|
|
ترامب وحرب الخليج: بعد مذكرة التفاهم الفشل قائم والخسارة للتقاسم
بوشعيب حمراوي
استاذ كاتب وصحفي
(Bouchaib Hamraouy)
الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 17:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حين تفشل القوة في فرض شروطها وتبحث الحروب عن مخرج تفاوضي
بقلم: بوشعيب حمراوي
لم تكن حرب الخليج الأخيرة مجرد مواجهة عسكرية عابرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ولم تكن كذلك مجرد تصعيد إقليمي محدود يمكن قراءته من زاوية الصواريخ والطائرات والبوارج والردود المتبادلة. إنها، في عمقها السياسي والاستراتيجي، واحدة من تلك الحروب التي تكشف حدود القوة حين تواجه دولة صلبة، ومجتمعاً متماسكاً، وجغرافيا معقدة، وتحالفات دولية متشابكة، ومصالح اقتصادية عالمية لا تحتمل المغامرة الطويلة ولا النار المفتوحة. دخل ترامب هذه الحرب، أو هذا المسار الحربي، بسقف عالٍ من المطالب، وبخطاب سياسي يقترب من منطق الإملاء لا من منطق التفاوض. تحدثت واشنطن عن وقف المشروع النووي، وتقييد القدرات الصاروخية، وكبح النفوذ الإقليمي، وضمان أمن إسرائيل، وحماية الملاحة في الخليج، وإعادة رسم موقع إيران داخل الشرق الأوسط. لكن المسار، كما يحدث دائماً حين تصطدم الرغبة بالقوة الواقعية للطرف الآخر، بدأ يكشف أن ما يُعلن في بداية الحروب لا يكون دائماً هو ما يتحقق في نهايتها، وأن القوة العظمى تستطيع أن تفتح جبهة، لكنها لا تستطيع دائماً أن تكتب خاتمتها وحدها.
الفشل قائم والخسارة للتقاسم الفشل قائم لأن الأهداف الكبرى التي رُفعت في بداية المواجهة لم تتحقق كما أُعلن عنها، ولأن سقف المطالب بدأ ينخفض تدريجياً من لغة الإخضاع إلى لغة التهدئة، ومن الحديث عن فرض الشروط إلى الحديث عن مذكرة تفاهم، ومن التلويح بالحسم إلى البحث عن اتفاق. أما الخسارة فهي للتقاسم، لأن الحروب الكبرى في زمن الطاقة والأسواق والممرات البحرية والتحالفات المتداخلة لم تعد تسمح لطرف واحد بأن يدفع الثمن وحده، ولا لطرف واحد بأن يخرج منها غانماً وحده.
لقد أراد ترامب أن يثبت أن أمريكا ما زالت قادرة على فرض إرادتها على خصومها، وأن إسرائيل ليست وحدها في مواجهة إيران، وأن الخليج لا يزال تحت مظلة القرار الأمريكي، وأن واشنطن تستطيع أن تعاقب وتضغط وتفاوض من موقع القوة. لكنه وجد نفسه، مع مرور الأيام والأسابيع، أمام حقيقة أكثر قسوة: إيران ليست دولة هامشية يمكن كسرها بضربة، ولا نظاماً معزولاً يمكن إسقاطه بالضغط الإعلامي والعسكري، ولا رقماً صغيراً في معادلة الشرق الأوسط. إنها دولة ذات عمق تاريخي، وموقع جغرافي حساس، ونفوذ إقليمي واسع، وشبكة علاقات دولية ممتدة نحو روسيا والصين والهند وقوى أخرى، فضلاً عن قدرتها على تحويل الخليج كله إلى مساحة خطر مفتوح إذا تم دفعها إلى الزاوية الأخيرة.
من المطالب القصوى إلى التراجع التدريجي
في بداية المواجهة، بدا ترامب كمن يريد أن يضع إيران أمام خيار واحد: القبول الكامل بالشروط الأمريكية أو مواجهة التصعيد. كانت المطالب المعلنة قاسية، بل يمكن القول إنها كانت أكبر من مجرد اتفاق نووي جديد. لم تكن واشنطن تريد فقط ضبط برنامج نووي أو مراقبة مخزون يورانيوم أو فتح منشآت أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل كانت تريد إعادة صياغة السلوك الإيراني كله: داخلياً وخارجياً، عسكرياً وسياسياً، إقليمياً ودولياً.
