أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - محسين الشهباني - في نقد اختزال المشاركة السياسية والديمقراطية الشكلية البرجوازية















المزيد.....


في نقد اختزال المشاركة السياسية والديمقراطية الشكلية البرجوازية


محسين الشهباني

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 02:57
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


قراءة ماركسية-لينينية مغربية في "أزمة الثقة" وانحرافات خطاب "المرونة التكتيكية"
تمهيد: حين يصير المواطن "ناخباً" لمدة 5 دقائق
يتكرر كل موسم انتخابي نفس الخطاب الممل والممسوخ: "أزمة مشاركة"، "عزوف خطير"، و"واجب وطني: سجل وصوت". دولة كاملة بكل أجهزتها الإعلامية والسلطوية، وأحزاب تدور في فلكها، تجند الملايير لإقناع المواطن بأن قمة الفعل السياسي وجوهر المواطنة هي تلك اللحظة العابرة التي يدخل فيها معزل التصويت.
لكن جوهر المسألة أعمق بكثير؛ إننا أمام أزمة ثقة سياسية بنيوية وهيكلية، يحاول الخطاب الرسمي إخفاءها باختزال مفضوح ومبتذل لمفهوم "السياسة"، "الديمقراطية"، و"المشاركة". فالمواطن، بمنطقهم التبريري، يصبح "سياسياً واعياً" لحظة وضع الورقة في الصندوق، ويفقد وعيه ومواطنته فور إعلانه المقاطعة الواعية. هذا ليس مجرد خطأ في التحليل أو سوء تقدير، بل هو جوهر المشروع البرجوازي للديمقراطية الشكلية التي تسعى لتأبيد السيطرة الطبقية.
هنا بالضبط، كان تشخيص منظمة "إلى الأمام" منذ السبعينات واضحاً، حاداً، ومستشرفاً:
"إن الدولة المغربية دولة طبقية، جهاز قمعي بيد البرجوازية الكبيرة والملاكين العقاريين الكبار والإمبريالية. والديمقراطية البرلمانية القائمة ليست سوى واجهة شكلية تخفي ديكتاتورية هذه الطبقات. المشاركة فيها دون شروط ثورية هي مشاركة في تزويق القمع وإضفاء الشرعية عليه."
فإذا كانت الديمقراطية البرلمانية مجرد "واجهة شكلية" لتغطية الديكتاتورية الطبقية، فإني أتساءل: أي معنى يتبقى لخطاب "المرونة التكتيكية" مع هذه الواجهة؟
أولاً: تفكيك المغالطة - المشاركة السياسية ليست طقساً انتخابياً
1. المشاركة فعل يومي لا طقس موسمي
من منظور الماركسية اللينينية، السياسة هي "تدبير الشأن العام" و"الصراع حول السلطة والثروة". مدخلها الحقيقي والوحيد هو المساهمة الفعلية واليومية للجماهير الشعبية في صياغة ومراقبة السياسات العمومية. إن اختزال السياسة في "الصندوق" هو عملية قيصرية لتحويلها من صراع طبقي حي ومحتدم إلى مسرحية دورية منزوعة الأنياب.
وتؤكد منظمة "إلى الأمام" هذه الرؤية المبدئية:
"معركتنا ليست معركة مقاعد، بل معركة جماهير. لن نبدد طاقاتنا في حملات انتخابية هامشية بينما العمال يذبحون في المعامل والفلاحون يطردون من أراضيهم. قوتنا ليست في عدد الأصوات، بل في عدد المناضلين المنظمين في صفوف الكادحين."
المعركة إذن ليست على المقاعد أو الوجاهة المؤسساتية، بل على تنظيم الجماهير وتوعيتها. وهنا يطرح السؤال نفسه بـالحاح: هل تساهم المشاركة في الانتخابات في رفع "عدد المناضلين المنظمين" أم أنها ستبدد طاقاتهم وتغرقهم في مستنقع الأوهام البرلمانية؟
2. الديمقراطية البرجوازية قناع لتكريس التبعية
الأساس النظري المفترض هو "السياسة الشعبية الكاملة" كما ينص عليها الفصل 2 من الدستور المغربي الممنوح. لكن الممارسة المادية تكشف أن هذه السيادة مسلوبة بنيوياً، وأن هؤلاء "الممثلين" لا يمثلون في حقيقة الأمر إلا مصالح التحالف الطبقي المهيمن (الكمبرادور والبرجوازية الكبيرة وأذيال النظام).
