أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - حيتان الامتيازات... حين تتعدد الامتيازات والصلاحيات والقرارات داخل الدولة الواحدة














المزيد.....

حيتان الامتيازات... حين تتعدد الامتيازات والصلاحيات والقرارات داخل الدولة الواحدة


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 09:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست المشكلة في العراق أن بعض الوظائف تتطلب رواتب أعلى من غيرها، فهذه حقيقة تفرضها طبيعة الاختصاص والخبرة والمسؤولية في جميع دول العالم... ؛ لكن المأساة تبدأ عندما تتحول الرواتب إلى غنائم سياسية، وتصبح الامتيازات المالية حكراً على طبقة محددة صنعت قوانينها بيدها، وشرّعت لنفسها ما حرمته على سائر أبناء الشعب.
فإذا كانت العدالة الاقتصادية تقوم على مبدأ التوازن بين الجهد والعائد، فإن أي نظام رواتب يفقد هذا التوازن يتحول إلى مصدر للتذمر الاجتماعي والاحتقان النفسي والشعور بالغبن. فالعامل الذي يستيقظ قبل الفجر ليؤدي عملاً شاقاً لا يمكن أن يشعر بالإنصاف عندما يرى أن دخله أقل من دخل أشخاص لا يبذلون الجهد نفسه أو لا يتحملون المسؤوليات ذاتها... ؛ وعندما يدرك أن هذا الفارق لا تحكمه الكفاءة ولا الإنتاجية، بل تحدده المحسوبية والانتماءات وشبكات النفوذ، فإن إحساسه بالظلم يصبح مضاعفاً.
إن المشكلة لا تكمن في منح رواتب مرتفعة لأصحاب الكفاءات والخبرات، فذلك أمر معمول به في جميع دول العالم، وإنما تكمن في غياب المعايير الواضحة والموحدة التي تجعل المواطن يفهم سبب هذا الفارق ويقتنع بعدالته... ؛ فالراتب المرتفع يصبح مشروعاً عندما يقابله اختصاص نادر أو مسؤولية استثنائية أو إنتاجية عالية، لكنه يفقد مشروعيته الأخلاقية والاجتماعية عندما يتحول إلى امتياز طبقي أو سياسي أو فئوي.
لقد نجحت حيتان الفساد، عبر سنوات طويلة، في بناء منظومات امتياز مغلقة، ففصلت نفسها وأتباعها عن بقية المجتمع بقوانين خاصة ومخصصات استثنائية وحوافز لا تخضع لأي معيار موضوعي... ؛ ولم تعد الدولة بالنسبة إلى الجميع كياناً واحداً يخضع فيه المواطنون للقواعد ذاتها، بل غدت أشبه بجزر متباعدة من الامتيازات والحرمان.
وكأن المواطن لا يعيش في دولة واحدة بل عدة دول، لكل منها نظامها الاقتصادي وسلمها الخاص بالرواتب... ؛ فهناك دولة الامتيازات المفتوحة، ودولة الرواتب المحصنة، ودولة المخصصات الاستثنائية، وفي المقابل توجد دولة الموظف البسيط والعامل والمتقاعد الذين يواجهون أعباء الحياة بموارد محدودة لا تكاد تواكب أبسط متطلبات العيش الكريم...!!
لقد عانى العراق لعقود طويلة من غياب رؤية اقتصادية مستقرة في إدارة ملف الأجور والرواتب، فتراكمت الامتيازات الخاصة، وتعددت القوانين، وتباينت أنظمة الرواتب بين مؤسسة وأخرى، حتى أصبح التفاوت الفاحش أمراً معتاداً، لا يثير لدى أصحاب النفوذ سوى مزيد من السعي لتكريس مكتسباتهم، فيما يزداد شعور المواطن العادي بأن الدولة لا تنظر إلى أبنائها بعين واحدة.
وما يزيد المشكلة تعقيداً أن الفجوة الواسعة بين الدخول لا تؤثر في الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي ذاته... ؛ فحين تتسع الهوة بين الطبقات، يضعف الشعور بالمواطنة المشتركة، وتنمو مشاعر الإحباط وفقدان الثقة بالمؤسسات، ويبدأ الناس بالنظر إلى الوظيفة العامة بوصفها باباً للامتيازات لا وسيلة لخدمة المجتمع... ؛ وعندما تصبح الوظيفة طريقاً للثروة السهلة لا ميداناً للمسؤولية العامة، فإن قيم الدولة نفسها تتعرض للتآكل.