كان المطلوب أن تتراجع إيران عن مشروعها الإقليمي، وأن تكف عن دعم حلفائها، وأن تقبل بتقليص قوتها الصاروخية، وأن تقدم ضمانات بعيدة المدى حول برنامجها النووي، وأن تدخل في نظام مراقبة دائم، وأن تتخلى عملياً عن موقعها كقوة معارضة للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. بمعنى آخر، لم تكن المعركة حول ملف واحد، بل حول موقع إيران كله في النظام الإقليمي والدولي.
لكن ما خفي من المخطط، كما تذهب بعض القراءات، كان أكبر بكثير مما ظهر في التصريحات. فهناك من يرى أن الهدف العميق لم يكن تدمير إيران كدولة، لأن تدمير دولة بحجم إيران سيكون انتحاراً إقليمياً ودولياً، بل كان الهدف هو ضرب النظام السياسي الإيراني نفسه، أو على الأقل دفعه إلى التحول من نظام معارض للمشروع الأمريكي إلى نظام أكثر قابلية للاحتواء والتوظيف. لم تكن واشنطن، وفق هذا المنطق، تريد أن تختفي إيران من الخريطة، بل كانت تريد إيران أخرى: إيران لا تعاكس أمريكا، ولا تقلق إسرائيل، ولا تفتح أبواب الخليج أمام روسيا والصين، ولا تتحول إلى قاعدة سياسية واقتصادية وعسكرية لقوى دولية منافسة للغرب. لكن الطريق من الرغبة إلى الواقع لم يكن سهلاً. فكلما طالت المواجهة، تبين أن إيران قادرة على الصمود، وأن إسقاط النظام أو دفعه إلى الاستسلام السريع لم يكن سوى قراءة متفائلة من داخل بعض الدوائر الأمريكية والإسرائيلية. ولهذا بدأت المطالب تتراجع. انتقل الخطاب من لغة الإخضاع إلى لغة منع التصعيد، ومن تغيير قواعد اللعبة إلى حماية الممرات البحرية، ومن فرض تسوية نهائية إلى قبول مذكرة تفاهم مؤقتة، ومن الحديث عن انتصار واضح إلى الحديث عن وقف القتال وفتح باب تفاوض جديد. وهنا يتجسد الفشل في أوضح صوره. ليس الفشل بمعنى الهزيمة العسكرية المباشرة، بل الفشل بمعنى العجز عن تحويل القوة إلى نتيجة سياسية كاملة. فالحرب لا تُقاس بما تطلقه من نار، بل بما تحققه من أهداف. فإذا كانت الأهداف القصوى هي إخضاع إيران أو تغيير نظامها أو تحويلها إلى تابع استراتيجي، فإن الوصول إلى اتفاق مؤقت معها لا يعني انتصاراً كاملاً، بل يعني أن القوة اضطرت إلى الاعتراف بحدودها.
إيران بين الاستهداف والاحتواء إيران لم تكن في هذه الحرب مجرد طرف عسكري يرد على الضربات أو يتحمل العقوبات. لقد كانت موضوعاً لمشروع سياسي أكبر. فالنظام الإيراني، منذ عقود، يمثل في نظر واشنطن وتل أبيب عقبة استراتيجية كبرى. فهو نظام لا يدور في الفلك الأمريكي، ولا يقبل بسهولة قواعد اللعبة الغربية، ويرتبط بعلاقات قوية أو متنامية مع روسيا والصين، ويحاول أن يفتح لنفسه موقعاً داخل عالم متعدد الأقطاب لم تعد فيه الولايات المتحدة اللاعب الوحيد. لهذا تبدو الحرب، في أحد وجوهها، محاولة لإعادة إيران إلى الحظيرة أو على الأقل منعها من التحول إلى ركيزة شرقية داخل قلب الخليج والشرق الأوسط. فإيران القريبة من روسيا والصين والهند، والمنفتحة على ترتيبات اقتصادية وطاقية خارج الهيمنة الأمريكية، تشكل خطراً أكبر من إيران النووية وحدها. الخطر في نظر واشنطن ليس فقط في التخصيب، بل في التموضع. وليس فقط في الصواريخ، بل في التحالفات. وليس فقط في حزب الله أو اليمن أو العراق أو سوريا، بل في إمكانية أن تصبح إيران جسراً بين آسيا الصاعدة والشرق الأوسط الغني بالطاقة.
