|
|
إيران وإعادة رسم قواعد الإشتباك في الشرق الأوسط
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 02:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
18 حزيران يونيو 2026
هل إنتقلت طهران من إستراتيجية الردع الدفاعي إلى عقيدة «وحدة الساحات»؟
في تعليق سياسي نشرته قناة "ذا إكسبرت" الروسية، قدّم الباحث والمحلل السياسي الروسي أندريه أريشيف قبيل الإعلان عن الإتفاق الأخير، الخبير في مؤسسة الثقافة الاستراتيجية، قراءة لافتة للتطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط، معتبراً أن الأحداث الممتدة من لبنان إلى اليمن تكشف عن تحول مهم في العقيدة الإستراتيجية الإيرانية، يتمثل في توسيع أدوات الردع وعدم الإكتفاء بالدفاع المباشر عن الأراضي الإيرانية. ويذهب أريشيف إلى أن ما يجري حالياً لا يمثل مجرد جولة جديدة من المواجهة بين إيران وإسرائيل، بل قد يكون مؤشراً على نشوء «قواعد إشتباك» جديدة تعيد صياغة موازين القوى الإقليمية برمتها.
مفارقة الخطاب الأميركي: إيران «منتهية» أم ما تزال قادرة على الرد؟
يبدأ أريشيف ملاحظاته بالإشارة إلى ما يراه تناقضاً في الخطاب الأميركي. فمن جهة تتحدث بعض التصريحات الأميركية عن مسؤولية إيرانية غير مباشرة أو مباشرة عن حوادث أمنية وعسكرية مختلفة في المنطقة، ومن جهة أخرى تؤكد واشنطن مراراً أن الجيش الإيراني تعرض لتدمير واسع وأن قدراته العسكرية تراجعت بصورة حادة. ويقول الباحث إن هذين الخطابين لا ينسجمان معاً، متسائلاً ضمناً: إذا كانت القدرات الإيرانية قد إنتهت بالفعل، فكيف يستمر إتهام طهران بالقدرة على التأثير في مسار الأحداث الإقليمية؟ وفي المقابل، تشير الرواية الإيرانية إلى ما تصفه بـ«خسائر مؤلمة» لحلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل منذ إنطلاق عملية «الغضب الملحمي» في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، وهو ما يعكس إستمرار الحرب الإعلامية والنفسية الموازية للمواجهة العسكرية.
هدنة هشة لا تعالج أسباب الحرب
يرى أريشيف أن فترات التهدئة الأخيرة لم تعالج جذور الأزمة، بل خففت فقط من حدة الإشتباكات المباشرة. ويكتب بصورة لافتة: «العوامل البنيوية التي تغذي الحرب لم تختفِ في أي مكان.» فمن وجهة نظره، فإن تبادل الضربات الأخير بين إسرائيل وإيران كشف هشاشة ترتيبات وقف إطلاق النار القائمة، وأظهر أن المنطقة لا تزال تعيش فوق برميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة. ويضيف أن ردود الفعل المتوترة داخل البيت الأبيض تعكس حجم القلق من التحولات الجارية أكثر مما تعكس الثقة في نجاح ترتيبات التهدئة الحالية
من الرد على الهجوم إلى المبادرة الإستباقية
تمثل هذه النقطة جوهر تحليل أريشيف. فبحسب قراءته، إتسم السلوك العسكري الإيراني طوال سنوات بمنطق «الرد على الإعتداء». وكانت طهران حريصة على تقديم عملياتها العسكرية بإعتبارها ردوداً على ضربات سابقة، سواء إستهدفت أراضيها مباشرة أو طالت شخصيات ومواقع مرتبطة بها. ويشير إلى أن جميع المواجهات المباشرة تقريباً بين إيران وإسرائيل منذ عام 2024 جاءت ضمن هذه الصيغة: «هجوم إسرائيلي أولاً، ثم رد إيراني لاحقاً.» لكن التطورات الأخيرة، وفقاً لأريشيف، توحي بأن هذه المعادلة بدأت تتغير. فبعد الضربات الإسرائيلية على بيروت ومواقع مرتبطة بحزب الله في لبنان، لم تكتفِ إيران بالتنديد السياسي، بل أظهرت إستعدادًا للإنتقال إلى مستوى جديد من العمل العسكري. ويعتبر الباحث أن الرسالة الإيرانية الأساسية كانت واضحة: «إيران مستعدة للتحرك قبل أن تتحول الضغوط على حلفائها إلى تهديد إستراتيجي أكبر.»
