|
|
احتكار الثروة واللاّمُساواة 2 / 2
الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 11:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من مظاهر عدم المُساواة قدّرت منظمة أوكفام يوم الخامس عشر من حزيران/يونيو 2026 ارتفاع ثروة المليارديرات بما يقرب من عشر تريليونات دولار، بنهاية سنة 2025، وارتفعت ثروة 41 ملياردير في قطاع الطاقة بمقدار 23,5 مليار دولار منذ بداية العدوان على إيران، فيما يمر العالم بأزمة اقتصادية للسنة الخامسة على التوالي منذ العام 2020، وخفضت دول مجموعة السبع مساعداتها للدول الأكثر فقرا في العالم بمقدار 48 مليار دولار بين عامي 2024 و2025، وهو ما يعادل ما تراكم لدى مليارديرات مجموعة السبع خلال تسعة أيام فقط، لأن الحكومات ترفض فَرْضَ ضرائب على الأرباح الفائقة والثروات الكبيرة، كما ترفُضُ تعليق ( أو إلغاء) الديون وزيادة المساعدات. أدّى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى عواقب مدمرة على الأسر متوسّطة الدّخْل والفقيرة في جميع أنحاء العالم، لا سيما في البلدان المنخفضة ومتوسطة الدخل التي تعاني من سنوات من الاضطرابات الاقتصادية وأزمات الديون والصدمات المناخية، وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن ترتفع أرباح ست شركات نفطية كبرى بنسبة 80% (68 مليار دولار ) من توقعات ما قبل الحرب، ومن المتوقع أن تصل أرباحها التراكمية إلى 152 مليار دولار سنة 2026، أي ما يعادل 416 مليون دولار أمريكي في اليوم، وتمتد هذه الأرباح الفائقة إلى قطاعات أخرى، ومن المتوقع أن تشهد ثلاث من أكبر شركات الأسمدة في العالم قفزة في أرباحها بنسبة 23% (928 مليون دولار ) مقارنة بتقديرات ما قبل الحرب، ومن المتوقع أن تتجاوز الأرباح المجمعة لبعض أكبر الشركات التي يقع مقرها الرئيسي في دولة من دول مجموعة السبع توقعات ما قبل الحرب البالغة 413 مليون دولار في المتوسط، لأن الحروب والصراعات تعصف بالبلدان المُسمّاة نامية وتكلف حياة عدد لا يحصى من الناس ، ولكنها مُرْبحة للغاية بالنسبة للبعض من الشركات الإحتكارية، في ظل النظام النيوليبرالي الذي يعيد توزيع الثروة من الأسفل إلى الأعلى، من العمال إلى مالكي أسهم الشركات والمصارف الكُبْرَى، أو من الأكثر فقرا إلى الأغنى، وبينما تقوم ملايين العائلات بخفض كميات الطعام والوجبات، تُخفض الحكومات الإنفاق الإجتماعي والمساعدات الإنسانية المنقذة للحياة، فقد قررت مجموعة السّبع، بين سَنَتَيْ 2024 و 2025، أكبر خفض في المساعدة الإنمائية الرسمية في تاريخها، مما أدى إلى خفض المساعدات المقدمة إلى أفقر دول العالم بمقدار 48 مليار دولار. أدّت الأزمات المتتالية منذ بداية القرن الواحد والعشرين إلى تفاقم عدم المساواة وتجذ ير الفقر وتسريع تركيز الثروة والسلطة وفق أوكسفام، وهي منظمة خيرية، وليست منظمة راديكالية، وقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن العدوان على إيران يمكن أن تغرق أكثر من ثلاثين مليون شخص في الفقر في جميع أنحاء العالم، فيما قتل الإحتلال الصهيوني أكثر من 78 ألف شخص في فلسطينية ولبنان، وأصاب أكثر من 200 ألف، فضلا عن تشريد الملايين في ظل ارتفاع مؤشر الفاو لأسعار الغذاء أكثر من ثلاث مرات بين شباط/فبراير ونيسان/أبريل 2026 مما كان عليه خلال نفس الفترة من العام 2025. تظهر الإحصاءات التي نُشرت يوم اختتام قمة السّبع ( G7 ) أن أغنى خمسين شخصاً في قائمة مؤشر بلومبرغ يمتلكون مجتمعين ثروة تقدر بـ 6,5 تريليونات دولار، وهو رقم يقترب بشكل كبير من إجمالي ما يملكه الباقون من القائمة وعددهم 450 شخصاً والبالغ 6,8 تريليون دولار، ورَصَدَ مؤشر "بلومبيرغ" للمليارديرات يوم الاثنين 15 حزيران/يونيو 2026 أكبر مكسب يومي في تاريخه، بعدما أضاف اغنى خمسمائة شخص حول العالم ثروة صافية بـ 336 مليار دولار خلال جلسة تداول واحدة فقط، وارتفعت القيمة المجمعة لهذه الفئة لتصل إلى 13,3 تريليون دولار، في حركة تصاعدية حادة كشفت عن تركيز متزايد للمكاسب الكبرى ضمن دائرة ضيقة جداً في قمة الهرم المالي العالمي، وسُجّلَ هذا الإرتفاع إثْرَ الإعلان عن اتفاق مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، وبعد الطَّرْح العام الضخم لشركة "سبيس إكس"، الذي أدى إلى ارتفاع قيمتها السوقية بنسبة 20%، لينعكس ذلك بشكل فوري على مؤشرات الثروة العالمية، وليُصْبحَ إيلون ماسك المستفيد الأكبر والأوحد من موجة الصعود هذه، حيث قفزت ثروته الشخصية بأكثر من 10% لتستقر عند مستوى خيالي بلغ 1,27 تريليون دولار، وأشارت بيانات "بلومبيرغ" إلى أن مكاسب إيلون ماسك خلال هذا اليوم الواحد تجاوزت مجموع ما حققه الـ 499 شخصاً الباقون على المؤشر مجتمعين، مسجلة واحدة من أكبر الزيادات اليومية لثروة فرد واحد في التاريخ، ويتسع نطاق الفجوة بشكل كبير