أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - مُتابعة لبعض التّحوّلات في العلاقات الدّولية















المزيد.....



مُتابعة لبعض التّحوّلات في العلاقات الدّولية


الطاهر المعز

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 11:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تراجع بطيء للإمبريالية الأمريكية
قبل أكثر من ألفي عام، وَصَفَ المؤرخ اليوناني بلوتارخ تَرَاجُعَ قوة إمبراطورية أثينا آنذاك ومُحاولة قادتها استعادة مجدها بشن الحُرُوب، وهو ما يُطلق عليه المؤرخون المعاصرون اليوم "العَسْكَرَة المُصَغَّرَة"، فعندما تراجعت الإمبريالية الأمريكية كان ردّ فِعْلِ قادتها المزيد من الحروب العدوانية، على أمل استعادة الأمجاد الضّائعة، ولكن بدلًا من تحقيق نصر عظيم، ساهمت هذه الحُرُوب في تَسْرِيع التراجع المستمر، وقد تُصْبِح الحرب العدوانية الأمريكية ضد إيران مُؤشِّرًا على تراجع قُوّة الولايات المتحدة، بفعل المغامرات العسكرية المُرهِقة، في محاولةٍ لاحتلال أراضٍ جديدة أو استعراض قوة عسكرية مُذهلة، غير إن هذه المُغامرات مكلفة وتَفْرِضُ ضغوطًا مالية، فضلا عن الأزمات مثل ارتفاع أسعار المحروقات والطّاقة، بالإضافة إلى المَشاكل العديدة التي خلقتها الإدارة الأمريكية مع الحُلَفاء وفي مقدّمتهم أعضاء حلف شمال الأطلسي، وبدأت بعض وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية تُشير إلى "هزيمة أمريكا في مضيق هرمز"، منذ اللحظة التي أقرتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لشن العدوان على إيران يوم الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، مع تكثيف العدوان على سوريا ولبنان والأراضي المحتلة سنة 1967، ومن المرجح أن يكون تاريخ 28 شباط/فبراير 2026 تاريخ بداية التّصَدّع وانحسار أقوى دولة امبريالية في التاريخ، والتي هيمنت على جزء كبير من العالم لما يقرب من ثمانية عُقُود من خلال مزيج من التحالفات العسكرية والدبلوماسية، والرّيادة الاقتصادية التي لم تَصْمُد أمام التّحَدِّي الإقتصادي الصّيني، كما بدأت نقاط الضُّعف تظهر في أفغانستان والعراق، وأدّت هذه التّغْيِيرات إلى ظُهُور تيارات شعبوية (منذ دونالد ريغن ثم بوش وحزب الشاي...) تجسّدت في الحملة الإنتخابية لدونالد ترامب الذي عاد إلى الرئاسة بعد وعوده باستعادة ازدهار الطبقة العاملة وقوة أمريكا العالمية، وتولى منصبه لولاية ثانية يوم العشرين من كانون الثاني/يناير 2025، واعدا ب "عصر ذهبي لأمريكا"، و"حقبة جديدة مثيرة من النجاح الوطني" تستعيد فيها البلاد "مكانتها اللائقة كأعظم وأقوى وأكثر الدول احترامًا على وجه الأرض، مُلهمةً إعجاب العالم أجمع"، وفق البيت الأبيض ( 20 كانون الثاني/يناير 2025). وُلد ترامب في كنف الثراء والامتيازات، وعاد إلى منصبه مُقتنعًا بعبقريته الفريدة في القيادة ومؤمنا بأن "الله أرسلني لأجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى". ( لوس إنجلس تايمز 25/01/2025)
استخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القوة الاقتصادية والعسكرية الهائلة لإجبار جميع الدّول (الأصدقاء والأعداء) على الخضوع له، وبدأ - مدفوعاً بشعورٍ زائفٍ برسالةٍ إلهية - محاولاته لفرض إرادته على العالم، لكن لم تَسِر الأمور كما خَطَّطَ لها، خلال عامه الأول في منصبه، بل أثارتْ معظم مبادراته ردود فعلٍ عكسيةٍ كشفت مدى تراجع الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الإتحاد السوفييتي ( 1991) الذي أدّى إلى جَعْلِ الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم.
