أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - عبد الرحمان النوضة - إشكاليات القوى الثورية(2من2)















المزيد.....



إشكاليات القوى الثورية(2من2)


عبد الرحمان النوضة
(Rahman Nouda)


الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 13:46
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


هذا نص الاستجواب الذي أجرته نَشرة "المناضل-ة" مع رَحمان النُوضة، حول إشكاليّات الـقِوَى الثورية بالمغرب. (الجزء 2 من 2) :
(الصِّيغَة 6)
فِـــهْــــرِس هــذا الاســتـــجـــواب

1 ■ مَن هو رحمان النوضة ؟ 2
2 ■ هل أَثَّـرَ سِجنك على نظرياتـك ؟ 3
3 ■ تَطوّر طبيعة الدّولة 4
4 ■ بِنية السّلطة، وتحوّلات آليّات الحكم 7
5 ■ التـناقضات الـمُجتمعية، وعلاقة الدولة بالطّبقات 11
6 ■ تحليل الوضع السياسي الرّاهن 12
7 ■ أَسْرَار "التَّطْبِيع" بين دَولة المَغرب وَكِيّان إِسْرَائِيل 20
8 ■ الآرَاء السيّاسية الـمُخالـفة التي تُثير التَناقضات 25
9 ■ قراءة الحركات الاحتجاجية، وإمكانية مُراكمتها 28
10 ■ كيـف التَـعامل مع النضالات الجماهيرية المُشتركة 29
11 ■ حَول التَشَتُّت التَنظيمي لِقِوَى اليسار 30
12 ■ تـقـييم التجربة، وأسباب تـراجع اليسار 31
13 ■ تَـفسير أزمات اليسار، والتـنظيم، والنظرية، والعلاقة بالجماهير 37
14 ■ نَـقد أحزاب اليسار بالـمَغرب 39
15 ■ سبب فشل التجذر في الجماهير، ومعيـقات بـناء قاعدة شعبية 44
16 ■ التّحالـفات، مثل التحالـف مع الإسلاميين، وشروط بـناء جبهة 45
17 ■ شروط بـناء قِوَى سياسية يَسارية، ثَورية، وَمُؤثّرة 50
18 ■ مسألة الـمُشاركة في الانتخابات 55
19 ■ حرب سّرية بين المَلكيات والجمهوريات العربية 57
20 ■ هل ما زالت الماركسية صالحة ؟ 59
21 ■ هل ما زالت نظريتـك صالحة ؟ 60
22 ■ آفاق التـغيير في المغرب 62
23 ■ ما هي اِنـتـقاداتـك تُجاه تِيّار "الـمناضل-ة" ؟ 63
24 ■ الـمبادئ النظرية التي تـنطلـق منها 64
25 ■ رسالتـك إلى الجيل الجديد من المناضلين 67
مُـــلْـــحَـــات 68
مُلحق : لائحة كتب رحمان النوضة 68
…….•■٭■•…….