مفهوم «الدفاع الجماعي» يدخل الحسابات الإيرانية
يرى أريشيف أن القيادة الإيرانية بدأت تتبنى بصورة أكثر وضوحاً مفهوم «الدفاع الجماعي» أو «الدفاع المشترك» مع حلفائها الإقليميين. فبدلاً من حصر مفهوم الأمن القومي داخل الحدود الإيرانية، يجري توسيعه ليشمل القوى والشبكات الحليفة المنتشرة في المنطقة. وبهذا المعنى، تصبح أي ضربة كبيرة ضد حلفاء طهران في لبنان أو العراق أو اليمن أو غزة جزءاً من منظومة الأمن القومي الإيراني نفسها. ويشرح الباحث هذا التحول قائلاً: «إيران لم تعد تقصر ردودها على الإعتداءات المباشرة ضد أراضيها، بل باتت تنظر إلى إستهداف حلفائها بإعتباره تهديداً يستوجب الرد أيضاً.» وهنا تكمن أهمية ما يصفه أريشيف بالتحول العقائدي، لأنه يرفع مستوى المخاطر أمام الخصوم ويزيد من صعوبة توقع مكان وزمان الرد الإيراني.
لبنان: نقطة الإختبار الأولى للعقيدة الجديدة
في نظر طهران، كما يعرض أريشيف، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة داخل لبنان تمثل خرقاً للتفاهمات التي جرى التوصل إليها سابقاً بوساطات دولية مختلفة، بينها جهود أميركية. ولهذا فإن إستمرار القصف والإغتيالات والعمليات داخل المناطق اللبنانية يمنح إيران، وفق هذا المنطق، مبرراً سياسياً وأخلاقياً للرد. ويشير الباحث إلى أن الرسالة الإيرانية لا تقتصر على الدفاع عن حزب الله وحده، بل تتجاوز ذلك إلى تأكيد مبدأ أوسع: «أي تغيير أحادي الجانب لقواعد التهدئة سيقابل برد مناسب.»
البحر الأحمر واليمن: جبهة الضغط الإستراتيجي
لا يقتصر تحليل أريشيف على الساحة اللبنانية، بل يمتد إلى البحر الأحمر واليمن. فهو يلفت الإنتباه إلى أن طهران تنظر بقلق متزايد إلى الإجراءات الأميركية ضد حركة الملاحة المرتبطة بإيران، والتي تقول إنها أثرت في صادرات الطاقة الإيرانية المتجهة إلى الصين.
ومن هنا يصبح اليمن جزءاً من معادلة الردع الجديدة.
ويشير الباحث إلى أن حركة «أنصار الله» الحليفة لإيران أطلقت صاروخاً في الثامن من حزيران/يونيو، أعقبته موجة من الضربات الإيرانية، ما يراه دليلاً على تنسيق عملياتي متزايد بين أطراف ما يعرف بمحور المقاومة. ويكتب أريشيف: «يبدو أن الحوثيين حاولوا إرباك منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بما يسهل على إيران إلحاق أضرار أكبر بالخصم المشترك.» وبغض النظر عن دقة هذا التقدير أو حجمه الفعلي على الأرض، فإنه يكشف كيفية فهم بعض المراقبين الروس للترابط المتزايد بين ساحات الصراع المختلفة في المنطقة.
من غزة إلى العراق: إتساع دائرة الرد المحتمل
أحد أكثر جوانب التحليل إثارة يتمثل في توقع أريشيف أن أي تصعيد مستقبلي ضد حلفاء إيران قد يستجلب رداً إيرانياً مباشراً. ويقول إن ما جرى في لبنان يمكن أن يتحول إلى نموذج قابل للتكرار في ساحات أخرى، سواء في غزة أو العراق أو اليمن أو غيرها. وبعبارة أخرى، فإن طهران تسعى إلى إيصال رسالة مفادها أن: «الإعتداء على أحد مكونات المحور قد لا يبقى محصوراً في ساحته المحلية.» وهذا ما يرفع إحتمالات الترابط بين الأزمات الإقليمية المختلفة ويزيد من صعوبة إحتواء أي مواجهة ضمن حدود جغرافية ضيقة.
