|
|
ألكسندر دوغين - كيف إنتصرت إيران في الحرب (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 15:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
19 حزيران يونيو 2026
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
في مقابلة إذاعية يشرح ألكسندر دوغين كيف خرجت إيران منتصرة في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة، ولماذا يخلق هذا التحول الدراماتيكي فرصة فريدة لروسيا لشن هجوم حاسم والفوز في نهاية المطاف في أوكرانيا.
1) الجزء الأول روسيا يجب أن تحزم أمرها: روسيا تحتاج للنصر فقط
سؤال - في الجزء الأول من البرنامج، أود أن أطرح للنقاش ما يُوصف اليوم بـ"الضربات الإنتقامية" التي إستهدفت أهدافاً عسكرية في كييف. فقد نشرت وزارة الدفاع قائمة بالأهداف التي تم تدميرها، كما تتوافر – وكما أصبح يحدث كثيراً في الآونة الأخيرة – أعداد كبيرة من الصور ومقاطع الفيديو التي توثق هذه الضربات: ماذا أستُهدف؟ وأين؟ وكيف؟ وما هي النتائج؟ كذلك بدأت ردود الفعل الدولية بالظهور. ما الذي ينبغي التركيز عليه في هذه المرحلة؟ وما هي أبرز الدلالات التي يمكن إستخلاصها؟ وهل تمثل هذه الضربات بالفعل ما يتحدث عنه كثيرون ويطالبون به ويتطلعون إليه منذ فترة طويلة؟ وكيف ينبغي قراءة هذه التطورات؟
ألكسندر دوغين: من وجهة نظري، نحن أمام تحولات إيجابية ومهمة للغاية. فمنذ الأيام الأولى لإنطلاق العملية العسكرية الخاصة، كان واضحاً بالنسبة إلى المتابعين الجادين، وكذلك بالنسبة إلى شريحة واسعة جداً من شعبنا، أن ما يجري يتجاوز بكثير التوصيفات الرسمية أو التقنية. وأقول بصراحة إن شعبنا أكثر ذكاءً وعمقاً مما يُعتقد عادة. فهو يفهم العمليات الجارية في العالم فهماً عميقاً، ويستوعب التفاعلات الدولية والسياسية الداخلية بدرجة تفوق كثيراً الصورة النمطية الشائعة عنه. أريد أن أؤكد أمراً أساسياً: الشعب الروسي شعب ذكي. صحيح أن له طريقته الخاصة في التعبير عن رؤيته للعالم، لكنه يدرك جوهر الأشياء ويفهم القضايا الأساسية والمصيرية بوضوح كبير. لقد عبّر دوستويفسكي عن هذه الفكرة بصورة بليغة في رواية "المقامر". فهو يقول إن هناك شعوباً قد تغضب بشدة إذا تعرضت لإهانة شكلية أو لمسٍّ خارجي بسيط، لكنها قد لا تلاحظ الجراح المعنوية العميقة. أما الروسي فالأمر عنده معكوس: قد يتجاهل الإساءة الشخصية المباشرة، لكنه شديد الحساسية تجاه قضايا الضمير والحقيقة والعدالة والمعنى العميق للأمور. ولهذا السبب، عندما بدأت العملية العسكرية الخاصة، أدرك الشعب الروسي – الشعب بمعناه الواسع، وليس فقط الخبراء والمحللين – أن الأمر جدي للغاية، وأننا أمام حرب حقيقية. حرب مع الغرب، وصراع بين حضارات، ومعركة تتعلق بوجود روسيا ذاته ومستقبلها التاريخي. ومن هذا الإدراك تحديداً إنطلق كثيرون إلى الجبهة. لم يذهبوا فقط إستجابة لأوامر الدولة، بل لأنهم شعروا في أعماقهم بأن المسألة مصيرية. لقد إستوعبوا بوعيهم الجمعي وبحدسهم التاريخي أن الأمر لا يتعلق بإجراء تقني أو عملية عسكرية محدودة يمكن تركها بالكامل للمؤسسات الرسمية، بل بحرب شعبية كبرى تتطلب مشاركة الجميع. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى أكثر من أربع سنوات، ظل الشعب ينظر إلى ما يجري بإعتباره حرباً شاملة، لا مجرد مواجهة أمنية أو عملية ضد تنظيمات أو كيانات يعتبرها إرهابية، كما يصف دوغين أوكرانيا المعاصرة. في نظره، يتعلق الأمر بقضية أكبر بكثير ترتبط بمصير روسيا التاريخي ومكانتها ومستقبلها. ومن هنا بدأت إرادة الرد الحاسم تنمو تدريجياً داخل المجتمع الروسي. في البداية كان هذا الترقب هادئاً وصامتاً. كان الناس ينتظرون، ويراقبون، ويتوقعون تحولاً كبيراً في مسار الحرب. أتذكر هنا كلمات فلادلين تاتارسكي، الذي قُتل لاحقاً في هجوم إرهابي، عندما قال: "لدي شعور بأننا على وشك أن نوجّه ضربة هائلة." ظل هذا الشعور لفترة طويلة مجرد إنتظار. رحل تاتارسكي، لكن الإحساس الجماعي لدى الروس بأن بلادهم ستبدأ القتال بكل طاقتها الحقيقية لم يختفِ، بل إزداد رسوخاً وقوة. كان الإعتقاد السائد أن روسيا لم تستخدم بعد كامل إمكاناتها، وأن ما جرى حتى الآن ليس سوى مرحلة تمهيدية. أما السلطة، ولأسباب قد تكون عميقة ومعقدة – ولا أزعم أنني قادر على الحكم عليها – فقد أوحت مراراً بأن روسيا لم تبدأ بعد الحرب بصورة كاملة، وأن ما يجري لا يمثل سوى جزء محدود من قدراتها الحقيقية. ومع مرور الوقت، تكبّدت البلاد خسائر كثيرة، وعانى المجتمع آلاماً كبيرة. فقدنا أناساً أعزاء، وتعرضت مدن ومناطق لأضرار جسيمة، وعاشت أسر كثيرة مآسي الحرب. ومع ذلك بقي لدى كثيرين شعور بأن الرد الروسي لم يصل بعد إلى المستوى الذي يتناسب مع حجم التحدي. ومن هنا بدأ يتشكل داخل المجتمع تساؤل متزايد، بل ونوع من التململ العميق: متى ستبدأ روسيا القتال بكل قوتها؟