13 ■ تَـفسير أزمات اليسار، والتـنظيم، والنظرية، والعلاقة بالجماهير
سؤال : في ضوء كتاباتـك النّـقدية، كيـف تـفسّر أزمة اليسار اليوم: هل هي أزمة تنظيم، أم أزمة نظرية، أم أزمة استراتيجية، أم مُشكل علاقة بالجماهير؟
جواب : في كتابي "نَقد أحزاب اليَسار بالمَغرب"، شَرحتُ أنّ قِوَى اليسار تُعاني مِن نٌقَط ضُعف في مُجمل المَيادين : التَّنظيمية، والنّظرية، والاستـراتيجية، الخ. لكن «الأزمة الأساسية» لأحزاب اليسار في المغرب لَا تَنـتج عن مشاكل «تَنظيمية»، أو «نَظرية»، أو «اِستراتيجية»، وإنما تَنـتج عن طبيعتها الطَّبـقية. ونسبة هامّة مِن بين مُـكوِّنات أحزاب اليسار تَنـتمي إلى طبقة ما يُسمّى عادةً بِـ «البُرجوازية الصّغيرة». وأنا شخصيًّا أَتَلَافَى اِستـعمال هذا المُصطلح. وفي كتابي المُعنون بِـ "طَبقات المُجتمع"، أوضحتُ ما يُوجد في مَفْهُوم «البُورجوازية الصّغيرة» مِن غُمُوض، أو نَواقص، أو تَصوّرات خاطئة. وأستـعمل مَفاهيم طَبقـية أخرى. مثل مَفَاهِيم «طَبقة المُسْتَـغِلِّين» (الكبار، والمتوسِّطين، والصِّغار)، و «طَبقة المُسْتَـغَلِّين»، و «طَبقة الذين لَا يَسْتَـغِلُّون وَلَا يُسْتَـغَلُّون». وَلكي لَا أُرْبِكَكَ بمفاهيمي الجديدة، سأستـعمل مَفهوم «البُورجوازية الصّغيرة» الكَلَاسِيكِي المَعروف. وجزء هام مِن «البُورجزية الصّغيرة» هم أشخاص «لَا يَسْتَـغِلُّون وَلَا يُسْتَـغَلُّون»، والأقلِّية الباقـية منها هُم «مُسْتَـغِلُّون صِغَار». وكثير مِن المُـفكِّرين الماركسيِّين (عبر العالم) درسوا خَصائص طَبقة «البُورجوازية الصّغيرة»، عبر الثورات التّاريخية المُختلفة. وَيُجمع هؤلاء المُـفكِّرين على أنها طبقة مُـعَـقَّدة، وَمُلْتَبِسَة. وَتَـغلب عليها صِفَات «التَذَبْذُب»، أو «التَرَدُّد»، أو «الغُمُوض»، أو «التَناقض»، أو «عَدم الاستقرار»، وحتّى «الانتهازية». ويُمكن لِبَعض فئات «البورجوازية الصّغيرة» أنْ تَنـتـقل من مَوقف سيّاسي إلى مَوقف نَقـيض، ومِن تَحالـف إلى تَحالـف مُعاكس. فَتَصْطَفّ تَارةً «البُورجوازية الصّغيرة» إلى جانـب الطَّبقات المُسْتَـغِلَّة السّائدة، وتارةً أخرى إلى جانـب الشّعب، أي إلى جانـب «طَبقة المُسْتَـغَلِّين»، و «طَبقة الذين لَا يَسْتَـغِلُّون وَلَا يُسْتَـغَلُّون». فَتـكون طبقة «البرجوازية الصّغيرة» ثَورية خلال بعض الـفَتـرات التاريخية القصيرة، وتـكون مُحافظة، أو مُتخاذلة، أو مُرتبكة، أو اِنتهازية، خلال كثير من الـفتـرات الأخرى. ومن الشّائع أنّ جزءًا هامًّا من طبقة «البُورجوازية الصّغيرة» يُدافع عن المصالح الشّخصية الـفَرْدَانِية الأنانية، ويُحارب الـقـوى الثّورية الجذرية، ويُـعادي كذلك الأطروحات السياسية الثّورية، أو الاشتـراكية، أو الشيوعية. وَتَخشى «البُورجوازية الصّغيرة» الـقمع السياسي، وَتَبتـعد عن الحركات النضالية الجماهيرية الثورية، وَتحطات كثيرا من المُناضلين المُنـبثـقـين من الشّعب. وغالبًا ما تَكون الأحزاب أو الـقِوَى السياسية المُنْبَثِـقَة مِن «البُورجوازية الصّغيرة» مُتَـعَدِّدة، أو مُتَنَوِّعة، أو مُتَـفَاوِتَة، أو مُتَنَافِسَة، أو مُتـناقضة، أو مُتصارعة. ولا تَـقدر طبقة «البُورجوازية الصّغيرة» على قـيّادة الثّورة المُجتمعية، أو إنجاحها. لكن تاريخ العديد مِن الثّورات عبر العالم يُبَيِّن اِستحالة إنجاح الثّورة المُجتمعية بدون خَوض النضال السياسي داخل «البُورجوازية الصّغيرة»، أو بدون كَسْبِ غَالِبِيَّتِهَا إلى جانـب مُعسكر العُمّال والـفَلّاحين الصِغَار، أي إلى جانـب «طَبـقة المُسْتَـغَلِّين». الشيء الذي يَتَطَلّب خَوض صراع سيّاسي، وفكري، وثـقافي، ومُتَوَاصِل، داخل صُفوف هذه «البرجوازية الصّغيرة». ولا يَجوز تَرك طبقة «البُورجوازية الصّغيرة» فريسة سَهلة لِتَأثير طبقة «المُسْتَـغِلِّين الكِبار». وتحتاج الـقِوَى الثّورية إلى موارد مادِّية ضخمة. وأفراد «البُرجوازية الصّغيرة» المُتـنوِّرين هم عادةً الـقادرين على تَوفير هذه المَوارد المادِّية إلى الـقِوَى الثّورية.
14 ■ نَـقد أحزاب اليسار بالـمَغرب
سُؤال : لماذا تَنْتَـقِد أحزاب اليسار بالمغرب ؟ وما هي أهمّ الأفكار، أو السُلُوكِيّات، التي تَنـتـقدها في أحزاب اليسار ؟
جَواب : • أنا أحتـرم، وَأُقَدِّر، كل الـقِوَى السياسية التي تُناضل، بهدف خدمة الشّعب، سواء كانـت هذه الـقِوَى تَقدّمية، أم يَسارية، أم ثَورية، أم اشتـراكية، الخ. لكن هذا «الاحترام» لَا يُبرّر إلغاء حقّ النّـقد. ومنـع «النّـقد»، هو بِمَثابة «مَنـع حُرِّية التَّـعبير».
• خَصَّصْتُ كتابي المُعنوَن بِـ "نَـقد أحزاب اليسار" لِاسْتِـكْشَاف، وشرح، ونَـقد، نـقط الضُّعف المَوجودة في أحزاب اليسار بالمَغرب. وهي كثيرة. وَقد فَصَّلتها في الكتاب. وَمُمارسة النّـقد السياسي المُتبادل هي ضرورة حيويّة. حيث يَستحيل إنجاز التَـقدّم المُجتمعي بدون مُمارسة هذا النّـقد السياسي الثّوري المُتبادل. ولو أنّ النّـقد لا يَدخل ضِمن عادات حضاراتنا العَربية أو الإسلامية. ورغم أنّ الجِهات المُنْتَـقَدَة تَرُدّ عادةً على النّـقد السياسي بِالمُخاصمة، أو المُقاطعة، أو التَّشهير، أو العَداء. وقـيّادات أحزاب اليسار الحالية، وكذلك أُطُرُهَا، ونحن أيضًا، كلّنا حاليًّا دُون المُستوى المَطلوب. وَحتّى قـيّادات «أحزاب اليسار» تُريد مَنـعنا من نَـقدها. لكن كيـف يَجوز نـقد النظام السياسي القائم، وَلَا يَجوز نَـقد أحزاب اليسار ؟ كيـف يُمكن لِشَعبـنا أنِ يَصْحُوَ مِن تَخلّفه إذا لم نُمارس جميعًا «النّـقد السياسي المُتبادل»، و«المُراقبة المُتبادلة»، و«المُحاسبة المُتبادلة» ؟ وأقـول بصراحة : قِيّادات أحزاب اليسار الحالية، ليست مُستـعدّة لِلتّضحية. وليست في المُستوى النضالي المطلوب. وَتَنـفر مِن «النضالات الجماهيرية المُشتركة». وحتّى غالبية جماهير الشّعب غير مُرضية. ويحقّ نَـقدها [أُنظر كتابي "نَـقد الشّعب"]. ولماذا ؟ لأن مُعظم المُواطنين غارقين في الرِّضَى عن النَّـفس، والجهل، والـفردانية، والأنانية، والانتهازية، والخوف من إرهاب الدولة، والْاِسْتِلَاب بِجَمع المَال، الخ. وأعتـرف أننا كلّنا مُتخلِّفون. ولا نَـعِـي بَعْدُ درجة الانحطاط الذي غَرِقت فيه شُعوبـنا العربية، أو المُسلمة. ونحن جزء من هذه الشعوب العربية المُتخلِّفة. وَتَخَلُّفُنَا هو جُزء مِن تَخلّف شَعبنا. وحتّى إذا اِستمرّت الـقـيّادات السياسية الحالية لأحزاب اليسار، في مُمارسة نَـفس المَناهج السياسية القديمة، خلال عُقـود إضافية، فَمِن المُستبعد أن تـقدر على إنـتاج الوُضوح (بدلًا مِن إنتاج الغُموض)، وَتَحرير الطّاقات (بدلًا مِن تَـكبيلها)، والجُرأة على المُبادرة (بدلًا مِن البقاء في الانـتظارية، أو اليأس)، وَنَشر الأفكار الخَلّاقة (بدلًا من نَشر الأطروحات المُضَلِّلَة)، والجُرأة على المُقاومة والنضال (بدلًا مِن التَراجعات الْـلَّا مُنتهية). وَلَا نَـقْنَـع بِأقلّ مِن خَلْـق بَشَر، أو إنسان، ثوري، مِن نَوع جديد. وَمَن لَا يُعجبه هذا النّـقد السياسي، يَجب عليه أنْ يَرُدَّ عليه بما هو أَفْيَد منه، إِنْ قَدِرَ على ذلك.
● من هي «الأحزاب اليسارية»، أو «الثّورية» ؟ كلّ حزب لا يُدرك اِستحالة إصلاح النظام السياسي الاستبدادي الـقائم (في المغرب)، من داخل مؤسّـساته، أو لَا يَـعِـي أن المُشاركة في البرلمان، أو في الجماعات المحلية، هي مَضيعة للطّاقات، أو لَا يَـفهم اِستحالة تحقـيـق «الدّيموقراطية»، أو «المَلَكِيَة البَرْلَمانية»، في إطار هذا النظام السياسي الاستبدادي الحالي، هو بالضّرورة حزب مُحافظ، أو يَمِينِـي. وَلَا يُعقل التَـعْوِيل عليه.
• بعض أحزاب اليسار الحالية، تُحِبّ حَمْل أسماء تَصف نَـفسها بِكَونها «أحزاب دِيمُوقراطية»، أو «أحزاب اِشتراكية». وفي نـفس الوقت، تَـقبل هذه الأحزابُ «الرّأسماليةَ»، وَتُعادي «الاشتـراكيةَ»، وَتـكره الـفكرَ الماركسيَّ، أو تُحاربه، وَتَنْـفُر من المُشاركة في النضالات الجماهيرية الثّورية. وهذه اِنـتهازية مَـكْشُوفة.
• وَلِؤُلَائك الأشخاص المَسْؤُولين الحِزبيِّين الذين يَتَلَافَوْن إشراك الحزب في «النضال الجماهيري المُشترك»، خوفًا مِن تَعرّضه للقمع، وَلِؤُلَائك الذين يُضحّون بكلّ شيء للحفاظ على الحزب، يجب أنْ نُذَكِّرهم أنّ الحزب الثّوري، ليس هدفًا في حدّ ذَاته. وإنّما هو وسيلة لِخَوض «النضال الجماهيري الثّوري»، ولإنجاح الثّورة المُجتمعية، التي تُـغَيِّر كل مُكوِّنات المُجتمع. وهدف كل حزب، أو نـقابة، أو جمعية، أو غيرها، هو المُساهمة في تَهيئ وإنجاز «الثّورة المُجتمعية التَحَرُّرِيَة». وكل هيئة، أو جمعية، أو نـقابة، أو حزب، لا يُساهم في تَهْيِئ وإنجاز «الثّورة المُجتمعية التَحرّرية»، يصبح وجوده مُجرّد عَبَث غير مُفيد.
• تُوجد فُروقات كبيرة بين الخُطوط السياسية النظرية التي تُعلنها أحزاب اليسار الحالية بالمَغرب، وخُطوطها السياسية الفِـعْلِيَة التي تُمَارسها على أرض الواقع. والواجب هو أن نَحكم على كلّ حزب، ليس على أساس الخَط السياسي النَظَرِي الذي يُـعلنه (الأقـوال)، وإنّما على أساس الخط السياسي الـفِـعْلِي الذي يُمارسه في المَيْدان (الأفعال).
● تَضخّم الأجهزة الـقمعية، وَتَشدد الـقَمع السياسي، يَفرضان تَجاوز العمل بأسلوب «الحزب الواحد المَركزي». حيث إذا تـعرّضت قـيادة هذا «الحزب الواحد المَركزي» للاعتـقال، أصبح هذا الحزب مَشلولًا، أو مُعَوَّقًا، أو عاجزاً عن المقاومة، أو عن البقاء على قيد الحياة. لذا يَتوجّب تَـفضيل العمل بأسلوب تَـقْسِيم الحزب إلى تـنظيمات، أو أنوية، تَـكون مُتـعدّدة، وشبه مُستـقلّة، وشبه سرّية، أو سرّية بالكَامِل.
● يَـفرض تَصاعد الـقَمع السيّاسي ضرورة إقامة رَبط مَرِن، وذَكِي، بين الأعمال السياسية العَلنية، والأعمال السياسية السِرِّيَة.
● على خلاف بعض المُناضلين، أو بعض الجماعات، الذين يَتَلَافَوْن المُساهمة في «النضالات الجَماهيرية المُشتـركة»، إلى أنْ يَزول خطر التَـعرّض لِـ «الـقمع السياسي»، يجب أنْ نُـعلّم كلّ هؤلاء المناضلين، من جديد، فُنون النضال تحت نِيران العَدو، وَفُنون تَجاوز الـقَمع، وفنون الصُّمُود، والاستـعداد للتّضحية، الـفردية والجماعية. ولماذا ؟ لأنه يَستحيل وُجود «نضالات جماهيرية مُشتـركة»، ويستحيل بُلوغ أيّ تَحرّر مُجتمعي، بدون وُجود قَمع سياسي، أو بدون حُدوث اِعتـقالات سياسية، أو بدون بَذل تَضحيّات جَسيمة.
• يجب العَمل على الإرتـقاء بِمُستويات أحزاب اليسار إلى الدَّرَجَات الثّورية الطّليعبة التي نَتمنّاها. لكن مِن الواجب أن نَتَذَكَّر، في نـفس الوقت، أنّه إذا كان الشّعب في حالة تَخلّف (بِمَعنى شُيُوع الجهل، والفردانية، والأنانية، والاِستلاب، وغيّاب الوعي السياسي، والخوف من إرهاب الدولة، وغيّاب الاستـعداد للتّضحية، الخ)، فإن هذه الأحزاب لن تستطيع تَعبئة جماهير الشعب، أو تَوعيّتها، أو تَنظيمها، أو التَجَذُّر فيها. وفي هذه الحالة، يجب البدء بالعَمل على تحويل الشعب مِن «كائن في ذاته» (in itself)، إلى «كائن لِذَاتِه» (for itself). وذلك من خلال التَحسيس، والتَّوْعِيَة، والتَمرين عبر نضالات جماهيرية بَسيطة وَمُتَنَامِيَة. ولو أننا نُدرك أنّ نـتائج هذه النضالات الأوّلية ستـكون مُتواضعة، أو هزيلة، أو حتّى فاشلة.
