكرة ، لا يكفيه أن يطالب بعدالة اجتماعية في توزيع الثروة ، ولا بحرية سياسية في تداول السلطة ، بل عليه أن يذهب إلى الجذر الأعمق : إعادة اختراع العدالة نفسها . لأن المجتمع الذي ينجح في ابتكار عدالة تغني عن منطق الإقصاء ، يكون قد حقق ثورة أعمق من تغيير الحكومات ، وأبعد أثرا من إسقاط الأنظمة ؛ يكون قد حرر السياسة من أكثر ميراثها قِدما ، وفتح بابا لم تدخله الإنسانية بعد .



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتصافح المصالح
- رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر ...
- اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة ...
- التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة ...
- من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية ...
- تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت ...
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
- من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
- حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
- أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ...
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
- الإمبريالية والفقر كأداة: بين اشتراكية العزلة ورأسمالية التب ...


المزيد.....




- -لا نستطيع بناء مثلها-.. ترامب يشيد بطائرة رئاسية هدية من قط ...
- يُتوقع إقامته في -ماديسون سكوير غاردن-.. إليك ما نعرفه عن حف ...
- كنا متأخرين عشرات السنين.. رئيس الحكومة المصرية يرد على شكاو ...
- الشرع يعيّن 70 عضواً في البرلمان الانتقالي تمهيداً لانعقاد أ ...
- كيف جنى ترامب ثروة من العملات الرقمية؟
- ألمانيا قد تسحب سفينتين من جيبوتي كانتا تستعدان لمهة في مضيق ...
- -فشل- جديد لترامب .. القضاء يحمي الجنسية بالميلاد!
- فيفا: تضاعف الإساءات الرقمية ضد لاعبي كأس 2026 العالم 13 مرة ...
- على خلفية تصريح فوتشيتش.. موسكو: نتابع التطورات في صربيا ونؤ ...
- -مجلس سلام ترامب- يعلنها صراحة: لا مكان للأونروا في غزة الجد ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ومستقبل العدالة .