|
|
مكانة التكنولوجيا في الصراع الصيني الأمريكي - الجزء الثالث والأخير
الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 10:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تأثيرات الحرب الإقتصادية على العالم
تُستخدَم الشريحة الإلكترونية او الرقائق الإلكترونية للتحكم في الحياة اليومية لمليارات البشر، بواسطة الهواتف الذكية والسيارات والطائرات ومنظومات الأسلحة الفتاكة، ونماذج الذكاء الاصطناعي وشبكات الطاقة العالمية، وفق المؤرخ كريس ميلر في كتابه الحائز على جائزة الفايننشال تايمز لأفضل كتاب أعمال "حرب الشرائح: الصراع على أعظم تقنيية في العالم"، ومثلت شركة شركة TSMC التايوانية حلقة هامة في صناعة الشرائح، حيث تصنع وحدها أكثر من 90% من الشرائح الأكثر تطوراً في العالم، وتحتكر الشركة الهولندية ASML تقنيات تصنيع آلات الحفر الضوئي فائق الدقة (EUV) التي يستحيل تصنيع الشرائح بدونها، وتحتكر شركة Nvidia الأمريكية تقنيات معالجات الرسوم وهي عملية أساسية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وتتحكم الولايات المتحدة في هذه الشركات وأصدرت الحكومة الأمريكية أوامرها لهذه الشركات بعدم التعامل مع الصين التي ضخت مئات المليارات من الدولارات لتحقيق الاكتفاء الذاتي التقني، بعد إقرار دونالد ترامب قانون CHIPS Act بتمويل يصل إلى 52 مليار دولار لتوطين الصناعة داخلياً، مع فرض قيود صارمة على صادرات الشرائح المتطورة وآلات التصنيع إلى الصين…
جرت زيارة الرئيس الأمريكي إلى الصين منتصف شهر أيار/مايو 2026، على خلفية هذا الصراع ووصفت بعض وسائل الإعلام هذه الزيارة بالتقنية خصوصًا بعد نشر قائمة المُرافقين للرئيس الأمريكي من المديرين والرؤساء التنفيذيين لأكبر شركات وادي السيليكون وأهم رموز عالم المال والاستثمار، وتريد الشركات الأمريكية اكتساح السوق الصينية الضخمة التي خسرتها بسبب العقوبات التقنية ضمن قيود التصدير التي أقرها دونالد ترامب…
قضايا الحرب والسّلم والإقتصاد والتجارة في العلاقات الأمريكية الصينية
نشر موقع ( Truthout ) بتاريخ الخميس 14 أيار/مايو 2026 تقديرات لتكاليف الإنفاق العسكري الأمريكي، وقدّر الموقع أن متوسط دافعي الضرائب الأمريكيين دفع للحكومة الفيدرالية ولمُقاولي الحرب أكثر من أربعة آلاف دولار سنة 2025 "للعسكرة وهياكل الدعم الخاصة بها" ، مثل وزارة الحرب أو البنتاغون، الذي اقترح دونالد ترامب رَفع ميزانيته السنوية الضخمة إلى 1500 مليار دولار، وهو مبلغ يفوق ما تخصصه الحكومة للرعاية الصحية للأمريكيين ذوي الدخل المنخفض عبر Medicaid ، أو 2,492 دولارًا، ولا تشمل ميزانية وزارة الحرب جرايات التقاعد والرعاية الصحية لقدماء المحاربين ولا المبالغ المخصصة لتطوير الأسلحة النووية ولا ميزانية الإستخبارات العسكرية…
بعد سقوط جدار برلين وانهيار وتفكيك الاتحاد السوفيتي، نصبت الولايات المتحدة نفسها كزعيم بلا منازع للإمبريالية العالمية، وبعد عام واحد ورد في وثيقة لوزارة الحرب الأمريكية ( سنة 1992 ) : "هدفنا الأول هو منع منافس جديد من الظهور على الساحة الدّولية، ويجب أن نردع المنافسين المحتملين من السعي إلى القيام بدور أكبر على الصعيد الإقليمي أو العالمي"، وبعد ثلاثة عقود أصبحت الصين "المنافس المحتمل" الرئيسي الذي يتوجب احتواؤه، وورد في وثيقة مناقشة الكونغرس ميزانية الحكومة الإتحادية لسنة 2019: "إن المنافسة الاستراتيجية طويلة الأجل مع الصين وعلى جبهات مختلفة هي أولوية قصوى للولايات المتحدة".