أعلن دونالد ترامب يوم الثاني من نيسان/ابريل 2025، فيما أسماه "يوم التحرير"، عن سلسلة من الرسوم الجمركية العقابية لحماية الصناعات المحلية لا سيما من الواردات الصينية التي كانت تخضع لرسوم جمركية أولية بنسبة 34%، ثم رُفِعَتْ لاحقا إلى 100%، لكن خلال اجتماعهما في تشرين الأول/اكتوبر 2025 في كوريا الجنوبية، أجبر الرئيس الصيني شي جين بينغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التراجع بتقليص وصول الولايات المتحدة إلى مخزون بلاده من المعادن الأرضية النادرة الاستراتيجية ( نيويورك تايمز 30 تشرين الأول/اكتوبر 2025)، وفي كانون الثاني/يناير 2026، ومع تراجع بريق مبادرته لفرض الرسوم الجمركية، أغرق دونالد ترامب حلف شمال الأطلسي في أزمة بمطالبته الدنمارك ( عضو حلف شمال الأطلسي والإتحاد الأوروبي) بالتنازل له عن جزيرة غرينلاند، مهدداً بفرض رسوم جمركية جديدة على الحُلَفاء الأوروبيين ما لم يمتثلوا، إلا أنه في غضون أسبوع، دفعته مقاومة أوروبية شديدة إلى التراجع عن هذا التهديد في قمة دافوس الاقتصادية ( من 19 إلى 23 كانون الثاني/يناير 2026)، معلناً رضاه عن عرض حلف شمال الأطلسي المتمثل في "إطار عمل لاتفاق مستقبلي" وفق وكالة رويترز بتاريخ 25/01/2026
بعد فشل مبادرت ترامب المتعلقة بالتعريفات الجمركية وفشل مناورته في غرينلاند، أطلقت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يوم الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026 عدوانًا جديدا على إيران، وأسفر القصف عن مقتل القيادة الإيرانية، وتدمير أسطولها البحري، والقضاء على دفاعاتها الجوية، ما جعل البلاد تبدو مهزومةً أمام قوة القصف الجوي الهائل، الأمريكي- الصهيوني، وبعد أسبوع من القصف المدمر، طالب دونالد ترامب يوم السادس من آذار/مارس 2026 إيران بتقديم "استسلام غير مشروط" والإعلان عن استسلامها من خلال "اختيار قائد عظيم ومقبول"، وفي المقابل، وعد بأن الولايات المتحدة "ستعمل بلا كلل لإنقاذ إيران من حافة الهاوية"، لكن إيران قلبت موازين القوى الجيوسياسية للحرب بإغلاقها نقطة اختناق بحرية حيوية في مضيق هرمز، ففي الأسبوع الأول من الحرب، شنّت إيران غارات جوية على خمس سفن شحن بطائرات مُسَيّرة، مستلهمة من نهج عبد الناصر الجيوسياسي في قناة السّويس سنة 1956، فأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز أمام حركة ناقلات النفط، قاطعةً بذلك إمدادات الغاز والأسمدة والنفط، ما أدّى إلى غرق الاقتصاد العالمي في أزمة طاقة غير مسبوقة، وبحلول نهاية آذار/مارس 2026، كانت سيطرة إيران على المضيق محكمة لدرجة أنها بدأت بفرض رسوم مرور على سفن الشحن للسماح لها بالمرور، وفي الخامس من نيسان/ابريل 2025 (يوم عيد الفصح) فوجئ دونالد ترامب بإغلاق مضيق هرمز، وإن كان الإغلاق متوقعًا، فنشر رسالة على وسائل التواصل الإجتماعي قال فيها: "يوم الثلاثاء ( السابع من نيسان/ابريل 2026) سيكون يوم محطة الطاقة، ويوم الجسر، في إيران. لن يكون هناك مثيل له!". وأضاف: "افتحوا المضيق اللعين، أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم - شاهدوا فقط. الحمد لله". وبعد يومين، هدّد بأنه ما لم تفتح إيران مضيق هرمز، فإنه سيهاجم بنيتها التحتية المدنية بشدة لدرجة أن "حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبدًا".، وفق وكالة أسوشيتد برس يوم السابع من نيسان/ابريل 2026...