أعتقد أننا، من خلال التأجيل المستمر، ومن خلال التعويل على إحتمالات سياسية مختلفة – سواء على دور دونالد ترامب، أو على فرص التوصل إلى هدنة، أو على فرضية أن الخصم سوف ينهار من تلقاء نفسه – إقتربنا من نقطة حرجة. لقد أصبح من الصعب، بل من المستحيل، الإستمرار في التأجيل. ويبدو أننا بدأنا ندرك أن تأخير الخطوات الحاسمة لم يعد خياراً ممكناً. فلا يكفي، برأيي، الرد على كل عملية أو هجوم يقوم به الخصم من خلال ردود متكافئة أو محدودة النطاق. المطلوب هو العمل على نطاق واسع، وبصورة منهجية ومتواصلة، وإستهداف البنى الأساسية التي يستند إليها الخصم، وتوجيه الضربات إلى المواقع الإستراتيجية والرمزية المؤثرة أينما أمكن الوصول إليها. هذا، بحسب دوغين، هو ما يطالب به جزء كبير من المجتمع الروسي: عدم إيقاف العملية، وعدم القبول بتسويات يعتبرها غير مواتية، وعدم الإنجرار إلى هدن مؤقتة يراها مضللة أو غير مجدية. ويتابع قائلاً إن المطلوب هو إستخدام كامل عناصر القوة المتاحة. وهل بدأت هذه المرحلة بالفعل؟ أعتقد أن الجواب هو نعم. فالسلطة الروسية، في تقديره، باتت تدرك أن الإستمرار في تأجيل الإجراءات الحاسمة قد يؤدي إلى نتائج سلبية على روسيا نفسها. صحيح أن روسيا دولة قوية وكبيرة وتمتلك أوراق قوة عديدة، لكن الوقت قد حان – في رأيه – لإستخدام هذه الأوراق وعدم إبقائها في الإحتياط. فإذا إستمرت الحرب بالأسلوب الحالي، فإن الخصم سيواصل إيجاد فرص جديدة للمبادرة والمناورة. ورغم أنه أضعف – بحسب توصيف دوغين – وأقل إلتزاماً بالقيم الأخلاقية، فإنه ما زال ينجح أحياناً في تنفيذ عمليات مؤثرة. وهذا أمر يرى أنه لا يمكن القبول بإستمراره. ويؤكد أن الخصم يجب ألا يحتفظ بأي قدرة على تنفيذ هجمات جديدة ضد الأراضي الروسية، بما في ذلك المناطق التي تعتبرها موسكو جزءاً من روسيا. فلا ينبغي أن تبقى هناك بنى قيادية قادرة على إصدار الأوامر، ولا شبكات إتصالات فعالة، ولا منظومات نقل وخدمات تدعم المجهود العسكري المعادي. ويرى أن هذا هو معنى خوض الحرب بصورة جدية وشاملة وعميقة: تعطيل كل ما يمكّن الخصم من مواصلة القتال. ويختم بالقول إن هذه المرحلة الحاسمة من الصراع لا تزال في بدايتها، وإن ما نشهده اليوم ليس سوى بداية إنتقال الحرب إلى مستوى أكثر تصعيداً وحسماً من وجهة نظره. لكن هل تمثل هجماتنا الأكثر حزماً ضد العدو بداية هذا التحول المنشود؟ أسأل الله أن يكون الأمر كذلك. ربما نعم. لكن إذا كنا نعتقد أن مجرد إستعراض منظومة «أوريشنيك» من دون رأس قتالي خاص، أو إطلاق عدد محدود من الصواريخ الفرط صوتية التي تعجز دفاعات العدو الجوية عن إعتراضها، كافٍ لتحقيق هذا الهدف، فإننا نكون مخطئين. هناك مصطلح عسكري معروف يُسمى «الترهيب الإستراتيجي» (Intimidation) والمقصود به إقناع العدو بشكل كامل بأننا نتفوق عليه في القوة والقدرات إلى درجة تجعل أي مقاومة من جانبه بلا جدوى مطلقاً. الأمر لا يتعلق بمجرد التخويف، بل بحرمان الخصم من إرادة القتال نفسها عبر إظهار قوة ساحقة لا تترك له أملاً في تحقيق أي نتيجة. وهذا، برأيي، ما يجب أن نبدأ بممارسته بصورة منهجية ومتواصلة. والأهم من ذلك أن أفعالنا يجب أن تتوقف عن كونها مجرد ردود أفعال. ففي كل مرة نقول فيها: "هذا رداً على ذاك"، أو "هذه الضربة إنتقاماً لتلك العملية"، فإن ذلك لا يولّد داخل المجتمع الروسي إلا مزيداً من الحيرة والإستغراب. لقد حان الوقت للتوقف عن تبرير أفعالنا. هذا الأسلوب يعكس سوء فهم لسيكولوجية شعبنا من جهة، ولسيكولوجية خصومنا من جهة أخرى. فالعدو لا يكترث لتفسيراتنا أصلاً، أما الغرب فقد بنى سرديته بالكامل على إعتبار روسيا شراً مطلقاً. وإذا كان هذا هو تصوره، فإن مهمتنا ليست إقناعه، بل الإنتصار عليه. أما شرح الأسباب والدوافع فيمكن أن يأتي لاحقاً. ما ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس ما فعله الخصم، بل ما الذي سنفعله نحن من أجل حرمانه نهائياً من القدرة على المقاومة، ومن أجل إلحاق أضرار به تجعل إستمراره العسكري والسياسي أمراً بالغ الصعوبة. وهذه، في جوهرها، هي الأهداف الأصلية للعملية العسكرية الخاصة. فإذا كانت هذه الأهداف لم تتحقق عبر الأساليب التقنية أو المحدودة التي أستُخدمت سابقاً، فهذا يعني أن المشكلة تكمن في المنهج نفسه، وأن المطلوب هو رفع مستوى العمليات إلى مستوى الحرب الكاملة، بالمعنى المباشر للكلمة، ضد الغرب الجماعي على الأراضي الأوكرانية. لقد أثبتت كل محاولات تأجيل هذه المسألة، وكل الآمال بأن الظروف الدولية ستتغير تلقائياً لصالحنا وتضعنا في موقع المنتصر، أنها رهانات غير ناجحة. لم يعد هناك ما يستحق الإنتظار. وآمل أننا بدأنا، ولو بحذر، هذا التحول المطلوب. علينا أن ندعم الجيش بكل ما نستطيع، وأن نشارك في هذا المسار بكل طاقاتنا، لأن هذه الحرب ليست مسؤولية مؤسسة بعينها، بل هي قضية قومية عامة. إنها تُخاض على الجبهة العسكرية، وفي الإقتصاد، والسياسة، والثقافة، والتعليم. ولذلك يجب أن نكون حاضرين في هذه المواجهة على جميع المستويات.
