|
|
هل يمكن القضاء على الفساد في العراق؟
احمد موكرياني
الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 14:47
المحور:
الفساد الإداري والمالي
تشير تقديرات وتقارير محلية ودولية مختلفة إلى أن حجم الأموال المهدورة أو المنهوبة في العراق منذ عام 2003 قد يصل إلى مئات المليارات من الدولارات، رغم صعوبة تحديد الرقم الحقيقي بدقة بسبب تعدد مصادر الفساد وتشعبها. ومن أبرز التقديرات المتداولة: • تُقدَّر الإيرادات النفطية التي حققها العراق منذ عام 2003 بأكثر من 1.2 تريليون دولار. • تُقدَّر السرقات المباشرة والرشاوى بما بين 150 و320 مليار دولار. • ويُقدَّر حجم الهدر والفساد في العقود والمشاريع بأكثر من 400 مليار دولار. • وتشير التقديرات إلى أن الكلفة السنوية للرئاسات الثلاث ومجلس النواب والوزارات والمحافظات والمستشارين والحمايات والمواكب تتراوح بين 1.5 و2.6 مليار دولار، وهذا الفساد الرسمي بشرعية القانون العراقي بعد 2003، وهي الإدارات التي تدير عملية الفساد في العراق. • أما الكلفة التراكمية لهذه الإدارات من 2005 الى 2026 فتقدر: o رئاسة الجمهورية: 1 ترليون دينار o رئاسة الوزراء: 35 ترليون دينار o مجلس النواب: 12 ترليون دينار o الوزراء والدرجات الخاصة: 25 ترليون دينار o المحافظون والإدارات المحلية: 15 ترليون دينار o المستشارون والهيئات المستقلة: 12 ترليون دينار o الحمايات والمواكب: 60 ترليون دينار o السيارات والوقود والصيانة: 20 ترليون دينار o المجموع التقريبي: 180 تريليون دينار o أي ما يعادل تقريباً: 135–150 مليار دولار أمريكي حسب متوسط أسعار الصرف خلال هذه الفترة. • ويُعدّ مزاد العملة وتهريب الدولار من أخطر ملفات الفساد وغسل الأموال في العراق، ولا يمكن تحديد حجم الأموال المتداولة فيه بدقة بسبب تشعب الشبكات والجهات المستفيدة منه، كما أن جميع القائمين عليه يتحملون المسؤولية عن نتائجه وآثاره. o ولو كُشفت أسماء المشاركين والمستفيدين الحقيقيين من مزاد العملة، لتبيّن جانب كبير من منظومة الفساد المالي في العراق بعد 2003. كما تشير تقارير وشهادات عديدة إلى وجود ما يُعرف بـ”المكاتب الاقتصادية” أو “اللجان الاقتصادية” المرتبطة بأحزاب وقوى سياسية وفصائل مسلحة نافذة، والتي تتدخل في العقود الحكومية والمشاريع والاستثمارات والتعيينات وإدارة بعض المنافذ الحدودية، وتشمل أنشطتها قطاعات متعددة، من بينها: • وزارات النفط، والكهرباء، والنقل، والتجارة. • المنافذ الحدودية والكمارك. • هيئات الاستثمار. • مشاريع الإعمار في المحافظات. • العقود الحكومية الكبرى، خصوصاً في المحافظات الغنية بالنفط.
