أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - سوريا ما بعد الاسد : صراع المرجعيات وهشاشة التحول الديمقراطي















المزيد.....

سوريا ما بعد الاسد : صراع المرجعيات وهشاشة التحول الديمقراطي


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 11:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمرّ المشهد السياسي والاجتماعي في سوريا، بعد أكثر من عام ونصف على انهيار بنية السلطة المركزية التي قامت عليها عقود من الحكم البعثي المستبد، بمرحلة إعادة تشكيل معقدة. ففي الوقت الذي تبدو فيه ملامح الدولة الجديدة وكأنها تتلمس طريقها بين أنقاض الماضي، بدأت الخريطة الفكرية والثقافية للمجتمع السوري تعكس تحولاً جذرياً في ميزان القوى، حيث بات الخطاب الديني المحافظ، بأطيافه السلفية والدعوية والأشعرية، يحتكر الفضاءات العامة في المدن الكبرى، وعلى رأسها دمشق وحلب، ويطغى على المجال الرمزي والسياسي بما يشبه "تأليه السلطة" أو على الأقل "تسييس المقدس" لملء الفراغ الذي خلفه انهيار الأيديولوجيا القومية العربية. هذا التحول، وإن كان يعكس رغبة شعبية في التطهير من رموز الاستبداد، إلا أنه يطرح إشكالية كبرى تتعلق بمستقبل الدولة المدنية وقدرتها على استيعاب التنوع الثقافي والديني في بلاد كانت - ولا تزال - فسيفساء معقداً من الهويات.
في مقابل هذا المد الديني الزاحف، الذي لا يكتفي بالحضور الطقوسي بل يسعى إلى صياغة العقد الاجتماعي ومؤسسات الدولة وفق رؤية أخلاقية مغلقة، تبرز المنطقة الكردية كاستثناء لافت للنظر، وكأنها جزيرةٌ منمقة على ضفاف نهر متلاطم. فهناك، في مناطق مثل كوباني والقامشلي والحسكة، لا تزال الأحزاب الكردية، التي تمتلك إرثاً نضالياً متراكماً وتجربة كفاحية خاضتها في وجه أنظمة الاستبداد المركزية لعقود، متمسكة بتوجهاتها العلمانية التي تؤسس لفصل الدين عن السياسة وتجعل المواطنة - نظرياً على الأقل - الأساس في توزيع الحقوق والواجبات. هذا التباين الحاد في النسيج الثقافي بين عاصمة السلطة الجديدة وولاياتها" الشرقية لا يعد مجرد اختلاف في المزاج العام، بل ينذر بوجود قطيعة إبستيمولوجية في مفهوم الدولة ذاتها؛ فدمشق تتجه نحو نموذج يحاكي "دولة الخلافة" الروحية أو المرجعية الدينية العليا، فيما تسعى المناطق الكردية إلى بناء مقاطعات اتحادية تقوم على أسس مدنية وتشاركية. وهنا يتجلى السؤال الجوهري: هل يمكن لهذين المشروعين المتباينين أن يلتقيا في إطار دولة جامعة، أم أن التناقض بينهما سيقود إلى تصدع جديد في النسيج الوطني؟
غير أن التحولات الإقليمية الكبرى التي شهدها مطلع العام 2026 قد أعادت تشكيل حسابات الحركة الكردية ذاتها، وألقت بظلالها على المشهد الداخلي. فاتفاقية 29 كانون الثاني 2026 في بعد الشيخ مقصود ودير حافر، إلى جانب مشروع السلام التركي المتزامن الذي أفصح عن تخلي حزب العمال الكردستاني (PKK) عن خيار العمل المسلح وحل ذاته في إطار الاندماج الديمقراطي ضمن الدولة التركية، يمثلان علامة فارقة في تاريخ القضية الكردية. هذا التحول الاستراتيجي لم يأت من فراغ، بل جاء نتاجاً لإدراك ناضج تراكم عبر عقود من الصراع، مفاده أن الكفاح المسلح، بوصفه أداة لانتزاع الحقوق القومية، قد استنفد أغراضه ولم يعد مجدياً في بيئة إقليمية ودولية ترفض هزّ حدودها القومية، وأصبح ثمنه السياسي والإنساني باهظاً يفوق أي مكاسب مرحلية. وبالتالي فإن الحركة الكردية، سواء في تركيا أو سوريا، قد بلغت قناعة تاريخية مؤداها أن الطريق الوحيد المتاح أمامها لضمان البقاء والازدهار لم يعد يمر عبر البنادق والجبال، بل عبر بوابات التحول الديمقراطي الذي ينبغي أن يحدث في هذه الدول المركزية، وهو تحول لم تعد هذه الدول قادرة على تجاهله، إذ أضحت تدرك - وإن بشكل نسبي ومتأخر - أنها غير قادرة على القضاء على الوجود الكردي بكثافته السكانية وحضوره الثقافي المتجذر، كما أنها عاجزة عن صهر هذه الهوية الفريدة في بوتقة الهيمنة المركزية التي ظلت تراوح مكانها لعقود.