سؤال - إسمح لي هنا بملاحظة أو ربما بسؤال توضيحي. روسيا تعيش منذ سنوات طويلة تحت ضغط إجتماعي وإعلامي هائل. وأي فكرة أو شعار يلقى صدى عاطفياً لدى الناس، سواء في أحاديثهم الخاصة أو على الإنترنت، يمكن أن يتحول بسهولة إلى أداة ضغط أو وسيلة تأثير على المجتمع والدولة. ومن هذا المنطلق، فإن إثارة مشاعر الإستياء لدى الناس أو تغذية الرغبة في "البدء أخيراً" أو "التصعيد الحاسم" قد تكون في جوهرها محاولة لزرع فجوة بين ما يعتقده المواطن العادي وبين الحسابات الفعلية للقيادة السياسية والعسكرية الروسية. أليس من الخطير النظر إلى المسألة وكأن "الأغلبية" قد حسمت أمرها ونضج موقفها بالكامل، ومن ثم إعتبار ذلك مبرراً كافياً لتغيير المسار؟
ألكسندر دوغين : الأغلبية حسمت أمرها منذ زمن. والأغلبية إتخذت موقفها بالفعل. نحن لا نملك خياراً آخر سوى الإنتصار. لقد حاولنا أن ننتصر ونحن نرتدي "القفازات البيضاء"، عبر عمليات جراحية دقيقة وضربات محدودة تحاول تجنب الأضرار الجانبية قدر الإمكان. لكن هذه المقاربة لم تحقق النتائج المطلوبة. ولذلك باتت الأغلبية تدرك أن الإنتصار يحتاج إلى وسائل مختلفة. صحيح أن هناك قدراً من الإستياء داخل المجتمع بسبب ما يُنظر إليه على أنه تردد أو بطء في إدارة العمليات العسكرية. وهذه حقيقة قائمة. ومن المؤكد أيضاً أن الغرب يستغل هذه المشاعر عبر أدوات الهندسة الإجتماعية والحرب النفسية، ويحاول توجيهها أو تضخيمها أو دفعها نحو مزيد من الراديكالية. وهذا عامل ينبغي أخذه في الإعتبار، كما يجب الإنتباه إلى العمليات النفسية الخاصة التي يشنها الخصم ضد مجتمعنا. لكن عندما نتحدث عن موجة الإستياء الشعبية الناتجة عن غياب مؤشرات واضحة على النصر، وعن محاولات التلاعب بهذه المشاعر، فإننا غالباً ما نتجاهل جانباً آخر من الصورة. ألا يمارس الخصم التأثير النفسي نفسه على القيادة السياسية والعسكرية الروسية؟ ألا يحاول إقناعها بإستمرار بأن التسوية قريبة، وأن الهدنة قاب قوسين أو أدنى، وأن التفاهمات السياسية ممكنة، بهدف منعها من إتخاذ القرارات الحاسمة التي ينبغي إتخاذها؟ ففي الوقت الذي تُستخدم فيه مشاعر الإحباط داخل المجتمع لإحداث شرخ داخلي، تُستخدم رسائل مختلفة تماماً للتأثير على النخبة الحاكمة. إنها عملية ضغط مزدوجة الإتجاه. فمن جهة، يجري تضخيم الإستياء الشعبي الناتج عن بطء بعض الخطوات. ومن جهة أخرى، تُرسل إشارات مطمئنة إلى دوائر القرار العليا مفادها أن المفاوضات قادمة، وأن مبعوثين غربيين سيصلون، وأن الأمور ستنتهي قريباً، أو أن دونالد ترامب سيجد حلاً مقبولاً لهذا النزاع. صحيح أن هذه الإشارات لا تخلو تماماً من أساس واقعي، وليست مجرد مسرحية خالصة، لكنها تؤدي وظيفة واضحة: إبقاء النخبة بعيدة عن القرارات الحاسمة، بينما يجري في الوقت نفسه تضخيم إستياء الشارع بسبب غياب تلك القرارات. هذه، في رأيي، عملية كلاسيكية من عمليات الحرب الشبكية والحرب النفسية، ولسنا نعيش في ظلها منذ اليوم أو الأمس، بل منذ عقود. لقد خسرنا دولتنا السوفياتية السابقة نتيجة نجاح قوى معادية لنا في التأثير على المجتمع والدولة. لقد خسرنا الكثير من عناصر قوتنا ونفوذنا، بما في ذلك منظومة حلف وارسو، عبر الثورات الملونة وأشكال متعددة من التلاعب الإجتماعي والسياسي. قد تتغير الأدوات والتقنيات، لكن الفكرة الأساسية تبقى هي نفسها. ولهذا أرى أن المرحلة الحالية تتطلب وحدة حقيقية بين المجتمع والدولة. فلا يجوز النظر إلى الأمر وكأن الدولة وحدها هي التي تدير الحرب وفق ما تشاء ومتى تشاء. نحن جميعاً نخوض هذه الحرب، ونحن جميعاً ندفع ثمنها، ليس فقط بالأموال والموارد، بل بالأرواح أيضاً. ومن هذا المنطلق، لا يمكن للدولة – بحسب رؤية دوغين – أن تتصرف وكأنها تمتلك تفويضاً مطلقاً لبدء الحرب أو إنهائها متى أرادت، بعد كل ما أُريق من دماء وكل ما تكبده المجتمع من تضحيات. "لا"، يقول دوغين في ختام هذه الفقرة، "إن هذه الحرب أصبحت شأناً يخص الأمة بأكملها، وبالتالي فإن مسؤولية تقرير مصيرها لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن إرادة المجتمع وتضحياته." إن النصر ليس مجرد خيار سياسي يمكن الأخذ به أو التخلي عنه وفق الظروف، بل هو مطلب تاريخي وأخلاقي ووجودي. إنه مطلب التاريخ نفسه، ومطلب الشعب، ومطلب المجتمع، ومطلب الأحياء والأموات على حد سواء. ولذلك فإن الدولة الروسية، في نظر دوغين، ملزمة بالإنتصار في هذه الحرب. إنها قضية مبدئية لا تقبل المساومة. فلا يجوز – بحسب رأيه – أن تتعامل السلطة السياسية مع الحرب وكأنها شأن إداري يمكن التصرف فيه وفق الرغبة: أريد أن أواصل القتال فأواصل، أريد هدنة فأعقد هدنة، أريد الإنسحاب فأنسحب. فمثل هذه الصلاحيات