علي سيف الرعيني
كاتب
(Ali Saaif Alraaini)
الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 20:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يخرج الإنسان من بيته وهو يحمل في قلبه وطنًا كاملًا. يحمل وجوه أمه وأبيه وضحكات إخوته، وأصوات الجيران، ورائحة الأزقة التي تربى فيها. يغادر وهو يعلم أن الطريق ليس سهلًا، وأن سنوات من التعب قد تنتظره، لكنه يمضي مدفوعًا بحاجة لا ترحم، ومسؤوليات لا يمكن الهروب منها.
كم من أبٍ ودّع أبناءه الصغار على أمل أن يعود إليهم وقد استطاع أن يوفر لهم مستقبلًا أفضل. وكم من شاب ترك أحلامه البسيطة وحياته المستقرة ليبدأ من جديد في أرض لا يعرف أهلها ولا لغتها ولا عاداتها. هناك، في بلاد الغربة، يبدأ فصل آخر من الحياة؛ عمل طويل، ووحدة صامتة، واشتياق يتجدد مع كل مناسبة تمر وهو بعيد عن أحبته.
اليوم أصبحت الهجرة من أجل لقمة العيش ظاهرة واسعة تمتد عبر القارات. فالأوضاع الاقتصادية الصعبة، وندرة فرص العمل، وتفاوت مستويات المعيشة بين الدول، دفعت ملايين البشر إلى البحث عن رزقهم خارج أوطانهم. وليس من السهل على الإنسان أن يقتلع نفسه من جذوره، لكن الحاجة كثيرًا ما تكون أقوى من الرغبة في البقاء.
ورغم ما يحققه بعض المغتربين من نجاحات وإنجازات، تبقى هناك مساحة فارغة في القلب لا يملؤها المال ولا المناصب. فالوطن ليس مجرد مكان نسكنه، بل هو جزء من هويتنا وذاكرتنا ومشاعرنا. ولذلك يظل المغترب يترقب أخبار بلده، ويفرح لأفراحه، ويحزن لأوجاعه، وكأنه لم يغادره يومًا.
ومع ذلك فإن للمغتربين دورًا عظيمًا لا يلتفت إليه كثيرون. فهم لا يسعون فقط إلى تحسين أوضاعهم الشخصية، بل يحملون على أكتافهم أحلام أسر كاملة. يحولون تعبهم اليومي إلى دعم لأهلهم، ويسهمون في إعالة أسرهم وتعليم أبنائهم وبناء مستقبل أفضل لهم. إنهم جنود مجهولون في معركة الحياة، يخوضونها بصبر وإصرار بعيدًا عن الأضواء.
إن ظاهرة الاغتراب تكشف جانبًا مهمًا من قوة الإنسان وقدرته على التضحية. لكنها في الوقت نفسه تذكرنا بحلم مشروع يتشاركه الجميع: أن يجد الإنسان في وطنه فرصة تحفظ كرامته، وعملًا يكفي حاجته، وحياةً لا تجبره على الابتعاد عن أرضه وأحبته
فما من شيء يعادل دفء الوطن، ولا شيء يضاهي أن يعود الإنسان في نهاية يومه إلى أهله وهو مطمئن القلب. ولهذا يبقى الأمل قائمًا بأن يأتي يوم يصبح فيه السفر خيارًا لا اضطرارًا، ورغبة لا حاجة، وأن يجد كل إنسان رزقه وكرامته في الأرض التي أحبها ونشأ بين أهلها!!
#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)
Ali_Saaif_Alraaini#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