من هنا يمكن فهم الروايات التي تتحدث عن أن الهدف لم يكن تدمير إيران، بل إعادة تشكيل نظامها أو سلوكه. فالولايات المتحدة لا تريد فراغاً إيرانياً، لأن الفراغ في دولة بهذا الحجم قد يفتح أبواب الفوضى والمليشيات والهجرة والطائفية والحرب الأهلية والتدخلات الأجنبية. لكنها تريد نظاماً إيرانياً مختلفاً: نظاماً يضبط الخليج ولا يشعله، يطمئن إسرائيل ولا يهددها، يتعاون مع واشنطن ولا ينافسها، يبيع النفط وفق قواعد السوق التي تتحكم فيها القوى الغربية، ولا يفتح أبواب المنطقة أمام خصوم أمريكا الكبار.
غير أن صمود إيران جعل هذا السيناريو يتعثر. فبدل أن تتحول طهران إلى مشروع تغيير، تحولت إلى طرف لا يمكن تجاوز توقيعه. وبدل أن يتم التعامل معها كخصم يجب كسره، أصبح مطلوباً منها أن تكون شريكاً في اتفاق يفتح المضيق، ويوقف الحرب، ويعيد الملاحة، ويؤجل الملفات الكبرى إلى جولة تفاوضية جديدة. من إسقاط النظام إلى فكرة دركي المنطقة
حين تفشل القوة في إسقاط خصمها، تبحث غالباً عن طريقة لتوظيفه. وهذه واحدة من أكثر الأفكار حساسية في قراءة مسار الحرب الأخيرة. فبعض الروايات المتداولة في الكواليس السياسية والإعلامية الغربية تذهب إلى أن فشل ترامب في فرض تغيير جذري داخل إيران جعله يفكر في صيغة أقل طموحاً وأكثر براغماتية: ليس إسقاط النظام، بل احتواؤه؛ ليس تحويل إيران إلى حليف كامل، بل إلى قوة إقليمية مضبوطة؛ ليس إنهاء استقلال قرارها، بل جعل هذا القرار جزءاً من هندسة جديدة تخدم المصالح الأمريكية الكبرى. وفق هذه القراءة، قد تقبل واشنطن بإيران قوية نسبياً، شرط ألا تكون قوة معادية بالكامل. وقد تقبل باستمرار علاقاتها مع روسيا والصين والهند، شرط ألا تتحول هذه العلاقات إلى منصة لضرب المصالح الأمريكية في الخليج. وقد تقبل بدور إيراني في المنطقة، شرط أن يكون دوراً مراقباً، قابلاً للتفاوض، ومفيداً في ضبط الفوضى أكثر مما هو منتج لها.
وهنا تظهر فكرة تحويل إيران إلى ما يشبه "دركي المنطقة". ليس بالمعنى القديم الذي لعبه شاه إيران قبل الثورة، حين كانت طهران حليفاً صريحاً للغرب، ولكن بمعنى جديد أكثر تعقيداً: إيران تبقى دولة مستقلة في خطابها، محتفظة ببعض علاقاتها الشرقية، لكنها تتحول عملياً إلى قوة مسؤولة عن ضبط جزء من التوازنات الإقليمية، وإبلاغ واشنطن، مباشرة أو عبر الوسطاء، بما يجري في المنطقة، والتعهد بعدم تجاوز خطوط حمراء معينة، مقابل الاعتراف لها بدور قيادي أو مؤثر في الخليج والشرق الأوسط. لكن هذه الصيغة، إن وجدت فعلاً، تحمل تناقضاً عميقاً. فإيران بنت شرعيتها السياسية منذ الثورة على رفض التبعية ورفض دور الشرطي الأمريكي. وأي انتقال واضح إلى دور يخدم الأجندة الأمريكية سيُقرأ داخلياً وخارجياً كضربة لأساس الخطاب الإيراني نفسه. لذلك فإن ما يمكن أن يحدث ليس تحولاً معلناً، بل ترتيبات صامتة، تفاهمات رمادية، خطوط اتصال، تبادل مصالح، وتحديد مناطق نفوذ، بحيث يستمر الخطاب العدائي في العلن، بينما تشتغل البراغماتية في الخلف.