تحاول الولايات إعاقة الصعود التكنولوجي للصين من خلال منع تصدير الرقائق المتقدمة وغيرها من التقنيات المتطورة، ومن خلال زيادة التعريفات الجمركية وضوابط الاستثمار، كما تحاول الولايات المتحدة عزل الصين اقتصاديًا عن الدول المجاورة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والهند، وإبرام اتفاقيات تجارية معها وتشكيل جبهة اقتصادية مناهضة للصين في محيطها الآسيوي…
ترافقت الحرب التجارية الأمريكية مع الإستراتيجية العسكرية الأمريكية ونقل نحو 60% من القوة البحرية ( القوة الرئيسية للجيش الأمريكي ) إلى المناطق المُحيطة بالصين، وارتفع الإنفاق العسكري الأمريكي ليبلغ نصيب الفرد في الولايات المتحد 13 ضعف لنصيب الفرد في الصين، وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يريد زيادة الميزانية بما لا يقل عن النصف سنة 2027، كما تمتلك الولايات المتحدة حوالي أربعمائة قاعدة عسكرية في المناطق القريبة من الصين، وتخطط الولايات المتحدة لنشر أنظمة صواريخ متوسطة المدى في المحيط الهادئ، لتتمكن من قصف الأراضي الصينية، وتحاول الصين الإلتفاف على الحصار وعلى العقوبات الأمريكية من خلال زيادة الإستثمارات في المسارات التجارية ( مبادرة الحزام والطريق ) وفي الصناعات التكنولوةجية المتطورة مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والتكنولوجيا الحيوية…
سافر دونالد ترامب إلى الصين يومَي 14 و 15 أيار/مايو 2025، وكتب موقع وكالة أسوشيتد برس إن دونالد ترامب غادر الصين دون تحقيق إنجازات كبيرة في مجال التجارة أو الحصول على مساعدة ملموسة من بكين لإنهاء الحرب مع إيران لأنه لم يكن يفاوض من موقع قوة بل من موقع ضعف، فقد فشلت الولايات المتحدة في إلحاق الضرر بالصين من خلال الضغط على إمداداتها النفطية، كأحد أهداف العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، كما انخفضت شعبية دونالد ترامب إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة في الولايات المتحدة، قبل بضعة أشهر من الإنتخابات النصفية المقرر إجراؤها خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2026…
استفادت الشركات الصينية التي تمتلك نحو 70% من إنتاج التقنيات الخضراء في العالم، من ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع نسبة التضخم في العالم بسبب العدوان على إيران، والذي أدّى بدوره إلى زيادة الإستثمار في الطاقات البديلة أو الخضراء، فارتفعت صادرات الصين من الألواح الشمسية والبطاريات، كما أصبحت الصين "مورد الملاذ الأخير" للوقود والأسمدة، مما يزيد من مكانتها الدبلوماسية في الجنوب العالمي.