المطلقة لا يحق للنخبة الحاكمة أن تمنحها لنفسها. فنحن نعرف جيداً، من خلال تجارب التاريخ، كيف تنتهي الحروب التي تُخسر أو التي لا تُحسم بصورة كاملة. وغالباً ما تكون النتيجة إنهيار النخب الحاكمة نفسها. لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، إذ كثيراً ما ينهار معها أيضاً كيان الدولة ذاتها، ويتعرض الشعب لأثمان باهظة. ولهذا يرى دوغين أن روسيا لا ينبغي أن تسلك هذا الطريق مرة أخرى، ولا أن تكرر أخطاء الماضي. بل المطلوب اليوم هو إبرام ما يسميه «ميثاق النصر» بين الشعب والدولة، وهو إتفاق معنوي وتاريخي يقوم على وحدة الهدف والمصير. ويضيف أن البلاد مطالبة بإتخاذ كل الخطوات الضرورية لإنقاذ الوطن وتحقيق النصر على ما يصفه بـ«العدو الرهيب». فكل تأخير أو تردد – حتى لو كان يستند إلى إعتبارات تكتيكية أو حسابات إستراتيجية – قد يصبح أقل أهمية من ضرورة الإصغاء إلى المزاج العام للمجتمع وإرادته. وفي بعض اللحظات التاريخية، كما يقول، يصبح صوت المجتمع أكثر أهمية من الحسابات البيروقراطية أو العسكرية البحتة. ولا يرغب دوغين في إستحضار أمثلة مؤلمة من التاريخ الروسي، لكنه يذكّر بأن التجربة أثبتت أمراً أساسياً: عندما تتوحد السلطة والشعب يتحقق النصر. وعندما تتحول الحرب إلى قضية وطنية عامة وينخرط فيها المجتمع بأكمله، تستطيع الأمة أن تهزم حتى خصوماً يتفوقون عليها من حيث الإمكانات المادية والعسكرية. أما عندما تنقطع الصلة بين السلطة والشعب، فإن الدول قد تخسر حتى نزاعات كان يبدو حلها ممكناً وسهلاً نسبياً. ويستحضر هنا رؤية الحضارات القديمة للحرب، مشيراً إلى أن الإغريق كانوا يعتبرونها «قرعة الآلهة». فقد كانوا يؤمنون بأن نتيجة الحرب لا تتحدد فقط بالقوة المادية، بل بالحالة المعنوية والأخلاقية للمجتمع. وكانت الآلهة – وفق معتقدهم – تمنح النصر لمن يكون أكثر نقاءً وحزماً وشجاعة وإستعداداً للتضحية، ولمن يمتلك قدراً أكبر من الحق في معناه الأعلى. ومن هذا المنطلق، يؤكد دوغين أن «الحق الداخلي» أو الشرعية الأخلاقية والمعنوية لا تقل أهمية عن الإستعداد العسكري والتقني. بل إنها تشكل العمود الفقري الذي يوحد الشعب والدولة، والطريق الحقيقي نحو النصر. ويضيف أن روسيا لا تزال تحمل معها إرثاً ثقيلاً من المشكلات غير المحسومة. فهناك آثار متراكمة من تأثير الغرب والتوجه نحوه والإنقسام، ومن التوتر بين النخب والمجتمع، ومن تغلغل شبكات وقوى أجنبية معادية داخل البنية الإجتماعية والثقافية للدولة. ويرى أن هذه الشبكات إما أنها فاعلة بالفعل أو أنها ستُستخدم مستقبلاً عند الحاجة. كما أن المجتمع الروسي، في رأيه، لا يزال يواجه عدداً كبيراً من القضايا المؤجلة والأسئلة غير المجاب عنها. ولهذا يرفض فكرة التستر على هذه المشكلات أو تأجيل مواجهتها أو الإدعاء بأن كل شيء يسير بصورة مثالية حتى في زمن الحرب. فالحرب، بحسب تصوره، ليست فقط مواجهة عسكرية، بل هي أيضاً عملية تطهير وإعادة تشكيل للمجتمع والدولة. ثم ينتقل إلى مستوى أكثر فلسفية، معتبراً أن العلاقة بين الشعب والدولة تمثل واحدة من أعمق القضايا الفكرية في التاريخ السياسي. وقد يحاول البعض تقديم حلول تقنية أو إدارية لهذه الإشكالية، لكنه يرى أن ذلك وهم، لأن الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والشرعية والمصير لا يمكن اختزالها في إجراءات تقنية. وفي أوقات الحرب تتكشف هذه المسائل بصورة أكثر وضوحاً؛ فالأزمات تخرج إلى السطح، كما تظهر في الوقت نفسه أفضل الصفات الكامنة في الدولة والمجتمع. ولهذا يعتقد أن روسيا تحتاج اليوم إلى فعل إرادي واعٍ وحاسم. فمجرد الإستمرار بالزخم السابق أو الإعتماد على القصور الذاتي لن يكون كافياً. المطلوب هو إتخاذ قرار جماعي بالمضي إلى الأمام. وإذا كانت المؤشرات العسكرية الأخيرة وبعض النجاحات الميدانية والضربات الروسية الأخيرة تدل بالفعل على بداية هذا التحول، فإنه يعتبر ذلك أمراً إيجابياً للغاية. ومع ذلك، يعترف بأن كثيراً من العمليات في مختلف المجالات لا تزال تسير بصورة متقطعة وغير مستقرة. ويشبه الأمر بجهاز كمبيوتر يتجمد للحظات ثم يعود إلى العمل من جديد. ويعرب عن أمله في أن تستمر الحركة في إتجاه واحد نحو الأمام. فروسيا – في تقديره – لا تتراجع، رغم الألم والخسائر، ورغم أن الخصم يرد أحياناً بفعالية وبأساليب يعتبرها قاسية وخبيثة. لكن الرد المطلوب، من وجهة نظره، هو زيادة حجم الضربات الروسية ودقتها وتأثيرها. فهو يعتقد أن روسيا لم تستخدم بعد كامل قدراتها وإمكاناتها. ويختم هذه الفقرة بالقول: "نحن نسير نحو النصر، لكن اللحظة الحالية تتطلب منا إتخاذ ذلك القرار الحاسم، وتلك الخطوة الإرادية الكبرى التي لا يمكن تأجيلها أكثر."