عند مقارنة هذه الثروات ببقية سكان الكوكب، وبحسب تقرير عدم المساواة العالمي للعام 2026 الصادر عن مختبر عدم المساواة العالمي، يسيطر أعلى 10% من سكان العالم على نحو ثلاثة أرباع الثروة العالمية، فيما لا يمتلك النصف الأفقر من البشرية سوى 2% فقط من هذه الثروة، ويحصل أغْنى 10% على دخل يفوق مجموع دخول بقية السكان، بينما لا تتجاوز حصة النصف الأفقر من سكان العالم 10% من إجمالي الدخل العالمي، ويشير التقرير إلى أن أغنى 0,001% من البالغين في العالم، وهم أقل من 60 ألف شخص فقط، يملكون ثلاثة أضعاف ما يملكه نصف البشرية مجتمعة، وأدى هذا التركيز الهائل للثروات إلى استخدام فاحشي الثراء نفوذهم الإقتصادي والمالي للسيطرة على مفاصل السلطة في مجالات السياسة والإعلام والقضاء، بما يضمن حماية مصالحهم ويحد من قدرة المجتمعات على محاسبتهم، وبذلك تتحول مظاهر البذخ إلى نفوذ قادر على تشكيل السياسات العامة، وأوضحت البيانات أن احتمالية تولي المليارديرات لمناصب سياسية تفوق احتمالية الأشخاص العاديين بأكثر من أربعة آلاف مرة، ومع ذلك ترتفع المعدلات الفعلية للضريبة تدريجياً لدى معظم السكان، لكنها تشهد انخفاضاً حاداً بمجرد الوصول إلى أصحاب المئات من الملايين والمليارديرات، الذين يدفعون نسباً أقل مما تدفعه الأسر ذات الدخل المنخفض كنسبة من دخولهم وثرواتهم، ويحْرم هذا النمط الضريبي الحكومات من موارد حيوية كان من الممكن توجيهها نحو قطاعات التعليم والصحة ومكافحة تغير المناخ، كما أنه يضعف الثقة في عدالة النظام الضريبي برمته، وقد تُستخدم المبالغ المُحصّلة من زيادة الضريبة على الثروات للإستثمار في التعليم والرعاية الصحية والنقل العام والسكن اللائق، لكن زيادة الضريبة على دخل الأثرياء بنسبة صغيرة لا تَحلّ مشاكل عدم المُساواة اللامساواة في الولايات المتحدة انتقل مبلغ خمسين تريليون دولار من الطبقة العاملة إلى أغنى % من الأمريكيين على مدى العقود الأربعة الماضية، ودَرَسَ كتاب - تصميم عدم المُساواة - (Inequality by Design) للمؤاّفَيْن رايان مانسون و بن جونسون كيفية وضع القواعد التي أدت إلى إنجاز المخططات الرامية إلى تعميق الهُوّة الطّبّقية، بالاستناد إلى بيانات عامة لأربعة عقود، وتتبع بن جونسون والخبير الاقتصادي رايان ماتسون الفجوة المتزايدة بين ما ينتجه الاقتصاد وما يحصل عليه العاملون، إذ تم تجميد الحد الأدنى للأجور الفيدرالية عند 7,25 دولار منذ 2009، وتجاوزت فجوة القوة الشرائية بين الحد الأدنى للأجور ومتوسط الأجور 22 دولارًا في الساعة، في حين ترتفع أرقام الناتج المحلي الإجمالي عامًا بعد عام، مع تركز المكاسب في أيدي الفئة العليا، ووفقًا لدراسة أجرتها مؤسسة راند، فإن الأمريكيين من غير الأثرياء خسروا حوالي 3700 دولارا سنويًا من دخلهم للمُساهمة (غير الطّوْعية) في زيادة ثروة أثرى الأثرياء على مدى أربعين عامًا، وشهدت هذه العُقُود الأربعة تدفّق ما يقارب خمسين تريليون دولار من جيوب الـ99% الأدنى من الأمريكيين، أي الطبقات العاملة، إلى جيوب الـ1% الأعلى ثراءً، مما جعل مستويات عدم المساواة تتصاعد عامًا بعد عام، وهي مستويات غير مسبوقة من عدم المساواة في تاريخ البشرية، حيث يعيش نصف سكان العالم في حالة فقر، ومعدلات الفقر مستمرة في الارتفاع، كما تستمر ثروة الأثرياء في الإرتفاع. تأتي القيمة الاقتصادية من العمال الذين يحصلون، بصورة بنيوية، على أجور أقل من القيمة التي ينتجونها، وهذه إحدى السمات المميزة للرأسمالية مقارنة بالأنظمة الاقتصادية والاجتماعية الأخرى؛ إذ يوجد دائمًا فائض أو قيمة إضافية، ولا يتعلق الأمر فقط بالمضاربة، كأن تشتري بسعر منخفض وتبيع بسعر مرتفع، وهو ما يُعد لعبة محصلتها صفر تقريبًا تعتمد على إعادة توزيع المال الموجود أصلًا في السوق، بل يتعلق بإنتاج قيمة إضافية ناتجة عن استخراج أكبر قدر ممكن من العمل والإنتاجية من الموظفين، ويُعَدّ هذا الشكل من الإستغلال قانونيا، فالعامل وصاحب العمل يوقّعان عقدًا، أما الجانب المخْفي فهو أن الراتب الذي يتقاضاه العامل لا يعكس القيمة الفعلية التي ينتجها لصاحب العمل، بل يمثل جزءًا صغيرًا فقط منها، ومع مرور الوقت تستمر الأجور الحقيقية في التراجع نسبيًا، مما يدعو إلى طرح مفهوم حصة الأجور مقابل حصة الأرباح، أو تأسيس تعاونيات وهي شركات يملكها العمال والموظفون بشكل جماعي، وبيتقاسمون الأرباح، وبدلًا من أن تُستخرج القيمة التي ينتجونها وتذهب إلى المساهمين أو أصحاب الديون، تبقى الأرباح داخل الشركة وتُوزع بين العاملين وفق ما يقررونه جماعيًا، لكن هذه الأشكال من الإدارة العمالية تواجه صعوبة متزايدة في منافسة الشركات الأخرى القادرة على استخراج فائض أكبر وخفض الأجور بشكل أكبر، مما يسمح لها بالاستحواذ على حصة أكبر من الأسواق وتركيز المزيد من السلطة الاقتصادية.