فشلت محاولات الولايات المتحدة التي تريد الحفاظ على هيمنتها، من خلال الحرب التجارية وعرقلة صناعة التكنولوجيا في الصين. فيما تسعى الصين إلى نظام رأسمالي عالمي متعدد الأقطاب ( بدل نظام القطب الواحد الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة ) وكثفت الصين من الإستثمار في مجال الإبتكارات والذكاء الاصطناعي للتخلص من تبعيتها للتكنولوجيا الأمريكية والغربية بشكل عام…
ارتفاع الإنفاق العسكري في أوروبا - ألمانيا كنموذج
في عام 2025، أنفقت أوروبا - الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى إنجلترا - 559 مليار دولار لقواتها المسلحة، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف روسيا (190 مليار دولار) سنة 2025، وفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). وتعد روسيا ثالث أكبر دولة في العالم من حيث الإنفاق العسكري، تليها ألمانيا التي احتلت المرتبة الخامسةسنة 2024. واستأنفت ألمانيا الإنفاق المكثف على التسلح…
استعادت ألمانيا البلاد سيادتها في تشرين الأول/أكتوبر 1990. بعد تسعة عشر شهرًا من إعادة توحيد شَطرَيها الشرقي والغربي ( وهي عملية ابتلاع ألمانيا الغربية لألمانيا الشرقية ) وسرعان ما استخدمت ألمانيا قواتها المسلحة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية ضد شعب صربيا التي كانت أول من حارب الإحتلال النازي في البلقان قبل نصف قرن، ودعم الجيش الألماني والدبلوماسية الألمانية مرة أخرى الحلفاء النازيين السابقين في المنطقة ، الكروات والبوسنيين المسلمين، وبرر وزير الخارجية - من حزب الخضر - جوزيف فيشر الحرب ودعم كرواتيا مدعيا إن الصرب هم النازيون الجدد، وبهذه الحرب العدوانية الأطلسية تجحت ألمانيا في إبراز قوتها العسكرية في الخارج في البلقان ثم في أفغانستان، وعموما شارك الجيش الألماني في كافة الحروب العدوانية الأمريكية والأطلسية، منذ 35 سنة، وبعد مرور أكثر من عقدَين على العدوان على يوغسلافيا وتقسيمها إلى كيانات تسهل السيطرة عليها، عادت النزعة الألمانية المعادية للإتحاد السوفييتي الذي هزم جيش ألمانيا ودَحَرَه من ستالينغراد إلى برلين وحرر المعتقلين من المُحتَشَدات، ولو إن روسيا الحالية لا تمثل الإشتراكية بأي حال، ولا تدعي إنها امتداد للإتحاد السوفييتي، لكن العقيدة العسكرية الألمانية أعلنت رسميا مرة أخرى روسيا عدوا وكثفت ألمانيا حضورها العسكري في دُوَيلات البلطيق، لا سيما في ليتوانيا، حيث يتم تنظيم المناورات ضد روسيا بانتظام. تتقدم دبابات "النمر" في أوكرانيا على خطى أسلافها خلال الحرب العالمية الثانية حيث ساهمت المليشيات النازية الأوكرانية - التي تشارك في حكم البلاد حاليا - في دعم الجيش النازي الألماني الذي احتل روسيا انطلاقا من أوكرانيا وبولندا، كما دعمت الحكومات المتعاقبة في ألمانيا الكيان الصهيوني لأن “إسرائيل تقوم بالعمل القذر من أجلنا جميعا”، وفق المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي قمعت حكومته أي مظاهرة للتضامن مع الشعب الفلسطيني…
دور المُجمع الصناعي العسكري في منظومة الرأسمالية المعاصرة
كان أكثر من 80% من الجنرالات والأدميرالات من أربع نجوم من القوات الأمريكية مستشارين أو يترأسون جماعات ضغط لصالح شركات الأسلحة، سنة 2023، وفق ويليام هارتونغ - موقع - responsiblestatecraft - بتاريخ الخامس من تشرين الأول/أكتوبر 2023.، وأدّى تعاظم الدور الهيكلي لصناعة الأسلحة إلى تجاوز الليبرالية التقليدية وإلى مزيد من الإستبداد وإلى التضييق على الحريات، وتمثل الولايات المتحدة أصْدَقَ مثال على ذلك حيث يتزايد دور الأنظمة الصناعية العسكرية أو المُجمّع الصناعي العسكري ويتزايد معه استبداد السلطة السياسية، خصوصًا في ظل رئاسة دونالد ترامب، حيث ارتفعت ميزانيات الحرب لتمثل نحو 40% من الإنفاق العسكري العالمي، وتشكل الصناعات العسكرية للبلدان الإمبريالية تكاملا عضويا بين الاقتصاد والسياسة، وتستخدم السلطات الحاكمة في هذه البلدان القوة العسكرية للسيطرة على المجتمع وللدفاع عن النظام الاجتماعي القائم على الإستغلال والقمع واضطهاد الفئات الكادحة والفقراء، وللمحافظة على علاقات الإنتاج الرأسمالي وعلى الثقافة المُهَيمنة ( البُنية الفوقية )، ولا تتردد الأنظمة الرأسمالية في استخدام الجيش لارتكاب المجازر أو ما أطلق عليها كارل ماركس ( industry for human slaughter ) في الكتاب الأول من *رأس المال* بهدف تشديد قبضتها على المجتمع وعلى مصادر المواد الأولية والثروة والتحكم في الممرات التجارية والمناطق الإستراتيجية في العالم.
