أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - من ثورة الكرامة إلى ثورة الخبز: الاختبار الأخطر أمام أحمد الشرع














المزيد.....

من ثورة الكرامة إلى ثورة الخبز: الاختبار الأخطر أمام أحمد الشرع


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 03:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا تحتاج الثورات دائمًا إلى شعارات كبرى كي تبدأ. أحيانًا تبدأ من رغيف خبز ناقص، من راتب لا يكفي أسبوعًا، من أب عاجز عن شراء الدواء، ومن أم تقف أمام محل الخضار كما لو أنها تقف أمام واجهة ذهب. في سوريا اليوم، السؤال لم يعد فقط: من يحكم؟ بل: كيف يعيش الناس تحت هذا الحكم؟ وهل جاءت السلطة الجديدة لتفتح باب الدولة، أم لتعيد إنتاج القفص بأسماء جديدة ورايات جديدة وخطاب جديد؟

سوريا التي خرجت من قبضة الأسد لم تخرج بعد من الجوع. سقط الرمز، لكن لم تسقط منظومة الفقر. تغيّر الوجه في القصر، لكن المواطن في السوق ما زال يطارد السعر قبل أن يطارده الأمن. وإذا كان السوريون قد ثاروا أول مرة على الإهانة والخوف والفساد، فإن الثورة القادمة، إن جاءت، لن تحتاج إلى تنظير سياسي طويل؛ ستكون ثورة معدة فارغة. الجائع لا يقرأ البيانات الحكومية، ولا ينتظر المؤتمرات الصحفية، ولا يصدّق وعود الإصلاح إذا كان طفله ينام بلا عشاء.

أحمد الشرع يقف اليوم أمام امتحان أخطر من امتحان إسقاط النظام السابق: امتحان ألا يصبح نسخة أخرى منه. فالأسد لم يكن مجرد شخص، بل كان طريقة في الحكم: سلطة فوق المجتمع، أمن فوق القانون، خطاب وطني لتبرير القمع، ومركزية خانقة تجعل الدولة ملكًا لمن يحكمها لا لمن يعيش فيها. الخوف أن يظن الشرع أن سقوط الأسد يمنحه شرعية مفتوحة، أو أن تاريخه في الصراع يمنحه حق احتكار القرار، أو أن السوريين الذين صبروا على الحرب سيصبرون إلى ما لا نهاية على الفقر والقمع وسوء الإدارة.

ليس المطلوب من أي حكم جديد أن يصنع معجزة في أشهر. سوريا مدمرة، اقتصادها منهك، مؤسساتها مكسورة، وشعبها موزع بين الداخل والمخيمات والمنافي. لكن هناك فرقًا بين العجز الصادق والاستبداد المتستر بالعجز. الناس قد تصبر على الفقر إذا رأت عدلًا، وقد تتحمل الضيق إذا رأت شفافية، وقد تنتظر البناء إذا شعرت أن الدولة للجميع. لكنها لن تصبر طويلًا إذا رأت أن الوجوه تغيرت فقط، بينما بقيت عقلية الأمر والطاعة، وبقيت المحسوبيات، وبقي الأمن يسبق السياسة، وبقي المواطن آخر من يعلم وأول من يدفع الثمن.

الخطر الأكبر على الشرع ليس المعارضة الخارجية، ولا بقايا الأسد، ولا المؤامرات الإقليمية وحدها. الخطر الأكبر هو أن يفقد السوري العادي الأمل. عندما يصبح المواطن مقتنعًا بأن الحاكم الجديد لا يسمعه، وأن الأسواق أقوى من الحكومة، وأن السلاح أقوى من القانون، وأن الولاء أهم من الكفاءة، فإن الثورة تصبح مسألة وقت. الجوع لا يحتاج إلى حزب كي ينظمه. الغضب الاجتماعي حين ينفجر لا يسأل عن الأيديولوجيا، بل يسأل: أين الخبز؟ أين الكهرباء؟ أين العمل؟ أين الكرامة؟

قد يقول أنصار السلطة الجديدة إن المرحلة صعبة، وإن الدولة تحتاج إلى وقت، وإن الانتقاد الآن يخدم أعداء سوريا. هذا هو المنطق نفسه الذي استخدمته كل السلطات الخائفة من شعوبها. باسم المعركة، يُؤجَّل الإصلاح. وباسم الاستقرار، يُمنع النقد. وباسم بناء الدولة، تُبنى سلطة فوق الدولة. ثم يستيقظ الناس بعد سنوات ليكتشفوا أن الأسد لم يكن شخصًا فقط، بل كان قابلية للتكرار كلما غابت المحاسبة.