بعد انهيار المفاوضات اللاحقة بين الجانبين في إسلام آباد ( باكستان ) يوم 12 نيسان/أبريل 2026، انغمس ترامب أكثر في مستنقع إيران، وأمر البحرية الأمريكية بـ"بدء عملية حصار جميع السفن التي تحاول دخول مضيق هرمز أو مغادرته"، و"اعتراض كل سفينة في المياه الدولية دفعت رسومًا لإيران"، وأضافَ بلهجته المعهودة: "نحن على أهبة الاستعداد، وسيقضي جيشنا على ما تبقى من إيران!".
يُظْهِرُ هذا التّشنّج وهذه البذاءة إن الإمبريالية الأمريكية قادرة على تدمير البُنْيَة التّحتية والمدارس والمعابد الدّينية ولكنها لم تُحقّق أهدافها، مما يُعادل خسارة الحرب، رغم عدم تكافؤ القوى، والتفاوض في نهاية المطاف على اتفاق سلام يحفظ ماء الوجه، فقد أبدى النظام الإيراني استعداده لتحمّل عقابٍ لا هوادة فيه، وإلحاق أضرارٍ لا تستطيع القوة المهيمنة تحمّلها، كما تمتلك إيران القُدْرة على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية النفطية وبالقواعد الأمريكية في الخليج، بواسطة الطائرات المسيّرة رخيصة الثّمن، ومن المرجح أن تدفع واشنطن ثمنًا باهظًا لنزعتها العسكرية في مضيق هرمز، فقد رفض حلفاؤها المقربون الذين شكلوا ركيزة القوة العالمية للولايات المتحدة على مدى ثمانين عاما أي دعم عسكري للحرب العدوانية الأمريكية، ما دفع دونالد ترامب إلى وصفهم بـ"الجبناء" ( رويترز 30 آذار/مارس 2026)، وردًا على تهديداته المُدَوِّيَة بتدمير المدنيين والحضارة الفارسية (وكلاهما يُعد جريمة حرب)، صدرت العديد من بيانات الإدانة، لأن الولايات المتحدة بصدد زعزعة الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ما يجعل الصين تبدو خيارًا أكثر استقرارًا لقيادة العالم، وبينما أثبت الجيش الأمريكي براعته التكتيكية في تدمير الأهداف، فإنه لم يعد قادرًا على تحقيق أهداف استراتيجية ذات مغزى.
مع انهيار تحالفاتها، وتراجع مكانتها القيادية العالمية، وتلاشي هيبتها العسكرية، يبدو أن المسار الوحيد للهيمنة الأمريكية العالمية هو الانحدار (كما هو حال العديد من القوى العظمى في الماضي)، وسوف تُعَجِّلُ مغامرة دونالد ترامب العسكرية في مضيق هرمز، تراجع النفوذ الأمريكي العالمي، لكي يحاول العالم تجاوز الهيمنة الأمريكية وإرساء نظام عالمي جديد...
طالبت الولايات المتحدة الأوروبيين بتسريع المرحلة الثالثة لزيادة الإنفاق العسكري في إطار "حلف شمال الأطلسي "، وهدّدت الولايات المتحدة حلفاءها بأن هذا هو التحذير الأخير للولايات المتحدة قبل أن تتخذ إجراءات صارمة لمعاقبة أولئك الذين يواصلون رفض مطالب دونالد ترامب، وألقى وكيل وزارة الحرب لشؤون السياسة، إلبريدج كولبي، خطابًا هامًّا في اجتماع مجموعة الاتصال الدفاعية الأوكرانية منتصف نيسان/أبريل 2026، حث فيه الأوروبيين على تسريع انتقالهم إلى ما وصفه في وقت سابق من هذا العام بـ"الناتو 3.0". "تتلخص الفكرة في أن يعود الناتو للتركيز على الدفاع عن نفسه بدلًا من التوسع المفرط في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وغرب آسيا، وشرق أوروبا، وغيرها"، ليتوافق ذلك مع سياسات الرئاسة الثانية لدونالد ترامب، وطالب إلبريدج كولبي بأن "تُسرع أوروبا في تولي مسؤوليتها الأساسية عن الدفاع التقليدي عن القارة"، بما في ذلك تسليح أوكرانيا من خلال برنامج "قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية" (PURL) الذي تلعب فيه الولايات المتحدة الدور الأهم، ولتحقيق هذه الغاية، "تُعدّ الحاجة إلى إعادة بناء مخزونات الذخائر الأوروبية بسرعة أمرًا بالغ الأهمية، وكذلك الحاجة إلى إزالة الحواجز التجارية الحمائية التي