تلجأ الرأسمالية إلى زيادة الإنفاق العسكري للإلتفاف على الأزمات، ويؤدّي اقتصلد الحرب إلى زيادة نفوذ الجيش وإلى إحداث تغيير هيكلي في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية وإلى تأثيرات جانبية ( أو جوهرية ) ضارّة، وأدّت النزعة العسكرية إلى ظهور مراكز جديدة للسلطة، في ظل نظام سياسي يدّعي إنه مَدَني وديمقراطي لكنه لا يمكنه الإستمرار بدون الحروب المستمرة التي تزيد من قوة ونفوذ المؤسسة العسكرية وتزيد من نفوذ المجمع الصناعي العسكري داخل أجهزة الدّولة وفي المجتمع، كما قد تُحفّز زيادة الإنفاق العسكري التغييرات الهيكلية في علاقات الجيش بالاقتصاد ودور الجيش في جهاز الدّولة وفي قمع النضالات والإضرابات والمظاهرات والإنتفاضات واستخدام التكنولوجيات الحديثة لمراقبة المُعارضين والمواطنين، وفي الحروب الخارجية، ولمراقبة الحدود وانصهار الجيش في الحياة المدنية، وبرّر باتريك ثيل مؤسس منصة باي بال ومجموعة بالنتير - المتورطة في الدعم المُطلق للكيان الصهيوني وفي عمليات الإبادة الجماعية للفلسطينيين - ذلك بقوله: "لم أعد أعتقد أن الحرية والديمقراطية متوافقتان" فيما صرح مؤسس أندوريل: "لقد احتاجت المجتمعات دائمًا إلى طبقة من المحاربين المتحمسين والحريصين على استخدام العنف ضد الآخرين لفرض أهداف نبيلة" لتبرير نظام إدارة المعلومات في الولايات المتحدة والتطور الاستبدادي للنظام السياسي الذي برّره نابليون بونابرت بقوله: "من ينقذ وطنه لا ينتهك القانون، وهي نفس الجملة التي رددها دونالد ترامب الطي يُجسّد اتجاه الرأسمالية نحو الممارسات ذات الصبغة الفاشية، عندما لم يعد من الممكن للولايات المتحدة الحفاظ على هيمنتها على العالم من خلال الاستمرار في تأسيسها على "النظام الليبرالي الدولي"، أو احترام سيادة القانون" أو على نوع "الهيمنة الخيرية" التي مارستها منذ العام 1945، ولم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تكتفي باتباع السياسات التي اتبعها باراك أوباما أو جوزيف بايدن إذا أرادت إحباط صعود الصين الاقتصادي والجيوسياسي الذي تعتبره النُّخَب السياسية والإقتصادية الأمريكية تهديدًا وجوديًّا لها، ولذلك سمحت لدونالد ترامب بتجاوز الكونغرس والدّستور وإصدار عشرات المراسيم القائمة على حالة الطوارئ (القوة الطارئة أو القاهرة)، واستخدام الشبكات الاجتماعية من أجل نقل "الحقائق البديلة" والقمع في الدّاخل مع استمرار عسكرة السياسة الخارجية والعلاقات الدّولية، ودعم الإبادة الجماعية التي ينفذها الكيان الصهيوني بل والتحالف العلني بينهما للعدوان على إيران، ولتهجير سكان غزة بعد محاصرتهم وتجويعهم، والتهديدات بتغيير النظام في أمريكا الوسطى والإعلان عن استيلاء الولايات المتحدة على الموارد التي تحتفظ بها بعض الدول، كما أقامت الحكومة الأمريكية تحالفاً مع المجموعات الرقمية الكبرى، مبنيا على المحسوبية والمراوغة، ما سمح بازدهار المجموعات الرقمية داخل جهاز الدولة الفيدرالي لتصبح المحرك الذي لا غنى عنه للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، حيث تساهم - مع الشركات الفَرعية التي تعمل لصالحها - بنسبة تتراوح بين 35% و 45% من الناتج المحلي الإجمالي، وشكلت المجموعات الرقمية السبع الرئيسية (أبل ومايكروسوفت وأمازون وألفابيت وميتا ونفيديا وتسلا) نحو 34,1% من القيمة السوقية لوول ستريت (بيانات شهر أيار/مايو 2025) وتُطَوّر هذه الشركات العملاقة مجموعة واسعة من الأنشطة المالية،اكلائتمان وإدارة الأصول المالية وخدمات العملات المشفرة، دون الخضوع للوائح الاحترازية لأن تحالف الحكومة والمجموعات الرقمية أصبح حميمًا لدرجة أن وزيرًا لدونالد ترامب أعلن (بعد أن أصبحت الدولة الفيدرالية أكبر مساهم في إنتل خلال شهر أيلول/سبتمبر 2025) أن الولايات المتحدة أصبحت الآن "رأسمالية الدولة"...