وهنا تكمن عبقرية السياسة وخطورتها في الوقت نفسه. فالدول قد تتصارع في الواجهة وتتفاهم في الكواليس. وقد ترفع الشعارات الكبرى أمام شعوبها، بينما تفاوض على التفاصيل الصغيرة خلف الأبواب المغلقة. وقد تعلن أنها لم تتنازل، في الوقت الذي تكون قد قبلت فيه بتعديل سلوكها مقابل رفع عقوبة أو فتح ممر أو تحرير أموال أو الاعتراف بدور.
إسرائيل بين رغبة الحسم وقيود الواقع
إسرائيل كانت الطرف الأكثر رغبة في تحويل المواجهة إلى فرصة استراتيجية حاسمة. فمنذ سنوات وهي ترى في إيران التهديد الأكبر، ليس فقط بسبب الملف النووي، بل بسبب شبكة الحلفاء الممتدة من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن، وبسبب الدعم السياسي والعسكري لمحور يطوق إسرائيل أو يقلق أمنها من أكثر من جبهة. لذلك لم تكن إسرائيل تريد اتفاقاً سريعاً يعيد إيران إلى طاولة التفاوض، بل كانت تريد نتيجة تُضعف إيران بعمق، وتكسر أذرعها، وتمنعها من إعادة بناء قوتها. غير أن واشنطن، مهما اقتربت من تل أبيب، لا تقرأ الحرب بعين إسرائيل وحدها. أمريكا تقيس أيضاً أسعار النفط، ومصالح شركاتها، وسلامة قواتها، واستقرار الخليج، ومواقف أوروبا، وردود الصين وروسيا، وخطر الانزلاق إلى حرب طويلة لا يتحملها الرأي العام ولا الاقتصاد الأمريكي.
وهنا ظهر التباين بين الحليفين. فإسرائيل تريد ضمانات أمنية قصوى، بينما ترامب يريد اتفاقاً يمكن تسويقه داخلياً باعتباره نجاحاً. إسرائيل تريد أن تخرج إيران ضعيفة، بينما واشنطن تريد أن تخرج الحرب من دائرة الخطر المفتوح. إسرائيل تفكر في الأمن المباشر، بينما تفكر أمريكا في التوازن العالمي وممرات الطاقة وأسواق المال والانتخابات وصورة القوة الأمريكية. لهذا يمكن القول إن إسرائيل، رغم ما حققته من مكاسب عسكرية أو أمنية جزئية، لم تحصل على كل ما أرادت. فالاتفاق أو مذكرة التفاهم لا يعنيان نهاية الخطر الإيراني كما تراه تل أبيب، بل يعنيان فقط تأجيل المواجهة أو ضبطها. وهذا في حد ذاته يفسر لماذا لا يمكن الحديث عن انتصار إسرائيلي كامل، بل عن مكسب محدود داخل خسارة أوسع في القدرة على فرض النهاية التي كانت تريدها.
مضيق هرمز... الجغرافيا التي هزمت الغطرسة
لا يمكن فهم هذه الحرب دون فهم مضيق هرمز. فهذا الممر البحري الضيق لا يحمل فقط ناقلات النفط، بل يحمل معنى القوة في الخليج كله. من يتحكم في أمنه أو اضطرابه يستطيع أن يضغط على العالم، لا على خصمه المباشر فقط. ولذلك كان المضيق أحد أكبر أوراق إيران وأحد أكبر مخاوف واشنطن وحلفائها. ترامب يعرف أن الحرب مع إيران ليست مثل حرب بعيدة في منطقة معزولة. إنها حرب تقع في قلب الطاقة العالمية، قرب قواعد عسكرية أمريكية، وعلى مقربة من حلفاء أثرياء، وفي منطقة يمر منها جزء أساسي من النفط والغاز نحو الأسواق. أي خطأ في الحساب قد يعني ارتفاع الأسعار، اضطراب التجارة، سقوط البورصات، تراجع النمو، وتصاعد الغضب داخل الدول الغربية نفسها.