• يُمكن أنْ نَـقْبل خوض «النضالات الجماهيرية المشتـركة»، ضدّ النظام السياسي القائم، مع أشخاص وجماعات وأحزاب مُعتـدلة، أو تـقدّمية، أو إصلاحية، أو غير ثوريّة، في إطار نوع مِن «الحركة الشّعبية»، أو «الجبهة الوطنية». لكننا نَرفض تَواجد هذا الصِّنـف مِن الأشخاص والهيئات السياسية داخل حزب ثوري، أو اشتـراكي، أو شيوعي.
• تُوجد أحزاب سياسية «إدارية»، أو «مَخزنية»، أو «مُحافظة»، أو «يَمِينِيَة» (بما فيها "حزب التـقدّم والاشتـراكية"، و "حزب الاتحاد الاشتراكي"). وهي تُساهم في «الْلُّعبة السياسية» الرّسمية، وَتُشارك في قَهر شعب المَغرب، وفي نَهبه. لأنها تَتـكوّن مِن مَجموعات مِن الأشخاص الطُفَيْلِيِّين، أو الانـتهازيِّين، أو المُرْتَزِقَة. ولا تُفيد هذه الأحزاب الشّعبَ بأيّ شكل مِن الأشكال. بل تُساهم في تَضليل الشّعب، وفي قَمعه، وقهره. وتتظاهر هذه الأحزاب بكونها «أحزاب سياسية»، بينما هي مجموعات اِنـتهازية، ومُخادعة. وَتُمارس «الْاِرْتِـزَاق»، مِن خلال المُشاركة في لُعبة سيّاسية شَكليّة، وَمُضلِّلة. وتـعيش مِن الـقُرب مِن السّلطة السياسية، ومن خِدمتها، ومن المُكافآت، ومن «الرِّيع السياسي»، وَمِن اِستـغلال النُفوذ، ومن تضارب المصالح، ومن الـفساد، والغِش. ولا يَهمّها سوى الاغتـناء الشّخصي السّريع وغير المشروع.
• بعض مناضلي أحزاب اليسار، مُصابون بأمراض الذّاتية، أو الأنانية، أو الزّعامثة، أو الانـتهازية الخفية. وقد لا يَجدون حَرَجًا في أنْ «يَرْتَزِقُوا» هم أيضًا من الاقتـراب من السّلطة السياسية، أو مِن المُشاركة في خِدمتها.
• «الحِزب السيّاسي» هو من بين أهمّ وسائل خَوْض الصّراع الطبقـي. ولا يَـكفي أن يَـكون هذا الحزب هو «حزب الطبقة العاملة» لكي يَـكون ثوريّا، وناجحًا. وحتّى إذا كَانت أغلبية أعضاء الحزب عُمَّالًا، لَا يَضمن هذا المُعطى شيئًا. والتجربة المُعاشة، في واقع مُجتمعي مُحدّد، هي التي تُبَيِّن كيـف يجب أن يَـكون الحزب، وكيـف يجب أن يَعمل. وَلَا يَنجح تَدبير الحزب، إذا حاولنا تَدبيره طِبْقًا لِتَصوّر نظري مُسبق، وجامد، وإنما يَنجح تَدبير الحزب إذا نحن عَملنا طِبْـقًا لِتَطوّر الأوضاع القائمة في المُجتمع. وبعض التجارب (الـقديمة والحديثة) تُوضِّح ضرورة أن يَـكون الحزب ثَوْرِيًّا، وجماهيريّا، وَذِي فُروع مُتـعدِّدة وَمُتـنوِّعة. منها مثلًا فَرْع لِلتَّـكوين السياسي والبحوث العِلْمِيَة. وَفَرع لِتَتَبُّع أنشطة الـقِوَى السياسية الأخرى، والتَّنسيـق معها. وَفَرع عَلَنِي (أو شبه علني)، وفرع (أو فُروع) سِرِّيَة. وفرع خاص بالمَوارد المالية. وَفَرع يُمارس اليَقظة تُجاه المُخابرات العَدُوَّة، وَيُنـفِّذ الإجراءات الأوّلية الضرورية لِمُكافحة التَجسّـس المُعادي، أو مُحاولات الاختراق. وَفَرع مسلّح بالأدوات والتـقنيات الضرورية. وفرع دِبلوماسي مُتخصِّص في الإِتِصَالات العالمية، إلخ. ولماذا ؟ لأن نَجاح الحزب في إنجاز طُموحاته، يَتَطلّب أن يَتحوّل هذا الحزب إلى مشروع دَولة داخل الدّولة الـقائمة، في انـتظار أن يُصبح هو الدّولة المُدَبِّرة لِلْمُجتمع.
15 ■ سبب فشل التجذر في الجماهير، ومعيـقات بـناء قاعدة شعبية
سؤال : لماذا فشل اليسار الراديكالي في تحقـيق امتـداد جماهيري واسع، رغم تـفاقم الأزمات الاجتماعية ؟ وما هي معيـقات بـناء قاعدة شعبية ومؤثّرة ؟
جواب : • فَشل قِوَى اليسار الثورية في تحقـيـق التَجَذُّر في صُفوف الطبقة العاملة، وفي عُموم الجماهير الكادحة المُسْتَـغَلَّة، له أسباب مُتـعدِّدة وَمُعـقّدة. وإذا كانـت بعض الأسباب داخلية لـقـوى اليسار، فإن بعضها الآخر خارجية. ومن بين عناوين هذه الأسباب، أذكر ما يلي : (أ) نَوْعِيَّة أعضاء قـيّادات قـوى اليسار. (ب) نوعيّة الأعضاء في قَواعد قـوى اليسار. (ت) نَوعيّة الخُطوط السياسية المُنـفّذة على أرض الواقع (وليس الخُطوط السياسية المُعلنة نظريًّا). (ث) غيّاب الثّوريِّين المُحترفين. (ج) قلّة العُلماء، والتِـقْنِيِّين، والمُبدعين، في أوساط قـوى اليسار. (ح) ضُعف الإبداع في مَجال تَطوير أساليب الدِّعاية، وأساليب العمل السياسي، وأساليب التـنظيم، وأشكال التـنظيم، وأساليب النضال السياسي، وأساليب الاستـقطاب، الخ. (خ) ضُعف الوعي السياسي المَحمول من طرف مناضلي قـوى اليسار. (د) مَحدودية الاستـعدادات النضالية لدى أعضاء قـوى اليسار، وضُعف التَهَيُّؤ لِلتّضحية. (ذ) عدم تَوفّر قـوى اليسار على وسائل التواصل الاجتماعية الحديثة والمُؤَثِّرة، مثل التلـفزة، والإذاعة، ومواقع الإنـتـرنيت، والـفيديوهات، والتسجيلات الصّوتية، الخ. (ر) أوضاع الطبقة العاملة، وعُموم الكادحين المُسْتَـغَلِّين، المادية، أو الـفكرية، أو النَّـفسية، تَجعلهم يَنْـغَلِقُون على أنفسهم، وَيَحْذَرُون من السياسة، ومن السياسيِّين، أو تَجعلهم يَتهرّبون مِن الإتّصال بهم، أو تَجعلهم يَخشون عَواقب النضال، أو تَجعلهم يَحطاتُون مِن الـقمع السياسي، أو مِن إرهاب الدّولة، الخ. (ز) بعض الأحداث الدّاخلية (مثل الاعتـقالات)، أو العالمية (مثل اِنهيّار الاتحاد السّوفياتي، أو تصاعد هجمات الـقِوَى اليَمِينية في مُعظم أقاليم العالم، أو إنحرافات بعض رُوَّاد الاشتـراكية مثل رُوسيا والصِّين، الخ)، لَا تُشجّع على المُشاركة في النضالات، أو التـنظيمات، الخ. (س) الـفرق الشّاسع بين تَكوين المناضلين الثّوريِّين، وتـكوني المُواطنين الكادحين المُسْتَـغَلِّين العَادِيِّين. (ش) ظاهرة النَّـقْص في قَابِلِيَّة الكادحين المُسْتَـغَلِّين للإتِّصال السياسي، أو للتَّـفَاعُل السياسي، أو للمُشاركة في «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، وهذا المُعطى المُجتمعي هو تاريخي، وقد يَنًمُو أو يَضْعُف، وذلك حسب تطوّر الظُروف (الوطنية والعالمية) التي تُمَيِّز كل مرحلة تاريخية. (ص) الأزمات الاقتصادية، أو السياسية، أو الثـقافية، أو اِشْتِدَاد الاستـغلال الرّأسمالي، لَا تُحْدِثُ بشكل حَتْمِي، أو آلي، ثَورات مُجتمعية. وإذا لم تَتوفّر شُروط الثّورة المُجتمعية، فإنها لا تَحدث، حتّى ولو كانـت هذه الأزمة المَعنية ضَخمة، أو تَحُثّ على الانفجار. الخ.
16 ■ التّحالـفات، مثل التحالـف مع الإسلاميين، وشروط بـناء جبهة
سؤال : كيـف تُـقـيّم مسألة التحالـفات ؟ وكيـف تَرى التَحالفات بين أحزاب اليسار ؟ وما شروط التَحالـف بين اليَساريين والإسلاميين؟ وهل يمكن بـناء جبهة نضالية واسعة، وما هي شروطها، وحدودها ؟
جواب : • «التَحالف» هو نَوع مِن «الجَبهة». كما أنّ «الجبهة» هي نَوع من «التَحالف».
• سبق لي أن طَرحتُ نَظرية دقـيـقة حول «التحالفات» بين القِوَى السيّاسية، في الـفصل 6، من كتابي "نَـقد الحركات الإسلامية". وأوضحتُ أنّ شَرط إقامة وإنجاح «تَحالق» بين قُوّتين سيّاسيّتين، هو أن تَـكون لكلّ واحدة منهما أهداف اِستـراتيجية مُتشابهة، وأن لَا تَـكون لهما أهداف اِستـراتيجية مُتناقضة.
• يَجب أنْ يَكون مُبرّر وُجود «التحالـفات» بين الـقِوَى السياسية، وهدفها، هو خوض «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، من أجل خِدمة مصالح الشّعب، وَتَثْوِير المُجتمع. فَإِنْ لم يكن هدف «التحالفات» السياسية هو خوض «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، تُصبح هذه «التحالفات» مَضْيَـعَة لِلوقت، وَلِلطّاقات. ويكون مآلها هو الفشل.
• "الحزب الاشتـراكي الموحّد"، وكذلك "حزب فيديرالية اليسار"، يَحْصُران أنشطتهما السياسية في المشاركة في الانـتخابات العامّة. وَيَـقبلان البَـقاء في إطار الرّأسمالية. وَيَحْرُصَان على تَسْقِـيـف نضالات الجماهير بِسَقف «المَلكية البَرلمانية». ويُعَادِيَّان المناضلين الذين يطرحون شعار «إسقاط النظام». ويُريدان «إصلاح»، أو «دَمَقْرَطَة» النظام السياسي الـقائم، من داخل مُؤسّـساته [مثلما ظلّ يَـفعل حزب "الاتحاد الاشتـراكي للـقـوّات الشّعبية"، الذي تَحوّل إلى حزب مُسَخَّر لخدمة النظام السياسي الاستبدادي القائم]. وهذا هو سبب تَهَرُّب حزبي "الاشتـراكي الموحّد"، و"فيديرالية اليسار"، من المُساهمة في خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة». وهو كذلك العُنصر الذي يُفسِّر نُـفُور هذين الحزبين من خَوْض أيّ «نضال جماهيري مُشترك» مع الـقـوى الثّورية. وهذا موقف مُحافظ، وَيَميني، ومُضرّ بمصالح الشّعب. والطموح الأقصى لحزبي "الاشتـراكي المُوحّد"، و"فيديرالية اليسار"، هو تَـقليد تجربة "حزب الاتحاد الاشتراكي"، أو إِعَادة إِنْتَاج تجربة "الحزب الاشتراكي" المَوجود في فرنسا. وهي كلها تجارب فاشلة. وما دام هذان الحزبان على هذه الاختيارات الاستـراتيجية، سيكون من الصّعب، بَل من المُستحيل، التَـعْوِيل عليهما، أو «التحالف» معهما.
• في مَجال «العَمل المُشتـرك»، أو «النضال الجماهيري المُشترك»، فيما بين الـقِوَى السياسية التَـقَدُّمِيَة، أو اليسارية، لَدَيّ عِدّة «لَاءَات» مَبدئية. وهي التّألية :
1- لَا لِلمُشاركة في تَجميع قِـوى اليسار على أساس الإيمان بإمكانية إصلاح النظام السياسي الـقائم من داخل مؤسّـساته وقوانينه.
2- لَا لِلمُشاركة في تَجميع قِـوى اليسار على أساس المُطالبة بِوَهْم «المَلَكِيّة البَرلمانية».
3- لَا لِلعمل المُشتـرك المَبـني على أساس تَسْقِـيـف النضالات الجماهيرية المشتـركة بِـ «سَقف المَلكية البَرلمانية».
4- لا لِلمُشاركة في تَجميع قِوى اليَسار على أساس الإيمان بوَهْم «تحقـيـق الدِّيموقراطية» الْلِّيبيرَالِيَة في إطار النظام السياسي الاستبدادي الحالي.
5- لَا لِلمُساهمة في تَجميع قِوى اليسار على أساس الـقَبُول بِالرَّأْسَمَالِيَة.
6- لَا لِلعمل المشتـرك مع الحركات الإسلامية التي تَرفض الالتـزام العَلني بِـ «حرّية العقـيدة»، وَ «حرّية العِبادة»، و «حرّية عدم العبادة»، و «فصل الدِّين عن السيّاسة».
7- لَا لِلعمل المُشتـرك مع الحركات الهُويّاتية الأمازيغية التي تُكِنُّ العداء لليسار، أو للعَرب، أو لِفَلسطين، أو للعُروبة، أو التي تَستـقـوي بالـقِـوَى الإمبريالية، أو الصهيونية، أو تَتـعاون مع إحداها.
8- لَا لِتَضْيِيع الطّاقات في مُحاولة «تَوحيد» مختلـف الأحزاب، أو التـنظيمات، أو التِيَّارات، أو الشخصيّات، «اليَسارية»، أو «التَـقدّمية»، في «حزب واحد مُوحد»، أو في «جبهة واحدة مُوحّدة». وَنَـعَم لِلمُساهمة، كُلٌّ حسب قُدُرَاتِه، في «النضالات الجَماهيرية المُشتـركة»، الجارية في المَيدان، أي على أرض الواقع.
• أتمنّى أنْ تُشارك كل الـقِوَى السياسية في إنجاز الثّورة المُجتمعية. لكن تاريخ الثورات يُبيِّن أن هذه الأمنية لا تتحقّق. لذا يجب أن نـتـذكّر أنّ «التحالفات» السياسية لا تُطرح سوى مع المناضلين الثّوريِّين. وَلَا يُفيد «التحالف» مع العناصر المُحافظة، أو اليَمِينِيَة، أو العَمِيلة للنظام السياسي الـقائم، أو العَمِيلة للـقـوى الإمبريالية. وأنصار وَمُنَـفِّذِي الثّورة المُجتمعية، هم المُناضلون الثّوريِّون (بما فيهم المُتحزِّبون وغير المُتحزِّبين). وجزء مِن المُناضلين الموجودين في الميدان، قد يَتحوّلون، في ظُروف خاصّة، إلى «أعداء»، أو «خُصوم»، لهذه «الثورة المُجتمعية». وقد يَحدث ذلك مثلًا حينما يَتَحَوَّلُون إلى «مُعرقلين للثّورة»، أو إلى اِنـتهازيِّين، أو مُضَلِّلِين للشّعب، أو مُنحرفين (سيّاسيًّا). حيث يُمكن أنْ يُساهموا بأفكارهم، أو بأفعالهم، في إيـقاف هذه الثّورة، أو تَحريـفها عن دِينَامِيَّتِها الثّورية. وفي هذه الحالة، يَسقط كل «تَحالف» سابق معهم، إلى حين أن يُصبحوا من جديد مُساهمين في خوض «النضالات الجماهيرية المُشتركة».