لا يمكن تفسير هذا التحالف وهذه التحولات بسبب عزم الولايات المتحدة على استعادة القدرة التنافسية الصناعية، بل بسبب التحولات التاريخية للرأسمالية - وخصوصًا في الولايات المتحدة - التي ابتكرت أشكالاً جديدة من التوسع العالمي خلال القرن الواحد والعشرين، وبالخصوص منذ أزمة 2008/2009، وأدّت عسكرة النظام السياسي إلى تضخم دَور مجموعات التكنولوجيا الرقمية التي طورت التقنيات العسكرية بالتحالف مع المجمع الصناعي العسكري، فهذه التقنيات ضرورية للهيمنة إذ يحافظ السباق على الابتكار التكنولوجي على التفوق العسكري للبلاد، الذي تدعمه ميزانية تتجاوز المجموع التراكمي للميزانيات العسكرية الصينية والروسية، حتى عندما يتم حسابها بالعملة التي تقارن تعادلات القوة الشرائية بين الدول…
أما داخل حدود الولايات المتحدة، فقد أظهرت تقنيات المراقبة والإنفاذ القائمة على الذكاء الاصطناعي فعاليتها في محاربة الأعداء من الداخل، وبلغت ميزانية الوكالة الاتحادية المكلفة باعتقال المهاجرين واحتجازهم وترحيلهم (الهجرة والجمارك ICE ) نحو 29 مليار دولار سنة 2025، أي ثلاثة أضعاف المبلغ المخصص سنة 2024 ، فضلا عن ميزانيات وكالة حماية الحدود (CBP) التي تلقت نفس المبلغ تقريبًا سنة 2025، واستفادت شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الصهيونية من هذه الزيادات في ميزانية CBP التي تتقن آلية "الإشراف-الاحتجاز-الترحيل"، وبذلك أصبحت الدولة العميقة لا تقتصر على المجال السياسي القانوني، فهي تخترق قلب الاقتصاد الأمريكي لتكون بمثابة مبرر للبرامج العسكرية والأمنية التي تزيد قيمتها عن تريليون دولار والتي تغذي المجموعات الرقمية والشركات الكبرى للطيران والفضاء، وتُغذي الأيديولوجية العنصرية والقومية الشوفينية، ومجموعة من التدابير الأخرى التي تسرع "التراجع الديمقراطي"، وتركيزه السلطة في أيدي الرئيس…
أن الدخول الهائل للمجموعات الرقمية وصعود الذكاء الاصطناعي يسرع من التقارب بين المنافسة الاقتصادية واستخدام القوة العسكرية.، وإن التحكم في سلاسل إنتاج الذكاء الاصطناعي والمنصة العالمية، والتي تشمل البرمجيات والمعادن النادرة ومعالجات الرسومات وما إلى ذلك ، هي في قلب المنافسات الإمبريالية. وتتفاقم هذه العوامل بسبب العداء العنيف الذي يعارض مسارات تطوير الذكاء الاصطناعي للحفاظ على النظم البيئية، وإذا كان الذكاء الاصطناعي يجسد تكنولوجيا عالم الحروب، فذلك على وجه الخصوص لأن عناصر الطاقة والمياه في ثلاثية الأرض النادرة التي تعتمد عليها لتكون قادرة على العمل تقود البشرية على مسار غير مستدام بيئيًا، وبالتالي تعلن عن مواجهات بين القوى العظمى، فيما توفر المجموعات الرقمية الأدوات التكنولوجية التي يستخدمها الجيش والحرس القومي وأجهزة الاستخبارات لتشديد النظام القمعي القائم.