ولهذا لم يكن غريباً أن يتحول فتح المضيق واستعادة الملاحة إلى بند مركزي في المفاوضات. فالمعركة لم تعد فقط حول من ضرب من، بل حول من يستطيع أن يعيد الاقتصاد العالمي إلى التنفس الطبيعي. وكلما طال إغلاق المضيق أو التهديد بإغلاقه، اتسعت دائرة الخسارة، ولم تعد أمريكية أو إيرانية أو إسرائيلية فقط، بل خليجية وآسيوية وأوروبية وعالمية. هنا تظهر فكرة الخسارة للتقاسم. فإيران تتضرر من الحصار والعقوبات والضربات، وأمريكا تتضرر من كلفة الانتشار وخطر الانزلاق وفقدان الهيبة إذا فشلت، وإسرائيل تتضرر من استمرار الخطر، ودول الخليج تتضرر من قرب النار ومن اضطراب الاقتصاد والطاقة والاستثمار، والعالم كله يتضرر من ارتفاع الأسعار واهتزاز الثقة. في مثل هذه الحرب لا يوجد طرف يملك رفاهية الخروج نظيف اليدين.
الخليج... الثروة التي تدفع فاتورة الحروب
من أهم عناصر التحليل التي يجب عدم تجاهلها أن الولايات المتحدة غالباً لا تخوض حروب الخليج من مالها السياسي والعسكري وحده. فجزء كبير من كلفة الأمن الأمريكي في المنطقة يتحول، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، إلى صفقات سلاح، وترتيبات حماية، والتزامات مالية، ومشاريع إعادة إعمار، وتوازنات نفطية، وفواتير يدفعها الحلفاء أو يتحملون نتائجها. ولهذا فإن القول إن ترامب لم يخسر بالمعنى المالي المباشر له وجاهته. فقد لا يدفع ترامب من الخزينة الأمريكية وحدها كل كلفة الحرب. وقد تتحول الحرب إلى مناسبة جديدة لبيع السلاح، وفرض الحماية، وإعادة ترتيب عقود الطاقة، ودفع دول الخليج إلى مزيد من الارتماء في الحضن الأمني الأمريكي. فإذا تضرر الاقتصاد الأمريكي، يمكن تعويض جزء من الخسائر عبر صفقات ومساهمات وأموال وثروات المنطقة. وإذا اهتزت صورة القوة الأمريكية، يمكن ترميمها عبر اتفاق يقدمه ترامب على أنه أوقف كارثة وحمى العالم من حرب لا ترحم.
لكن هذا لا يعني أن أمريكا لم تخسر شيئاً. الخسارة ليست دائماً مالاً مباشراً. أحياناً تكون الخسارة في الهيبة، وفي انكشاف حدود القوة، وفي اضطرار واشنطن إلى التفاوض مع من أرادت إخضاعه، وفي ظهور قوى أخرى كروسيا والصين وهي تراقب وتستثمر وتنتظر لحظة تراجع النفوذ الأمريكي. وأحياناً تكون الخسارة في أن الحلفاء أنفسهم يكتشفون أن المظلة الأمريكية لا تمنع الخطر، بل قد تستدعيه، وأن الحماية قد تكون أحياناً باباً جديداً للابتزاز.
هل أنقذ ترامب أمريكا من السقوط أم أنقذ نفسه من الهزيمة؟ من زاوية معينة، يمكن القول إن ترامب فشل لأنه لم يحقق أهدافه القصوى. لكنه من زاوية أخرى، يمكن القول إنه تجنب خسارة أكبر. لقد فهم، أو أُجبر على أن يفهم، أن الحرب الشاملة مع إيران لن تكون نزهة عسكرية، وأن سقوط الصواريخ في الخليج، وتهديد الملاحة، وتحرك الحلفاء والخصوم، ودخول روسيا والصين على خط الحسابات، كلها عوامل تجعل الحرب مفتوحة على المجهول.