*****
2) الجزء الثاني كيف إنتصرت إيران على الولايات المتحدة وإسرائيل
سؤال - وبالحديث عن التطورات الدولية، وردت قبل قليل أنباء جديدة بدت مفاجئة نسبياً بالنسبة إلى التوقيت الأوروبي وتوقيت موسكو. فهناك مؤشرات متزايدة على أن الولايات المتحدة وإيران تؤكدان اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي قد يُوقع خلال أيام معدودة، وربما يتزامن ذلك مع عيد ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب. بل إن بعض التقارير بدأت تتحدث عن الشخصيات التي قد تتولى التوقيع. فبحسب هذه الأنباء، قد يمثل الولايات المتحدة نائب الرئيس الأميركي، بينما يمثل إيران وزير الخارجية ورئيس البرلمان. ورغم استمرار التباين في المعلومات المتعلقة بتفاصيل الاتفاق، فإن الانطباع العام لدى بعض المراقبين هو أن إيران قد تحصل في عدد كبير من الملفات على ما كانت تسعى إليه منذ البداية، وربما أكثر مما كان متوقعاً قبل أشهر قليلة فقط. كيف تنظرون إلى هذا التحول المفاجئ نسبياً في العلاقات الأميركية الإيرانية، وإلى انعكاساته المحتملة على الشرق الأوسط وعلى النظام الدولي بصورة أوسع؟
ألكسندر دوغين - إن أكثر المحللين الأميركيين إتزانًا وواقعية – إذا تجاوزنا الخطاب الدعائي والإعلامي – باتوا يعترفون اليوم بحقيقة لافتة. وهي أن إيران خرجت منتصرة من هذه الحرب. قد يبدو هذا الإستنتاج صادماً للبعض، لكنه مطروح بالفعل داخل بعض الأوساط التحليلية الأميركية. وأنا هنا لا أطرح بالضرورة موقفي الشخصي المباشر، بل أنقل ما يقوله عدد من الخبراء الأميركيين أنفسهم. وفق هذا التقدير، فإن إيران هي الطرف الذي تمكن من فرض موقع تفاوضي قوي، وهي اليوم في وضع يسمح لها بإملاء شروط التسوية. لكن إذا قارنا بين الطريقة التي تصف بها إيران الإتفاق المرتقب وبين الطريقة التي يصفه بها ترامب، فسنجد أنفسنا أمام روايتين متناقضتين تماماً، وكأننا نقرأ وثيقتين مختلفتين لا علاقة لإحداهما بالأخرى. فالرواية الإيرانية تقول إن طهران وافقت على بعض الترتيبات والتفاهمات التي تساعد على تخفيف التوتر الإقليمي، لكن وفق شروطها الخاصة ومن دون التخلي عن عناصر قوتها الأساسية. كما تؤكد إيران – بحسب دوغين – أنها لا تثق بالغرب بشكل كامل، وأنها ستستمر في التحقق من تنفيذ الإلتزامات، وستحافظ على قدراتها العسكرية وعلى نفوذها الإستراتيجي وعلى سيطرتها على الممرات الحيوية في المنطقة. ويشير إلى أن من بين البنود التي تتحدث عنها المصادر الإيرانية أيضاً الإفراج عن أصول مالية إيرانية مجمدة وإعادة تدفق الموارد الإقتصادية إلى البلاد. ومن وجهة نظره، فإن الطرف المنتصر هو الذي يضع شروط إنهاء الأعمال القتالية، وإذا تم الإتفاق على هذه الأسس بالفعل، فإن ذلك سيُعد تكريساً رسمياً لإنتصار إيراني. أما في المقابل، فإن ترامب – بحسب دوغين – يقدم للرأي العام الأميركي صورة مختلفة تماماً. فهو يصور الإتفاق على أنه نجاح أميركي كامل، وأن إيران قبلت بالشروط الأميركية، وأنها ستتراجع عن سياسات سابقة، وأن الملاحة والطاقة والتجارة ستعود إلى وضع طبيعي يخدم المصالح الأميركية. وبأسلوبه السياسي الصدامي المعتاد، يسعى ترامب – وفق توصيف دوغين – إلى إقناع جمهوره بأن الولايات المتحدة لم تقدم أي تنازل، وأنها خرجت من المواجهة منتصرة بالكامل، وأن خصومها هم الذين إضطروا إلى التراجع. وهكذا، يرى دوغين أن الطرفين يقدمان لجمهوريهما الداخليين روايتين مختلفتين جذرياً للإتفاق نفسه، وهو ما يجعله واحداً من أكثر التفاهمات السياسية إثارة للجدل والتأويل في المرحلة الحالية. في الحقيقة، وعلى أساس هذه الروايات المتناقضة جذرياً حول طبيعة الإتفاق المزمع توقيعه، يبدو من الصعب تصور إمكانية التوصل إلى وثيقة حقيقية وموحدة بالفعل. فإما أن الإيرانيين يضللون الرأي العام لأسباب سياسية داخلية، أو أن الأميركيين يفعلون الشيء نفسه. وأعتقد أننا لن ننتظر طويلاً حتى تتضح الحقيقة. فالحفاظ على هذا "الوجه البوكرّي" من الطرفين لن يدوم إلى الأبد. عاجلاً أم آجلاً، إما أن تُنشر بنود الإتفاق الحقيقية، أو أن تنهار المفاوضات برمتها. وعندها لن يحتاج أحد إلى تفسيرات إضافية، لأن الوقائع ستتحدث بنفسها: هل تمر ناقلات النفط عبر مضيق هرمز أم لا؟ هل تتعرض للهجمات أم لا؟ هل تتوقف الضربات العسكرية أم تستمر؟ هذه هي المؤشرات التي ستكشف حقيقة ما جرى. لكن ثمة مسألة أخرى أراها أكثر أهمية، وهي التحولات العميقة داخل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. حتى وقت قريب كان هذا اللوبي يُنظر إليه بوصفه إحدى أقوى البنى السياسية وصاحبة النفوذ في أميركا. صحيح أن بعض المنتقدين كانوا يتحدثون منذ عقود عن هذا النفوذ، لكن كثيرين كانوا يرفضون ذلك بإعتباره مجرد "نظرية مؤامرة". أما اليوم، فقد أصبح واضحاً – بحسب دوغين – أن إسرائيل تمتلك نفوذاً واسعاً للغاية داخل الولايات المتحدة، وأن جماعات الضغط المرتبطة بها قادرة في أحيان كثيرة على دفع واشنطن إلى إتخاذ سياسات لا تنسجم بالضرورة مع ما يراه البعض مصالح أميركية مباشرة. غير أن الأيام الأخيرة شهدت تطوراً لافتاً. فبعد التسريبات التي تحدثت عن مكالمة هاتفية متوترة بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو، والتي قيل إن ترامب إستخدم خلالها لغة حادة للغاية وإتهم نتنياهو بعدم الإلتزام بما تم الإتفاق عليه، بدأت مؤشرات جديدة بالظهور. ويقول دوغين إن صحة هذه الرواية تستند – في رأيه – إلى ردود فعل شخصيات أميركية مؤيدة لإسرائيل وقريبة من ترامب. فهو يشير إلى ليندسي غراهام وإلى لورا لومر بإعتبارهما من أبرز الشخصيات المؤيدة لإسرائيل داخل المعسكر الترامبي، ويلاحظ أنهما أبديا خلال الأيام الأخيرة إنزعاجاً واضحاً من التوتر المتزايد بين ترامب ونتنياهو. ومن وجهة نظره، فإن ذلك يدل على أن العلاقة بين الرجلين لم تعد بالإنسجام الذي كانت تبدو عليه سابقاً. ففي الماضي كان يُعتقد أن الطرفين يتحركان ضمن إستراتيجية واحدة تقريباً، أما الآن فيبدو أن ترامب أصبح ينظر إلى هذه الحرب بإعتبارها عبئاً سياسياً متزايداً، خصوصاً أنها لم تحقق نصراً واضحاً وحاسماً. ويقر دوغين بأن إيران تكبدت خسائر كبيرة خلال المواجهة، لكنه يرى أنها لم تنهَر ولم تُكسر إرادتها. بل على العكس، يعتبر أنها خرجت أكثر تعبئة وتماسكاً، وأنها تحولت في نظر جزء من العالم الإسلامي إلى نموذج للصمود والمقاومة. وفي المقابل، يرى أن عدداً من الدول الإسلامية الأخرى ظهر بمظهر المتفرج أو الطرف السلبي، الأمر الذي أضعف صورتها الإقليمية، بينما إستطاعت إيران المحافظة على خطابها السياسي المعادي لإسرائيل دون تراجع. ويضيف أن نتنياهو يواصل حربه في جنوب لبنان، رغم أن بعض الطروحات المتعلقة بالتفاهمات مع إيران تتحدث عن ضرورة وقف الحرب هناك وإنسحاب القوات الإسرائيلية كجزء من أي تسوية أوسع. ووفقاً لدوغين، فإن هذه النقطة تتعارض مع الرؤية السياسية التي يتبناها نتنياهو وحلفاؤه الأكثر تشدداً، الذين كانوا يأملون في تحقيق مكاسب إستراتيجية أوسع من خلال هذه المواجهة. ولهذا السبب، يشير إلى تصاعد التوتر داخل المعسكر اليميني الإسرائيلي، مستشهداً بمواقف شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسليل سموتريتش، اللذين عبّرا مراراً عن مواقف أكثر تشدداً تجاه أي تسويات سياسية. ومن هنا يخلص دوغين إلى أن ما يسميه "النواة العقائدية والعسكرية المتشددة" داخل إسرائيل تنظر بقلق متزايد إلى أي إتفاق قد يُبقي إيران قوية وقادرة على التأثير الإقليمي. وفي الوقت نفسه، يرى أن ترامب يحتاج إلى التوصل إلى تسوية ما قبل الإنتخابات النصفية الأميركية المقبلة، لأن إستمرار الحرب أصبح عبئاً سياسياً داخلياً. فبحسب قراءته، فإن شعبية هذه الحرب داخل الولايات المتحدة محدودة، كما أن بعض مؤيدي ترامب بدأوا يبدون تحفظات متزايدة عليها، بل إن بعض الشخصيات المحيطة به إبتعدت عنه بسبب هذا الملف. ولذلك يصف دوغين الحرب بأنها صراع لا يملك أفقاً واضحاً لتحقيق نصر حاسم لأي طرف. فقد بدأت بعمليات عسكرية عنيفة للغاية، لكن النتائج السياسية والعسكرية التي كان يُراد تحقيقها تراجعت تدريجياً، نتيجة ما يعتبره مقاومة إيرانية ناجحة. ومن هنا يعتقد أن إسرائيل هي الأخرى تواجه صعوبات كبيرة في تحقيق أهدافها الأصلية، وأن الخلافات بدأت تظهر بين الأطراف التي شاركت في هذه الإستراتيجية. ويعتبر أن ما نشهده اليوم هو عملية تبادل للإتهامات ومحاولات لإلقاء مسؤولية الإخفاق على أطراف مختلفة، وهو أمر مألوف في الحروب التي لا تحقق النتائج المرجوة. وبناءً على ذلك، يصل دوغين إلى إستنتاج مفاده أن إيران خرجت من هذه المواجهة بوصفها المنتصر المعنوي على الأقل. فهي – بحسب رأيه – أثبتت قدرتها على الحفاظ على سيادتها وإستقلال قرارها، ورسخت فكرة أن النظام الدولي لم يعد أحادي القطبية، بل يتجه نحو التعددية القطبية. كما يرى أن عدداً من القوى الإقليمية، بما فيها السعودية وقطر وتركيا والإمارات باتت تنظر إلى إيران بإعتبارها قطباً إقليمياً لا يمكن تجاهله. أما إسرائيل، فيرى أنها لم تحقق، رغم طموحاتها الكبيرة، النتائج التي كانت تأمل بها، ولذلك تحاول – وفق تفسيره – تعطيل أي إتفاق لا ينسجم مع أهدافها، وتسعى إلى جر الولايات المتحدة نحو مواجهة أوسع مع إيران. ويختتم هذه الفقرة بالقول إن ما يراه حالياً هو إتساع الفجوة بين واشنطن وتل أبيب، وبين ترامب ونتنياهو. وقد تُحتوى هذه الخلافات لاحقاً، لكن المشهد الراهن يوحي بوجود توتر حقيقي بين الطرفين.