إن صعود دونالد ترامب إلى السلطة ليس نتيجة مغامرة فردية، بل ينبع من الحاجة إلى تغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة من أجل وقف صعود الصين الاقتصادي والجيوسياسي، فقد بنى ترامب قاعدة انتخابية واسعة ( لنجعل أمريكا قوية مجددا - ("MAGA" أو Make America Great Again) لجعل هذا المشروع مهيمنًا، ومع ذلك، فإن نجاحات برنامجه تستند بشكل حاسم إلى التقنيات العسكرية والأمنية التي طورتها المجموعات الرقمية، فضلا عن المكانة التي تحتلها الولايات المتحدة في العلاقات الدولية والتي تسمح لها بتعبئة الأنظمة الرأسمالية الأخرى مثل الإتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي واليابان وكوريا الجنوبية والهند، لمقاومة نفوط الصين، وتسمح لها بالتحالف مع اليمين المتطرف في أمريكا الجنوبية وفي أوروبا بعنوان "الدّفاع عن الحضارة الغربية" التي يدّعي دونالد ترامب واليمين المتطرف إنها مُهَدّدة من قبل المهاجرين من البلدان الفقيرة التي دمرتها الحروب التي أطلقتها الشركات العابرة للقارات والمجمع الصناعي العسكري…
خاتمة
تلوم الإدارات الأمريكية المتعاقبة السلطات الصينية على دعمها شركات التكنولوجيا الصينية، وكانت السلطات الأمريكية وشركات التكنولوجيا تدعيالحياد التقني، لكن لا يختلف الوضع في الولايات المتحدة، فقد اصطفّت شركات التكنولوجيا الأمريكية لخدمة الأمن القومي الأميركي وأيدت اليمين المتطرف في أوروبا والهند وأمريكا الجنوبية وغيرها من بلاد العالم، وشكل كتاب مؤسس بالانتير ( ألكس كارب ) المُشار إليه في فقرة سابقة إعلانًا سياسيًّا ـ أيديولوجيًّا مباشرا عن تيار يميني متطرف داخل مجمع وادي السيليكون الطي قرّر الانتقال من ادّعاء الحياد التقني إلى موقع الشراكة الكاملة في مشروع إعادة إنتاج الإمبريالية الأميركية وفق التصور السياسي الذي يمثله دونالد ترامب، والذي شجع وطور التعاون الوثيق بين البنتاغون ومراكز الأبحاث في كبرى الجامعات الأميركية، وخصوصاً جامعة ستانفورد التي بدأت التعاون مع المجمع الصناعي العسكري منذ خمسينيات القرن العشرين وفترة الماكارثية، وبعبت مراكز اتلأبحاث هذه دوراً حاسماً في تأسيس مجتمع التكنولوجيا في وادي السيليكون، ولعبت الإستخبارات والجيش الأمريكي دورًا هاما في تحقيق القفزة التكنولوجية الكبرى التي شهدتها مجالات الاتصالات وأشباه الموصلات والحوسبة، ضمن متطلبات الحرب الباردة، كما ارتبطت العديد من مراكز البحث والجامعات الأمريكية بتطوير القدرات العسكرية والأمنية الأميركية، ونشأت أجزاء واسعة من البنية الصناعية والتقنية لوادي السيليكون داخل شبكة التمويل العسكري والعقود الدفاعية والأبحاث المرتبطة بالأمن القومي الأميركي.