في المقابل، تواجه هذه الدول المركزية (سوريا وتركيا) معضلة وجودية جديدة؛ فهي لم تعد تملك رفاهية إنكار الحقائق الديموغرافية والثقافية، ولكنها في ذات الوقت ترفض - بدافع من غريزة البقاء الاعتراف بالكرد كقومية قائمة بذاتها تمتلك حق تقرير المصير الذي تكفله المواثيق والعهود الدولية ، خوفاً من تداعيات ذلك على وحدة أراضيها وسيادتها ، ولذلك، فإن المسار الوسطي الذي قد تلجأ إليه هذه الدول هو الاعتراف بالكرد كجماعة ثقافية متميزة، ومنحهم حيزاً من الحقوق الثقافية واللغوية والإدارية في إطار مواطنة ، تكرس مبدأ دولة القانون وتضمن التعددية دون أن تؤدي إلى فيدرالية سياسية قد تكون نواة للانفصال. هذا النموذج، الذي يمكن تسميته بـ "الاعتراف المحدود"، يحاول أن يوفق بين الحفاظ على الدولة القومية والضغوط الدولية والمطالب الكردية المشروعة، وهو ما قد يلبي جزءاً معقولاً من طموحات الحركة الكردية، خاصةً إذا ما تمت صياغته ضمن حزمة من الإصلاحات الديمقراطية التي تعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف.
ومن المفارقات اللافتة في هذا السياق، أن هذا المسار التوفيقي قد حظي بدعم من أطراف كان يُفترض أنها الأكثر تشدداً في إنكار الحقوق الكردية، وعلى رأسها أحد رموز التيار القومي التركي المتطرف، دولت بهجلي. فدعم بهجلي لدمج الموضوع الكردي في السؤال الديمقراطي العام، بدلاً من معالجته كتهديد أمني أو قضية عرقية منفصلة، يعكس تحولاً براغماتياً عميقاً في العقلية القومية التركية، حيث أدركت هذه النخب أن الاستمرار في سياسة الصراع الهامشي لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وإضعاف الدولة من الداخل، في حين أن استيعاب الكرد ضمن إطار ديمقراطي تعددي قد يحول طاقتهم النضالية إلى طاقة بناءة داخل المؤسسات، ويجنب البلاد مخاطر الانقسامات الداخلية الحادة.
الإشكالية المعرفية المركزية التي يطرحها هذا المشهد المتشابك، والمتجسدةط في هذا التحول نحو "الاعتراف المحدود"، إنما تتعلق بطبيعة الدولة القادمة في سوريا وتركيا على حد سواء. فهل هذا التحول نحو منح الحقوق الثقافية والإدارية للكرد يمثل ولادة حقيقية لدولة مدنية ديمقراطية تتجاوز إشكاليات المركز والهامش، وتؤسس لفكرة المواطنة الجامعة التي تستوعب كل التنوعات، أم أنه مجرد أداة تكتيكية جديدة لإدارة الأزمات ضمن ذات النموذج المركزي القائم، حيث تُستخدم الحقوق الثقافية كغطاء لتأجيل الحسم الجذري في مصير الحقوق السياسية، وخصوصاً الحق في الحكم الذاتي؟ وهل يمكن لهذا التوافق أن يصمد في وجه المد الديني المتصاعد الذي يجتاح المدن السورية الكبرى، والذي يرى في أي اعتراف بالخصوصية الكردية - خاصةً إذا كانت علمانية - تهديداً لمشروعه التوحيدي الذي يقوم على إعادة إنتاج الدولة الدينية، أم أن التحول الديمقراطي نفسه سيظل رهينة بتوازنات القوى الإقليمية والدولية، لا بمقتضيات العدالة وحقوق الإنسان؟