هل تتغير موازين القوى الإقليمية؟
في الخلاصة، يرى أريشيف أن الشرق الأوسط يشهد تحولاً تدريجياً في توازنات الردع. فإذا كانت المرحلة السابقة قائمة على معادلة «الرد على الهجوم المباشر»، فإن المرحلة الجديدة قد تتجه نحو معادلة أكثر إتساعاً تقوم على: «الدفاع عن الحلفاء والرد على إستهدافهم.» ومن منظور الباحث الروسي، فإن هذه المقاربة تعني أن إيران تسعى إلى فرض «قواعد لعبة» جديدة تجعل تكلفة أي عمل عسكري ضد شركائها الإقليميين أعلى بكثير مما كانت عليه في السابق.
الخلاصة
سواء إتفق المرء مع تقييم أندريه أريشيف أو إختلف معه، فإن أهمية تحليله تكمن في تسليطه الضوء على تحول محتمل في التفكير الإستراتيجي الإيراني. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بقدرات الصواريخ أو الطائرات المسيّرة أو شبكات الحلفاء، بل بطبيعة العقيدة التي تحكم إستخدامها. وإذا صحّت قراءة أريشيف، فإن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة يصبح فيها أمن الحلفاء جزءاً من مفهوم الأمن القومي الإيراني، وتتحول فيها الجبهات المتفرقة ـ من لبنان إلى غزة، ومن العراق إلى اليمن ـ إلى حلقات مترابطة ضمن معادلة ردع واحدة. وهذه هي الرسالة الأساسية التي يعتقد الباحث الروسي أن طهران تحاول إيصالها اليوم: أن زمن الفصل بين الساحات المختلفة يقترب من نهايته، وأن أي مواجهة مستقبلية قد تحمل تداعيات إقليمية أوسع بكثير مما إعتادت عليه المنطقة خلال العقود الماضية.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ألكسندر دوغين - الأمل لم ينطفئ بعد
-
إحذروا البعوض القاتل
-
ألكسندر دوغين - جرت العادة أن تُحمَّل الإنتلجنسيا الروسية مس
...
-
بين الحرب والدبلوماسية: جيفري ساكس يدعو ألمانيا إلى منع الإن
...
-
لماذا تتردد إسرائيل في إستخدام «الخيار الأخير» الذي وعدت به
...
-
ألكسندر دوغين - النهج الحضاري — الإطار المرجعي الوحيد الممكن
...
-
غزة بين الجغرافيا السياسية والإقتصاد المجهض
-
سباق القواعد الأمريكية في شرق أوروبا: الأمن القومي أم تأمين
...
-
من صفحات التاريخ - الأرستقراطية السوفياتية: كيف تحوّلت النخب
...
-
من هرمز إلى ملقا: كيف أصبحت المضائق ساحة الصراع الكبرى في ال
...
-
ألكسندر دوغين - منتدى سانت بطرسبورغ المفصلي والحرب مع أوروبا
...
-
بريكس على صفيح الشرق الأوسط الساخن: هل تكشف أزمة إيران والإم
...
-
إعادة تموضع التنين: الصين بين الشراكة مع روسيا والإنفتاح مع
...
-
أرمينيا بعد روسيا؟
-
الإمبراطورية التي تحمل الحرب معها
-
من «الحرب المحدودة» إلى «الحرب بلا قيود».. ماذا يكشف خطاب ال
...
-
ألكسندر دوغين – حول ستالين
-
بين مضيق هرمز وجبهة لبنان: هل ينهار الحوار الأمريكي ـ الإيرا
...
-
هل إنتهى زمن «الأوليغارشية المحايدة» في روسيا؟
-
بين السرّ والعلن: كيف كشفت زيارة نتنياهو للإمارات عن تحولات
...
المزيد.....
-
موجة من الأحمر والأبيض والأزرق.. موكب يوم بورتوريكو يتحول إل
...
-
مصر.. السيسي يشكر دولا عربية وقادة بأول تدوينة بعد توقيع اتف
...
-
ما الذي نعرفه عن أموال إيران المجمدة؟
-
موسكو: الحل في ليبيا يجب أن يكون شاملا وبقيادة الليبيين دون
...
-
بوتين يؤكد أن منتدى قازان -روسيا والعالم الإسلامي- مفيد للبل
...
-
-بوليتيكو-: خلاف أوروبي عميق حول العودة إلى طاولة الحوار مع
...
-
البنتاغون يطلب 80 مليار دولار لتغطية حرب إيران وفواتير أخرى
...
-
80 لغما تُغلق الممر المركزي لهرمز والسفن تلجأ للمسارين الشما
...
-
بين الغارات والمفاوضات.. غزة تسجل ألف قتيل منذ بدء الهدنة
-
كشف -العقل المدبر- لمخطط الهجوم على احتفالية البيت الأبيض
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|