أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - أدرعيّو الداخل: حين يتكلم العربي بلسان الاحتلال















المزيد.....

أدرعيّو الداخل: حين يتكلم العربي بلسان الاحتلال


خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)


الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 16:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ي الحروب المعاصرة، لم يعد الصراع يُحسم على الأرض وحدها، بل انتقل تدريجياً إلى ساحة أكثر عمقاً وخفاءً: ساحة الوعي. فالمعركة اليوم لا تدور فقط حول السيطرة على الجغرافيا، بل حول السيطرة على طريقة إدراك الناس للجغرافيا نفسها، وعلى تعريفهم للعدو والصديق، والضحية والجاني.
غير أن مقاربة هذه الظواهر لا يمكن أن تُبنى على تفسير خطي بسيط أو سبب واحد مباشر. فالقضايا الاجتماعية والسياسية ليست أنظمة فيزيائية تخضع لقانون واحد صارم، بل هي شبكات معقدة من التفاعلات المتداخلة، تتقاطع فيها العوامل النفسية والسياسية والإعلامية والمصلحية، بحيث تنتج في النهاية سلوكاً يبدو موحداً رغم أنه ناتج عن طبقات متعددة من الدوافع والوعي. بعضه واعٍ ومقصود، وبعضه تلقائي ناتج عن بيئة ضغط مستمرة، وبعضه يتشكل عبر التكرار والخوارزميات والظروف العامة.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم واحدة من أكثر الظواهر اللافتة في المشهد العربي المعاصر: انتقال السردية الإسرائيلية من كونها خطاباً خارجياً موجهاً للعرب، إلى خطاب يُعاد إنتاجه داخل البيئة العربية نفسها، بلسان عربي، ومفردات مألوفة، وأحياناً بثقة تفوق ثقة أصحابها الأصليين.
منذ اندلاع الحرب على غزة، واتساع تداعياتها في الإقليم، برزت ماكينة إعلامية إسرائيلية ناطقة بالعربية، تتقدمها شخصيات مثل الناطق باسم جيش الاحتلال، إلى جانب حسابات رسمية وغير رسمية، تعمل على ضخ سرديات محددة بشكل مكثف ومنهجي. غير أن الأخطر ليس في هذه السرديات نفسها، بل في قدرتها على إيجاد من يتلقفها ويعيد تدويرها داخل الفضاء العربي، حتى لتبدو أحياناً وكأنها رأي داخلي مستقل.
تقوم هذه السرديات على مجموعة من الركائز الأساسية. أولها شيطنة المقاومة، عبر تحويلها من حركات تواجه احتلالاً قائماً إلى سبب مباشر لكل ما يحدث من دمار ومعاناة. في هذا المنطق، لا يعود الاحتلال هو الفاعل، بل تصبح المقاومة هي أصل الكارثة، ويعاد تعريف الضحية باعتبارها مسؤولاً عن مصيرها.
ويتجلى هذا المنطق بوضوح في أكثر من ساحة عربية، سواء في غزة أو لبنان، رغم اختلاف السياقين. ففي غزة يُقدَّم الدمار بوصفه نتيجة مباشرة لوجود المقاومة، ويُحمَّل الفلسطينيون تبعات وجودها تحت عنوان “الدروع البشرية” و”سرقة المساعدات” و”الأنفاق تحت المستشفيات”. وفي لبنان يُعاد إنتاج السردية نفسها ولكن بصيغة مختلفة، حيث تُربط أي مواجهة مع إسرائيل بمفهوم “البيئة الحاضنة” و”تهديد الاستقرار”، مع التركيز على البنى العسكرية والردع والانتشار، بينما يبقى الجوهر واحداً: تحميل المقاومة، في كلا السياقين، مسؤولية الفعل الإسرائيلي نفسه.
أما الركيزة الثانية فهي تحويل الاحتلال من طرف مبادر إلى طرف مدافع عن النفس. فكل عملية عسكرية تُقدَّم بوصفها “رداً مشروعاً”، وكل مجزرة تُصاغ بلغة الضرورة الأمنية، بحيث يُعاد نقل مركز المسؤولية من الفاعل إلى المفعول به، ومن الجاني إلى الضحية.