تُعيق الإمكانات الصناعية للقارة"، وأضاف "إن تطوير قاعدة صناعية دفاعية أوروبية قوية ومتكاملة لا يمكن أن يكون مجرد طموح، بل شرطًا أساسيًا للردع والدفاع الموثوقين"، ونظرًا لعلمه بمدى انشغالهم بأوكرانيا، أكد كولبي أن "هذا سيكون حاسمًا لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بشروط تدعم سلامًا دائمًا"، ثم دعا إلى مزيد من "الأفعال وتغيير جذري في الموقف" من جانبهم "لتسريع هذا الانتقال إلى حلف شمال الأطلسي 3.0 "، وخلص كولبي إلى القول: "إذا ارتقى مستوى أوروبا إلى هذه اللحظة، وتبنّت المسؤولية الأساسية عن الدفاع عن القارة بما يتماشى مع رؤيتنا لحلف الناتو 3.0 المُعاد توازنه، فسنكون جميعًا أقوى وأكثر مصداقية في الدفاع عن شعوبنا ومصالحنا الوطنية"، وحذّرَ الأوروبّيّين بنبرة تنذر بالخطر قائلاً: "أؤكد على أهمية تدخل الناتو للمساعدة في تأمين مضيق هرمز وفقًا لتوقعات ترامب لعلاقتنا في المستقبل".
أكده كولبي إن الولايات المتحدة قد تُسرّع من إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية المخطط لها بعيدًا عن أوروبا نحو الأمريكتين ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ إذا رفضت هذه الدول طلب ترامب بإنهاء مساهماتها الكبيرة في برنامج دعم القوات المسلحة (PURL) قبل أن يتمكن حلف الناتو من استبدالها، ومن شأن ذلك أن يُسهّل تحقيق نصر روسي كامل في أوكرانيا، أو على الأقل يُثير مخاوف الأوروبيين من أن هذا النصر حتمي إذا لم يتدخلوا فورًا بعد أن يقطع دونالد ترامب الإمدادات العسكرية مجدّدًا، ما يدفعهم إلى تنفيذ ما يريده.
إذا امتنع بعض أعضاء التكتل عن المساهمة بينما ساهم آخرون، فقد يفرض ترامب نموذجه الذي يُقال إنه يدرسه، وهو نموذج "الدفع مقابل النفوذ" والذي من شأنه إقصاء "المعارضين" من عمليات صنع القرار وسحب دعم الولايات المتحدة لهم بموجب المادة الخامسة، ويمكن فرض هذه العقوبات أيضًا على من يرفض إنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، ومن المرجح جدًا أن يكون كولبي قد نقل هذه الخطط العقابية إلى نظرائه على هامش الحدث، حتى وإن ألمح إليها تلميحًا، لذا، يُمكن اعتبار حثّه لهم على تسريع انتقالهم إلى "الناتو 3.0"، الذي ابتكره، بمثابة الإنذار الأخير للولايات المتحدة قبل اتخاذها إجراءات حاسمة لمعاقبة من يرفضون مطالب ترامب، ويُعدّ فرض نموذج "الدفع مقابل المشاركة" أحد أشكال هذه الإجراءات، بينما قد يكون قطع الإمدادات عن أوكرانيا مجدداً شكلاً آخر، وقد يحدث كلا الأمرين معاً، ولا يزال من غير الواضح ما سيفعله الناتو ككل، فضلاً عن أعضائه فرادى، لكن من الجليّ أن ترامب بدأ يفقد صبره تجاههم.

"أمريكا الشمالية الكبرى": من غرينلاند إلى بنما، الولايات المتحدة تعيد رسم نصف الكرة الأرضية في مواجهة "الجنوب العالمي"
تُشير رؤية إدارة دونالد ترامب لـ"أمريكا الشمالية الكبرى" إلى إحياء جريء للنزعة المونروية الجديدة ( نسبة إلى عقيدة مونرو التي تُنذر الدّول الأوروبية الإستعمارية بعدم التّدخّل في النّصف الغربية من الكرة الأرضي، لأنه يُشكل مجالاً حيويا للولايات المتحدة) فمن غرينلاند إلى قناة بنما، يُعاد تشكيل نصف الكرة الأرضية كمساحة استراتيجية واحدة، بهدف "تفكيك" جزء من الجنوب العالمي، ويُشير رد الفعل الإقليمي العنيف والتوسع العالمي المفرط إلى أن المخاطر قد تفوق المكاسب، حتى من وجهة نظر واشنطن... أُعلنت عقيدة مونرو سنة 1823، وكانت في الأصل بمثابة موقف دفاعي ضد التدخل الأوروبي. أما ما نشهده الآن فهو مونرو جديدة في أوسع صورها: ادعاء جريء بالسيادة على نصف الكرة الأرضية.