لقد ركزت منظمة "إلى الأمام" على نقد هذه الديمقراطية الشكلية التي تفصل تعسفياً بين "السياسي" و"الاقتصادي"؛ فهي تمنح المواطن ورقة انتخابية معزولة لتخلق لديه وهم التأثير، بينما تبقي مراكز القرار الاقتصادي الفعلي والثروة الوطنية حكراً على القوى الرأسمالية والشركات الاحتكارية واللوبيات العقارية.
ثانياً: تشخيص المرض - أزمة ثقة لا أزمة مشاركة
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في "عزوف الناس عن الانتخابات" كظاهرة معزولة؛ فالإحجام ليس المرض بل هو العَرَض الفاضح. أما المرض الحقيقي، فهو عجز البنية السياسية والمؤسساتية القائمة عن إقناع الجماهير بأن هذه الآلية قادرة على إحداث أي تغيير ملموس في واقعهم المعاش.
المقاطعة الواعية: فعل سياسي ثوري وهجوم مضاد
المقاطعة ليست "لامبالاة"، وليست انسحاباً سلبياً أو غياباً للحس الوطني كما يروج الإعلام الرسمي؛ بل هي موقف سياسي صريح وهجوم مضاد تعبر به الجماهير عن انعدام ثقتها المطلق في اللعبة السياسية وفي البنية الطبقية التي تفرزها. بالأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية نفسها، تقف نسبة الأمية وسط المنتخبين في المجالس الجماعية (البلدية والقروية) عند 15.4%، بينما تنخفض في مجالس العمالات والأقاليم إلى 4%، وتستقر في حدود 1% على مستوى مجالس الجهات. هذا التباين يؤكد بالدليل الإحصائي أن مراكز القرار الترابي المباشر والقريب من الساكنة هي الأكثر تضرراً من تفريغ الكفاءة الواعية، مما يحولها إلى فضاءات للمصادقة الشكلية على قرارات ارتجالية صامتة تخدم اللوبيات.
وتعطي منظمة "إلى الأمام" التعريف الثوري الحاسم للمقاطعة:
"إن مقاطعتنا للانتخابات ليست عزوفاً ولا انسحاباً، بل هي موقف سياسي إيجابي نضالي. نحن نقاطع لنفضح الطابع المزيف لهذه المؤسسات، ولنؤكد للجماهير أن معركتها الحقيقية ليست داخل قبة البرلمان، بل في الشارع وفي المعمل وفي الحقل. المقاطعة عندنا هي تعبئة للجماهير ضد الوهم البرلماني."
المقاطعة إذن تعبئة إيجابية شاملة ضد الأوهام البرلمانية، وليست موقفاً سلبياً. فهل يملك خطاب "المرونة التكتيكية" الحالية القدرة على إنتاج هذا المستوى من الوضوح الفكري والتعبئة الميدانية؟
ثالثاً: قراءة نقدية حادة في انحرافات خطاب "المرونة التكتيكية"
تفاعلاً مع تصريحات الرفيق القيادي بحزب النهج الديمقراطي العمالي، عمر باعزيز، حول أن "المشاركة والمقاطعة هما مجرد تكتيكين يخضعان لتقدير الهيئات التقريرية حسب المرحلة"، لا بد من وقفة نقدية حادة وموسعة من منظور الماركسية اللينينية المغربية، مستحضرين الكلمات الصارمة والواضحة للرفيق عبد العزيز المنبهي في 24 نونبر 2011 حين قال:
"تدخل عصابات اللصوص ونهب مال العمال والكادحين، مصاصي دماء وعرق شعبنا، تجار التهريب والمخدرات والمقاولات المافيوزية، الباعة الرسميون للكذب وتزوير التاريخ وتشويه الديمقراطية ومسخ حق الشعب في تقرير مصيره بنفسه... تدخل هذه العصابات، التي تطلق على نفسها اسم أحزاب سياسية وزعماء مركزيات نقابية، سوق استحقاقات النفايات الملكية، بعجرفة ووقاحة واستفزاز قل نظيرها في تاريخ أسواق المزابل الانتخابية."