لذلك قد يكون ترامب قد اختار أن يبيع التراجع باعتباره انتصاراً. وهذه مهارة سياسية يعرفها جيداً. فهو قادر على أن يقول لجمهوره إنه أجبر إيران على التوقيع، وأعاد فتح المضيق، وحمى الاقتصاد العالمي، ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وأنقذ أمريكا من حرب طويلة. وفي المقابل سيقول خصومه إنه تراجع عن مطالبه، ومنح إيران فرصة جديدة، وقبل باتفاق مؤقت بدل نصر واضح.
الحقيقة بين القراءتين. لقد فشل ترامب في فرض نهاية أمريكية خالصة للحرب، لكنه لم يخسر كما كان يمكن أن يخسر لو غرق في حرب شاملة. فاختار الطريق الرمادي: لا انتصار كامل ولا هزيمة كاملة، لا إخضاع كامل لإيران ولا اعتراف كامل بانتصارها، لا حرب مفتوحة ولا سلام نهائي، بل اتفاق مؤقت يسمح لكل طرف بأن يقول لشعبه إنه لم ينكسر.
وهذه هي طبيعة السياسة الدولية الحديثة. لم تعد الحروب تنتهي دائماً باستسلام طرف فوق سفينة أو دخول عاصمة أو سقوط نظام. كثير من الحروب تنتهي بمذكرة تفاهم، ومرحلة تفاوض، وعبارات دبلوماسية فضفاضة، ولجان مراقبة، ووعود برفع العقوبات، وتعهدات بعدم التصعيد. لكنها في العمق تترك أسئلة معلقة أكبر من الأجوبة.
الاتفاق المرتقب... هدنة أم هندسة جديدة؟
الاتفاق أو مذكرة التفاهم المرتقبة لا يجب قراءتها كسلام نهائي. إنها أقرب إلى جسر فوق الهاوية. توقف القتال، تفتح المضيق، تخفف الضغط، تسمح بعودة الملاحة، تمنح الأسواق جرعة اطمئنان، وتفتح باب تفاوض جديد حول النووي والعقوبات والضمانات الأمنية. لكنها لا تعالج كل جذور الصراع. فالسؤال النووي لم ينته. والسؤال الصاروخي لم ينته. وسؤال نفوذ إيران الإقليمي لم ينته. وسؤال أمن إسرائيل لم ينته. وسؤال علاقة إيران بروسيا والصين لم ينته. وسؤال مستقبل الخليج بين الحماية الأمريكية والانفتاح على الشرق لم ينته. لذلك فإن الاتفاق، مهما كان مهماً، لا يطوي الصفحة، بل ينقل الصراع من الميدان العسكري إلى الميدان التفاوضيز
وقد تكون أخطر ما في الاتفاقات المؤقتة أنها تمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس دون أن تمنح أحداً ضمانة نهائية. إيران ستعتبره اعترافاً بصمودها. ترامب سيعتبره دليلاً على قوته التفاوضية. إسرائيل ستراه ناقصاً ومقلقاً. الخليج سيرحب به علناً ويخاف من هشاشته سراً. روسيا والصين ستقرآنه بوصفه دليلاً جديداً على أن أمريكا لم تعد قادرة على فرض كل شيء وحدها. أما الشعوب، فستبقى تتساءل: هل انتهت الحرب فعلاً، أم أنها فقط غيرت ملابسها؟
الفشل قائم لأن الأهداف تبدلت
الفشل لا يعني دائماً أن الدبابات احترقت أو أن الجيوش انسحبت أو أن العواصم سقطت. الفشل السياسي قد يكون أكثر هدوءاً وأعمق أثراً. يظهر حين يعلن طرف أهدافاً كبرى ثم يقبل بأهداف أصغر. يظهر حين يبدأ الخطاب بالتهديد وينتهي بالوساطة. يظهر حين تكون البداية: "لن نقبل إلا بكذا"، ثم تصبح النهاية: "سنواصل التفاوض حول كذا". يظهر حين يكتشف العالم أن القوة العظمى تستطيع أن تضغط، لكنها لا تستطيع دائماً أن تفرض. ترامب فشل لأنه لم يفرض على إيران الاستسلام السياسي. فشل لأنه لم يحول الحرب إلى لحظة انهيار للنظام الإيراني. فشل لأنه لم يمنح إسرائيل النهاية التي أرادتها. فشل لأنه اضطر إلى قبول إيران طرفاً تفاوضياً لا يمكن تجاوزه. فشل لأن المعركة التي كان يفترض أن تثبت الهيبة الأمريكية كشفت في الوقت نفسه حدود هذه الهيبة.