النضال من أجل ارتفاع حجم الدّخل أم من أجل المُساواة؟ يدّعي بعض الاقتصاديين إن ارتفاع حجم الدّخل يُقلّص الفوارق، ويحدّدون مستوى دخل ليُقرّروا إن من يتجاوزه لا يُعتَبَرُ فقيرًا، وبذلك يتم الإلتفاف على مسألة الفوارق الطّبقية وعدم المساواة في توزيع الثروة، بل يعتبر البعض ( من الذين حذفوا مفهوم العدالة من قاموسهم ) اتّساع هوة اللامساواة تطورًا إيجابيا لصالح الفئات الأكثر إنتاجية، لأنهم يعتبرون الإستغلال والإضطهاد والمُضاربة ممارسات شرعية… تُجَسّد آن كروغر ( وُلدت سنة 1934 ) فئة الإقتصاديين الذين ألْغوا من خطاباتهم ونصوصهم ومن فكرهم مفاهيم العدالة والمساواة، وهي دكتوره في الاقتصاد وأستاذة في جامعة مينيسوتا، وشغلت منصب نائبة رئيس البنك العالمي من 1982 إلى 1987 وأصبحت أول امرأة نائبة للمدير الإداري لصندوق النقد الدولي بين أيلول/سبتمبر 2001 وآب/أغسطس 2006، وهي متخصصة في الاقتصاد الدولي واقتصاديات التنمية، وتجادل بأن استيراد السلع لا يَضُرُّ بالإنتاج المحلي، بل يُولّد استيراد السّلَع فرص عمل، ويسمح للبلدان المستوردة بتخصيص السلع بأسعار تنافسية والتركيز على صناعة يتماشى مع مستوى القوى العاملة المتاحة لديها، كما تُضيف: إن استخدام العقوبات الاقتصادية قد يكون مفيدًا على المدى القصير، ولكن يمكن أن يؤدي إلى انتكاسات عميقة في رقعة الشطرنج العالمية متوسطة الأجل التي قد تجد فيها الدول التي تفرض عقوبات نفسها خاسرة… كتبت آن كروغر سنة 2002: «يسعى الفقراء، يائسين، إلى تحسين أوضاعهم المادية على نحو مطلق، لا إلى الصعود في سلّم توزيع الدخل، لذلك يبدو التركيز على الإفقار أفضل بكثير من التركيز على اللامساواة الذي لا يؤدّي سوى إلى إثارة القلق وبث الفُرْقَة»، ولذا يرى هؤلاء الإقتصاديون الذين يهيمنون على المناهج الدّراسية ومؤسسات البحث والمنشورات الإقتصادية إن دراسة مسألة التفاوت الطبقي واللامساواة عبثاً لا جدوى منه، لأن القضاء على التفاوت ضدّ منطق أو قانون السُّوق، بحسب أُطْرُوحاتهم، وقد تؤدّي إلى مساءلة النظام الاجتماعي القائم. يمتلك البنك العالمي مكاتب محلية عديدة في مناطق مختلفة من العالم، ويتقاضى الموظفون الذين يُستقدمون للعمل فيها أجوراً تفوق بكثير أجور أقرانهم المحليين، لذلك يشعرون بالرضا عن العمل لدى البنك العالمي، لكن بعد بضع سنوات، يكتشفون أنهم لا يتقاضون إلا جزءاً يسيراً مما يتقاضاه اقتصادي مماثل لو عُيّن في المقرّ الرئيسي في واشنطن، وعندئذٍ يشعر الموظفون المحليون بعدم الرضا والإحباط، وهذا نموذج بسيط من تفاوت الدّخل الذي تخلقه المؤسسات المالية مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وحتى المنظمات غير الحكومية الكبرى، ويُبرّر الإقتصاديون الليبراليون اللامساواة في الدخل بالإدعاء أن القواعد نفسها تنطبق على الجميع، لكن تسوية الأوضاع تستلزم اختلافاً وتمييزا في الدخل، وتُجيز الأدْيان وأجهزة الدّولة لمن راكموا ثرواتهم في ظروف مشكوك فيها، باستخدام جزء منها لأغراض خَيْرية، وتجنّب الضرائب، وبذلك يتم تحويل اللصوص والنّاهبين إلى «محسنين» وإلى قدوة أخلاقية.