أصبح مفهوم "أمريكا الشمالية الكبرى" عقيدة رسمية في الولايات المتحدة، ففي أوائل آذار/مارس 2026، وفي تصريحات لم تحظَ بتغطية إعلامية كافية، أوضح وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ما قد يُصبح الإطار الجيوسياسي المُهيمن لإدارة دونالد ترامب الثانية، وفي كلمته أمام مؤتمر مكافحة الاحتكار في الأمريكتين، كان هيغسيث صريحًا: تنظر واشنطن الآن إلى نصف الكرة الغربي كمساحة استراتيجية واحدة، تمتد "من غرينلاند إلى خليج أمريكا إلى قناة بنما"، وأضاف لاحقًا: "نُطلق على هذه الخريطة الاستراتيجية اسم أمريكا الشمالية الكبرى".
إن التداعيات واسعة النطاق: فمن جهة، تُعاد تصنيف الدول التي كانت تُصنف تقليدياً تحت مسمى "الجنوب العالمي" في هذا الإطار، لتصبح مكونات "المحيط الأمني" للولايات المتحدة، بل إن هيغسيث رفض المصطلح رفضاً قاطعاً، مما يشير إلى تحول مفاهيمي ذي بُعد أيديولوجي واستراتيجي في آن واحد.
كانت هناك بالفعل، في عهد الرئيس جوزيف بايدن، مرحلة سابقة من نفس المنطق التوسعي (الذي يجري الآن تنظيمه في عهد ترامب)، فقد طالبت وزارة الخارجية آنذاك بأجزاء شاسعة من قاع المحيط، من خليج المكسيك (الذي يُعرف الآن باسم "خليج أمريكا") إلى القطب الشمالي، وبالعودة إلى "أمريكا الشمالية الكبرى"، فلا عجب أن يكون رد الفعل في جميع أنحاء المنطقة سلبياً: تشعر دول مثل كولومبيا وكوستاريكا بأنها قد تم ضمها بهدوء إلى هذا "المحيط الأمني" الموسع، وفيما يتعلق بآثار هذا النهج، يحذر المحللون من أنه يهدف فعلياً إلى تقليص الاستقلالية الوطنية في مسائل الدفاع والسياسة الخارجية، مما يُثِير قلقاً بالغاً، لا سيما بالنسبة للدول الصغيرة ذات النفوذ المحدود، وذهب بعض النقاد إلى أبعد من ذلك، فقاموا بعقد مقارنات مع عقائد توسعية أخرى، بل إن بعضهم شَبَّهَ " أمريكا الشمالية الكبرى" بنوع من التوحيد الجيوسياسي يذكرنا بـ"إسرائيل الكبرى".
ليس من الصّعب إدْراك المنطق الاستراتيجي الكامن وراء هذه العقيدة، لأن واشنطن تواجه تحديات متزايدة على الصعيد العالمي، بدءًا من التكامل الأوراسي وصولًا إلى عدم الاستقرار المستمر في "الشرق الأوسط"، ومن خلال توطيد سيطرتها على جوارها المباشر، تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين مؤخرتها مع بسط نفوذها في الخارج، وهكذا، يصبح نصف الكرة الأرضية، بطريقة ما، منطقة عازلة وقاعدة موارد في آن واحد... مع ذلك، ثمة تناقض جوهري في هذه الاستراتيجية، ألا وهو أن الولايات المتحدة تعاني بالفعل من استنزاف مواردها العسكرية والسياسية بفعل التّوَرّط المُستمر في الخليج العربي، وبفعل خَوْض عدّة صراعات متزامنة، غير إن الرّدّ الإيراني ألحَقَ أضرارًا بالقواعد الأمريكية في الخليج، مما أجْبَر الضّبّاط الأمريكيين على العمل عن بُعْد ( من الفنادق)، وفشلت بالتالي استراتيجية إدارة مسارح توتر متعددة بشكل مستدام، كما امتدّت التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب إلى أمريكا الجنوبية، حيث تتزايد الاضطرابات التجارية والتقلبات المالية، وهنا تبرز مخاطر النزعة المونروية ( نسبةً إلى الرئيس مونرو) الجديدة المتمثلة في تشديد السيطرة على الدول المجاورة، وبالتالي تعويض مواطن الضعف في أماكن أخرى، لكن قد يُؤَدّي تعميق التدخل في فنزويلا وتهديد كوبا وكولومبيا ودول أخرى في أمريكا الجنوبية وبحر الكاريبي إلى فتح جبهات جديدة واستنزاف الموارد، وتُخاطر الولايات المتحدة - من خلال تصوير النصف الغربي للكرة الأرضية كامتداد للمساحة الاستراتيجية الأمريكية - بتعزيز روايات الهيمنة التي لطالما غذّت المشاعر المعادية للإمبريالية الأمريكية، ليُصبح مفهوم "أمريكا الشمالية الكبرى" سلاحًا ذا حَدَّيْن، في ظل تورط واشنطن في الخارج ومواجهتها لمقاومة متزايدة في الداخل وفي نصف الكرة الأرضية.