لكن الفشل هنا ليس إيرانياً خالصاً ولا أمريكياً خالصاً ولا إسرائيلياً خالصاً. إنه فشل المشروع الحربي في تحقيق الحسم. وفشل الاعتقاد بأن الشرق الأوسط يمكن ترتيبه بالصواريخ وحدها. وفشل الوهم القديم الذي يقول إن الضغط الأقصى ينتج دائماً خضوعاً أقصى. لقد أثبتت الحرب أن الضغط الأقصى قد ينتج أيضاً مقاومة قصوى، وأن التهديد قد يدفع الخصم إلى التصلب بدل الانحناء.
الخسارة للتقاسم لأن النار لا تعرف الحدود
أما الخسارة فهي للتقاسم. إيران خسرت اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وتعرضت لضغط كبير، وستظل أمام اختبار صعب في كيفية تقديم الاتفاق لشعبها دون أن يبدو تنازلاً. إسرائيل خسرت فرصة الحسم الكامل، وستبقى تنظر إلى إيران بعين القلق. أمريكا خسرت جزءاً من هيبتها لأنها لم تفرض كل شروطها، وإن ربحت فرصة الخروج من حرب خطيرة. الخليج خسر الطمأنينة، واكتشف مرة أخرى أن ثروته وموقعه يجعلان منه دائماً ساحة دفع للفواتير. العالم خسر استقراره المؤقت، والأسواق خسرت يقينها، ومجلس الأمن والقوى الكبرى ظهرت مرة أخرى عاجزة عن منع النار قبل اشتعالها.
في هذه الحرب لا توجد خسارة واحدة، بل طبقات من الخسائر. هناك خسارة المال، وخسارة الدم، وخسارة الثقة، وخسارة الهيبة، وخسارة الاستقرار، وخسارة القدرة على التحكم في المستقبل. وقد تكون أخطر خسارة هي أن المنطقة كلها اكتشفت أنها تعيش فوق برميل بارود، وأن قراراً واحداً خاطئاً في واشنطن أو طهران أو تل أبيب يمكن أن يشعل اقتصاد العالم كله.
لذلك فإن العبارة الأدق ليست: من ربح؟ ومن خسر؟ بل: من فشل في تحقيق أهدافه؟ ومن دفع جزءاً من الفاتورة؟ والجواب أن الفشل قائم عند من ظن أن الحسم سهل، والخسارة موزعة على من دخل الحرب، ومن مولها، ومن خاف منها، ومن انتظر نهايتها، ومن سيعيش نتائجها.
الحرب لم تنتهِ بل غيّرت شكلها
لا تنتهي الحروب دائماً حين تتوقف المدافع. أحياناً تبدأ أخطر مراحلها بعد الصمت. فعندما يجلس المتحاربون إلى طاولة التفاوض، لا يكونون قد تصالحوا بالضرورة، بل يكونون قد اعترفوا بأن الحرب لم تمنح أحداً ما يكفي من النصر، وأن الاستمرار فيها سيمنح الجميع ما يكفي من الخسارة.
وهذا بالضبط ما تكشفه حرب الخليج الأخيرة. لقد دخلها ترامب بسقف مرتفع، وخرج منها بسقف قابل للتفاوض. دخلتها إسرائيل بأمل تحجيم إيران نهائياً، ووجدت نفسها أمام اتفاق لا ينهي القلق. دخلتها إيران تحت ضغط كبير، لكنها خرجت طرفاً لا يمكن تجاوزه. دخلها الخليج خائفاً من النار، وخرج مدركاً أن ثروته لا تحميه دائماً، بل تجعله أحياناً في قلب الحسابات. ودخلها العالم وهو يراقب، ثم اكتشف أن مضيقاً بحرياً واحداً قادر على إرباك الاقتصاد العالمي كله.
إن الفشل قائم لأن المشروع الأصلي لم يتحقق. لم تسقط إيران. لم يستسلم نظامها. لم تختفِ تحالفاتها. لم يتحقق الحسم الإسرائيلي. ولم تفرض واشنطن كل شروطها. لكن الخسارة، في المقابل، ليست ملكاً لطرف واحد. إنها موزعة على الجميع، لأن الحرب في الخليج ليست حرب حدود، بل حرب طاقة وملاحة وأسواق وتحالفات وهيبة دولية.