فهل يمكن القضاء على الفساد في العراق؟ يمكن للعراق أن يحدّ من جانب كبير من الفساد، أو على الأقل أن يخفضه إلى مستويات متدنية جداً، إلا أن القضاء عليه بصورة كاملة يكاد يكون أمراً غير واقعي، إذ لا توجد دولة في العالم نجحت في القضاء على الفساد بنسبة 100%. وتكمن المشكلة في العراق ليس في نقص القوانين، بل في ضعف تطبيقها، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية، وضعف المؤسسات الرقابية، واستمرار تأثير المحاصصة الحزبية والطائفية على مفاصل الدولة. كما أن مكافحة الفساد لا تتطلب إصلاحاً قانونياً فقط، بل تحتاج أيضاً إلى إصلاح ثقافي ومجتمعي يعزز قيم المواطنة والنزاهة والمساءلة، وينقل المجتمع من الولاءات الضيقة إلى مفهوم الدولة والمؤسسات. عشرة إجراءات أساسية لمكافحة الفساد: 1. ضمان استقلال القضاء بالكامل: لا يمكن محاسبة أي وزير، أو نائب، أو محافظ، أو مسؤول متهم بالفساد إذا كان القاضي يتعرض لضغوط سياسية أو حزبية أو مالية. ويتطلب ذلك: • حماية القضاة من التدخلات السياسية. • تعزيز استقلال السلطة القضائية. • تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. 2. إنهاء نظام المحاصصة: لقد أسهم نظام المحاصصة الطائفية والحزبية الذي نشأ بعد عام 2003 في خلق بيئة مواتية لتقاسم المناصب والعقود بين الأحزاب، بدلاً من اعتماد الكفاءة والنزاهة معياراً للتعيين. ولذلك فإن بناء دولة المؤسسات يتطلب: • اعتماد مبدأ المواطنة. • اختيار المسؤولين وفق الكفاءة والخبرة. • تحييد الوظيفة العامة عن الصراعات الحزبية. 3. التحول إلى الحكومة الإلكترونية: كلما قلّ الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، انخفضت فرص الرشوة والابتزاز الإداري. ويشمل ذلك: • الجوازات. • الضرائب. • الجمارك. • الرواتب. • العقود الحكومية. • السجلات العقارية. 4. إعلان الذمة المالية: • إلزام جميع المسؤولين بما فيهم رئيس الوزراء والوزراء وقيادات الأحزاب والفصائل المسلحة وأفراد أسرهم بالإفصاح عن ممتلكاتهم وثرواتهم داخل العراق وخارجه، ومقارنتها بمصادر دخلهم المشروعة. o ومن لم يكشف عن ممتلكاته وثرواته فهو فاسد أمام القانون والشعب العراقي. • إذا طُبِّقت المادة (42) من قانون انتخابات مجلس النواب العراقي رقم (9) لسنة 2020 على المرشحين الذين أصبحوا نواباً في مجلس النواب الحالي، ولا سيما فيما يتعلق بـ: 1. توزيع الأموال النقدية. 2. توزيع الهدايا والأجهزة الكهربائية. 3. توزيع السلال الغذائية. 4. دفع مبالغ مالية مقابل البطاقات الانتخابية أو الأصوات. 5. الوعد بالتعيينات أو العقود مقابل التصويت. فإن عدداً كبيراً من النواب الحاليين قد يواجهون عقوبات تصل إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات. وقد شهدت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تداول صور ومقاطع فيديو توثق قيام بعض المرشحين بتوزيع أموال أو هدايا أو استغلال المال العام أثناء الحملات الانتخابية، فإن الادعاء العام العراقي يمتلك الأساس القانوني لمتابعة هذه القضايا وطلب التحقيق فيها أمام الجهات القضائية المختصة، إلا أن الرأي العام لا يلحظ إجراءات تتناسب مع حجم الاتهامات المتداولة. o وعليه، يبرز تساؤل مشروع حول مدى فاعلية هيئة الادعاء العام العراقي في أداء دورها الرقابي والقانوني، ولا سيما أنها تُموَّل من الموازنة العامة للدولة بتكاليف سنوية تُقدَّر بعشرات المليارات من الدنانير. 