النيوليبرالية ثورة مُضادّة لصالح الأثرياء: سادت الكينزية ( نسبة إلى الإقتصادي البريطاني جون مينارد كينز 1883 - 1946) بعد أزمة 1929، وبعد الحرب العالمية الثانية، ولم يكن انتصار النيوليبرالية على الكينزية ( بنهاية سبعينيات القرن العشرين) ثورة فكرية، بل كان هجومًا طبقيًا مَكَّنَ أصحاب العمل والنخب السياسية من تحويل الاضطرابات الاقتصادية إلى فرصة لإعادة تشكيل المجتمع وفقًا لشروطهم… يُعتَبَر فريدريك هايك ( 1899 - 1992) و ميلتون فريدمان ( 1912 - 2006 ) من رواد الليبرالية الجديدة، رغم الإختلافات بينهما، فقد كان هايك من أشهر اقتصاديي القرن العشرين، وقد نشط في منتصف القرن، واشتهر بانتقاده لفكرة التخطيط، والتخطيط الاشتراكي على وجه الخصوص، كما كان من أبرز منتقدي جون ماينارد كينز، الذي كان الاقتصادي الأكثر تأثيرًا في منتصف القرن العشرين، وكان هايك من دعاة السوق الحرة ومن رُوَّاد الليبراليين الجدد ( بداية من فترة حُكم مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغن في الولايات المتحدة)، وكان من دعاة تقليص دور دولة الرفاه وتطبيق نظام الأسواق الحرة. كان فريدمان خبيرًا اقتصاديًا مؤثرًا للغاية في الأوساط الأكاديمية ومراكز البحث، حتى خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وشهدت فترة سبعينيات القرن العشرين انتشار ما سُمّيَ دولة الرفاه بفعل التدخل الحكومي ويُعارض هايك وفريدمان تدخّل الدّولة، غير إن فريدمان رفض النظام السياسي السائد آنذاك ( تدخّل الدّولة من خلال الإنفاق الإجتماعي لكي لا يصبح العمال والموظفون والفقراء شيوعيين)، ولذلك لم يتمكن من الوصول إلى مراكز صنع القرار إلا خلال ثمانينيات القرن العشرين، حين أصبح رمزًا لعصر ريغان والتحول نحو اقتصاد السوق. ... يعتبر هايك وفريدمان إن جون ماينارد كينز مُعاد للرأسمالية لأنه دعا في كتابه "النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقود" ( نُشر سنة 1936) إلى نوع من التدخل الحكومي في الأسواق لتحقيق استقرار النظام الرأسمالي، وهو طَرح مُخالف للفكر الاقتصادي السائد الذي كان يُؤكد على إن الأسواق قادرة على خلق شُرُوط استقرارها دون تدخل الدولة، وركّز كينز على مسألة التوظيف وخلق الوظائف للقضاء على الفترات الطويلة من البطالة وعلى الفائض في الطاقة الإنتاجية، وهو ما يعتبره هَدْرًا الطاقات البشرية والصناعية، خصوصًا خلال عقد الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث كانت الدول الرأسمالية المتقدمة تبحث عن طريقة للتعامل مع واحدة من أشد الأزمات الاقتصادية التي شهدها الإقتصاد الرأسمالي، وطبقت تلك الحكومات سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا نظريات كينز للخروج من الأزمة، كما اعتمدت بعض الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية على النظريات الكينزية لتحقيق ما سُمّيَ دولة الرّفاه… تحدّى المفكران النيوليبراليان، فريدمان وهايك، الكينزية وخصوصًا دعوة كينز إلى إدارة الطلب، أي ضخ الأموال لزيادة الطلب على السلع، وإلى استخدام الدّولة الضرائب لزيادة الإنفاق الإجتماعي لتخفيف حدة التوترات الاقتصادية، وتعتمد الكينزية بشكل أساسي على السياسة المالية للتأثير على الطلب في النظام الرأسمالي، مع إبقاء العرض دون تغيير يُذكر، ودعا كينز إلى تأميم جزء كبير من الملكية الخاصة في النظام الرأسمالي، لأنه كان يعتقد أن الرأسماليين، في نهاية المطاف، لا يُمكن الوثوق بهم في قرارات الاستثمار، وفق بعض أتباع كينز مثل جوان روبنسون ونيكولاس كالدور، ورُوي هارود، والذين اعتبروا إنه يمكن تطويع الكينزية لتناسب احتياجات دولة الرفاه البرجوازية الضعيفة. أما ميلتون فريدمان وفريدريك هايك فكانا يعتبران إن السوق يُنظّم نفسه بنفسه ويُوازن نفسه، ولا يحتاج إلى تدخل مستمر الذي لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأمور، وانتصرت رؤية هايك وفريدمان خلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين، عندما فَرَضَ صندوق النقد الدّولي برامج التّكيُّف الإقتصادي على كافة الدّول ( 1985)، قبل أربع سنوات من وفاق واشنطن ( 1989 قبل انهيار جدار برلين ببضعة أشهر) الذي أقر تطبيق هذه الإجراءات على كافة الدّوَل وادّعى فريدمان وأمثالُه إن هذه السياسات مرغوبة لأسباب سياسية، بل إنها عقلانية ومنطقية اقتصاديًا، لذلك تم إقرارها… أدّت النيوليبرالية إلى نهاية دولة الرفاه الرأسمالية التي نشأت من خلال حشدٍ هائلٍ للنقابات والحركات العمالية، واستمرت طالما كان للحركة النقابية مدعومة من حزب العمال البريطاني أو من الديمقراطية الإجتماعية في دول أوروبية أخرى، ومن الحزب الديمقراطي الأمريكي، وكانت النقابات قويةً وقادرة على الضغط على أصحاب العمل الذين وافقوا - مُضْطَرّين - على التعايش مع النقابات وعلى قدرٍ معينٍ من إعادة التوزيع من منتصف الثلاثينيات إلى منتصف السبعينيات من القرن العشرين، لأن للنقابات والعمال نموذج آخر ( الإتحاد السوفييتي أو الصين…) لتوزيع الثروة وتوفير الدولة الحاجيات الأساسية للمواطنين… التزمت الحكومة الأمريكية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين بتقليص دولة الرفاه وتفكيكها، ومنح المزيد من الحرية للأسواق الحرة، ومثّل ذلك انتصارًا لأطروحات ميلتون فريدمان، لأن الحكومة الأمريكية تخلّت عن دولة الرفاه واتجهت نحو الليبرالية الجديدة، بسبب تغيير التوازن الإجتماعي للقوى أو - التوازن بين رأس المال والعمل، بين الأغنياء والفقراء - أو التوازن الطبقي… أما الأفكار - التي انتصرت أو انهزمت - فهي لا تكتسب أهميتها سوى من خلال الظروف المحيطة، والسياق الاجتماعي، وعلاقات القوة، ولا تكتسب تأثيرها لمجرد الذكاء، على الأقل في السياسة. أما العلم فمسألة مختلفة. لكن في السياسة، وتكتسب الأفكار تأثيرها لأن جهة ما ذات نفوذ اجتماعي تمنحها منصة للتعبير عن ذاتها، وتصبح الأفكار مؤثرة عندما ترتبط بمجموعة المصالح الطبقية التي تتبناها قُوى تُمثل أصحاب المصلحة… في ظل النيوليبرالية أصبحت القوى السياسية والإعلام اليميني يعتبران أفكار أشخاص مثل زهران ممداني، عمدة نيويورك، وأفكار بيرني ساندرز، متطرفة وفق صحيفة نيويورك تايمز، وهما في الحقيقة ديمقراطيان اجتماعيان من ما يمكن اعتباره يسار الحزب الدّيمقراطي الأمريكي، وبما أن الطبقة العاملة والفقراء يفتقرون إلى التنظيم السياسي الذي يتبنى قضاياهم، ولا يملكون أي وسيلة لتحقيق مطالبهم، فقد وجدوا في أمثل ممداني وساندرز منفذا أو مُتنفّسًا لهم، في غياب منظمات ومؤسسات طبقية تواجه غطرسة الرأسماليين والأثرياء في الولايات المتحدة وفي العالم، الذين فرضوا السياسات النيوليبرالية منذ أكثر من أربعة عقود، كرد فعل على عقد من الركود الاقتصادي في سبعينيات القرن العشرين، وفي ظل هذا الركود، خلصت الشركات الأمريكية إلى أن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الاقتصادية يكمن في تقليص دولة الرفاه وتفكيك الحركة النقابية، مما أدّى إلى ما سُمّي تحرير أو مُرُونة سوق العمل، أي انخفاض القيمة الحقيقية للأُجُور وتيسير عمليات الفصل الجماعي أو الفردي من العمل، وتقويض المعاشات التقاعدية وخفض الضرائب على الشركات وتعزيز مؤسسات القمع… باختصار، لم تنشأ الفوارق الطّبّقية واللامساواة لأن الأثرياء أذْكَى من غيرهم، أو لأنهم اجتهدوا وكَدُّوا فَجَمَعُوا ثروات كبيرة، بل تُصمّم أجهزة الدّولة - التي تُهيمن عليها الطّبقة الرأسمالية - عدم المُساواة وتُشَرْعنها من خلال القوانين وتُشرف على تنفيذها، ومن ضمن هذه الإجراءات والقوانين: الإعفاء الضريبي وإعفاء أرباب العمل من دفع اشتراكات التّأمين الإجتماعي والصّحّي وخفض الضريبة على أموال المُضاربة أو الميراث وما إلى ذلك، بينما يحصل الأجراء على أقل من 20% من الثروة ويتحملون نحو 80% من إيرادات الدّولة (كمتوسّط عالمي)، بواسطة الضرائب المباشرة ( الضريبة على الدّخل) والضرائب غير المباشرة، على الإستهلاك وعلى الخدمات…
هل الثروة معْيار النجاح؟ مراجعة كتاب برانكو ميلانوفيتش "الرأسمالية وحدها" (منشورات جامعة هارفارد - 2021) اهتم برانكو ميلانوفيتش منذ سنوات بجمع البيانات المتعلقة بتفاوت الدّخْل، ولكنه ( مثل توماس بيكيتي أو جوزيف ستيغليتز الذي يُعَدُّ من أبرز الاقتصاديين المحسوبين على تيار الكينزيين الجدد، وعَبَّرَ عن معارضته للسياسات الاقتصادية التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية) لا يخرج عن منطق الرأسمالية، بل يدعو إلى عدم تحدّي الرأسمالية أو معارضتها، وهو يُشير إلى " إن النظام سيكون مرنًا لدرجة أننا نحتاج فقط إلى التكيّف معه"، ويعتبر إن الرأسمالية تمثل النظام الذي يحكم العالم حاليا وفي المستقبل"، وتكمن أهمية الكتاب في احتوائه على بيانات واقتباسات من كُتُب صدرت قبل حوالي قَرْنَيْن تُشير إلى المَسار الذي اتّبَعَهُ رأس المال ليصل إلى النظام النيوليبرالي الحالي، فقد كان هذا المُسار متوقعًا منذ قَرْنَيْن، وكان يستحيل إيقاف هذا المسار. يقسم ميلانوفيتش العالم إلى مجموعتين: الأولى تضم دولًا تزدهر فيها أشكال مختلفة من الرأسمالية السياسية، مثل الصين، والثانية يهيمن عليها ما يسميه "الرأسمالية الليبرالية القائمة على الجدارة"، مثل الولايات المتحدة، ووصَفَ الكتاب بعض التفاصيل الدقيقة لهذا التقسيم عند دراسة كيفية تطور كلا النوعين إلى ما يراه شكلهما الحالي. يُشير ميلانوفيتش في كتابه "الرأسمالية وحدها… " إلى ازدياد عدم المساواة في جميع الدول الليبرالية القائمة على الجدارة تقريبًا منذ سبعينيات