هذا التشخيص المادي والطبقي الحاد لا يقبل التأويل: البرلمان يُعرّف بكونه "سوق استحقاقات النفايات"، والأحزاب الإدارية والدائرة في فلك المخزن هي "عصابات اللصوص". فكيف يمكن بعد هذا التشخيص البنيوي أن نتحدث عن "مرونة تكتيكية" أو أن نعتبر "الانتخابات جزءاً من ميزان القوى"؟ أية مرونة تجوز مع "سوق مزابل"؟ وأي ميزان قوى يُرجى من لعبة مفصلة بالكامل على مقاس وبيروقراطية وزارة الداخلية وأجهزة المخزن؟
1. الذاتية والسيولة السياسية بدل التحليل الطبقي الصارم
إن القول بأن "المقاطعة ليست عقيدة تنظيمية ثابتة" هو كلام حق يُراد به باطل؛ فالماركسية اللينينية ترفض الجمود العقائدي الأعمى، لكنها ترفض بنفس الحسم السيولة السياسية والميوعة التكتيكية التي تذوب معها البصرة المبدئية تحت يافطة "المرونة".
حين يتحول الموقف من المقاطعة إلى خيار تكتيكي عائم خاضع لـ "تقدير الهيئات" دون تأطيره بتحليل ملموس لطبيعة الدولة الطبقية، فإننا نسقط مباشرة في البراغماتية الانتهازية. هذه "المرونة" منزوعة المبادئ هي الفخ التاريخي الذي حول أحزاباً يسارية عديدة إلى ملاحق في قطار النظام تحت شعار "الواقعية". وفي هذا السياق، يحذرنا شهيد المنظمة عبد اللطيف زروال:
"إن الدعوة إلى المشاركة في الانتخابات البرجوازية تحت شعار الواقعية و الخطوة خطوة هي دعوة إلى التخلي عن المهمة الثورية. فهذه الواقعية المزعومة لا ترى إلا الواقع كما تريده البرجوازية، ولا تخطو إلا الخطوات التي يسمح بها النظام. إنها واقعية الاستسلام المقنع."
إن "تقدير المرحلة" المجرد اليوم لا يختلف عن منطق "الخطوة خطوة" بالأمس؛ واقعية انتهازية لا ترى إلا ما تسمح به حدود اللعبة الرسمية.
2. منح الشرعية المسبقة لـ "سوق النفايات"
إن الخطر الحقيقي الكامن في خطاب "المرونة" هو تزيين الواجهة ومنح شرعية مسبقة للعملية الانتخابية قبل أن تبدأ. فحين يُشاع أن "الانتخابات جزء من ميزان القوى"، مع الإدراك المسبق بأن ميزان القوى مختل بنيوياً لصالح السلطة والمال، فإن هذا الطرح يشرعن موضوعياً لأذيال النظام ويضع أدواتهم على قدم المساواة مع النضال الجماهيري الحي.
ويسترسل الرفيق المنبهي في فضح هذه المهزلة قائلاً:
"لقد مهدت لهم الملكية القروسطية الديكتاتورية، زعيمة النهب وسرقة أموال وخيرات شعبنا... تعويضاً على خدمتهم الوفية والمخلصة في تمرير دستورها الاستبدادي والفاشي، للانطلاق في عملية التسابق وسيل اللعاب على ما تبقى لديوانها المتعفن والمهترئ من فائض مكاتب وكراسي للمزيد من السطو على ممتلكات الشعب."