5. حماية المبلغين عن الفساد، يعرف كثير من الموظفين تفاصيل ملفات فساد كبيرة، إلا أنهم يخشون الانتقام الوظيفي أو الأمني، لذلك يجب: • توفير الحماية القانونية للمبلغين. • ضمان سرية المعلومات. • مكافأة من يسهم في كشف قضايا الفساد الكبرى. 6. الشفافية الكاملة في العقود الحكومية: يجب نشر جميع العقود الحكومية إلكترونياً، بما يشمل: • قيمة العقد. • اسم الشركة المنفذة. • مدة التنفيذ. • الدفعات المالية. • نسب الإنجاز. فالشفافية هي الخط الدفاعي الأول ضد الفساد. 7. إصلاح المنافذ الحدودية والكمارك: تُعد المنافذ الحدودية من أكثر القطاعات عرضة للرشوة والهدر المالي. ويتطلب الإصلاح: • الأتمتة الكاملة للإجراءات. • تقليل التدخل البشري. • توحيد الرسوم الجمركية. • تعزيز الرقابة الإلكترونية. 8. مراجعة الامتيازات الخاصة للمسؤولين: ينبغي إعادة النظر في الرواتب والامتيازات الممنوحة للمسؤولين بما يحقق التوازن بين متطلبات العمل ومتطلبات العدالة الاجتماعية، ويشمل ذلك: • مراجعة الرواتب والمخصصات العليا. • إلغاء الحمايات والمواكب، من يخاف على نفسه في خدمة الشعب، فالأجدر به أن يجلس في بيته آمناً، لا أن يتولى مسؤولية عامة من أجل الرواتب والمخصصات والحمايات. • تحديد استخدام السيارات الحكومية للأغراض الرسمية فقط. • تقليص النفقات غير الضرورية. • تقليص الرواتب والمخصصات للرئاسات الثلاث ومجلس النواب والوزارات والمحافظات والمستشارين والحمايات والمواكب التي تتراوح بين 2 و 3.4 تريليون دينار سنوياً، أي ما يعادل تقريباً بين 1.5 و2.6 مليار دولار. o ومن المشروع التساؤل: ماذا استفاد الشعب العراقي من استثمار المبالغ أعلاه على الإدارات الحكومية العراقية لدولة؟ o فلو خُصصت جزء صغير من هذه المبالغ للتعاقد مع شركات إدارية وتجارية عالمية رصينة لإدارة المؤسسات الحكومية، كما فعلت الأمارات العربية المتحدة، لكان العراق اليوم في مصاف الدول الأوروبية من حيث الإدارة والكفاءة وجودة الخدمات العامة. 9. استرداد الأموال المهربة - يتطلب ذلك: • تشكيل فرق قانونية دولية متخصصة. • التعاون مع الحكومات الأجنبية. • الاستفادة من الاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة الفساد وغسل الأموال. 10. إصلاح التعليم والإعلام: لا يكفي اعتقال الفاسدين، بل يجب بناء ثقافة وطنية تعتبر الرشوة والواسطة والاعتداء على المال العام جريمة وسلوكاً مرفوضاً اجتماعياً وقانونياً، ويبدأ ذلك بتبني: • ثورة ثقافية حقيقية تُحرر الشعب العراقي من العيش في الماضي والانشغال بالروايات المتناقضة حول أحداث مضى عليها أكثر من 1400 عام، والتي ما زال بعض المتاجرين بالدين يستثمرونها لتحقيق مصالحهم المادية، فهم عاجزون في أن يمارسوا مهنة أخرى لكسب رزقهم. o وتوجه المجتمع نحو التعايش مع الحاضر عصر الذكاء الاصطناعي واكتشاف الفضاء وصناعة مستقبل أفضل للأجيال القادمة. o لا يمكن لأحدٍ أن يُغيِّر الماضي، لكن يمكننا أن نستخلص منه العِبَر والدروس لبناء غدٍ أفضل. • اصلاح المؤسسات الدينية وتنقيتها من المتاجرين بالدين. • اصلاح ومراقبة منظمات المجتمع المدني.