• عندما تُطرح مُهمّة «التَـعاون»، أو «التَحالف»، مع شخص، أو جماعة، أو حركة، أو حزب، لا يهمنا كلام هذا الـفاعل السياسي، أو مظاهره، أو اِنـتماءه الأصلي، وإنما تَهمّنا أفكاره، ومشاريعه، وأفعاله في الميدان.
• تُوجد حركات سيّاسية إسلامية، تستـغلّ تَعلّق جماهير الشّعب بالدِّين. وَتُحاول تَـحْوِيل الدِّين إلى بَرنامج سياسي. وَيُمكن لكل حركة إسلامية أن تَتحوّل إلى شيء يُشبه مِيلِيشْيَا "دَاعِشْ" (الدّولة الإسلامية في العراق والشّام). وكان دائمًا مِن السّهل على الإمبرياليّات، وعلى إسرائيل، أنْ تَتـحكّم في التـنظيمات الإسلامية. وتظن هذه الحركات الإسلامية أنّه بإمكانها أنْ تُعالج كل مشاكل المُجتمع عبر فرض «أَسْلَمَة الدّولة»، وَ «أَسْلَمَة المُجتمع»، وعبر الزيادة في طُقوس العبادات. وهذا وَهم ظلّ يَفشل منذ آلاف السِّنِين، وفي كلّ أنحاء العالم. وَيَستحيل تَحقـيـق أيّ نَوع مِن الدِّيمُوقراطية، بدون الفَصل بين الدِّين والسياسة، أو بدون ضمان حرّية الإيمان، وحُرِّية عدم الإيمان، وحرّية العبادة، وحرّية عدم العبادة.
• يجب على أحزاب اليسار أنْ لَا تَتـعاون مع الحركات الإسلامية، إلّا بِشُروط. وأهمّ هذه الشّروط، هو أن تَلْتَزِم هذه الحركات الإسلامية عَلَنِيًّا بِـمبادئ : الـفَصل بين الدِّين والسيّاسة، والـفصل بين الدِّين والدّولة، وحرّية الإيمان، وحُرِّية عدم الإيمان، وحرّية العبادة، وحرّية عدم العبادة.
• وتُوجد في المَغرب حركات هُوِيّاتِيَة أمازيغية، تظنّ أنّ التـناقض الأساسي في المُجتمع هو التـناقض بين العَرب والأمازيغ، وبين «العُروبة» وَ «تَامَزْغَا». وتظنّ هذه الحركات الهُوِيَّاتِيَة أنّه بإمكانها أن تُعالج كلّ مشاكل المُجتمع عبر الـقضاء على كلّ ما يَظهر «عَرَبِيًّا»، وتـعويضه بما يَظهر «أَمَازِيغِيًّا» خَالصًا. وتُريد بعض الحركات الأمازيغية تأسيس حركاتها السياسية على أساس خَلـق التَّفْرِقَة، والعَداوة، بين «الأمازيغ» و «العرب». وتـريد أن تـكون الطّائـفة الأمازيغية هي المُهيمنة في المُجتمع. وتَريد بعض الحركات الأمازيغية تَـقليد تجربة بعض الحركات الهُوِيّاتية الكُردية الانـفصالية في العراق، التي تَسْتَقْوِي بِـ، وَتَتَحالـف مع، إسرائيل، والإمبرياليّات الغَربية، وَتُعادي العَرب، وفلسطين، واليَسار، والعُروبة. وَتَسقط كلّ الحركات الهُوِيَّاتِيَة في فَخِّ سياسة «فَرِّق تَسُد» الاستعمارية. وقد وصلت هذه الحركات الهُوِيّاتية الكُردية إلى طريـق مسدود. وتَحَوَّل جُلّها إلى حركات اِنـتهازية، عميلة لإسرائيل، وللإمبرياليات الغربية. وأنا أعتـرف باللّغة، وبالثّقافة، الأمازغيتَيْن. لكنني أرفض مَنَاهِجَ الحركات الأمازيغية، المَبـنية على أساس التَمَيُّز الهُوِيّاتي، وعلى أساس الصراع التَناحري بين الطوائـف، أو الـقـوميّات، أو الأعراق، أو الإثنيّات. وتُريد الحركات الأمازيغية تـعويض الصِّراع الطّبقـي، بالصِّراع بين الـقَومِيّات، أو الهُوِيَّات. ولا تُدرك الحَركات الهُويّاتية أن معظم شعوب العالم، كانـت وما زَالت، تَتـكوّن مِن مجموعات، وطوائـف، وهَوِيّات، وَقَوميّات، وإِثْنِيّات، مختلفة. وعلى عكس هذه الحركات الهُوِيّاتِيَة الأمازيغية التي تُريد تَقسيم الأوطان المُقسّمة، نحن على يَـقـين أنه يَستحيل على شُعوبنا التَحَرُّر، أو الخُروج من التخلّف، إذا لم نُوحِّد مُجمل شعوب شمال إفريـقـيا في دولة فِيدِيرالية مُوحّدة، على غِرَار الـفِيديراليّات الكبرى في العالم، مثل روسيا، والصِّين، وأمريكا، والاتحاد الأوروبي، والهند، والبرازيل، الخ.
● وَفي إطار العَمل الجَبهوي، يَكون المَطلوب مِن مُختلـف الـقـوى السياسية، والنـقابية، والجَمْعَوِيَة، هو المُشاركة الفِـعلية في «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، ليس كَهَيْئَات حِزْبِية، أو سيّاسية، وإنما كَمُواطنين أفرادًا وأحرارًا. ولماذا ؟ (أ) لأن العمل كهيئات سيّاسية هو أسلوب بطيء جدّا، وغير عَملي، وغير مُجدي. (ب) لأنّه يَتطلّب دائمًا الاِنـتظار خلال وقت طويل حتّى تَتشاور الإطارات الـقـيادية في كلّ هَيئة مُشاركة، وحتّى تَتَّخذ هذه القيّادات قَراراتها المسؤولة. وأحيانًا، لَا تَجتمع، وَلَا تُقرِّر شيئًا، فَلَا تَقدر على الـقِيّام بأيّة مُبادرة. (ت) لأن العَمل كَهَيئات سيّاسية، يُؤدِّي حتمًا إلى الـعَمل بِأُسلوب «الحِصَص» (quotas)، وَتَوْزِيع كَراسي المَسؤوليات في الإطارات الـقـيادية، فيما بين الهَيئات العُضوة. والمَنهج الأحسن، والبَدِيل، هو العَمل بِالمُرونة، والمُساهمة في «النضالات الجماهيرية المُشتـركة» الجارية كَمُواطنين أفراد، وأحرار (مثلما كُنّا نَـفعل في «حركة 20 فبراير»، بين سنوات 2011 و 2013). [شَرحتُ هذه الأطروحة في كتابي "كيـف نسقط الاستبداد"].
17 ■ شروط بـناء قِوَى سياسية يَسارية، ثَورية، وَمُؤثّرة
سؤال : كيـف نُـعيد بِـناء قِوَى سياسية يَسارية، ثَورية، وَمُؤثّرة ؟ وما هي الشروط الضرورية لإعادة بـناء يسار راديكالي مؤثر ؟
جواب : • الشّروط الضرورية لإعادة بـناء قِوَى يَسارية، ثورية، وجذرية، وفَـعّالة، هي معروفة منذ زمان. وَتُوجد وثائق نظرية تُوَضِّح هذه الشّروط. ومن بين ما يُمكن قـوله عَلَنِيًّا : إعطاء «الأسبقـية لِلعَقْل». وإعلاء الجماعة على الـفَرد. ومُناصرة العَدل المُجتمعي، ومُناهضة الظّّلم. وَتجاوز النَزَعَات الـقَبَلِيَة، أو الإقليمية، أو الْإِنْـفِصَالية، أو الطّائـفية، أو الدِّينِيَة، أو الـقَوْمِية، أو الْإِثْنِيَة، أو الهُوِيَّاتِيَة. والتَشَبُّت بِـ «تَحرير مُجمل البَشَرِية». و«الجُرأة على التّـفكير، والجرأة على النضال، والجرأة على الانـتصار». وبـناء الـقُدرة على «الصُّمود» في كل الظروف الـقاسية. وَتَـغليب «مَناهج المُقاومة» على مَناهج الاستسلام. والمُساهمة الـفَـعّالة في «النضالات الجماهيرية المُشتركة». و«الاستـعداد للتّضحية». و«التحرّر من الأوهام السياسية». والـقَطيعة مع «الإصلاحية»، ومع «المِثَالية». والارتباط العَمَلِي بالجماهير الشّعبية الكادحة. والرّبط بين أساليب النضال العلنية والسِرِّية. ودراسة واسْتِيعاب مُجمل «التُراث الـفكري الثّوري» لكل البشرية. وَنَـبْذ «العَصَبِيّات» الحَلـقـية، أو الهُوِيّاتية. والعمل بالمبادئ الثورية، مثل «مُمارسة النّـقد المُتبادل»، و«المُراقبة المُتبادلة»، و«المُحاسبة المُتبادلة». ومُمارسة «التَـقْيِيم، والتَـقْوِيم، وَالتَّـثْوِير». والتَحَلِّي بالتَوَاضُع. وَمُحاربة اِنحرافات : «الزّعَامِيَة»، و«الـفَردانية»، و«الأنانية»، و«النَّرْجِسِيَة»، و«الانـتهازية»، و«الْاِسْتِلَاب»، الخ.
• في العُمق، حينما تَسْئَل عن «إعادة بـناء قـوى يسارية ثورية»، فإنك تَسْئَل عن قضية «التَنظيم»، أو «الحزب». وهذه مسألة تحتاج إلى عدّة دراسات مُتنوِّعة ومُتكاملة. وتوجد فيها نظريات مُتنوّعة. ولا يُعقل إعطاء وصفة سحرية تَصلح لكل الأوضاع. بل كلّ وضعية مُجتمعية لها مشاكلها وحلولها. وأكتـفي ببعض الإشارات الجزئية والمُختارة. (أ) مُبرِّر وجود الحزب الثّوري، هو وُجود طُموح لِفَهم، وَتَـقْوِيم، وَتَـغيير، وَتَثْوِير المُجتمع. وهذا المُجتمع يَنحرف بسهولة. وَتَـقْوِيم المُجتمع يحتاج إلى حزب شعبي ضخم، وقـوي، وعَقلاني، وعادل، وثوري. ويستحيل على أيّ شخص لَا يَطمح إلى تَغيير المُجتمع أن يَنخرط في، أو أنْ يلتـزم بِـ، حزب سيّاسي. (ب) يُمكن لكل طَبقة مُجتمعية، ولكلّ فئة طَبقـية، أنْ يَكون لها حزب سياسي خاص بها، أو حتّى عدّة أحزاب سياسيةـ تُمثِّلها. (ت) إذا فهمنا أن المُواطنين مُتَـفَاوِتِين في أوضاعهم المُجتمعية، وفي وعيهم السياسي، وفي قُدراتهم النضالية، الخ، آنئذ سَنُدرك ضرورة إيجاد أنواع مُتـعدِّدة، وَمُتَـفاوتة، من التـنظيمات السياسية. وإذا كان المُناضلون الثّوريّون الطّليعيّون، يَتَحَلَّوْن بالمُرونة، وَيُتْـقِنُون فَنُون الرّبط، أو التَنسيـق، أو التَـكامل، بين مُختلـف هذه التـنظيمات المُتـفاوتة، في ميدان «النضالات الجماهيرية المُشتركة»، آنئذ سَيُدرك هؤلاء المُناضلين الثّوريِّين أن هذا التَـعَدّد، أو التـنوّع، في التـنظيمات السياسية، ليس سَلبيًّا، ولا مُعيـقًا. وإنما هو أسلوب مَفهوم، وَمَوضوعي، ومطلوب، وإيجابي. ويجب التَـكَيُّـف معه. (ث) عَملية بـناء الحزب الثوري تختلـف جذريًّا عن عملية جَمع أصوات بهدف الـفَوز في انـتخابات عامّة (تَخُصّ مثلًا البرلمان، أو الجماعات المحلِّية). والمُهم في الحِزب الثوري هو الكَيْـفُ، وليس الكَمّ. وما يَهم أكثر، ليس هو كِبَرُ عَدد المُنخرطين في تـنظيم سياسي مُحدّد. وإنما المهم (في الحزب) هو : كيـف يُفكِّر أعضاء هذا التـنظيم، وما هي طُموحاتهم، وكيـف يَـعملون، وكيـف يَتشاورون، وكيـف يَنضبطون، وكيـف يُناضلون، وما هي فعاليّتهم، وكيـف يَتـعاملون مع مُختلـف «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، الموجودة في الميدان. (ج) الحزب، أو التـنظيم، هو نُخبة، أو طليعة الشّعب، وَيُفتـرض فيها أنها مُتقدّمة. فَلَا يجوز مَنح العُضْوِيَة لأيّ مُرشّح كان، إِلَّا إذا توفّرت فيه شروط دَقِيـقَة وَمَفْحُوصَة. بل حياة الحزب، ومصيره المُستـقبلي، يَتَوَقَّـفَان على نَوْعِيَة شُروط العُضوية. كما يَتَوَقَّفَان على ضرورة التَأَكُّد مِن تَوَفُّر شُروط دَقـيـقة في كل مُرشّح لِلعُضوية في هذا الحزب. وحتى بعد الانخراط في الحزب، يجب الاستمرار في مُراقبة تَوفّر شُروط العُضوية المطلوبة في كل عضو قديم. بالإضافة إلى ضرورة تَنـقـيّة الحزب، من فتـرة لأخرى، من الأشخاص الذين اِنْحَرفوا عن شُروط العُضوية. وَلَا يَجوز أنْ تَبـقى العُضوية مُكتسبة وَمضمونة على مدى الحياة. (ح) يجب الانـتباه إلى رَصْد الأشخاص الذين يُريدون الانخراط في التـنظيمات الثورية، لكنهم لا يهتمّون سوى بإثبات ذَواتهم، أو بِتَحْسِين مَواقعهم الشّخصية في المُجتمع. ويجب الحرص على إبعاد هؤلاء الأشخاص عن مَواقع الـفيّادة، أو المسؤولية، إلى حين أن يَنضجوا. (خ) الانخراط في حزب مُحدّد، هو وَعْي ذُو بُعد مُجتمعي. وهو تَبَنِّـي لخط سيّاسي مُعيّن، أو اِعْتِنَاق لِبَرنامج أو مَشروع مُجتمعي. وهو أيضًا إِلتـزام، وانضباط، وثـقة مُتَبَادَلة في الجماعة، وَمُحاسبة مُتبادلة، واستـعداد للتّضحية. فلا يُمكنك أن تَبْـنِيَّ أيّ حزب إذا لم تُحارب، في نـفس الوقت، سُلُوكِيَّات الـفَرْدَانِيَة، والأنانية، والانـتهازية، والمِثَالِيَة، والْاِسْتِلَاب، الموجودة في المُجتمع. (د) يُفتـرض في قـيّادة الحزب أن تَكون ثورية. لكن الثورية ليست صفة ثابتة، وإنما مُتَـغَيِّرة. فَلَا بُدّ إذن مِن أن تَـكون الـقـيّادة هي أيضًا مُتَـغَيِّرة، عبر المُؤتمرات، أو الدَّوْرِيَة، أو الانـتخابات، أو الإقالات، أو المُحاسبات. وإذا اِستـقرّت الـقـيادة طويلًا، أِنْحَرَفَت بسهولة. (ذ) من المُتَوَقَّع أن تَحدث في الواقع، تَناقضات خَفِيَة، وَمُنافسات مُسْتَتِرَة، وصراعات مُعقّدة، فيما بين هذه التـنظيمات المُتنوِّعة، وفيما بين زعمائها، وأطرها (كَوادرها)، وأنصارها، ومجموعاتها، وأعضائها، الخ. فَيَـغدو من واجب كل المُناضلين الثّوريِّين نَـقد كل الأفكار، وكل السُلُوكِيّات، التي تَـعُوق دِينَامِيَّة «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»؛ وَفي نـفس الوقت، يجب تَشجيع وَدَعْم كل الأفكار والممارسات التي تُـقَوِّي دِينامية هذه «النضالات الجماهيرية المُشتركة». وذلك بغض النظر عن الانـتماء التـنظيمي لحامل هذه الأفكار أو السُلوكيّات. (ر) الحزب هو مَشروع سُلطة سياسية مُستقبلية. فلا يَجوز لـقـيّادة الحزب أن تَتصرف مثل قـيّادة السلطة السياسية الحالية المُستبدّة. ولا يحقّ لها أن تَستـعمل مَناهج الانـتهازية، أو الكذب، أو النّـفاق، أو التّضليل، أو الظّلم، أو المُناورات المُخادعة، الخ. ... فهل الـقِوَى المَحسوبة على «اليَسار» تُحارب فِعْلًا الـفَرْدَانِيَة، والأَنَانِيَة، والْاِنْتِهَازِيَة، والمِثَالِيَة، والْاِسْتِلَاب؟ جوابي : لَا. وفي مثل هذه البيئة الفاسدة، لا يُمكن أن تَتـقـوَّى الأحزاب المناضلة. والمُرَبِّي يَحتاج هو نـفسه إلى إعادة التَّربية. ولَا يَرفض المُواطنون الدِقَّة، والصَّرَامَة، والجَذْرِيَة، لكنّهم إذا رأوا أنها عَـقْلَانِيَة، وعَادِلَة، وَمُفيدة، قَبِلُوها.
• كيـف نَنطلـق في عَملنا الحزبي، أو في نضالنا السياسي الثّوري؟
أوّلًا، يجب على كل مُناضل، وعلى كل حزب يساري، أنْ يَختار مَن يُريد أنْ نَكون ؟ هل يُريد أن يَكون طَلِعِيًِّا في مُجتمعه، وثوريِّا، وَفَعّالا، ومُستـعدِّا للنضال، وللتّضحية ؟ أم هل يَـبحث عن الحُلول السّهلة، والخالية من المَخاطر، ومن القمع، وحتّى من المَجهودات المُضنية ؟
ثانيا، يجب علينا أنْ نُوضح مُنطلـقاتـنا، واختيّاراتـنا الأساسية. هل نُؤمن بإمكانية إصلاح النظام السياسي الـقائم، من داخل مؤسّـساته، أم أننا نطمح إلى إسقاطه، واستبداله بـنظام ثوري بديل ؟ هل نـقبل بقاء الرأسمالية، أم أننا نطمح إلى إسقاط الرأسمالية، وتـعويضها باشتـراكية إنسانية وثورية ؟ هل نـقبل بِحُدود عمل سياسي إصلاحي وقانوني، أم أننا نَطمح للمُساهمة في تَهيِّئ ثورة مُجتمعية شعبية، شاملة، وجذرية ؟
ثالثًا، يجب أن نكون مَنطقِيِّين، وعقلانيِّين في أفكارنا، وحازمين في مُمارستنا. فَلَا نـقبل الغُموض، ولا التـذبذب، ولا التَسَاكُن مع الأشخاص الانتهازيِّين، ولا نرضى بأقل من الانـتصار الشّامل.
رابعًا، إِنْ كنّا نـعتبر أنّ الظُّروف المُجتمعية الـلّازمة لِتَنـفيذ هذه الواجبات المذكورة سابقًا لم تَنضج بعد، فَيَجِب العَمل على تَهييئ شُروط إنجازها.
● كثيرون من بين المُناضلين (في المغرب) ظَلّوا مَهْوُوسين بِـمُحاولة «تَجميع»، أو «تَوحيد كلّ اليَساريِّين في حزب واحد كبير». وهذا النّوع مِن «التّوحيد» في «حزب واحد» مُستحيل الإنجاز. ولماذا ؟ لأنّ الأشخاص، والمجموعات، والتِيَّارَات، والأحزاب، يَختلـفون كلّهم في مُستويات وَعْيِهم السياسي، وفي دَرجات اِستـعداداتهم لِلنضال، أو لِلتّضحيّة. ولأن كل حزب، وكل قُوّة سيّاسية، لها أساسها الطَبـقـي الذي يُمَيِّزها عن باقـي الـقِوَى السياسية الأخرى. والمَطلوب، ليس هو تَوحيد كل الأشخاص، والجَماعات، والأحزاب، الذين نَظُنُّهم تـقدّميِّين، أو يَساريِّين، أو ثَوريِّين، في إطار «حزب واحد»، أو في «جبهة مُوحّدة». وإنّما المطلوب، هو أنْ يَلتـزم كل هؤلاء الأشخاص، أو المَجموعات، أو التِيَّارات، أو الـقـوى السياسية التـقدّمية، بِـ المُساهمة الفِـعلية، كلٌّ حَسب مُستطاعه، في «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، الجارية على أرض المَيدان.
● وكلّ أولائك الأشخاص، والجماعات، الذين ظلّوا، خلال سنوات، أو عُقـود، يُناقشون «التَجميع»، أو «التَّوحيد»، وفي نـفس الوقت، يَرفضون المُساهمة في «النضالات الجماهيرية المُشتـركة»، الجارية على أرض الواقع، لَا يُرجى منهم خَير، ولا يُـعقل التَّـعْوِيل عليهم.
• لا يُمكن أنْ تُوجد حركة نضالية جماهيرية ثورية إلّا إذا اِستـندت على عِدّة أَرْجُل، وخاصّةً منها الأَرْجُل الأربعة التّالية :
1. وُجود مُناضلين مُتَخَصِّصِين يهتمّون بِتَعميـق النظرية الثّورية، أو فُنُون الثّورة المُجتمعية، وَعِلْم المُجتمع، وَيُشيِّدون الوضوح السياسي، ويُراكمون المَعارف السياسية والثورية؛ ويدرسون التجارب الثورية السّابقة للاستـفادة منها، وَلِتَلَافي تـكرار أخطائها؛
2. وُجود مُناضلين مُتَخَصِّصِين يَكتسبون خِبَرات مُتـقدِّمة في مجال التنظيم، وَيُمارسون التَّـعبئة وسط الجماهير، والتَّوعية، والاستـقطابات، وَيُنظِّمون المناضلين الجدد (الذي يبرزون وسط الشّعب) في أَصناف مُتَـفَاوِتَة مِن التـنظيمات المُلائمة.
3. وُجود مُناضلين مُتَخَصِّصِين يُثْـقنون التِـقْنِيّات التي يَستوجبها تَنفيذ مُختلـف أنواع المَهام النضالية العَمَلِيَة. وهذه التـقنيّات التَـفصيلة، لا يعرفها سوى المُناضلون القُدامي، وَالمُجَرَّبُون، والمُتمرِّسون. وبدون إِتْـقَان هذه التِـقنيّات النضالية، لا يُمكن النجاح في تَنـفيذ المهام النضالية المَعنية.
4. وُجود جيوش من المناضلين الـقاعديِّين، المُبتـدئين، والمُتوسِّطين، والقدامى، الذين يَسهرون على تَنـفيذ مهام «النضال الجماهيري المُشتـرك»، في الميدان، وعلى أرض الواقع.
18 ■ مسألة الـمُشاركة في الانتخابات
سؤال : نحن مقبلون على لحظة سياسية، تشكّل الانـتخابات العامّة، وتجديد الواجهة المؤسسية للدولة، عنوانها الرئيسي. كيـف تُـقـيِّم تـكتيك اليسار (مُشاركة أم مُقاطعة) لهذه اللحظة السياسية؟ وهل هناك إمكان لاستـعمال مغاير لتلك المؤسسات؟
جواب : • تاريخ مُجمل الصراعات السياسية التي جَرت في المغرب، منذ الاستـقلال الشّكلي في سنة 1956 إلى الآن، يُؤكّد استحالة إصلاح النظام السياسي المَلَكِي الـقائم في المغرب، مِن داخل مؤسّـساته.
• مِن المَقبول أنْ تُشارك بعض قـوى اليسار في الانـتخابات العامّة، لكن بشرط أن تَـكون الطّاقات الحزبية المُخصّصة لهذه المُشاركة جُزئية، أو ثانوية. وأن تـكون الطّاقات الحزبية المُخصّصة للنضال الثوري (العَلني والسِرِّي)، هي الجُزء الأكبر، والأساسي. ويجب أنْ يَكون هدف المشاركة في الانـتخابات هو فقط كَشْف فَضائح النظام السياسي الـقائم، وَليس الاعتـقاد بإمكانية إصلاحه من داخل مؤسّـساته. والنظام السياسي يعرف هذا «التـكتيك»، ويمنـع حُدوثه بكلّ الطّرق.
• النظام السياسي في المغرب استبدادي، إلى درجة أنّه لم يَسمح أبدًا بأن تَكون الانـتخابات «حُرّة وَنَزيهة». بَل كانـت الانتخابات مغشوشة. والبرلمانيّون هم غير أحرار في تَصويتهم. وأفراد الحكومة مَمنوعين من تَقرير سياسات الحكومة. أمّا السياسات الاقتصادية الاستراتيجية، فَتَـفرضها مُؤسّـسات إمبريالية على الدّولة. والإعلام مُسَخَّر لِتَجهيل الشعب وَتضليله. والتَّـعليم مُستـعمل لِإضعاف الشّعب وإخضاعه. فَلَا أمل في الانـتخابات العامّة.
● وطرح أحد أُطُر "حزب فيديرالية اليسار" أنّ أحسن بَرنامج لِخَوض الانـتخابات العامّة المُقبلة في سنة 2026، هو توحيد أكبر عدد ممكن من بين قِـوَى «اليسار»، على أساس برنامج انـتخابي، يُركّز على : «إنـقاص الضريبة على الدّخل، والزيادة في الأجور، وربط الأجور بالتضخّم، وتوفير تـعليم عمومي جيّد ومجاني، وتوفير العلاجات الطبية، وتوفير الشّغل للشباب، والماء، والسّـكن، الخ». وهذا البرنامج هو إمّا وهم، وإمّا تضليل، وإمّا نِـفاق. لأن النظام السياسي الـقائم في المَغرب، ولأن الرأسمالية الـقائمة فيه، لَمْ وَلَنْ يَسْمَحَا أبدًا لأيّ فاعل سيّاسي بِتَمرير مثل هذه الإصلاحات. ولم يسبق أبدًا أن سَمِحَا بِتَمريرها. ولا يسمح هذا النظام السياسي الـقائم، ولا الرأسمالية القائمة، سوى بسيّاسة واحدة. وهي : تَعميـق الرأسمالية المُتوحِّشة، وَتوسيع التّطبيع والعَمالة لإسرائيل، وتـرسيخ التَبعية للإمبرياليات الغربية. وسيّاسة «الزيّادة في الأجور»، تُخفي المَشاكل المُجتمعية، أو تُؤَجِّل مُعالجتها. بينما المطلوب من أحزاب تـدّعي أنها «إشتـراكية»، هو أنْ تُـغَيِّر علاقات الإنـتاج المُجتمعية، لكي لَا يَبـقى مُشكل الحاجة إلى الزِّيادة في الأجور يَتـكرّر في كل سنة، وَبِلَا نهاية.
● لماذا المُشاركة في اِنـتخابات البرلمان، والجماعات المحلِّية، هي مُجرّد عَبَث، وَمضيعة للطّاقات؟ لأن النظام السياسي الـقائم في المَغرب، ظلّ يَتَـفَـنَّـن في وَضع تَرسانة مِن الـقَوانين، التي تَمنـع إِتِّخَاذ أيّ قَرار، أو إحداث أيّ تَـغيير، في الاختيّارات السِيّاسية الاستـراتيجية، التي فَرضها هذا النظام السياسي. والانـتخابات العُمومية، وكذلك البرلمان، والجماعات المحلِّية، وما شابهها من مُؤسّـسات، هي كلّها شَكلية. والمُشاركة فيها هي مضيعة لِلوقت. وكل مؤسـسات الدّولة مُقْـفَلة (locked, verrouillés)، بواسطة قـوانين وُضِعَت خِصِّيصًا، وَقَبْلِيًّا، بهدف مَنـع إحداث أيّ تَـغْيِير سيّاسي، أو إصلاحي، أو دِيمُوقراطي. ولذلك، يَستحيل النَّجاح في مُحاولة تَغيير سِيّاسات الدّولة، أو سِيّاسات النظام السياسي الـقائم، من داخل مؤسّـساته، أو مِن داخل قـوانينه الاستبدادية. والـقـوى السيّاسية التي تـزعم عكس ذلك، تُضَلِّل الشّعب، وَتُبعده عن النضال الوحيد المُجدي. وهو البدء بإسقاط نظام الاستبداد، والـفساد، وإسقاط إرهاب الدّولة، وإلغاء العَمالة لإسرائيل، وإنهاء التَبَـعِيَة للإمبرياليات الغَربية.
19 ■ حرب سّرية بين المَلكيات والجمهوريات العربية
سُؤال : تحدّثـتَ عن وُجود «حَرب سِرِّيَة بين المَلَكِيّات والجُمهوريّات العَربية». ما هي أهمّ المُعطيات حول هذه الـقضية ؟
جواب : • أسباب إنحطاط الشّعوب العربية كثيرة، ومُعقّدة، وَمُترابطة. لكن الأنظمة السياسية المَلَكِيَّة العَربية هي مِن بَين أقـوى، وأخطر، الـقِوَى التي تُبـقـي الشُّعوب العربية في حالة اِنحطاط مُجتمعي.
• تُوجد حرب سِرِّية، وشَرسة، وطويلة الأمد، بين المَلَكِيّات والجُمهوريات العربية. وكل الحُروب، والتَدَخُّلات الخارجية، التي خَرّبت جُمهوريّات العراق، وليبيا، وسوريا، واليمن، ولبـنان، والصومال، والسودان، وإيران، كان مُسَبِّبُها، وَمُنَـفِّذها، هو حِلْف سِرِّي ضِمْنِي بين إسرائيل، وأمريكا، والإمبرياليات الغَربية، والمَلَكِيّات والإمارات العربية.
• الحِلْف السِرِّي الـقائم بين المَلَكِيّات العربية، والمُعادي للجُمهوريات العربية، يَـقُوم منذ عشرات السِّنِين، بِأَدْوَار سَلبية، وَتَخريبية، تُهَدِّم مَصير مُجمل الشعوب العربية (سواء كانـت في نظام ملكي، أم جمهوري).