الانتخابات هنا ليست أداة لتعديل ميزان القوى، بل هي "تعويض" تمنحه السلطة لمن ساهم في تمرير الدستور، وتكالب على كراسي السطو. فأي تأثير يمكن لمناضل ثوري أن يحققه وسط هذا السباق المحسوم؟
3. تغييب ميزان القوى وخلق البلبلة في صفوف القاعدة
حين يعتبر الرفيق عمر باعزيز أن "المعيار هو مساهمة الموقف في توسيع المجال الديمقراطي"، يبرز سؤال حاد: بأي ميزان قوى؟ وبأية قوة جماهيرية منظمة؟
في ظل غياب تنظيم جماهيري صلب ومستقل للطبقة العاملة والكادحين، وفي ظل سيطرة الباطرونا وسلطة المال، فإن الحديث عن "المرونة" ليس سوى تهيئة نفسية وفكرية مبطنة للقاعدة التأسيسية لقبول فكرة المشاركة مستقبلاً. هذا الخطاب لا ينتج سوى البلبلة، التذبذب، والتراجع، بدلاً من تكريس الوضوح الثوري.
ويحسم المنبهي هذا النقاش بوضوح مادي:
"إن جماهير شعبنا العاملة والكادحة عازمة ومصرة على مناهضة وإفشال انتخاب رموز الاستبداد والاقطاع والملاكين الكبار والبرجوازيين الشرهين... إنها عازمة ومصرة على التصدي للهجومات القادمة للتحالف الملكي الكومبرادوري – البرجوازي المتآكل وقادرة على احباطها وتكسيرها على طريق الثورة الديمقراطية الشعبية."
الجماهير واعية وعازمة على إفشال هذه الأدوات، فكيف نأتي بخطاب "مرن" يصطدم مباشرة مع الإرادة العفوية الواعية للجماهير المقاطعة؟
4. اختزال السياسة في "فن التأثير" بدل "فن تغيير ميزان القوى"
القول بأن "السياسة هي فن التأثير في الواقع" هو طرح عام، فضفاض، ومضلل. السؤال الماركسي الحاسم هو: التأثير لصالح من؟ وتغيير أي واقع؟
إذا كان "التأثير" يعني حصد مقعد أو مقعدين في برلمان منزوع الصلاحيات، فهذا ليس تأثيراً بل هو استيعاب واحتواء لباقة النضال. التأثير الحقيقي والنوعي هو تغيير ميزان القوى لصالح الكادحين في معاقلهم، وهذا لا يتأتى عبر مداهنة آليات النظام، بل عبر تعميق القطيعة التامة معه وتنظيم الفعل الجماهيري في الشارع والمصنع والحقل.
ويحدد الرفيق المنبهي طبيعة المهمة بوضوح:
"إن مهمتنا وواجبنا ومسؤوليتنا، كماركسيين لينيين، اليوم وأكثر من أي وقت مضى... هي الفضح الواسع والتصدي الحازم والمقاومة الصلبة والعتيدة لمشروع تجديد تحالف عصابات الملكية المطلقة المتعفنة ومافيات الاحزاب البرجوازية المتوسطة والكبرى المتفسخة."
المهمة هي الفضح والتصدي والمقاومة، لا البحث عن مبررات "المرونة والمشاركة". الهدف هو تفكيك التحالف الطبقي المهيمن، وليس الدخول في أسواق ذات استعمال واحد.
5. خطر "التبرير اللاحق" وتفكيك وحدة الخط السياسي
إن أخطر ما ينطوي عليه طرح "المرونة التكتيكية" هو تمهيد الأرضية الفكرية والنفسية لـ "التبرير اللاحق". اليوم يقال "المقاطعة ليست عقيدة ثابتة"، وغداً يقال "المرحلة تقتضي تقديم تنازلات ودخول المعركة من الداخل"، وبعد غد يتم تبرير التواجد بالمؤسسات بـ "الحفاظ على الذات والتنظيم من الاندثار". هذا هو المسار التراجعي ذاته الذي سلكته تنظيمات يسارية عديدة انتهت بالاندماج الكلي في بنية النظام القائم والتفريط في دماء الشهداء.