كلمة أخيرة: • يجب أن يدرك كل من ينهب المال العام أو الخاص، مهما علا منصبه أو تعاظم نفوذه أو اختلف انتماؤه السياسي، أنه وإن تمتع بما نهبه من أموال في الدنيا إلى حين، فإن وصمة العار ستظل تلاحقه في الدنيا وحتى يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، الذي "إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى"(سورة الأعلى، الآية:(7))، ولا يشفع لهم قريب ولا صديق حميم "فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ"(الشعراء، الآيتان:( 100-101)). • لقد أثبتت التجارب التاريخية أن النفوذ السياسي أو الأمني لا يمنح حصانة دائمة، وأن شخصيات وطغاة بدت في مراحل معينة فوق المساءلة انتهت إلى السقوط والمحاسبة عندما تغيرت موازين القوى. • كما أن إعادة الأموال والعقارات المستولى عليها إلى الدولة وأصحابها طوعاً تبقى أفضل من مواجهة محاكمات علنية وما يرافقها من تبعات قانونية وأخلاقية وتاريخية. • فالتاريخ قد ينسى بعض تفاصيل الحكم، لكنه لا ينسى أثر الفساد وأسماء الفاسدين على الشعوب والدول.
#احمد_موكرياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سحب الجنسية من الكويتيين هو ظلم، يذكرني بتهجير الكرد الفيليي
...
-
اُسْتُعِينَ بسارق الطحين ليبحث عن سارق الطحين؟
-
تأملات في دروب الحياة: صفحاتٌ من تجربةٍ إنسانية
-
هل تتمكن الحركة الصهيونية أن تحافظ على الدولة اليهودية على أ
...
-
إلى دولة رئيس الوزراء علي الزيدي: خارطة طريق لإنقاذ العراق و
...
-
إلى دولة رئيس الوزراء علي الزيدي: خارطة طريق لإنقاذ العراق و
...
-
تكلفة النظام الحكم الحالي في العراق منذ 2003 ورواتب المعلمين
...
-
إن تجّار الأسلحة ومطوريها ومصنّعيها يساهمون في إشعال الحروب
...
-
التمييز القومي والديني والطائفي هو السبب الرئيسي في تخلف وعد
...
-
متى تنتهي تجارة الحروب وهل قضت حرب ترامب ونتن ياهو عل إيران
...
-
كيف يمكن للشعب العراقي استعادة الحكم دون ارتباط سياسي مع إير
...
-
هل كان تفكيك العالم الإسلامي هدفًا استراتيجيًا للاستعمار الب
...
-
هل كان تفكيك العالم الإسلامي هدفًا استراتيجيًا للاستعمار الب
...
-
تقييم اللياقة العقلية للرئيس ترامب
-
الحكم العائلي في الحكم وفي قيادة الأحزاب
-
من الطرف المنتصر في حرب ترامب وحكومة نتن ياهو ضد إيران؟
-
من يحمل السلاح هو قاتل مع سبق الإصرار
-
هل ممكن استمرار الحكومة الصهيونية في فلسطين؟
-
هل كانت حرب ترامب وحكومة نتن ياهو على إيران مبرَّرة؟
-
إنّ حلم ترامب بالسيطرة على مضيق هرمز هو حلم بعيد المنال.
المزيد.....
-
انفجار في أحد مصانع رأس لفان جراء -حادث تشغيلي-.. و-قطر للطا
...
-
الكرملين: قواتنا تواصل التقدم في الميدان
-
المنتخب السعودي يخسر أمام إسبانيا 4-0
-
طائرة إنذار مبكر تابعة للناتو تحلق فوق إستونيا
-
لافروف: الولايات المتحدة خضعت لضغوط أوروبا بشأن أوكرانيا
-
نتنياهو: أحبطنا خطة إيران النووية لـ-إبادتنا- وغيرنا العقيدة
...
-
على متن مركب شراعي.. فريق روسي يصل مصر بعد مغامرة بحرية عبر
...
-
نائب رئيس البرلمان السلوفاكي يدعو فيتسو إلى عدم مصافحة زيلين
...
-
وزير الدفاع البيلاروسي: لا نسعى للانخراط في النزاع الأوكراني
...
-
قراءة عبرية لتحليلات تركية مثيرة: نهاية عصر الهيمنة الإسرائي
...
المزيد.....
-
The Political Economy of Corruption in Iran
/ مجدى عبد الهادى
المزيد.....
|