• مُجمل المَلَكِيّات العربية هي كيّانات سيّاسية مَرَضِيَة، وَمُسْتَلَبَة (alienated). ومنذ اللّحظة التي تَـعتبر فيها المَلَكِيّات العربية أنّ أعْدَاءَها هم الشُّعوب العَربية، تُصبح مُجمل المَفَاهِيم والأفكار عندها مَقْلُوبَة على رأسها. فَتَـعْتبر المَلَكِيّات الأصدقاءَ أعداءً، وَتَتـعامل مع الأعداء كَأصدقاء. وَتَنظر إلى العَمَالَة للإمبرياليات الغَربية (أو حتّى لإسرائيل) كَسُلُوك سليم، بَل ضَروري لِلحفاظ على دَوام هذه الأنظمة السياسية المَلَكِيَة.
• كل المَلَكِيات والإمارات العربية هي عَمِيلَة لأمريكا وإسرائيل. وكلّ المَلَكِيّات والإمارات العربية لَا تَتمتّع بِـ «استـقلال كامل»، ولا بِـ «سِيّادة وَطنية» كاملة.
• مِن الخطأ أنْ نَـعتبر الدُّول العربية النّـفطية في الخليج (مثل الإمارات، وقطر، والبحرين، والكويت)، دُوّلًا عادية. فَلَا هي دُوّل عادية، ولا شُعوبها هي شُعوب عادية، ولا اِقتصاداتها هي اِقتصادات عادية. بل هي كيّانات مُصطنـعة، وهشّة. وَوَظِيـفَتها هي حِرَاسَة آبار النَّـفط والغَاز، لكي تَنْهَبَ الإمبرياليّات الغَربية النّـفْط والغَاز بِسُهولة، وَبِكُلـفة زهيدة. وقد خَلـق الاستـعمار، والإمبرياليات الغَربية، هذه الكِيّانات العربية، لغَرض نَهب النّفط والغاز بِتَـكلـفة ضئيلة، وبهدف مَنـع الشّعوب العَربية من التَحرّر مِن اِنحطاطها. ويستحيل على دُوّل الخليج العَربية أن يكون لديها سُلوك دُوّل عادية، أو تَصَرُّف شُعوب عادية.
• في مُعظم المَلَكِيّات والإمارات العربية، تُوجد قَـواعد عسكرية أمريكية، أو شبكات مُخابرات تَابعة لأمريكا، أو لإسرائيل، أو لدُوّل إمبريالية غَربية. وحيثما وُجِدَت قِوَى أمريكية، تُوجد أيضًا قِوَى إسرائيلية. وهذه الـقـواعد العسكرية، أو الشَّبكات المُخابراتية، لم تُـقَم لحماية هذه المَلَكِيّات أو الإمارات العربية، وإنما لحماية مصالح إسرائيل، وأمريكا، والإمبرياليات الغَربية.
• كل المَلكيّات والإمارات العربية ليست مُستـقلّة، بَل فاقدة للسيّادة الوطنية، وعاجزة على مُمارستها. وهي خاضعة لأمريكا، وللإمبرياليّات الغَربية. ومن خلال الخُضوع للإمبرياليّات الغَربية، يأتي أيضًا الخُضوع إلى إسرائيل.
• كل الدول العربية التي راهنـت على حماية أمريكا وإسرائيل، أو التي راهنـت على التبـعية للإمبرياليات الغَربية، بقـيت هشّة، ومتخلِّفة. بينما إيران التي راهنـت على استـقلالها الوطني، وعلى تَوفير تَعليم عِلمِي جيِّد ومجاني لعموم أبـناء شعبها، أصبحت قـوية، وقادرة على مقاومة أكبر دولة إمبريالية في العالم، وذلك رغم الحصار، والعُقـوبات الاقتصادية، التي تَفرضها أمريكا على إيران منذ سنة 1979 إلى اليوم.
• تحت غطاء «التَّطبيع» مع إسرائيل الاستعمارية، تَحَوَّل النظام السياسي المَلَكِي في المَغربَ إلى مُستـعمرة إسرائيلية، وإلى مستـعمرة خاصّة بالإمبرياليّة الأمريكية، إضافةً إلى التَبَـعية إلى الإمبرياليّات الأوروبّية.
20 ■ هل ما زالت الماركسية صالحة ؟
سؤال : في سياق التحوّلات العالمية (أزمات الرأسمالية، تـراجع الحركة العمالية، ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي)، كيـف تُـقـيّم راهنية الماركسية ؟ وما هي الدروس التي يمكن أن يستخلصها اليسار المغربي ؟
جواب : • درستُ مسألة «هل ما زالت الماركسية صالحة» في كتابي الذي يحمل العُنوان : «لماذا اِنهار الاتحاد السّوفياتي؟ وهل ما زالت الماركسية صالحة»؟ وأوضحتُ أن الأطروحات الأساسية في الماركسية، والتي تُحاربها وسائل الإعلام الإمبريالية، هي عَقلانية، وثابتة. وأنّ اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي نَتَج عن الانحراف عن المبادئ الثّورية، ولم يَنـتج عن نظريّات الماركسية كَنَظريّات. وَبَيّنـتُ في هذا الكتاب أنّ رفض الماركسية يؤدّي حتميًّا إلى الـقَبُول بِـ «الرّأسمالية» كَنَمَط إِنْـتَاج مُجتمعي «طَبِيعِي»، أو «أبدي». وفي مرحلتها التاريخية الأولى، كانت الرأسمالية إجمالًا مُفيدة، بِالمُقارنة مع مراحل الإقطاعية، والعُبودية. لكن بعد مرحلة الإمبريالية، والتي هي أعلى مَرحلة في تَطوّر الرّأسمالية، أصبحت هذه الرأسمالية مُدَمِّرة لِلمُجتمع، وللعالم. وقد تَوَضَّح اليوم، أكثر مِمّا كان في الماضي، أنّ الرأسمالية غير عادلة، وتُحوّل المُجتمع إلى جَحيم، وتـقـود إلى حُروب لا مُنـتهية، وتُحطِّم البيئة، وَتُحَوِّل مُعظم مُواطني الشّعب إلى فُقراء، وَتُراكم معظم الثّروات بين أيدي أقلِّية قَليلة. ثمّ تتحوّل الرّأسمالية إلى «اِنـتحار جماعي» لمُجمل البشرية. والبديل التاريخي للرّأسمالية هو الاشتـراكية، ثمّ الشيوعية. وأثناء تَشييد الاشتـراكية، سَتَتـعايش أنشطة اقتصادية اشتـراكية، مع أنشطة اقتصادية رأسمالية، لكن تحت حكم سُلطة اِشتراكية. وما زال عدد مُتـزايد من عُلماء الاقتصاد السياسي في العالم، يُشيدون بِتحاليل وأطروحات الماركسية حول الرأسمالية.
وقُوّة البَشرية تأتي مِن مُراكمتها للمَعارف. ولا يُمكن أن تُوجد حركة ثورية، إذا لم تَستـرشد بِنَظرية ثورية. والنظرية الماركسية هي حلـقة أساسية في التُرَاث الـفِكْرِي للبَشرية.
21 ■ هل ما زالت نظريتـك صالحة ؟
سؤال : هل ما زالت تلك الأدوات النظرية (التي طوّرتها في كتبك) صالحة، أم أنها تحتاج إلى مراجعة وتحيين؟
جواب : نحن البَشر هكذا. نَحتاج باستمرار إلى تَرَاكُم المَـعارف مِن جيل لآخر. وبدون تَراكم في مَعارفنا، وفي عُلومنا، لا يُمكن أنْ نُنْتِج شيئًا بِنَجاح وَفَـعَالية. وكل التُرَاث الـفكري البَشَرِي (الـقديم والحديث) ما زال مُفِيدًا، وَضَروريًّا، وصالحًا. سواء بالقُدْوَة الحَسنة، أم بالقُدْوَة السَيِّئَة. ونحن نَستـفيد حتّى مِن دراسة النَظريّات الناقصة، أو الخاطئة، لدى أَسْلَافِنَا. لكن بشرط أن نَتـعامل مع هذا التُراث الفكري بِمَنهج حَذِر، وَنَـقدي، وَمُبدع. وكلّ العُلوم، أو النظريّات، تحتاج كلّها إلى مُراجعة متواصلة. لكنْ، كثيرون من الأشخاص يظنّون أنّ «الأفكار الـقديمة هي بالضرورة مُتجاوزة، أو خاطئة». وهذا تـفكير غير عقلاني. لأن مِقْيَاس صحّة الأفكار، ليس هو عُمرها، وإنما هو مدى تلاؤمها مع الواقع، ومع الـقـوانين التي تتحكّم في تطوّر الكون. ويمكن لـفكرة قديمة بآلاف السنين أنْ تـكون سديدة، كما يُمكن لـفكرة حديثة أن تـكون خاطئة. وَمِقـياس الحقـيـقة، هو المُمارسة النّاجحة في الواقع، وليس الكلام السّائد. وقبل اعتـقالي، كُنـتُ ماركسيا ثوريا. وبعد اِنهيّار الاتحاد السّوفياتي في قرابة سنة 1990، قرّرتُ أنْ أنسى الماركسية، وأن أدرس قـوانين تطوّر المُجتمعات، بدون أيّة مَرجعية ماركسية. وَخلال سنوات مُتوالية، كَرَّسْتُ حياتي لِدراسة المُجتمع. وَفي النهاية، أَعَدْتُ اِكتشاف صحة الأفكار الكُبرى في النظرية الماركسية. وما هي الماركسية ؟ هي نـقد المُجتمع الطَّبـقـي الرّأسمالي. وأفكار الماركسية، ليست اختـراعات شخص عبقري واحد، وإنما هي عُصَارَة مُجمل التُراث الـفكري البشري في عهد كارل ماركس. ولا تتـكوّن الماركسية فـقط من أطروحات كارل ماركس، وإنما تَشمل أيضًا اجتهادات مُفكّرين ماركسيين ثوريِّين كثيرين، ظَهروا في مُجمل بُلدان العالم. وكل شخص يجهل الماركسية، أو يرفضها، يَستحيل عليه فَهم المُجتمع البشري. فبالأحرى أنْ يـقدر على مُعالجة مشاكل هذا المُجتمع. وفي عالمنا الحالي، لَا يُوجد بَديل آخر لِلماركسية سِوَى الرّأسمالية. وباللّغة المُنَمَّـقَة، يُسمّون الرّأسمالية «الْلِّيبِيرَالِيَة». والنظرية الماركسية هي المُنطلق. وَإِنْ كانـت الماركسية ناقصة، يجب إغناءها. وفي كتابي «لماذا اِنهار الاتحاد السّوفياتي؟ وهل ما زالت الماركسية صالحة؟»، حاولت دراسة أسباب اِنهيّار الاتحاد السوفياتي. وَمَا اِنْهَارَ في الاتحاد السوفياتي، ليس هو الاشتـراكية، وإنما هو رأسمالية الدّولة، والانحراف عن الرّوح الثورية للاشتـراكية، والسُّقُـوط في بيروقراطية رأسمالية الدّولة. وهل اِهتمّت أحزاب اليسار بهذا الكتاب ؟ جوابي : لَا. وهل عندهم تَـفسير بَديل (مكتوب ومنشور) لانهيّار الاتحاد السّوفياتي ؟ جوابي : لَا.
22 ■ آفاق التـغيير في المغرب
سؤال : في ضوء كل ما سبق، كيـف تـرى آفاق التـغيير في المغرب ؟
جواب : • حُظوظ أو آفاق تـغيير المُجتمع في المَغرب موجودة. وَتَتَابُع الحركات الجماهيرية الاحتجاجية، أو المطلبية، رغم إرهاب الدولة، يُؤكِّد ذلك. وما دامت الرّأسمالية قائمة، ستبـقى طبقات المُجتمع موجودة، ومُتـناقضة، ومُتصارعة. ومادام وُجود تَناقض بين الطّابع المُجتمعي للإنـتاج، والطّابع الخُصُوصي لِمِلكية وسائل الانـتاج، فإن الثورة المُجتمعية سَتـظل في جدول الأعمال. والمنطق يَقـول : إنّ إنجاح الثّورة المُجتمعية، مَشروط بأن يكون برنامج هذه الثّورة يَخدم مَصالح تَحالـف طبقي سيّاسي، يَشمل عدّة طَبقات، أو فئات طبقـيّة من الشّعب. وهي : العُمّال المأجورين المُسْتَـغَلِّين، والـفلاحين الصغار والمُتوسطين، والتُجّار الصِغار والمتوسّطين، والمُعَطَّلِين، والمُهَمَّشِين، والشّباب، والمُثـقّفين المُتـنوِّرين، والتِـقْنِيِّين، والحِرَفيِّين، وطبقة الذين لَا يَسْتَـغِلُّون وَلَا يُسْتَـغَـلُّون، وطبقة المُسْتَـغِلِّين الصغار، [أنظر كتابي : "طَبقات المُجتمع"]. لكنّني لَا أعلم كل شيء، حيث أنّ الحَذر النَّـقْدِي يُذكِّرنا أنّ المَنطق النظري قد يَـكون شيئًا مُـقنعًا، لكن التاريخ الفِـعلي يُمكن أن يَكون شيئًا مُخالفًا.
• كانـت اِستـراتيجية تَنظيم "إلى الأمام" (في سنوات 1970) تَتـكلّم عن «العُنـف الثّوري المُنظّم»، و«الكفاح المُسلّح»، و«حرب التَحرير الشّعبية»، و«الـقَواعد الحَمراء المُتحرِّكة»، الخ. وكان ذلك اِقْتِدَاءً بِثَورات نَاجحة كانت جارية آنذاك، مثل ثورات الصِّين، وَفِتْنَام، الخ. وبعدما طَوَّرَت الإمبرياليات، وكذلك الأنظمة السياسية المُستبدّة، أَدوات فَعّالة لِسَحق مثل هذه الأساليب الثّورية، أصبح ضروريًّا تصوّر اِستراتيجيات مُخالفة. وبعد الثّورة في إيران في سنة 1979، تَوضّحت إمكانية نَمُوذج اِستـراتيجية أخرى. وهي استـراتيجية الاضراب العام، وَالْـلَّامَحًدُود، وعلى الصّعيد الوطني، والمصحوب بالعصيان المدني، وَبِمُظاهرات شعبية يَوميّة، وَحَاشدة، وَمِلْيُونِيَة، إلى أنْ يَرحل الحُكّام، وأن يَسقط النظام السياسي القائم.
23 ■ ما هي اِنـتـقاداتـك تُجاه تِيّار "الـمناضل-ة" ؟
سؤال : سبق لك أنْ اِنـتـقدتَ أحزاب اليَسار بالمَغرب. وَهَل عندك اِنـتـقادات مُوجّهة إلى تِيّار "المُناضل-ة" ؟