ويختم المنبهي بتحذير صارم من هذا الانزلاق:
"إنها مهمة ومسؤولية واجب أشق وأصعب وأطول مما يتصوره البرجوازيون الصغار المتذبذبون والانتهازيون الذين يسعون لاختصار مشاق وصعوبات وتعقيدات الثورة... واختزالها في ممارسات سياسية ونضالية انتهازية ومتناقضة... تسعى لمهادنة العدو وعدم مواجهته الحازمة ومن تم كبح جماح الطبقات الثورية."
إن المرونة بلا بوصلة وبلا مبادئ توجهها هي عين الانتهازية ومهادنة العدو الطبقي، وهو ما حذرت منه أدبياتنا دائماً.
رابعاً: مهام اللحظة - وضوح الموقف لا مرونته
من منظور منظمة "إلى الأمام"، المعركة لم تكن يوماً معركة تقنية حول الصندوق؛ المعركة هي وضوح الموقف المبدئي وبناء الأدوات الذاتية. وتتحدد مهام المرحلة الحالية في النقاط التالية:
1. الفضح الواسع للطابع الطبقي للديمقراطية الشكلية
يجب فضح آليات تفصيل القوانين الانتخابية على مقاس المال والسلطة، وتعريتها أمام القاعدة الجماهيرية بلا مواربة أو "مرونة" مضللة. يتطلب ذلك كشف دور الأجهزة في هندسة الخرائط السياسية، وظاهرة شراء الذمم، وتبيان عجز البرلمان البنيوي عن ممارسة دور رقابي حقيقي؛ إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن حوالي 67% من المنتخبين الجماعيين لم يستفيدوا قط من أي دورات تكوينية أو تأهيلية تتيح لهم استيعاب القوانين المنظمة وتدبير الشأن الترابي، مما يجعلهم لقمة سائغة أمام تكنوقراط الإدارة وتمرير الصفقات الريعية. إن أي حديث عن "المشاركة" دون هذا الفضح الواسع للبنية الهيكلية هو تزيين رخيص لواجهة القمع والفساد.
2. النضال من أجل ديمقراطية شعبية تربط الحقوق السياسية بالاجتماعية
الديمقراطية البرجوازية تفصل بشكل ميكانيكي ومقصود بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي؛ تمنحك ورقة التصويت لتسلبك في الآن ذاته الخبز، التعليم، الكرامة، والحق في الصحة. ديمقراطيتنا الشعبية تقوم على الارتباط الجدلي ووحدة الحقوق: لا سيادة شعبية بدون شغل قار، ولا حرية تعبير بدون سكن لائق، ولا مؤسسات حقيقية بدون مجانية كاملة للتعليم والصحة.
هنا يكمن الجوهر الثوري للمقاطعة؛ فهي ليست رفضاً للعمل السياسي، بل هي رفض قاطع للسياسة المبتورة والمشوهة. نحن نقاطع "صندوق" البرجوازية لنبني "صندوق" الجماهير: صندوق المطالب الميدانية والبديل الشعبي المستقل. وكما صاغها المنبهي ببراعة:
"قوة الثورة ليست في عدد الأصوات التي تحصل عليها في الصندوق، بل في عدد العمال الذين توقفوا عن العمل، وفي عدد الفلاحين الذين احتلوا أراضيهم."
3. تأطير الجماهير على أن فعلهم السياسي هو نضالهم اليومي
هذه هي المهمة المركزية الملحة لتنظيمنا ومناضلينا؛ يتوجب علينا انتشال الجماهير الشعبية من وهم "الخمس دقائق كل خمس سنوات". الفعل السياسي الحقيقي والمنتج لموازين القوى هو:
• إضرابات العمال الأشاوس في المصانع ضد الطرد والتشريد وضد حماية الباطرونا.
• اعتصامات المعطلين ومواجهتهم الميدانية لفرض حقهم في الشغل.
• احتجاجات الفلاحين الفقراء ضد سياسات الاستحواذ العقاري والتوجهات الفلاحية التصديرية الريعية (كالمخطط الأخضر وغيره) التي تخدم كبار الملاكين وتفقر الفلاح الصغير.
• نضالات الحركة الطلابية داخل الجامعة من أجل مجانية التعليم، السكن، والمنحة.