يُحدّد إعلان «بالانتير» دور شركات التكنولوجيا باعتبارها أدوات سيادية مباشرة تؤدي وظيفة عضوية داخل استراتيجيات الأمن القومي الأميركي، وتشارك في صياغة بنية القوة الأميركية وإعادة إنتاج هيمنتها على المستوى العالمي، كما يُحدد تصورًا لأشكال الحكم المستقبلية، وهي بعيدة عن الديمقراطية البرجوازية المعهودة، لأنها تمنح النخب الاقتصادية وروّاد الأعمال والشركات الكبرى أدواراً تقريرية في إدارة المجتمع وحكمه، خارج الأطر التقليدية للنظم الديمقراطية، ويُعدّ بيتر ثايل مؤسس شركة بالانتير مع ألكس كارب من أبرز المعبّرين عن هذا التوجّه، إذ أعلن منذ العام 2009 عدم ثقته بقدرة الأنظمة الديمقراطية على ضمان الحريات. يندرج العدوان الأمريكي الصهيوني على الشعوب العربية والإيرانية ضمن عملية إعادة تشكيل موازين القوى في العالم، في مناخ اتسم بتحولات هامة في العالم وتراجع النفوذ الأمريكي وتردّد الحلفاء الأوروبيين، فضلا عن صمود إيران - رغم العقوبات والتكلفة المرتفعة للحرب - وعن الأزمة الداخلية الأمريكية مع إقتراب تاريخ الإنتخابات النصفية (تشرين الثاني/نوفمبر 2026 )، مع مجموعة من المؤشرات على تراجع القدرة الهيمنة على النظام العالمي وعلى العلاقات الدولية.
بالمقابل لم تتورط الصين في الحروب الخارجية وركزت اهتمامها على طُرُق اكتساب أسباب القوة من خلال زيادة الإستثمار في البحث العلمي والتطوير ضمن مخطط يجعل الصين دولة صناعية متقدمة وقادرة على منافسة الولايات المتحدة في مجالات التكنولوجيا المتطورة والرقابة الرقمية…
استقبلت الصين رئيس الولايات المتحدة بين يومَي 13 و 15 أيار/مايو والرئيس الروسي من 19 إلى 20 أيار/مايو 2026، في سياق الصراع الدّولي والحروب في أوكرانيا والخليج والعديد من مناطق العالم ( السودان والكونغو ومالي…) من أجل السيطرة على الموارد وعلى الممرات التجارية، ورغم العلاقات التجارية المتطورة بين الصين وإيران اتخطت الصين موقفا حذرا واكتفت بالتأكيد على ضرورة إنهاء الصراع، وإعادة فتح مضيق هرمز، الذي يؤدي حصاره إلى آثار سلبية على التجارة والاقتصاد العالميّيْن.
أسفَر اللقاء بين الرئيسَين الأمريكي والصيني عن تراجع الصين على شعار عالم متعدد الأقطاب كبديل للقطب الواحد الذي تقوده الولايات المتحدة وقرر الرئيسان إنشاء هيئات ثنائية حصرية للبت في قضايا رئيسية مثل الذكاء الاصطناعي، أي تهميش الدول الأخرى التي لم تبلغ هذا المستوى وتهميش هياكل ما يُسمى المجتمع الدولي، وتشكل هذه الخطوة تراجعًا من قبل الصين عن النظام متعدد الأطراف القائم على القواعد، واستبدلته بتقسيم القوتين العظميين ( الولايات المتحدة والصين ) الحوكمة الاقتصادية العالمية بما يناسب مصالحهما، وإنشاء مجلسين اقتصاديين متوازيين، ينشئان هيئات تجارية واستثمارية، توفر قاعدة لإدارة الخلافات ولحماية سلاسل التوريد للشركات من الانفجارات السياسية المفاجئة، وتوجيه العلاقات الثنائية على المدى المتوسط، فيما تقوم هيئة حوكمة الذكاء الاصطناعي المشتركة بإنشاء آلية لإملاء معايير البرمجيات ومعايير الأمن العالمي، من قبَل الدولتَيْن المُهيمنتَين على قطاع التكنولوجيا في العالم، وحقق دونالد ترامب بعض المكاسب الإقتصادية الآنية فيما تعمل الصين على ربح الوقت الذي يمكنها من تحصين أسواقها الداخلية وتسريع حلقات الابتكار المحلية، مما قد يُمكّنها لاحقًا من إملاء شروط البنية الاقتصادية العالمية للعقد المقبل وما بعده…