جَواب : • بِدُون النَّقد، لا يُمكننا أنْ نَتـقدّم. وَهَدف النّـقد، ليس هو تَحطيم الشّخص المُنْتَـقَد، وإنّما هو مُساعدة هذا الشّخص على تَحسين أداءه. وأنا لَا أعرف جيّدًا "تِيّار المناضل-ة". وقد يَدل جَهلي لِهذا "التِيّار" على أنّه يَمزج بين العَلَنِيَة والسِرِّيَة. وَلَدَيّ بعض المُلاحظات النَّاقِدَة. وأعتـذر مُسبقًا على هذه المُلاحظات إِنْ بَدَت مُحرجة، أو سَادَجة، أو غير مُبرّرة. وهي التّالية : 1) يُبالغ تِيّار "المُناضل-ة" في الدِّيبلوماسية اللّطيفة. وَلَا يَنـتـقد التِيّارات السياسية الأخرى. حيث يَجهل عامّة المناضلين ما هي خلافات تِيّار "المُناضل-ة" (النظرية، أو السياسية، أو الاستراتيجية) مع باقـي أحزاب اليسار في المَغرب. فإذا كان تيّار "المناضل-ة" يَمتـنـع عن الرَدِّ، أو عن نَـقد، أطروحات أحزاب اليسار الأخرى، أو سُلُوكِيّاتها، فَكَيـف سَيَـعْرِف عامّة المُناضلين خلافاته مع باقـي أحزاب اليسار ؟ 2) يظهر تيّار "المناضل-ة" كأنّه غائب مِن مَيدان «النضالات الجماهيرية المُشتركة». حيث لَا نُلاحظ وُجوده في السّاحة بما فيه الكفاية. 3) لا يَعرف جيّدًا عامّة المُناضلين مواقف تيّار "المُناضلة-ة" مِن الـقضايا الكُبرى الخِلَافية، (التي تَتصارع حولها قِوَى اليسار)، مثل : قضايا الماركسية، والاشتـراكية، والرّأسمالية، والعَمل مِن داخل مُؤسّـسات الدّولة، وإسقاط النظام السياسي، والمَلكية البرلمانية، والمجموعات الأمازيغية، والأحزاب الإسلامية، الخ. 4) يُشَاع عن تِيّار "المناضل-ة" أنه مُرتبط بِتِيّارات وَشَبكات اتْرُوتْسْكِيَة عالمية. ويخشى كثير مِن المُناضلين مِن أنْ تَكون الشّبكات التْرُوتْسْكِيَة العَالمية مُختـرقة مِن طرف أقوى المُخابرات العالمية، مثل المُخابرات الأمريكية (CIA)، أو غيرها. وفي حالة إذا كان هذا الاختـراق مَوجودًا فعلًا (ولو أنّه يَصعب إثباته)، فَسَيَكُون الاِستـقلال السياسي لِلتـنظيم المَعني مَشكوكًا فيه. 5) إذا كان تيّار "المناضل-ة" يَتَلَافَى أيّ شكل مِن أشكال الصِّرَاع، أو الصِّدام، مع الدّولة، ومع أحزاب اليسار، ومع الجمعيات الأمازيغية، ومع الجَماعات الإسلامية، فهذا المَنهج الحَذِر سيجعله يَعمل وهو في حالة اِرْتِيَّاح. لكن فَـعَالِيَّتَه النضالية، أو الثّورية، ستـكون، في هذه الحالة، مَحدودة، أو ضعيفة. 6) يجهل عامّة المُناضلين لماذا لَا يُصِرّ تيّار "المُناضل-ة" على «التّنسيـق»، أو على «النضال المُشتـرك»، مع قـوى اليسار الأخرى ؟ وما هي الشُروط التي يُطالب بها تيّار "المُناضل-ة" لكي يَقبل خَوض «النضال المُشترك» مع باقـي قـوى اليسار الأخرى ؟ 7) يَجهل عامّة المناضلين التَمَيُّز (النظري، أو الاستراتيجي) بين تيّار "المناضل-ة"، مع باقـي قِوَى اليسار. وإذا كان أساس تَمَيُّز تِيّار "المناض-ة" هو تَبَنِّي "النّظرية التْرُوتْسْكِيَة"، فإنّ عامّة المُناضلين يَجهلون مَضمون هذه "النظرية التروتسكية" المُفترضة. ويَجهلون أين يُوجد تَمَيُّز هذه "النّظرية التْرُوتْسْكِيَة" عن "النظرية الماركسية". وجهل هذه التَمَيُّزَات قَدْ يَدلّ على أن تيّار "المناضل-ة" لا يَجتهد بما فه الكفاية لِلتّـعريـف بِأفكاره، وأطروحاته، وَمَناهجه، وخلافاته.
24 ■ الـمبادئ النظرية التي تـنطلـق منها
سُؤال : بعد اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي في سنة 1990، وبعدما طرح كثيرون من الأشخاص والجماعات أنّ النظرية الماركسية أصبحت مُتَجَاوزة، وبعدما عَمَّت الـفَوضى الفكرية، أو الغُموض السياسي، يُصبح السُّؤال المَطروح في ميدان النظريّات السياسية، هو التّألي : ما هي المبادئ النظرية أو السياسية التي تـنطلـق أنـت منها، أو تَستـرشد بها في تَـفكيرك، بهدف الخَلَاص مِن تلك الـفَوضى الفكرية، وَمِن ذلك الغُموض السياسي ؟
جواب : • لِكَي نَـكون مَنْهَجِيِّين (في أفكارنا، وفي أفعالنا)، لَا نَنطلـق مِن الـفَرد، وَلَا مِن الْأَنَا، وَلَا مِن الدّولة، وَلَا مِن المُنْطَلَقَات التي تَـفرضها الإمبرياليّات على الصّعيد العالمي، وإنّما نَنطلـق من «المُجتمع المُشتـرك»، ومن «الشّعب المُشتـرك»، ومن «الحياة المُجتمعية المُشتركة».
• مِن بين ميزات «المُجتمع»، أنه يَستحيل فَهْم أيّ مُشكل مُجتمعي جُزئي، إذا لم نَـفهم مُجمل مشاكل المُجتمع. كما أنّه يَستحيل أن نَنجح في مُعالجة أيّ مُشكل مُجتمعي جُزئي، إذا لم نَـعمل، في نـفس الوقت، بِهَدف مُعالجة كل مشاكل المُجتمع.
• مُلَخَّص مأساة البَشَر، هو الجَهْل، والأَنَانِيّة. وَتَأْتِي مَأساة البَشَر مِن السُّلُوكِيّات الـفَرْدَانِيَة، أو الأنانية، أو الانـتهازية، أو مِن المِلْكِيَة الخُصوصيّة لِوَسائل الإنـتاج المُجتمعية. وبعد مَرحلة الاستـعمار، وبعد مرحلة الإمبريالية، أصبح الاستمرار في الرأسمالية نَوْعًا مِن الانـتحار الجماعي، الذي يُهدد مُجمل البَشَرية.
• تَمَتُّـع الشّعب بِحُقـوقه، وحُرِّياته السياسية، مَشْرُوط بِتَمتّـع كل مُواطن (عُضو في هذا الشّعب)، بِنَـفس الحُقـوق، وبـنـفس الحرّيات السياسية. مع المُساواة فيما بين المُواطنين أمام القانون. فَلَا يَحقّ الـقَبُول بِوُجود فَوَارِق طَبـقـية جَوهرية بين فئات الشّعب.
• كل شعب لا يُدرك أنّ تَمَتُّـعَـه بالحُقـوق والحُرِّيات السياسية، مَشروط بِتَمَتُّـع كل شُعوب العالم بِنَـفـس الحُقـوق والحُرّيات السياسية، سيكون مصيره هو التِّيه، ثمّ الاضطراب، ثمّ الانحطاط.
• مِن مِيزات «المُجتمع»، وُجود تَرَابُط عُضوي، وَجَدلي، بين عدّة عَناصر، مثل «الوَعي السياسي»، و«المَعرفة السياسية»، و«النـقاش السياسي الجماعي»، و«التَنظيم السياسي»، و«النضال الجماهيري المُشتـرك»، و«التَحرّر السياسي الجماعي المُشتـرك»، و«التـعليم العُمومي العِلْمِي»، و«الإنـتاج الجماعي المُشترك والمُتـقدّم»، الخ.
• إذا كانـت «الأفكار السياسية» سَليمة، وَمُتلائمة مع أوضاع المُجتمع، فإنها تَتحوّل بسهولة إلى قُوّة مُجتمعية مُنـتجة لِلتَّـغيير السيّاسي، وَلِلتَّحرّر المُجتمعي، وَلِلتّاريخ.
• «الشّعب» هو مجموعة بشرية تُناقش السياسة بشكل جماعي، وَبِحُرِّيَة، وباستمرار. ومعنى ذلك، هو أنّ شَرط وُجود الشّعب كَـكَائن «لِذَاتِه» (for himself) هو مُمارسته لِلنِّقاش السياسي الجَماعي بشكل مُتواصل. والمِيزة الأساسية في «الشّعب»، هي أنّ المُواطنين (الذين يُكوِّنون هذا الشّعب) يُناقشون السياسة جماعيًّا، وبشكل مُتواصل. وَنِقاش السياسة، يَعني التشاور الجماعي، والصِراع السياسي الجماعي، حول الحاجيّات الجماعية، وحول طُرُف تَلبيّتها، وحول المشاكل المُجتمعية المشتركة. وَيُـفْتَرَضُ في «النـقاش السياسي» أنّه يَحتوي على «بَحث جماعي عن الحَقائق الثّورية»، وعلى «صِراع طبقي» غَير مُباشر. وإذا تَوَقَّـف مُوَاطِنُو «الشّعب» عن مُناقشة السياسة جماعيا، يَفـقد هذا الشّعب المَـعني صِفة «الشّعب»، ويغدو كأنه كائن مُجتمعي في حالة تِيهٍ، أو ضَياع، أو غَيْبُوبَة، أو مَوت. و«النـقاش السياسي الجماعي» هو السّبيل لإعادة إحياء «الشّعب»، أو لِتَـعبئته، أو لِتَنظيمه، أو لِتَثويره، أو لِتَحرّره. وحينما يَتَهَرَّب «المُواطنون» مِن خَوض «النـقاش السياسي الجماعي»، فهذا التَهرّب قد يَـعني أنهم غَدَوْا فَرْدَانِيِّين، أو أنانيِّين. أو مُتخلِّفين، أو مُسْتَلَبِين (alienated)، أو خَائـفين من الـقَمع السياسي، أو مَرعوبين من إرهاب الدّولة القائمة، الخ. وما معنى «النـقاش السياسي» ؟ إنّه بـناء جماعي لِلْوَعْي السياسي الثّوري؛ وهو أيضًا البحث الجماعي عن الحقائق الثورية، وعن أحسن السُّبُل الثّورية لِتَدبير الشُّؤُون المُجتمعية المُشتركة. والنـقاش السياسي هو المدخل لِمُعالجة التـناقضات البَيْنِيَة، والمُجتمعية. والنـقاش السياسي هو أيضًا مُحاولة لـفهم الأوضاع المُجتمعية المُشتركة، وَلِتَشخيص المشاكل المُشتركة، ولتحليل تـناقضاتها، وذلك بهدف بَلْوَرَة جماعية للحلول التَحَرُّرِية المُمكنة.
• بعدما تَتـعمّق جماهير الشّعب في «النـقاشات السياسية الجماعية»، وبعدما نَصل إلى «وعي سيّاسي جماعي» مُتـقدِّم، يُصبح الالتـزام بِـالانخراط في «التـنظيم السياسي الثّوري» مَفهومًا، ومقبولًا. وبعدما يتـقـوّى هذا «التـنظيم»، مِن خلال التَـفاعل الثّوري مع المُمارسات النضالية، يَـغدو مُمـكنًا تَنـفيذ المَهام النضالية، والبرامج السياسية الطَمُوحة، والاستـراتيجيّات التَحرّرية. وسرّ النّجاح (في الأعمال المُجتمعية) هو التَواضع، وإعطاء الأولوية للمجتمع على الفرد. والتَشاور، والتَـعاون، والإنـتاج، والتَشَارُك، والتَـكامل، والتَضامن.
• العُنصر الحاسم في السياسة، هو «الوعي السياسي». وإذا لم يكن «وعينا السياسي» سَليمًا، وَمُتـقدِّمًا، أصبحنا مثل مَجموعة مِن «العَبِيد» الخاضعين، أو مثل أُلْعُوبَات تَتَلَاعب بها قِوَى مُعَادِيَّة. ولكي يكون «الوعي السياسي» سَليمًا، يجب أن يَـكون عِلْمِيًّا، وَعَـقْلَانِيًّا، وشاملًا، وَمُعمّقًا، وَمُحيّنًا، وَمُتطوِّرًا، وثوريًّا، وَتَحَرُّرِيًّا. وكل شخص، أو جماعة، أو هيئة مُجتمعية، تَـفْتَـقِد إلى «الوعي السياسي»، تُصبح مثل شيء جامد، وَخَاضع للاستغلال.
• لَا يَحدث تَـقدّم الشّعوب بشكل تِلْقَائِي، أو اِعْتِبَاطِي. وإنّما يُنجز بشكل مَدروس، وَعَـقلاني، وَمُخطّط، بواسطة التَضَامُن المُجتمعي الثّوري، وكذلك بواسطة الصِراع السياسي الثّوري (بين الـقِوَى التَـقَدُّمية والـقِوَى المُحافظة). كما أنّ تطوّر الشّعوب من مُستوى حَياة بِدَائِيَة، أو حَيَاة الـقَطيع، إلى مُستوى حَياة مُجتمع إنساني وَاعٍ، وَمُعَقْلَن، وَمُنَظّم، وعادل، وثوري، لَا يَحدث بِشكل تِلـقائي، وإنما يَحتاج إلى بَذل مَجهودات مُتَابِرَة، وَعَـقلانية، وَمدروسة، وَمُنَسَّـقَة. وَيحتاج كذلك إلى التَشاور الجماعي، وَاتِخاذ القرارات بشكل جماعي، وبموافقة الأغلبية. كما يَحتاج إلى الدِفَاع عن تَنـفيذ هذه الـقرارات الجماعية، وَضَمان اِستمرارية تَـفْـعِيلها، إلى أن تُحقّـق نَجاحها. وَلَو أنّ إِنْجَاحها يَتَطَلّب تَحْيِينَها، وَتَقْوِيمَها، أَثناء إنجازها، وذلك في تَـفاعُل مع عَملِيَة التـقدّم في تَحقيقها.
● مِن بين مَا يَجهله، أو مَا يَنساه، عامّة المُواطنين، نَجد الـفَرْق بين الـفِكْر، (أو الوَعي)، والوَاقِع. حيثُ يُوجد دائمًا فَرق بين مَا يُـفَـكِّر فيه أيّ شَخص، أو مَا يُوجد في ذِهْنِه، وَمَا يُوجد في الوَاقع المَلموس. وَلِتَوضيح هذه الـفكرة، أعطيك مثالًا أوّلًا : حُكّام دُوّل أوروبّا الغَربية يَظنّون (بين سَنوات 1945 و 2020) أنّهم لَا يَقدرون على العَيْش بدون حِمَاية أو دَعم الولايات المُتّحدة الأمريكية، بينما في الواقع، بإمكان دُوّل أوروبّا الغَربية أنْ تَستـقلّ عن أمريكا. وأعطيك مثالًا ثانيًّا : تَـعتـقد العائلة المَلَكِية في المَغرب أنّه مِن المُستحيل أنْ تَبْـقَى مَوجودة بدون حِمَايَة أو دَعم الإمبرياليّات الغَربية وإسرائيل؛ بينما في الواقع، اِستمرارية المَلَكِيَة في المَغرب لَا تحتاج إلى حِمَايَة الإمبرياليّات الغَربية وإسرائيل. وأعطيك مثالًا ثالثًا : غالبية المُواطنين في المَغرب، مَا زَالوا يُـفـكِّرون أنّ بِلَاد المَغرب ما زَال غير قادر على العيش بدون حُكمه مِن طَرف النظام السياسي المَلَكِي. بينما في الواقع المَلموس، يُمكن للمَغرب أنْ يَـعيش بدون المَلَكِيَة. وأعطيك مثالًا رابعًا مُخالـفًا : في منطقة المُسَمّاة "الشّرق الأوسط"، تَـعتـقد مَلَكِيّات وإمارات الخليج النّفطية، أنّه يَستحيل أنْ تُوجد هذه المَلَكِيّات والإمارات إذا لم تَحظى بِحِمَايَة أو دَعم أمريكا وإسرائيل. بينما جُمهورية إيران تَعتـقد أنّه بإمكانها أنْ تَعيش وأنْ تَنمو بدون الحاجة إلى أمريكا وإسرائيل. وهنا نَجد أنّ إيران هي على حقّ، بينما المَلَكِيّات والإمارات الخليجية هي على خطأ.
25 ■ رسالتـك إلى الجيل الجديد من المناضلين
سؤال :ما هي الرسالة التي تـريد توجيهها إلى الجيل الجديد من المناضلين؟
جواب : رسالتي إلى المناضلين، وإلى الشّباب، هي الكتب والمقالات التي نشرتها.