• نضالات النساء الكادحات ضد العنف الطبقي والقوانين التمييزية.
كل هذه الجبهات المشتعلة هي "الانتخابات الحقيقية" والمعارك الفعلية التي تحدد مصير ومستقبل الناس. مهمتنا الأساسية هي تأطيرها، ربطها بنيوياً ببعضها البعض، وتحويلها من احتجاجات فئوية متفرقة إلى حركة جماهيرية شعبية موحدة ضد التحالف الطبقي المهيمن. وهنا يكمن ردنا على منطق "تقدير الهيئات": التقدير الحقيقي لميزان القوى يصاغ في الشارع والمصنع والحقل، وليس داخل المكاتب المغلقة والغرف المكيفة.
4. تحويل المقاطعة من موقف سلبي إلى مشروع سياسي وبناء أدوات السلطة الشعبية البديلة
الوضوح هو سلاحنا الأقوى ضد البلبلة والتذبذب. والموقف المبدئي اللينيني يقتضي عدم منح أي شرعية لنظام لا ديمقراطي يقوم على دستور ممنوح وقوانين مجزوءة وبرلمان بلا سيادة. المقاطعة اليوم ليست نكوصاً أو انسحاباً، بل هي هجوم مضاد على شرعية النظام وعصاباته السياسية. ولكي نخرج بالمقاطعة من طابعها العفوي أو السلبي، وجب تفعيل ثلاثة شروط تنظيمية صارمة:
• التعبئة الإيجابية: النزول إلى الميدان لشرح خلفيات المقاطعة وأبعادها؛ نحن لا نقاطع لمجرد الرفض، بل نقاطع لأننا بصدد بناء البديل الشعبي المستقل.
• التنظيم الميداني الخلوي: تأسيس لجان المقاطعة في الأحياء الشعبية، المعامل، والجامعات، تتشكل كل منها من نواة صلبة (بين 3 إلى 5 مناضلين) تتولى مهمة النقاش اليومي، توزيع المناشير والفضح السياسي، وتأطير المقاطعين الواعين؛ فالمقاطعة المنظمة تختلف جذرياً عن العزوف الفردي العفوي.
• ربط المقاطعة بالملف المطلبي المعاش: عدم الاكتفاء بالشعارات السياسية العامة عند مخاطبة العامل أو الفلاح، بل ربط الموقف بواقعه مباشرة؛ نوضح له أن هذا البرلمان الذي يُدعى للتصويت لصالحه هو ذاته المؤسسة التي تشرعن قوانين التقاعد التراجعية، وتصادق على تحرير الأسعار، وتمرير العمل بالعقدة وضرب المكتسبات النقابية.
• بناء أدوات السلطة الشعبية البديلة كـرد عملي على وهم المرونة: من خلال تأسيس لجان الأحياء الشعبية للدفاع عن الحق في السكن، النقل، والماء وضد الغلاء؛ وتطوير تنظيمات عمالية ونقابية قاعدية مستقلة تفلت من بيروقراطية القيادات المتواطئة؛ ودعم التعاونيات الفلاحية الشعبية لمواجهة الفلاحة التصديرية الكبيرة؛ وخلق إعلام بديل مستقل (عبر المجموعات الرقمية، الجرائد والمواقع الشعبية) لكسر احتكار وتضليل الإعلام المخزني. هذه الأدوات الميدانية هي "البرلمان الشعبي" الحقيقي القادر على تعديل موازين القوى وفرض شروط الجماهير.
إن هدفنا الإستراتيجي يظل متطابقاً مع ما حدده الرفيق المنبهي:
"واجبنا... هو المساهمة الفعالة بجانبها لبلورة وتأسيس حزبها الثوري المستقل، الضامن لوحدتها الطبقية والمدافع الصلب عن برنامجها في تخليص المجتمع المغربي من الاستغلال والاضطهاد."
فالمهمة التاريخية والملحة هي بناء الحزب الثوري المستقل وأدوات السلطة الشعبية البديلة، وليست المداهنة أو "المرونة" مع برلمان النفايات.