القرن العشرين"، ويفسر ذلك بأربعة عوامل: عجز النقابات العمالية عن تنظيم العمال المنتشرين؛ وعدم جدوى زيادة سنوات التعليم ماديًا؛ وسهولة تجنب خفض الدخول المرتفعة عن طريق الضرائب، ما أدى إلى التقليل من شأنها بشكل ممنهج؛ وقد فقدت إعادة توزيع الثروة من قبل الحكومة مصداقيتها بالمثل، لكن ميلانوفيتش يُهمل أو يتجاهل عَمْدًا انخفاض الإنفاق الحكومي على التعليم والرعاية الصحية والإجتماعية، كما تجاهل الشعبية التي تحظى بها مسألة إعادة توزيع الثروة وفرض الضرائب على الأغنياء في استطلاعات الرأي، وهي إجراءات لا تضر كثيرًا بالأغنياء،، كما يعتبر ميلانوفيتش إن المهاجرين يُشكلون عبئًا على دولة الرفاه، وهم يُشكّلون في الواقع مصدرًا للفائدة للبلدان الرأسمالية المتقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، لأن دُوَلَهُم الأصلية أنفقت على تنشئتهم وتعليمهم وتأهيلهم ورعايتهم الصحية، ولهذه الأسباب وغيرها فإن كتاب ميلانوفيتش يُعيد تدوير الصورة النمطية السائدة عن المهاجرين والتي يروجها اليمين المتطرف، ويبدو إن مؤلف كتاب "الرأسمالية وحدها…" يُعاني من قصور في الرؤية التاريخية، ويُبرّر تجديد الطبقات السائدة لنفسها والحفاظ على تفوقها، بناءً على الثروة والتعليم، كما تعمل هذه الطبقات الحاكمة على كبح المعارضة الشعبية، بحجة أنه لا بديل عن الرأسمالية "فقد أثبتت البدائل التي جربها العالم أنها أسوأ، بل إن بعضها أسوأ بكثير، لأن التخلي عن روح المنافسة والتّمَلُّك المتأصلة في الرأسمالية سيؤدي إلى انخفاض الدخل وتفاقم الفقر وتباطؤ أو حتى تراجع التقدم التكنولوجي، وفقدان مزايا أخرى (مثل السلع والخدمات التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا) التي توفرها الرأسمالية المفرطة في الاستهلاك". يدّعي المؤلف صراحة "عدم وجود بديل للرأسمالية المفرطة في الاستهلاك" وفي الواقع فإن الكاتب لا يستطيع تخيل بديل، فلا وجود له، ويُعرّف الشيوعية بخُبْث: "إنها نظام اجتماعي مكّن المجتمعات المتخلفة والمستعمَرة من إلغاء الإقطاع، واستعادة استقلالها الاقتصادي والسياسي، وبناء رأسمالية محلية"، أي إنها قد تكون مُفيدة لفترة محدودة في المجتمعات المتخلفة والمُسْتَعْمَرَة، أي لا يمكن تطبيق الشيوعية في الدول الإمبريالية والرأسمالية المتقدّمة، كما يدّعي ميلانوفيتش : "لا يمكن للمرء أن يأمل في الحفاظ على المزايا المادية مع القضاء على نزعة التملك أو إزاحة الثروة عن كونها المعيار الوحيد للنجاح…" يرفض ميلانوفيتش فكرة أن يرغب الناس في قضاء المزيد من وقت الفراغ في المستقبل، لأن "أبناءهم سيغضبون منهم لتفضيلهم حياة الترف والكسل بدلًا من ضمان حصولهم على جميع الأجهزة التي يتمتع بها أقرانهم وإلحاقهم بأفضل المدارس وأكثرها تكلفة… إنه في أي بلد يزداد فيه وقت الفراغ، سيأتي الأجانب لشراء أغلى العقارات…" لا يربط ميلانوفيتش ازدياد حجم الفقر وعدم المُساواة بانخفاض الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والخدمات العامة، ويُشكل موقف ميلانوفيتش من المُهاجرين ومن ادّعائه استحالة وجود بديل للرأسمالية وتأكيده إن الثروة مقياس النجاح، ثم موقفه من خفض وقت العمل وتخصيص المزيد من الوقت لتربية الأطفال أو للراحة والترفيه والثقافة والرياضة والعمل التطوّعي لصالح المجموعة وما إلى ذلك، موقفا رجعيا يُمجّد علنا أو ضمْنيّا النيوليبرالية وما تُنْتجه من إجحاف واختلال توازن المجتمعات… اللامُساواة في الوطن العربي: يَقَعُ الوطن العربي على قمة هَرم اللامساواة في توزيع الثروة على المستوى العالمي، وتعود الأرقام الواردة إلى نهاية سنة 2023، إذ اتسعت حدّة التفاوتات في الثروة في البلدان العربية خلال العقدَيْن الماضيّيْن بشكل أكبر ممّا هي عليه في أي مكان آخر في العالم، بحسب بيانات إسكوا ( مؤتمر الأمم المتحدة الإقتصادي والإجتماعي لغرب آسيا) المعروضة في تقرير بعنوان «الاتجاهات غير المتساوية في تراكم الثروة في البلدان العربية»، والتي تُؤكّد تسجيل هذه التفاوتات الاتساع الأكبر لها في العقد الأخير الذي شهد فشلاً في تغيير السياسات الاقتصادية والاجتماعية السائدة، التي كانت من مُحرّكات الانتفاضات الاجتماعية والسياسية التي انطلقت في بلدان مختلفة منذ العام 2011. يقيس الباحثون حصة المواطن من الثروة في بلد مُعَيّن كمؤشر للوضع الإقتصادي والإجتماعي، باستخدام المتوسّطات الحسابية لقياس حال البشر، وهي عملية حسابية تقوم على اقتسام مجمل الدخل المحقّق أو الثروة المحقّقة في سنة ما وفي بلد ما، على مجمل السكان المقيمين فيه خلال تلك السّنة، بمعزل عن التفاوتات في ذلك المجتمع، كالتفاوتات في الدخل الفردي أو الموارد والمُمْتَلَكات أو المنافع التي يستفيد منها كل فرد، مما يجعل هذه المتوسّطات الحسابية