إن بناء دولة مستقرة لا يتحقق بكثرة الرواتب ولا بضخامتها وحدها، بل بتحقيق العدالة في توزيعها، وربطها بالكفاءة والخبرة والإنتاجية، ووضع سياسة اقتصادية واضحة تضمن حياة كريمة للعامل والموظف والمتقاعد، وتحفظ في الوقت نفسه المال العام من الهدر والامتيازات غير المبررة.
فالأمم لا تُقاس بحجم ثرواتها فقط، بل بقدرتها على توزيع تلك الثروات بعدالة بين أبنائها... ؛ وعندما يشعر المواطن أن جهده مقدر، وأن حقوقه مصانة، وأن الفرص متكافئة بين الجميع، يصبح أكثر استعداداً للإنتاج والعطاء والدفاع عن دولته... ؛ أما حين تغيب العدالة، ويحل محلها التفاوت غير المنطقي الذي تصنعه شبكات المصالح وحيتان الفساد، فإن الثروة نفسها قد تتحول من عامل استقرار إلى مصدر دائم للتوتر والانقسام.
لذلك فإن إصلاح سياسة الأجور والرواتب في العراق ليس قضية مالية فحسب، بل هو مشروع وطني وأخلاقي واجتماعي يستوجب تفكيك منظومة الامتيازات غير المستحقة، وإخضاع الجميع لمعايير عادلة وشفافة، وترسيخ مبدأ أن المال العام حق لجميع العراقيين، لا ملكية خاصة لفئة استطاعت أن تكتب القوانين على مقاس مصالحها. فالدولة العادلة هي التي يشعر جميع أبنائها بأنهم متساوون في الحقوق والفرص والكرامة، لا أن يعيش بعضهم في عراق الامتيازات، فيما يُترك الآخرون لمواجهة عراق الحرمان وشظف العيش.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق أولًا… حين يكون حب الوطن واجبًا أخلاقيًا ووعيًا حضاري ...
- تفاوت الرواتب و الأجور في العراق: غياب الرؤية الاقتصادية وتك ...
- عرقنة التسميات والعناوين العامة في بغداد
- التجنيس الباطل : ارث الاحتلال الثقيل ولعنة الحكومات المتعاقب ...
- الوطنجية : حين تصبح الوطنية تهمة وشتيمة ؟!
- الطلقة أم السجينة ؟!
- الأمة العراقية بين الدلالة اللغوية والتأصيل الاصطلاحي
- كرامة العراقي فوق الهراوة
- العراق بين الانفتاح الحضاري والتغيير الديموغرافي: جدل الهوية ...
- الايزيديات في اقفاص النيران
- الأمة العراقية : الهوية الوطنية بين التاريخ والسياسة
- هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟
- الإعلان عن وفاة الإله : قراءة في أخطر مقولات نيتشه
- انكسار المرايا : حين يتحوَّل الرفيق إلى غريم
- الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول
- حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر


المزيد.....




- موجة من الأحمر والأبيض والأزرق.. موكب يوم بورتوريكو يتحول إل ...
- مصر.. السيسي يشكر دولا عربية وقادة بأول تدوينة بعد توقيع اتف ...
- ما الذي نعرفه عن أموال إيران المجمدة؟
- موسكو: الحل في ليبيا يجب أن يكون شاملا وبقيادة الليبيين دون ...
- بوتين يؤكد أن منتدى قازان -روسيا والعالم الإسلامي- مفيد للبل ...
- -بوليتيكو-: خلاف أوروبي عميق حول العودة إلى طاولة الحوار مع ...
- البنتاغون يطلب 80 مليار دولار لتغطية حرب إيران وفواتير أخرى ...
- 80 لغما تُغلق الممر المركزي لهرمز والسفن تلجأ للمسارين الشما ...
- بين الغارات والمفاوضات.. غزة تسجل ألف قتيل منذ بدء الهدنة
- كشف -العقل المدبر- لمخطط الهجوم على احتفالية البيت الأبيض


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - حيتان الامتيازات... حين تتعدد الامتيازات والصلاحيات والقرارات داخل الدولة الواحدة