خامساً: محددات تنظيمية وأمنية لتحصين الخط السياسي
لضمان تنزيل هذه المهام وتحصين وحدة الصف المبدئي دون السقوط في مستنقع التناقضات والبلبلة، يلتزم التنظيم بالمحددات التالية:
• النقد الذاتي والنقاش الرفاقي بلا تخوين: الحفاظ على وحدة الصف المبدئي يتطلب فتح نقاشات صريحة وحادة على أرضية النصوص المرجعية ووثائق المنظمة وكتابات الرفيق المنبهي، ومقياس ميزان القوى الموضوعي. النقد الموجه لخطاب "المرونة" ليس تخويناً للأشخاص، بل هو حرص إيديولوجي على الخط السياسي ومحاربة لانحرافات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة التي تسعى لمهادنة العدو خوفاً من مشاق ومصاعب النضال الطويل. وفي المقابل، السكوت عن الانحراف والتذبذب هو الخيانة الحقيقية لخط الشهداء.
• التمييز الصارم بين التكتيك والمبدأ: المبدأ الراسخ والنهائي هو مقاطعة الدولة المخزنية اللاديمقراطية ومؤسساتها الصورية. أما التكتيك، فهو يتعلق بأشكال وأساليب التعبئة، وأدوات التواصل وآليات تفعيل المقاطعة ميدانياً. من يسعى لطرح خيار "المشاركة" تحت غطاء التكتيك، عليه أولاً تقديم تحليل مادي ملموس يثبت تغير الطبيعة الطبقية للدولة وبنيتها ودستورها الممنوح، وليس الاختباء وراء تعبيرات مجردة وعائمة مثل "تقدير المرحلة".
• الانضباط التنظيمي الحديدي بعد القرار الجماعي: بمجرد حسم الهيئات التقريرية والتنظيمية في موقف المقاطعة، يصبح الانضباط والتنفيذ ملزماً للجميع بلا استثناء. من يملك رأياً مغايراً أو "مرناً"، عليه احترام ديمقراطية التنظيم والالتزام بالقرار ميدانياً، مع الاحتفاظ بحقه في الدفاع عن وجهة نظره في المحطات التنظيمية والمؤتمرات المقبلة، ويُمنع منعاً كلياً ضرب أو تشويه الخط السياسي والتشويش على اللجان في الميدان.
• السرية في التنظيم، والعلنية في الخطاب السياسي: يجب أن تخضع هندسة وهيكلة اللجان الميدانية والأحياء والمصانع لـقواعد السرية التامة والعمل الخلوي المنعزل لحماية المناضلين من الضربات الأمنية، في حين يظل الخط السياسي، والبيانات، وفضح الديمقراطية الشكلية، والدعوة لبناء البديل الشعبي، خطاباً علنياً، واضحاً، وموجهاً للعموم بكل شجاعة ووضوح؛ فالسرية للتنظيم والعلنية للموقف، وليس العكس.
• الحذر من الاستفزازات الأمنية والتصدي للقمع بالسلمية المنظمة: ستسعى الأجهزة القمعية والبوليسية بكافة الوسائل إلى جر اللجان والمناضلين نحو مربعات العنف العفوي غير المحسوب لتبرير الاعتقالات وتشويه جوهر المقاطعة الواعية أمام الرأي العام. ردنا التنظيمي الصارم يجب أن يرتكز على السلمية المنظمة، قوة الشعارات الفكرية والسياسية، والتوثيق الرقمي والتصويري الحي لأي شطط أو تدخل قمعي لفضح كذبة "الانتقال الديمقراطي".
• تحويل الاعتقال إلى جبهة هجوم مضاد والتضامن الرفاقي: أي مساس أو اعتقال يطال مناضلاً في سياق معركة المقاطعة وفضح التزييف، يجب أن تحوله أدوات التنظيم فوراً إلى معركة سياسية وإعلامية وحقوقية مفتوحة؛ عبر إطلاق حملات المطالبة بالسراح، تنظيم الندوات الشعبية، وتوفير الدعم المادي والمعنوي والعائلي لعائلات المعتقلين. فالمعتقل السياسي خلف القضبان هو الشاهد الأكبر والدليل الحي الملموس على زيف الديمقراطية الشكلية البرجوازية.