وتقوم الركيزة الثالثة على صناعة صورة القوة المطلقة. إذ يُقدَّم الاحتلال باعتباره منظومة لا تُهزم: جيش متفوق، أجهزة استخبارات حاضرة في كل مكان، وتكنولوجيا قادرة على الحسم الدقيق. والهدف هنا ليس عسكرياً فقط، بل نفسياً بالدرجة الأولى، إذ يُراد خلق شعور بالعجز المسبق لدى الجمهور، وإقناعه بأن أي مواجهة هي عبث لا طائل منه.
إلى جانب ذلك، يجري العمل على إعادة ترتيب العدو في الوعي. فبدلاً من أن يبقى الاحتلال في مركز المشهد، تُدفع أولويات أخرى إلى الواجهة: المقاومة، إيران، الانقسامات الداخلية، أو الخصومات الطائفية والسياسية. وهكذا يُعاد توجيه البوصلة من مواجهة الاحتلال إلى صراعات جانبية، تفقد معها القضية مركزيتها الأصلية.
لكن هذه السرديات لا تكتسب تأثيرها من مصدرها الأصلي فقط، بل من قدرتها على الانتقال إلى الداخل العربي عبر ما يمكن تسميته بـ”أدرعيّو الداخل”.
هؤلاء ليسوا منتجين للسردية، بل ناقلين لها ومعيدين لتوطينها. فهم يأخذون الخطاب الخارجي، ويعيدون صياغته بلغة محلية، ويقدمونه في صورة تحليل مستقل أو رأي عقلاني أو قراءة واقعية للأحداث، بينما يحتفظ المضمون بجوهره الأصلي دون تغيير يُذكر.
وتتجلى هذه الظاهرة في عدة أنماط متكررة. أبرزها التكرار الحرفي للمصطلحات ذاتها التي يستخدمها الخطاب الإسرائيلي، مثل “الدروع البشرية”، و”الأنفاق تحت المستشفيات”، و”سرقة المساعدات”، وغيرها من الصيغ التي تنتقل كما هي إلى الخطاب العربي.
كما يظهر نمط واضح في تحميل الضحية مسؤولية ما تتعرض له. فبدلاً من مساءلة الفعل العسكري نفسه، يُعاد توجيه السؤال نحو الضحية: ماذا فعلت؟ ولماذا استفزت؟ وكأن الفعل الأصلي غير موجود أو غير قابل للنقاش.
ويبرز أيضاً خطاب الشماتة أو التبرير عند وقوع الضربات أو الاغتيالات أو المجازر، حيث تتحول الأحداث إلى مناسبة لإعادة إنتاج مواقف سياسية داخلية، أكثر مما هي لحظة إنسانية أو سياسية لفهم ما يجري.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على الحسابات الوهمية أو شبكات التضليل الرقمي، بل تمتد أحياناً إلى بعض النخب الإعلامية والفكرية التي تتبنى هذه السرديات تحت عناوين مثل الواقعية السياسية أو نقد الشعارات أو تجاوز العاطفة، مما يمنحها غطاءً خطابياً مقبولاً في الفضاء العام.
غير أن خطورة هذه الحالة لا تكمن في مجرد تكرار خطاب خارجي، بل في لحظة تحول هذا الخطاب إلى خطاب داخلي “طبيعي”، لا يُنظر إليه بوصفه رواية خصم، بل بوصفه حقيقة بديهية لا تحتاج إلى نقاش.
وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية الأعمق: حين لا يعود الاحتلال بحاجة إلى إقناع أحد بروايته، لأن جزءاً من البيئة المستهدفة يتولى هذه المهمة بالنيابة عنه، ويعيد إنتاجها بوصفها رؤية مستقلة.
إن أخطر ما يمكن أن تحققه أي منظومة دعائية ليس مجرد التأثير في الرأي العام، بل النجاح في تحويل روايتها إلى منطق داخلي يُستخدم في تفسير العالم من قبل من يفترض أنهم خصومها.
ومن هنا لا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا تقول الدعاية الإسرائيلية؟ بل كيف تتحول هذه الدعاية إلى جزء من طريقة التفكير داخل البيئة العربية نفسها؟
وهذا ما يقود إلى السؤال التالي والأعمق: كيف تتحول البروباغندا من خطاب إعلامي إلى بنية فكرية متكاملة تُعيد تشكيل الوعي والمعايير والأولويات؟
ذلك هو ما سنحاول مقاربته في المقال التالي: احتلال الوعي: كيف تحولت البروباغندا الصهيونية إلى منطق عربي متبنّى.