سؤال - أود التوقف عند هذه النقطة تحديداً. فقد صدر بالفعل تصريح من وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، قال فيه بصورة واضحة إن الولايات المتحدة وإيران يمكنهما التوصل إلى أي إتفاق يريدانه، لكن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة به. وهنا يبرز سؤال مهم. لقد أشرتم إلى القوة الإستثنائية التي بلغها النفوذ المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك ينبغي التذكير بأن واشنطن وقفت تاريخياً إلى جانب إسرائيل في معظم المحطات الكبرى، وإستخدمت حق النقض في مجلس الأمن مراراً دفاعاً عن المصالح الإسرائيلية. بل إن البعض يرى أن الإدارات الجمهورية غالباً ما كانت أكثر دعماً لإسرائيل من الإدارات الديمقراطية. وترامب نفسه رئيس جمهوري. فإذاً ماذا سيحدث لاحقاً؟ هل تستطيع إسرائيل أن تقول ببساطة: "توصلتم إلى إتفاق، لكننا سنواصل ما نراه مناسباً"؟ أم أن العلاقة الشخصية والسياسية بين ترامب ونتنياهو، وكذلك التوترات الأخيرة بينهما، ستفرض قيوداً على هذا المسار؟
ألكسندر دوغين - أعتقد أن الكثير سيتوقف على موقف إيران نفسه. فحتى الآن تؤكد طهران أن وقف العمليات العسكرية في جنوب لبنان يمثل أحد الشروط الأساسية، بل الضرورية، لأي إتفاق مع الولايات المتحدة. أما ترامب فلا يؤكد هذه النقطة بشكل صريح ولا ينفيها بصورة قاطعة، لكنه يبدو – في تقدير دوغين – أقرب إلى قبولها من رفضها. وهذا يتعارض بشكل مباشر مع مصالح نتنياهو ورؤيته السياسية. لكن ينبغي الإنتباه إلى نقطة مهمة: نتنياهو ليس إسرائيل كلها. فداخل إسرائيل توجد تيارات ومؤسسات ومراكز قوة مختلفة، وبعضها قد يكون أكثر إستعدادًا للتكيف مع التسويات السياسية من التيار الذي يقوده نتنياهو وحلفاؤه الأكثر تشدداً. ولذلك فإن مستقبل هذه الأزمة لن يتحدد فقط من خلال موقف شخص واحد، بل من خلال التوازنات الداخلية الإسرائيلية والإقليمية والدولية مجتمعة. إن اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة يتمتع بنفوذ هائل وإستثنائي. وفي الماضي، عندما كان منتقدوه يقولون إنه قادر على دفع الولايات المتحدة إلى تبني سياسات تتعارض أحياناً مع مصالحها القومية المباشرة، كان كثيرون يعتبرون هذه الآراء هامشية أو أقرب إلى نظريات المؤامرة. أما اليوم، فيرى دوغين أن الحديث عن حجم هذا النفوذ لم يعد من المحرمات السياسية، بل أصبح جزءاً من النقاش العام في الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية. ومع ذلك، يضيف نقطة مهمة: قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل لا تعني بالضرورة دعماً مطلقاً وغير مشروط لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فحتى داخل إسرائيل نفسها، وداخل الأوساط الداعمة لها في الولايات المتحدة، توجد تباينات واضحة في المواقف. فدعم إسرائيل كدولة شيء، ودعم السياسات الأكثر تشدداً التي يتبناها بعض السياسيين الإسرائيليين شيء آخر. ويرى دوغين أن شخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسليل سموترتش تمثل، في نظره، تياراً أكثر راديكالية داخل السياسة الإسرائيلية، وهو تيار لا يحظى بإجماع كامل داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. ومن هنا يخلص إلى أن نتنياهو يواجه معضلة سياسية داخلية شديدة الخطورة. فإذا توقفت الحرب وتم التوصل إلى تسوية، فإنه قد يواجه موجة واسعة من الصراعات السياسية والمحاسبة الداخلية. ولهذا يعتقد دوغين أن مصلحة نتنياهو الشخصية والسياسية تدفعه إلى الإستمرار في المواجهة، ومحاولة تعطيل أي تسويات لا تنسجم مع أهدافه. أما بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن القضية تختلف من وجهة نظر دوغين. فهي ليست مسألة وجود سياسي أو شخصي، بل تتعلق بصورة القيادة الأميركية، وقدرة ترامب على إثبات أنه ما زال قادراً على التأثير في الإقتصاد العالمي وفي إستقرار الأسواق الدولية. ويشير إلى أن ترامب كان يرفع سابقاً شعار زيادة الإنتاج النفطي الأميركي، لكنه بات أكثر إهتماماً الآن بإستقرار أسواق الطاقة العالمية وتدفق النفط بصورة طبيعية، لأن إستمرار الإضطرابات ينعكس سلباً على الإقتصاد الدولي وعلى حساباته السياسية الداخلية. ومن هنا يرى دوغين أن التباين بين واشنطن وتل أبيب لم يعد يتعلق فقط بتفاصيل الحرب، بل بمصالح إستراتيجية مختلفة نسبياً. ثم ينتقل إلى رؤيته الأشمل لما يسميه "مراكز القوة داخل الغرب". فبحسب تحليله، لم يعد الغرب كتلة سياسية موحدة كما كان يُنظر إليه سابقاً، بل أصبح يتكون من عدة مراكز ذات أجندات متباينة: الولايات المتحدة الترامبية، وإسرائيل، وبريطانيا، والإتحاد الأوروبي، إضافة إلى التيار الليبرالي أو العولمي داخل الولايات المتحدة. ويرى أن هذه المراكز باتت أقل إنسجاماً فيما بينها، وأن الخلافات السياسية والإستراتيجية تتسع بصورة متزايدة. وفي هذا السياق يشير إلى رئيس الوزراء البريطاني كير سترامر، معتبراً أن حكومته تواجه ضغوطاً سياسية وإنتخابية كبيرة، وأن المشهد السياسي البريطاني يشهد حالة من التنافس الحاد بين المحافظين والقوى اليمينية المختلفة. أما الإتحاد الأوروبي، فيرى أنه ما زال متمسكاً بأجندته السياسية التقليدية، لكنه يواجه بدوره تحديات متزايدة. وبالنسبة إلى التيارات الليبرالية الأميركية، يعتقد أنها تركز حالياً على كيفية إستعادة نفوذها السياسي في الإنتخابات المقبلة. ومن هنا يصل دوغين إلى نتيجة مفادها أن ما كان يسمى "الغرب الجماعي" لم يعد متماسكاً كما كان في السابق، وأن كل طرف بات يعمل بصورة أكبر وفق أولوياته الخاصة. وفي رأيه، فإن هذا الواقع يفتح أمام روسيا هامشاً أوسع للمناورة السياسية والإستراتيجية. فطالما أن الولايات المتحدة وإسرائيل منشغلتان بأزمات الشرق الأوسط، وطالما أن الخلافات تتزايد بين المراكز الغربية المختلفة، فإن الضغط الموحد على روسيا يصبح أكثر صعوبة. ولهذا يعتبر أن موسكو تستطيع الإستفادة من هذه التباينات، ومن التصدعات التي يراها داخل المعسكر الغربي، عبر إدارة علاقاتها وسياساتها بطريقة أكثر مرونة. ويرى أن أي زيادة في مستوى الخلافات بين خصوم روسيا تصب، من وجهة نظره، في مصلحتها الإستراتيجية. ثم يعود إلى الملف الأوكراني، معتبراً أن هذه اللحظة تمثل فرصة مناسبة لروسيا لتكثيف جهودها العسكرية وتحقيق أهدافها في الحرب، مستنداً إلى ما يراه من تراجع في تماسك خصومها الدوليين. ويضيف أن الصورة كانت مختلفة في بداية التصعيد في الشرق الأوسط، عندما بدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتحركان بثقة وقوة أكبر، وكان البعض يتوقع ضغوطاً متزايدة على إيران. أما الآن، فهو يعتقد أن الظروف تغيرت، وأن الغرب – رغم بقائه قوياً وخطيراً وقادراً على التأثير – يمر بمرحلة من الإرتباك والإنقسام النسبي. ويصف هذه الحالة بأنها علامة على ضعف نسبي ينبغي، في رأيه، إستغلالها سياسياً وإستراتيجياً.