إن المعضلة التي تواجه الحركة الكردية اليوم لم تعد قاصرة على كيفية انتزاع الحقوق من الدولة، بل أصبحت تتعلق بكيفية الحفاظ على هويتها العلمانية في مواجهة مشروع إسلامي سياسي يحاول إعادة تعريف سوريا الجديدة. فإذا كانت تركيا قد بدأت مساراً للاعتراف بالكرد من خلال التحول الديمقراطي، فإن سوريا - التي يقود واجهتها السياسية حالياً قوى ذات خلفيات دينية - قد لا تكون راغبة أو قادرة على تقديم نفس التنازلات، مما يضع الكرد أمام معادلة جديدة: إما القبول بـ "مواطنة ناقصة" في ظل دولة متحيزة دينياً، أو التمسك بالمكتسبات الذاتية في مناطقهم والتصدي لأي مشروع لتهميش هويتهم المدنية ، وفي كلا الحالتين، يبقى الحل النهائي مرهوناً بقدرة الأطراف جميعها الانطلاق نحو رؤية توافقية تعيد بناء العقد الاجتماعي على أساس الكرامة الإنسانية والعدالة، دون إقصاء أو صهر.
في النهاية ، يبدو أن الممر الذي تسلكه المنطقة اليوم، هو بين مد ديني يبحث عن شرعية غيبية وحركة كردية تتحول من السلاح إلى الديمقراطية، محفوف بالمخاطر ولكنه يحمل في طياته فرصة استثنائية لمراجعة شاملة للفكر السياسي السائد. فإما أن تنجح هذه الديناميكيات في صياغة نموذج جديد للدولة في الشرق الأوسط، يقوم على التعددية الفعلية والمواطنة المتساوية، وإما أن تعود بنا إلى مربع الصراعات الأولية حيث يتحول الدين إلى أداة قمع، وتتحول القومية إلى أداة انعزال ، و الرهان اليوم ليس على قدرة الكرد على التكيف، أو على مرونة الدولة التركية، بل على إمكانية قيام دولة سورية جديدة تتجرأ على الاعتراف بأن تنوعها الداخلي هو ثروتها لا نقطة ضعفها، وأن التحول الديمقراطي ضرورة وجودية لضمان بقائها ككيان سياسي موحد ومزدهر في محيط مضطرب.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجد ...
- البعد الوطني للقضية الكردية في سوريا
- مراجعة نقدية لمسيرة تيار مستقبل كردستان سوريا: أزمة مفتوحة و ...
- عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟
- ماذا بعد الكونفراس؟ إعادة بناء المشروع الوطني الكردي
- من -وهم- القوة إلى -انبعاث- الهوية الوطنية ؟
- انكسارالأيديولوجيا: نحو رؤية كردية سورية جديدة
- سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الو ...
- الكرد في سوريا الجديدة ، من العزلة إلى الشراكة .
- عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الج ...
- إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري
- في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»
- كرد سوريا :ضحايا التحديات التاريخية والإقليمية
- الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل؟
- جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟
- -الربيع العربي- ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟
- قراءة في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام ٢٠٢£ ...
- في ظل غياب الشفافية بين دمشق و-قسد-: تفاهمات تحت خط النار
- مشعل التمو :الشعلة التي لا تنطفئ؟
- سوريا: بين كسرالنمط الكولونيالي اوإعادة إنتاج التبعية؟


المزيد.....




- زهران ممداني وزوجته راما دواجي يتألقان بأزياء مبتكرة في احتف ...
- ترامب بأول مقابلة منذ توقيع الاتفاق: -لا حدود لسلطتي-.. والم ...
- سويسرا تعلن تأجيل المحادثات بين واشنطن وطهران
- الماكينات الألمانية تواجه الأفيال الإيفوارية.. مواجهة نارية ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل ضابط برتية مقدم و3 جنود في جنوب ل ...
- لبنان.. 20 قتيلا و33 جريحا و4 مفقودين جراء الغارات الإسرائيل ...
- الصين تطور مسيّرة بحجم بعوضة للمهام الاستطلاعية (فيديو)
- تعرّض محطة زابوروجيه النووية لهجوم أوكراني بالمسيرات
- رويترز: الحرس الثوري يشكل خلايا سرية في العراق لاستهداف دول ...
- روسيا.. الحكم بالسجن 15 عاما على روماني أدين بالتجسس لصالح ك ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - سوريا ما بعد الاسد : صراع المرجعيات وهشاشة التحول الديمقراطي