إن المعركة ليست معركة يوم واحد يُقاد فيه الناس للتصويت؛ المعركة الحقيقية هي معركة خمس سنوات من التنظيم الدؤوب واليومي والتثقيف السياسي بين كل استحقاق مغشوش وآخر. المهمة شاقة، طويلة، ومعقدة، لكن الشهداء والأشاوس لم يقدموا أرواحهم لكي نختار الطرق السهلة أو نبحث عن "مرونة" تبريرية مريحة؛ ماتوا لكي نكمل الطريق وندق جدران الخزان.
مازلنا على طريقك يا عبد العزيز المنبهي وطريق كافة الشهداء الشعب المغربي..
عليك أمان يا عبد اللطيف زروال.ويا سعيدة المنبهي وجبيهة رحال وكل شهداء منظمة الى الامام .
المجد والخلوذ لكفافة شهداء الشعب المغربي وعلى راسهم شهداء الحركات المناضلة
حركة المعطلين ... 20 فبراير ...جنراسيون زاد ..اتحاد الوطني لطلبة المغرب ..



#محسين_الشهباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اقنعة الاصلاحية وبؤس الذات المناضلة واشكاليات توحيد اليسار ا ...
- المادية التاريخية الثورية في مواجهة ميتافيزيقا اللاهوت: قراء ...
- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ...
- اقتصاد الريع الجمعوي-السياسي وحثالة البروليتاريا
- دروس نصف قرن من النضال منظمة إلى الأمام و حركة 20 فبراير وجي ...
- حول طبيعة طقس الأضحية في المغرب
- تمظهرات الصراع الطبقي بالمغرب
- الدعم العمومي للصحافة بالمغرب بين الولاءات وتكريس هيمنة الدو ...
- حين تتحول الاحزاب التي تدعي -الثورية- إلى عكاز للرجعية
- من المدرجات: رمز المقاومة الشعبية ضد الحماية... إلى صناعة ال ...
- الصمت الطبقي بالمغرب بين التراكم البدائي و القمع الناعم
- القوى الظلامية والصراع الطبقي في المغرب
- حول فاتح ماي 2026
- جدل تصوير دورة مجلس البلدي بأزمور من طرف الباشا يكشف صراع ال ...
- حول اعتقال محمد السانتوس وبعيدا عن لغة الخشب
- الامبريالية بالدارجة
- حتى انا شيوعية
- كل سنة وانتم على العهد باقون ولطريق الشهداء سائرون.
- رسالتي ...اليك
- حزب النهج الديمقراطي وارتمائه في مستنقع الإصلاحية


المزيد.....




- أمريكا اللاتينية تجنح نحو اليمين المتطرف، ما دور ترامب؟
- كوبا تعلن عن تغييرات اقتصادية تُخالف الدستور وتُجيز الرأسمال ...
- مراسيم إحياء ذكرى الرفيقة العزيزة ينار محمد في السليمانية!
- جدل سياسي في بريطانيا بشأن خلافة ستارمر داخل حزب العمال
- Against Algorithms of Exploitation: Toward an Artificial Int ...
- التعليم العمومي في طليعة النضالات النقابية: إضراب تاريخي في ...
- كتاب : عندما كان لسان يسمى فرناندو (حلقة 13) حياة مناضل أممي ...
- الحق النقابي في المغرب في عهد الحماية (1912-1956)[2]
- الأرجنتين، «اليسار أمام تحدٍ كبيرII». بعض الأفكار حول المهام ...
- كلاوديو كاتز: «ينبغي على اليسار الأرجنتيني العمل على الوصول ...


المزيد.....

- إشكاليات القوى الثورية(2من2) / عبد الرحمان النوضة
- مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة / عبد الرحمان النوضة
- الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ ... / محمد الحنفي
- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - محسين الشهباني - في نقد اختزال المشاركة السياسية والديمقراطية الشكلية البرجوازية