سؤال - لكن في هذا السياق تحديداً يبرز سؤال مهم. هل يمكن فعلاً تصور أن ترامب والولايات المتحدة مستعدان لتقديم تنازلات كبيرة إلى هذا الحد؟ فالتقارير التي تتسرب إلى وسائل الإعلام تتحدث عن إحتمالات الإفراج عن أصول مالية إيرانية مجمدة، وعن مساهمات وإستثمارات لإعادة الإعمار، وعن إجراءات أخرى تبدو غير متوقعة. هل تعتقدون أن هذه المعلومات دقيقة بالفعل؟ وإذا كانت صحيحة، فما هي الضمانات أو المقابل الذي يمكن أن تحصل عليه واشنطن من طهران؟
ألكسندر دوغين - بصراحة، أرى أن كثيراً من هذه الروايات تبدو غير واقعية. فكل من الرواية الإيرانية والرواية الأميركية تحتوي عناصر يصعب تصديقها بالكامل. الإيرانيون لن يقبلوا بالصيغة التي تطرحها بعض الأوساط الأميركية، والأميركيون بدورهم لن يقبلوا بسهولة بالصيغة التي تروج لها بعض المصادر الإيرانية. واللافت، في رأيه، أن الوضع الراهن لا يبدو سيئاً بالنسبة إلى إيران. فالمواجهة الحالية أدت، بحسب تقديره، إلى مستوى عالٍ من التماسك الداخلي داخل المجتمع الإيراني. ويذهب إلى حد القول إن درجة التعبئة الوطنية والتضامن الداخلي التي تشهدها إيران اليوم قد تكون من أعلى المستويات منذ عهد الخميني. فالمجتمع الإيراني، في تصوره، يبدو أكثر إستعدادًا للدفاع عن سيادته وإستقلاله، في وقت يشهد فيه الغرب إنقسامات وصراعات سياسية متزايدة. ولهذا يعتقد أن إيران لا تنظر إلى الإتفاق المرتقب بإعتباره مسألة مصيرية أو قضية حياة أو موت. أما بالنسبة إلى ترامب، فالوضع مختلف تماماً. فهو، بحسب دوغين، يواجه ضغوطاً سياسية متزايدة، ويحتاج إلى تحقيق نتيجة ملموسة بعد انخراطه في هذا الملف رغم تحذيرات بعض المقربين منه. ويشير في هذا السياق إلى شخصيات مثل جو كنت وتولسي غابارد، معتبراً أن الخلافات داخل المعسكر الترامبي تعكس حجم التعقيدات التي يواجهها الرئيس الأميركي. لكن في الوقت نفسه، يؤكد دوغين أن ترامب لا يستطيع سياسياً أن يقبل بالشروط الإيرانية كما هي، لأن ذلك سيُنظر إليه داخلياً بوصفه تراجعاً كبيراً. وفوق ذلك كله، فإن نتنياهو – بحسب رأيه – يواصل إتخاذ خطوات وتصريحات تزيد من تعقيد المشهد وتدفع نحو مزيد من التصعيد. ولهذا يختتم دوغين حديثه بالقول إن من السابق لأوانه الإعتقاد بأن الأزمة إنتهت أو أن الصراع إستنفد نفسه. ففي تقديره، لا يزال النزاع بعيداً عن نهايته، وما زالت إحتمالات التصعيد والتعقيد قائمة بقوة في المرحلة المقبلة.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التوازن الهش: شبكات الدعم الإسرائيلي في أميركا، المسيحيون ال
...
-
إيران وإعادة رسم قواعد الإشتباك في الشرق الأوسط
-
ألكسندر دوغين - الأمل لم ينطفئ بعد
-
إحذروا البعوض القاتل
-
ألكسندر دوغين - جرت العادة أن تُحمَّل الإنتلجنسيا الروسية مس
...
-
بين الحرب والدبلوماسية: جيفري ساكس يدعو ألمانيا إلى منع الإن
...
-
لماذا تتردد إسرائيل في إستخدام «الخيار الأخير» الذي وعدت به
...
-
ألكسندر دوغين - النهج الحضاري — الإطار المرجعي الوحيد الممكن
...
-
غزة بين الجغرافيا السياسية والإقتصاد المجهض
-
سباق القواعد الأمريكية في شرق أوروبا: الأمن القومي أم تأمين
...
-
من صفحات التاريخ - الأرستقراطية السوفياتية: كيف تحوّلت النخب
...
-
من هرمز إلى ملقا: كيف أصبحت المضائق ساحة الصراع الكبرى في ال
...
-
ألكسندر دوغين - منتدى سانت بطرسبورغ المفصلي والحرب مع أوروبا
...
-
بريكس على صفيح الشرق الأوسط الساخن: هل تكشف أزمة إيران والإم
...
-
إعادة تموضع التنين: الصين بين الشراكة مع روسيا والإنفتاح مع
...
-
أرمينيا بعد روسيا؟
-
الإمبراطورية التي تحمل الحرب معها
-
من «الحرب المحدودة» إلى «الحرب بلا قيود».. ماذا يكشف خطاب ال
...
-
ألكسندر دوغين – حول ستالين
-
بين مضيق هرمز وجبهة لبنان: هل ينهار الحوار الأمريكي ـ الإيرا
...
المزيد.....
-
-تهيّأوا للّعب-.. الكشف عن موعد الطلب المسبق لـ-Grand Theft
...
-
علقت على اجتماع سويسرا.. الخارجية الإيرانية: بدء مفاوضات الا
...
-
الدفاع الروسية: إسقاط 216 مسيّرة أوكرانية جنوب البلاد
-
تحليل: هل يجعل ترامب من نائبه -كبش فداء- لاتفاق السلام مع إي
...
-
رشيد حموني يطالب الحكومة بتبسيط إجراءات رخص البناء على أراضي
...
-
لماذا تتجه ألمانيا لشراء صواريخ من إسرائيل وأوكرانيا؟
-
مسؤول إسرائيلي: لا تغيير في ترتيبات وقف إطلاق النار والجيش س
...
-
سويسرا تدرس مسألة حرمان الرجال الأوكرانيين في سن التجنيد من
...
-
سوريا تغيب عن بطولتين عربيتين في مصر بسبب أزمة تأشيرات
-
مصر.. الداخلية تكشف تفاصيل حادث -بائعة الشاي- الذي أغضبت الم
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|