قد يخرج ترامب ليقول إنه صنع اتفاقاً عظيماً. وقد تقول إيران إنها صمدت وانتصرت. وقد تقول إسرائيل إنها منعت الخطر الأكبر. وقد تقول دول الخليج إنها نجت من الكارثة. لكن خلف كل هذه التصريحات ستبقى الحقيقة أكثر صلابة من الخطابات: لا أحد حصل على كل ما يريد، ولا أحد نجا من دفع جزء من الثمن. ولهذا فإن الفشل سيظل قائما والخسارة ستبقى دائما للتقاسم. فشلُ من اعتقد أن القوة وحدها تكفي لصناعة الطاعة، وخسارةُ منطقة ما زالت تدفع ثمن صراعات الكبار فوق أرضها وحول ثرواتها وممراتها ومستقبل شعوبها.
#بوشعيب_حمراوي (هاشتاغ)
Bouchaib_Hamraouy#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الكراهية تبدأ بكلمة... وتنتهي بحريق يلتهم الإنسانية
-
أسود الأطلس يزأرون ... عندما تتحول كرة القدم إلى محكمة للأنس
...
-
على هامش اليوم العالمي لمناهضة عمل الاطفال : الطفل يحتاج إلى
...
-
البرلمان الذي نريد : يفرض رقي الساسة والقضاء على أسواق النخا
...
-
الفيفا تقصف ولا تبالي : فكرة كرسي الصحفي الفارغ تزعزع نظام ا
...
-
الفكر الترامبي: هل هو قادر على إعادة صناعة العالم و تربية أن
...
-
الجهوية بالمغرب... بين ورش البناء الديمقراطي وواجب استحضار ا
...
-
البكالوريا : من مشروع نابليون لبناء الدولة إلى جسر يمهد لبنا
...
-
برادة والخمسة آلاف حرامي جهوي .. في انتظار رواد الغش في الام
...
-
القاصر ليس مادة إعلامية ... و الكاميرا أداة للتوعية وليست وس
...
-
الإعدام.. ليس عقاب
-
القطيع الرقمي.. حين يتحول الإنسان إلى أداة في يد الشاشة. ...
...
-
بين لاهاي والرباط... من انتصر لحق الإضراب؟ ... هل تم تنظيم ح
...
-
قصة : عاشق رسول الله ﷺ... لا توفت قراءتها..
-
التكريم بين العرفان الحقيقي واستغلال الواجهة
-
العالم بين “البولفاف” و”القديد” السياسي حين تحولت الحروب وال
...
-
هولندا… حين تتحول الحرية إلى معول لهدم الإنسان من تشريع الشذ
...
-
المغرب والسنغال…مباراة انتصرت فيها الأخوة على كرة القدم
-
هذا عيد أضحى… وذاك عيد أمسى
-
لهيب الحرب و شجع الشناقة : أضحية العيد من شعيرة دينية إلى مع
...
المزيد.....
-
-تهيّأوا للّعب-.. الكشف عن موعد الطلب المسبق لـ-Grand Theft
...
-
علقت على اجتماع سويسرا.. الخارجية الإيرانية: بدء مفاوضات الا
...
-
الدفاع الروسية: إسقاط 216 مسيّرة أوكرانية جنوب البلاد
-
تحليل: هل يجعل ترامب من نائبه -كبش فداء- لاتفاق السلام مع إي
...
-
رشيد حموني يطالب الحكومة بتبسيط إجراءات رخص البناء على أراضي
...
-
لماذا تتجه ألمانيا لشراء صواريخ من إسرائيل وأوكرانيا؟
-
مسؤول إسرائيلي: لا تغيير في ترتيبات وقف إطلاق النار والجيش س
...
-
سويسرا تدرس مسألة حرمان الرجال الأوكرانيين في سن التجنيد من
...
-
سوريا تغيب عن بطولتين عربيتين في مصر بسبب أزمة تأشيرات
-
مصر.. الداخلية تكشف تفاصيل حادث -بائعة الشاي- الذي أغضبت الم
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|