#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)       Khorshied_Nahi_Alhussien#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التلاحم الوظيفي بين سردية المحتل وأبواق الانحراف الداخلي
- الدولة كملف إداري؛ تحولات السيادة في عصر -الإدارة التقنية- ل ...
- ما وراء الردع المتآكل: إعادة صياغة الشرق الأوسط في فضاء ما ب ...
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: من -قوننة- الاستثناء إلى انك ...
- المأزق الأمريكي–الإسرائيلي: حين تعجز التكنولوجيا أمام حرب ال ...
- من غزة إلى الجنوب: صراع -الجذور- ضد مشروع الاقتلاع
- لبنان: الدولة التي لم نتفق عليها... ولا على أعدائها
- الهوية الفلسطينية...صراع الوجود
- مسقط : مفاوضات لمنع الحرب… لا لصناعة السلام
- ما بعد طوفان الأقصى: بناء الحاضنة السياسية للمقاومة الفلسطين ...
- المقاومة بين منطق الدولة وغريزة الفناء
- مسقط 2026: دبلوماسية اللحظة الأخيرة تحت ظلال -المطرقة-
- «ثقافة إبستين»: حين تتحول الفضيحة إلى دستورٍ غير معلن للنخب ...
- أوروبا بعد -المظلة- الأمريكية: هل تنجح سياسة الاعتماد على ال ...
- مجلس ترامب حكومة التوحش الأممي: من السيادة الوطنية إلى إدار ...
- هندسة الصمت الكبير: كيف حوّل ترامب العالم إلى نظام إدارة أزم ...
- السنة في لبنان من (عصب العروبة) الى ملحق على (هامش الدولة)
- لبنان 2026: بين مطرقة السلاح وسندان الصناديق
- -الجوع بركة-: دليل الشعوب السعيدة بخرابها
- oالوحي الشيطاني لرسول الدم :نتنياهو...الأسفار السبعة


المزيد.....




- موجة من الأحمر والأبيض والأزرق.. موكب يوم بورتوريكو يتحول إل ...
- مصر.. السيسي يشكر دولا عربية وقادة بأول تدوينة بعد توقيع اتف ...
- ما الذي نعرفه عن أموال إيران المجمدة؟
- موسكو: الحل في ليبيا يجب أن يكون شاملا وبقيادة الليبيين دون ...
- بوتين يؤكد أن منتدى قازان -روسيا والعالم الإسلامي- مفيد للبل ...
- -بوليتيكو-: خلاف أوروبي عميق حول العودة إلى طاولة الحوار مع ...
- البنتاغون يطلب 80 مليار دولار لتغطية حرب إيران وفواتير أخرى ...
- 80 لغما تُغلق الممر المركزي لهرمز والسفن تلجأ للمسارين الشما ...
- بين الغارات والمفاوضات.. غزة تسجل ألف قتيل منذ بدء الهدنة
- كشف -العقل المدبر- لمخطط الهجوم على احتفالية البيت الأبيض


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خورشيد الحسين - أدرعيّو الداخل: حين يتكلم العربي بلسان الاحتلال