وافقت الصين على شراء مائتي طائرة من طراز بوينغ وشراء منتجات زراعية أمريكية ( فول الصويا والدواجن ولحم البقر بقيمة أكثر من 17 مليار دولار سنويا خلال السنوات الثلاث المقبلة أي حتى 2028، سنة الإنتخابات الأمريكية وتسمح هذه القرارات الصينية لإدارة دونالد ترامب بالادعاء بأن دبلوماسية "فن الصفقة" لا تزال ناجحة وفَعّالة، وبدلاً من إدارة التجارة من خلال معارك التعريفة الجمركية التصعيدية، قرر الرئيسان إنشاء مجلس التجارة الأمريكي الصيني و مجلس الإستثمار الأمريكي الصيني، للتعامل مع نزاعات الشركات والوصول إلى الأسواق وتدفقات رأس المال قبل أن تؤدي إلى أزمات سياسية، وبذلك لم تعد الصين تشكل تهديدًا وجوديا بل شريكا في الحفاظ على "الاستقرار الاستراتيجي البناء" كخطوة نحو اعتراف الولايات المتحدة بالمصالح الأساسية للصين، وفق التعبير الرسمي الصيني، وعموما مثلت قمة بكين، منتصف شهر أيار/مايو 2026، تغييرًا في العلاقات الصينية الأمريكية وحقبة جديدة للتعامل مع الخلافات بين الولايات المتحدة التي تهيمن على العالم والصين كقوة صاعدة وكمنافس جدي وعنيد…
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مكانة التكنولوجيا في الصراع الأمريكي الصيني - الجزء الثاني م
...
-
مكانة التكنولوجيا في الصراع الأمريكي الصيني - الجزء الأول من
...
-
الولايات المتحدة - استغلال السلطة
-
اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة - الجزء الثالث وا
...
-
اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة الجزء الثاني
-
اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة
-
حرب أوكرانيا، ومخطط النيوليبرالية
-
طموحات الكيان الصهيوني في التوسع والهيمنة
-
الإستغلال الأمريكي للعدوان على إيران
-
لبهجرة ومكانتها في الدول الغنية والفقيرة
-
شركات التكنولوجيا في خدمة الإمبريالية والإحتلال الصهيوني
-
تكاليف العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران
-
امبريالية القرن الواحد والعشرين وضرورة مقاومتها
-
طموحات دونالد ترامب في الدّاخل والخارج
-
خطوات جديدة في مسار الحرب الإقتصادية
-
جدل فكري مطالعات - عرض كُتب - مفاهيم ما بعد الإستعمار و التّ
...
-
أوروبا: من تأثيرات العدوان على إيران
-
من دوافع العدوان على إيران
-
مُتابعة لبعض التّحوّلات في العلاقات الدّولية
-
على هامش الأول من أيار/مايو 2026
المزيد.....
-
-برج الشياطين- في أمريكا..جبل غامض يتحول لوجهة سياحية عبر -ك
...
-
جينيفر لوبيز تخطف الأنظار بفستان عمره 22 عامًا في لوس أنجلوس
...
-
ضحايا بانفجار خزان مواد كيميائية في مصنع للورق والتغليف بولا
...
-
من هرمز إلى لبنان.. المنطقة تهتز مجدداً ومخاوف من سقوط التفا
...
-
خلاف بين البنتاغون و-سبيس إكس- على رفع أسعار ستارلينك
-
تصعيد إسرائيلي في لبنان ومقتل قائد الجناح العسكري لحماس
-
إزالة غابات الأمازون تتراجع إلى أدنى مستوى منذ 2019
-
بأكثر من لغة.. العيدية -رسالة حب- تكتب بالعملات المحلية
-
توسعة ضخمة بقاعدة أنغلز الروسية رغم الهجمات الأوكرانية المتك
...
-
لمرضى القلب والسكري.. كيف تتجنب -الوجبة الخطرة- في عيد الأضح
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|