الشرع يستطيع أن ينجو من هذا المصير إذا فهم أن الشرعية لا تُورث من النصر العسكري، ولا تُمنح مرة واحدة إلى الأبد. الشرعية تُجدَّد كل يوم بالعدل، بالخدمات، بفتح المجال العام، بمحاسبة الفاسدين، بتخفيف قبضة الأمن، وبإشراك السوريين في القرار. أما إذا تحولت السلطة إلى دائرة مغلقة، وإذا صار النقد خيانة، وإذا صار الجوع قدرًا يُطلب من الناس احتماله باسم المرحلة، فإن المقارنة مع الأسد لن تكون شتيمة سياسية، بل قراءة واقعية لمسار الحكم.

سوريا لا تحتاج إلى قائد ملهم جديد بقدر ما تحتاج إلى دولة عادية: قضاء يعمل، رواتب تكفي، بلديات تنظف الشوارع، مدارس لا تهين الأطفال، مستشفيات لا تطرد الفقراء، شرطة تحمي الناس لا تخيفهم، وحكومة تقول الحقيقة حتى لو كانت الحقيقة مرة. السوريون تعبوا من الزعماء التاريخيين، ومن الخطابات الكبرى، ومن الوعود التي لا تنزل إلى السوق ولا تصل إلى المائدة.

ثورة الجوع إن جاءت، فلن تكون ضد اسم فقط، بل ضد نمط كامل من الحكم. ستكون ضد كل من ظن أن السوريين بعد كل هذا الخراب صاروا قابلين للترويض. الجوع يعلّم الناس أن الخوف رفاهية لا يملكها من لا يجد طعامه. ومن لا يجد الخبز قد لا يخاف السجن، لأن حياته خارجه صارت سجنًا مفتوحًا.

السؤال الآن ليس هل يستطيع الشرع أن يحكم، بل كيف سيحكم. هل سيحكم بعقل الدولة أم بعقل الجماعة؟ هل سيفتح الباب للسوريين أم سيطلب منهم التصفيق من بعيد؟ هل سيبني مؤسسات أم سيعيد تدوير الولاءات؟ هل سيقبل أن يكون رئيس مرحلة انتقالية، أم سيغريه الكرسي كما أغرى من سبقوه؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في سوريا هو أن يخرج الناس من عبادة الأسد ليُطلب منهم الدخول في عبادة حاكم آخر. السوريون لم يدفعوا كل هذه الدماء كي يستبدلوا صورة بصورة، ولا جهازًا بجهاز، ولا خوفًا بخوف جديد. الثورة التي بدأت من أجل الكرامة لا يمكن أن تنتهي بحكومة تطلب من الجائع أن يصمت.

إذا أراد الشرع ألا يصبح أسدًا جديدًا، فعليه أن يخاف من جوع الناس أكثر مما يخاف من خصومه. عليه أن يفهم أن الخبز اليوم أهم من الخطاب، وأن العدالة أهم من السيطرة، وأن الدولة لا تُبنى بالولاء بل بالثقة. أما إذا لم يفهم ذلك، فإن الشارع السوري قد يذكّره بما نسيه كل حاكم قبله: الشعوب لا تموت من الجوع بصمت إلى الأبد.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف انتصر أردوغان على الجيش العلماني التركي؟
- هل ستدفع سوريا الثمن في حال حصل تقارب تركي إسرائيلي؟
- النفوذ التركي في سوريا: أين ذهبت الاستثمارات التركية؟
- كأس العالم: البطولة التي توحد العالم
- من عدو تركيا الحقيقي: الغرب أم إسرائيل أم العرب؟
- نقد الإسلام: هل هو محاولة للتشكيك به أم لتصحيح أخطاء مفسّريه ...
- هل تجرؤ إسرائيل على مهاجمة تركيا؟ ومن المستفيد من هذه الحرب؟
- هل تثبت تصرفات الحكومة السورية أن الإسلام لا يصلح لحكم دولة؟
- لماذا يرحب الغرب المسيحي باللاجئين بينما يرفضهم الأتراك المس ...
- تركيا: الجار الذي لا يريده أحد
- سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين
- هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في ترك ...
- العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟


المزيد.....




- موجة من الأحمر والأبيض والأزرق.. موكب يوم بورتوريكو يتحول إل ...
- مصر.. السيسي يشكر دولا عربية وقادة بأول تدوينة بعد توقيع اتف ...
- ما الذي نعرفه عن أموال إيران المجمدة؟
- موسكو: الحل في ليبيا يجب أن يكون شاملا وبقيادة الليبيين دون ...
- بوتين يؤكد أن منتدى قازان -روسيا والعالم الإسلامي- مفيد للبل ...
- -بوليتيكو-: خلاف أوروبي عميق حول العودة إلى طاولة الحوار مع ...
- البنتاغون يطلب 80 مليار دولار لتغطية حرب إيران وفواتير أخرى ...
- 80 لغما تُغلق الممر المركزي لهرمز والسفن تلجأ للمسارين الشما ...
- بين الغارات والمفاوضات.. غزة تسجل ألف قتيل منذ بدء الهدنة
- كشف -العقل المدبر- لمخطط الهجوم على احتفالية البيت الأبيض


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - من ثورة الكرامة إلى ثورة الخبز: الاختبار الأخطر أمام أحمد الشرع