مَصْدَرًا لأوهام التحسّن والازدهار، فهي تُخْفي التفاوتات الطبقية وتركّز الثروة والدخل لدى قلّة قليلة، على حساب غالبية المجتمع، ويتم تركيز الثروة لدى أثرى الأثرياء بواسطة جهاز الدّولة الذي يُقرّ سياسات مُحاباة الأثرياء، بفعل تداخل السلطة السياسية والإقتصادية، وهي الأسباب التي أدّت إلى انطلاق الإنتفاضات في البلدان العربية بفعل تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسياسات النيوليبرالية التي خدمت مصالح الأثرياء وأهملت الفئات الشعبية التي خسرت الكثير من المكتسبات الاجتماعية التي تحقّقت خلال العقود السابقة، وأدّى تطبيق هذه السياسات إلى تعميق الفَجْوَة الطّبقية واللامساواة وزيادة نسبة البطالة والفقر.… يعتمد إسكوا على هذه المتوسطات الحسابية، ويذكر التقرير أن «متوسّط الثروة الاسمية للمقيمين في البلدان العربية نما بوتيرة سريعة بلغت نسبتها 8,4% سنوياً خلال الفترة من 2000 إلى 2010، بينما نما المتوسط العالمي بنسبة 5,9%»، وتراجعت وتيرة النمو خلال الفترة من 2010 إلى 2022 وتراوح المتوسط السنوي بين 4,6% و 3,8%، وتشير بيانات إسكوا إلى أنه رغم ارتفاع متوسط حصّة الأسر والأفراد من الثروة في البلدان العربية، اتسع التفاوت في توزيعها وركدت معدّلات عدم المساواة في الثروة المحلّية في بلدان المنطقة في خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، ثم ارتفعت بسرعة في سنوات التي تلت العام 2010، واستقرّت عند مستوى مرتفع في النصف الثاني من العقد الثاني من القرن الحالي، ويستحوذ أغنى 10% من السكّان على 64.2% من الثروة سنة 2022 في البلدان العربية منخفضة الدّخل، وعلى 62,5% في البلدان متوسطة الدّخل وعلى 70% في البلدان العربية مرتفعة الدخل، وكلّما تضخّمت ثروات أغنى 10% من السكان، انخفضت حصّة نصف السكان وبلغت 7,6% ففي البلدان العربية منخفضة الدخل سنة 2022، وبلغت 8,1% في البلدان العربية متوسطة الدّخل و 6% سنة 2022 في البلدان العربية مرتفعة الدّخل…
مُلخّص - دور الدّولة في تعديل الإقتصاد أصبح إيلون ماسك تريليونيرا بفعل الدّعم الحكومي لأن ثروته تُغَذي الخيارات السياسة العامة التراجعية لحكومة دونالد ترامب وفق منظمة أوكسفام، وسبق أن كتب جيف بيزوس خلال سنة 2025: "ليس لدينا أسواق حرة اليوم ولم نحصل عليها منذ فترة طويلة جدًا، وبشكل عام، تُعَدّ إعانات الشركات والإعفاءات الضريبية الخاصة من الفوائد أمثلة رائعة على الأماكن التي تتدخل فيها الحكومة في الأسواق الحرة"، وما الرأسمالية سوى سلسلة تاريخية من السرقة العنيفة لأرض الشعوب الواقعة تحت الإستعمار ولجهد العُمّال والفلاحين والكادحين، وتَمَكَّنَ الأثرياء من ترويج كذبة السوق الحرة التنافسية التي تتساوى فيها لدينا فيها نفس الحقوق وتُطبّق نفس القواعد، وفي الواقع تمنح الدّولة امتيازات خاصة لفئة صغيرة ومتقلصة من الشركات والأفراد الأثرياء. وجبت دراسة العلاقة بين الدولة الحديثة والنظام الاقتصادي، وتداخل وتَشابُك المصالح بين السلطة السياسية والقطاعات الإقتصادية والمالية، ولذلك لا يجب اعتبار الثراء الفاحش نتيجة لإفساد رأس المال لدولة محايدة، وليس نتيجة الرشوة، فقد أنشأت الدولة الحديثة النظام الرأسمالي والمُجتمع كما نعرفهما، وتمت هيكلة وإضفاء الطابع المؤسسي على تراكم الثروة في أيدي عدد قليل من خلال سرقة الموارد المشتركة مثل الأرض وتم إنشاء احتكارات مدعومة من الدولة من خلال الإعانات الهائلة والمنح وضمانات القروض والإعفاءات الضريبية، بالتوازي مع قضم حقوق العُمّال ومجمل المواطنين، وتضييق حق الإضراب وخصخصة نظام التقاعد والتعليم والصحة، خصوصًا منذ عقد الثمانينيات من القرن العشرين… يتمثَّل تدخل سلطة الدولة الرأسمالية في المجال الاقتصادي في مساعدة رأس المال الخاص على سرقة الثروة واستخراجها وإعادة توزيعها صعودًا، والسماح للمال بأن ينمو نفسه ( المال يُولّد المال وليس إنتاجا أو سلعة) بدلاً من العمل أو إضافة القيمة الفعلية، فالدولة ورأس المال مندمجين بعمق ومتكاملين ومُتضامنَيْن ولا يمكن اعتبار هذا الأمر انحرافا عن مبادئ السوق الحرة بل هو جوهر الرأسمالية في كل مراحلها التاريخية باستثناء بعض فترات الأزمة. في النظام الاقتصادي الذي نعيشه اليوم، لا يحمل الرأسمالي السلاح بنفسه، لذلك يبدو التبادل الاقتصادي طوعيا، متوافقا مع الأفكار الليبرالية التي انتشرت اليوم على نطاق واسع، والتي أصبحت من المُسَلّمات لدى معظم الباحثين ولدى معظم سكان الأرض، فيما تفرض الدولة الإعتراف بمشروعية الملْكيّة الخاصة وتجريم من يجرؤ على طرح سؤال: من أين لهم هذه الثروات الضخمة؟ ولذلك فإن الدولة ليست محايدة بل هي في مقام رئيس الشركة التي تستغلنا، وتُعيد الدولة واقتصاد السوق تشكيل نفس النظام الاستخراجي وإعادة تدويره باستمرار، وبشكل أكثر خداعا وكفاءة وهدوءا. أصبحت الاتجاهات الاستبدادية سائدة في جميع أنحاء أوروبا، حيث ترتفع نسبة الأصوات وعدد نواب اليمين المتطرف في جميع بلدان الإتحاد الأوروبي وبريطانيا وسويسرا وغيرها، فضلا عن الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، إذ أصبح النظام الرأسمالي لا يتسامح مع أي شكل من المعارضة ويرفض تقديم أي تنازلات - بفعل ضُعْف الطّرّف أو الأطراف المُقابلة - وتسعى الطبقة المهيمنة إلى الحفاظ على امتيازاتها الضخمة، من خلال تقليص أو إلغاء الحريات الديمقراطية، نظرا لضُعْف أو غياب الأطراف المُعارضة والنقابات العُمّالية والمُنَظّمات الأهْلية… قد تدفع هذه المظاهر المتطرفة لرأس المال إلى التفكير الجدي في البدائل وطرق الإنتاج البديلة واتخاذ القرار وتوزيع الثروات وتنظيم الحياة الجماعية، وما إلى ذلك، وما هذه النقاط سوى أمثلة قليلة ودعوة للتفكير في التصميم وطرق النضال من أجل مجتمعات متحررة من منطق الهيمنة الذي يُمَيّز الرأسمالية المعاصرة. بالنسبة لليسار اليوم (2021)، نحن نعيش في ظل النيوليبرالية، ما يعني أننا نعيش في ظل نظام معادٍ لأفكارنا بشكل علني. ما تقوله هو أننا لن ننجح أبدًا إذا تعاملنا مع الأمر على أنه مجرد صراع بين أفكارنا وأفكارهم. كيف لنا إذن أن نجعل أفكارنا، ورؤيتنا للمجتمع، ذات صلة سياسية وقادرة على التأثير؟ رُبّما من خلال دمج هذه الأفكار في كيانات اجتماعية ومنظمات اجتماعية تتمتع بنفوذ حقيقي، أو بعبارة أخرى، علينا أن نسعى دائمًا إلى صقل ومراجعة تحليلنا قدر الإمكان، لكن لا ينبغي لنا أن نقع في خطأ الاعتقاد بأن مجرد لقاء رئيس البلدية أو الحاكم أو ما شابه سيجعلهم يستمعون إلينا. إنهم يدركون ما يفعلون، ولن يستمعوا إلى أفكار اليسار إلا إذا أُجبروا على ذلك، لذا، فإن أولى الأولويات هي بناء النفوذ ( الهيمنة الثقافية، وفق أنطونيو غرامشي)، من خلال بناء وتفعيل منظمات الطبقة العاملة، ومنظمات الأحياء السّكَنية، ولكن من الضّروري تأسيس نوع من التنظيم السياسي أو الحزب القادر على حَشْد الناس. لا بُدّ من استهداف السُّلْطة والعمل على امتلاكها، لتتمكن الأفكار الثورية من الانتشار في أجهزة الدّولة، فضلا عن أوساط العُمّال والفئات الشعبية، كما يمكن للباحثين والأكاديميين والمُثقفين التقدميين مُساعدة سُلطة اليسار على بلورة الوعي الوطني ومكافحة التطرف والفاشية وما شابهها، كما يجب تشجيع المثقفين والإقتصاديين الشيوعيين أو الاشتراكيين في الأوساط الأكاديمية، لأنهم مُضطَهَدُون حاليا وأصبحوا قلة قليلة تدعو إلى بناء نظام قائم على المساواة، واقتصاد يعيد توزيع الثروة بشكل حقيقي، وتم تهميشهم من قبَل من يَدْعُون إلى إلغاء ضوابط الأسعار والإيجارات وما إلى ذلك…
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
احتكار الثروة واللامساواة 1 / 2
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 7/7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 6 /7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 5 /7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 4 /7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 3 /7
-
دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 2 /7
-
من تَبعات العدوان على إيران
-
الولايات المتحدة في الذكرى 250 لإعلان ميلادها
-
الولايات المتحدة وترويج المخدرات
-
أوروبا، ارتفاع الإنفاق العسكري وانخفاض الإنفاق الإجتماعي
-
الدّواء بين الحاجة البشرية وأرباح الشركات
-
تراجع اقتصاد أوروبا في ظل حرب أوكرانيا والخليج
-
السنغال - جرْد جُزْئي لتجربة سُلْطَة تقدّمية
-
صحة - أضرار الأطعمة المُصنّعة أو فائقة المُعالجة
-
فجوة الأجور في الولايات المتحدة
-
الخليج - هروب رؤوس الأموال نحو سويسرا
-
بوليفيا عَيّنّة من محاولات تغيير الأنظمة بالقوة
-
في جبهة الأعداء - حلف شمال الأطلسي
-
مكانة التكنولوجيا في الصراع الصيني الأمريكي - الجزء الثالث و
...
المزيد.....
-
انفجار غامض في موناكو.. مطاردة مشتبه به وتحقيق في محاولة اغت
...
-
ما سر اهتمام الصين بتوسيع ترسانتها النووية؟
-
شكوك وغموض حول عقد محادثات إيرانية أمريكية مباشرة بالدوحة
-
كل يوم 2600 مليونير جديد.. هل أصبح العالم أكثر ثراء؟
-
من أهدى ترامب خاتما مرصعا بـ 321 ماسة وما المناسبة؟
-
فيديو جديد لسارة نتنياهو يثير ضجة في إسرائيل
-
الجفاف يهدد محاصيل الذرة وعباد الشمس في أوكرانيا
-
عائق وحيد يوقف انتصارات ترامب في المحكمة العليا الأمريكية
-
طلبية كبيرة لراينميتال الألمانية من أوكرانيا لتوريد قذائف مد
...
-
وزير الداخلية التركي يزور دمشق للقاء الشرع وبحث تدريب قوى ال
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|