26■ مُلحق : لائحة كتب رحمان النوضة

1- Le Sociétal, publié en 2012, 519 pages, Version 8, pdf.
2- Le Politique, publié en 2010, 470 pages, Version 9, pdf.
3- L’éthique politique, publé en 2011, 340 pages, Version 14, pdf.
4- Impossible de sortir du sous-développement par le capitalisme, publié en 2020, 192 pages, Version 24,pdf.
5 – رحمان النوضة، حرب سرية بين المَلَكِيّات والجمهوريات العربية، نُشر في 2025، الصفحات 282، الصيغة 18، pdf.
6- نـقد الدّولة الرأسمالية، نُشر في 2022، الصفحات 175، الصيغة 20. pdf.
7- نَـقْد الشّعب (حوار حول مُعِيـقَات إصلاح المُجتمع)، نُشر في 2012، الصفحات 400، الصيغة 57، [هو كتاب النوضة الوحيد المَنْشُور على الورق. وكلّ كتبه الأخرى مَنشورة فـقط في صِيَغ رَقْمِيَة pdf، على الْإِنْتِرْنِيت].
8 – نَـقْد أحزاب اليسار بالمغرب، نُشر في 2012، الصفحات 324، الصيغة 63، pdf.
9– لماذا انهار الاتحاد السوفياتي؟ وهل ما زالت الماركسية صالحة؟، نُشر في 2015، الصفحات 222، الصيغة 22، pdf.
10– نَـقد الحركات الإسلامية، نُشر في 2019، الصفحات 310، الصيغة 13، pdf.
11– نـقد الحركات الهُويّاتية والأمازيغية، نُشر في 2019، الصفحات 127، الصيغة 16. pdf
12- طَبقات المُجتمع، مخطوطة سنة 1983، الصفحات 350، الصيغة صيغة 1983، pdf.
13– نَـقْد النظام السياسي بالمغرب، نُشر في 2011، الصفحات 410، الصيغة 57، pdf.
14– نـقد الصّهيونية، نُشر في 2017، الصفحات 226، الصيغة 21، pdf.
15– نَـقد النُخَب، نُشر في 2015، الصفحات 95، الصيغة 12، pdf.
16– أيّة علاقة بين الدِّين والـقانون، نُشر في 2015، الصفحات 186، الصيغة 24، pdf.
17– الجنس والدِّين (من الإرشاد إلى الـفضيحة)، نُشر في 2016، الصفحات 180، الصيغة 17، pdf.
18– كَيـف نُسقط الاستبداد (في فنون النضال الجماهيري السّلمي المُشتـرك)، نُشر في 2013، الصفحات 240، الصيغة 7، pdf.
19– مشروع الرّبط الـقَار بين المغرب واسبانيا، (دراسة جيو استـراتيجية)، مَخطوطة سنة 1988، الصفحات 204، صيغة 1988. pdf.
20– كَيْف؟ (في فنون النضال السياسي الثوري)، مَخطوطة سنة 1982، الصفحات 208، صيغة 1982، pdf.
21– كُرَّاس: كيـف نـتجاوز الـقمع، (ضَاعَ أثناء الاعتـقالات بين سنـتي 1974 و 1976)، صيغة سنة 1973.
22- وفاة أم اغتيّال المناضل سيّون أسيدون، نُشر في 2026، الصفحات 150، الصيغة 12، pdf.
ونشر رحمان النوضة مقالات ودراسات متـنوّعة على جرائد ومجلات مغربية، وعلى الإنترنيت.
ويمكن تنزيل هذه الكُتُب بالمَجَّان، من مُدَوَّنَة الكاتب التَالِيَة :
https://livreschauds.wordpress.com/لائحة-liste/
http://LivresChauds.Wordpress.Com
…….•■٭■•…….

رحمان النوضة
(اِنـتهى تحريره ونشره في يوم الأربعاء 20 ماي 2026).
…….•■٭■•…….



#عبد_الرحمان_النوضة (هاشتاغ)       Rahman_Nouda#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكاليّات الـقِوَى الثورية12
- سر التطبيع بين المغرب وإسرائيل
- أسرار نهضة الشعوب
- فضيحة الضريبة على السيارات
- التمييز بين الدولة والوطن والنظام
- المغرب محميّة إسرائيلية؟
- ظاهرة الاستبداد السياسي
- اِنْتِحَار جَماعي شَامل
- أُطروحات سيّاسية (ص8)
- أطروحات سياسية
- أنواع ودرجات الوعي السياسي
- إستعملوا الذكاء الاصطناعي!
- من حاول اغتيال سيون أسيدون
- خطورة الحركات الهوياتية، نموذج روندا
- في فوضى العالم، ما اليقينيات، وما الشكوك
- حَرب سِرية بين المَلكيات والجُمهوريات 4/4
- حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 3/4
- حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات ‏وَالجُمهوريّات 2/4
- حَرب سِرِّيَة بَين المَلَكِيّات وَالجُمهوريّات 1/3
- إِسْرَائِيل نَازِيَة مِن صِنْف جَدِيد


المزيد.....




- ترامب يفشل ويبرم اتفاقاً لإعادة فتح مضيق هرمز
- مصر.. وفاة أحد رفاق عبد الناصر في ثورة 1952
- مصر.. وفاة أحد زملاء عبد الناصر في ثورة 1952
- بريطانيا: فوز آندي بيرنهام بمقعد نيابي يشعل سباق قيادة حزب ا ...
- طهران وواشنطن تشرعان في مفاوضات  
- رؤية ماركسية للفساد؛ الفساد آلية هيكلية خاصة بطور الرأسمالية ...
- بين اليسار واليمين المتطرف.. ما مصير القضية الفلسطينية في كو ...
- مفهوم الهيمنة عند غرامشي وسعيد وتشومسكي.. كيف تُصنع سيطرة ال ...
- بريطانيا: فوز آندي بيرنهام بمقعد نيابي يعزز فرصه في تحدي ستا ...
- العدد 657 من جريدة النهج الديمقراطي


المزيد.....

- إشكاليات القوى الثورية(2من2) / عبد الرحمان النوضة
- مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة / عبد الرحمان النوضة
- الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ ... / محمد الحنفي
- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - عبد الرحمان النوضة - إشكاليات القوى الثورية(2من2)