دَوْر مجموعة "بريكس" في انحدار القوة الأمريكية
تُحاول مجموعة بريكس استبدال البترودولار بالعملات المحلية، وأنشأت مصرفًا يهتم بتمويل برامج التنمية.
أصبح الدولار عملة مهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية، لأن الإقتصاد الأمريكي كان الوحيد الذي نجا من دَمار الحرب، ثم استعادت كل من أوروبا واليابان قوتهما الصناعية، خلال عقد الستّينيات من القرن العشرين، ولم تستطع الصناعة الأمريكية القديمة الصمود أمام منافسة المصانع الحديثة، وترافق التراجع الصناعي الأمريكي مع ارتفاع العجز التجاري، فبدأت الولايات المتحدة بطباعة المزيد من الدولارات لتغطية هذا العجز، لكن نظام بريتون وودز - الذي أنشأته دول الحلفاء بعد انتصارها - كان يضمن أيضاً إمكانية تحويل احتياطيات الدولار إلى ذهب (يحتفظ به الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي)، وأدّى التراجع الصناعي الأمريكي والتوسع العسكري المفرط (حرب فيتنام) إلى تفاقم العجز التجاري، فقرّر الرئيس ريتشارد نيكسون التخلَّي، خلال شهر آب/أغسطس 1971، عن قابلية تحويل الدولار الأمريكي إلى الذهب، وكان من الممكن أن يُهدد انهيار قابلية تحويل الدولار إلى الذهب هيمنته، إلا أن الولايات المتحدة فرضت على السعودية ثم على منظمة الدّول المُصدِّرة للنفط ( أوبك) بَيْع النّفط بالدّولار فقط ( فكانت عبارة "البترودولار") مقابل الحماية الأمنية الأمريكية لأنظمة الخليج النّفْطِي، وإنشاء قواعد عسكرية أمريكية في الخليج (كما هو الحال في شرق آسيا وأوروبا)، وساهم البترودولار في استدامة الطلب العالمي على الدولار الأمريكي، نظرًا لأن جميع دول العالم تقريبًا تستورد النفط، وبالتالي تحتاج إلى العملة الأمريكية، فتمكنت الولايات المتحدة من الحفاظ على عجز ضخم في الميزانية، وانخفاض في المدخرات المحلية، وفائض كبير في الواردات، مدعومًا بالطلب العالمي على الدولار (الذي تستطيع الولايات المتحدة طباعته بدون حسيب ولا رقيب) وكذلك على سندات الخزانة الأمريكية، ما ساهم في تمويل عجز الميزانية والحساب الجاري الأمريكي.

العقوبات الاقتصادية: إساءة استخدام البترودولار
يعارض دونالد ترامب إلغاء الدولار، لأن هذه الميزة الباهظة التي تتمتع بها الولايات المتحدة تمكنها من الحفاظ على قوتها الإمبريالية، وفرض عقوبات اقتصادية وتجميد الأصول على دول في جميع أنحاء العالم منذ ذلك الحين.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية منذ الحرب الباردة لأسباب متنوعة: أسباب أيديولوجية (كوبا أو فيتنام أو ليبيا)؛ ومخاوف تتعلق بمكافحة الإرهاب والأمن بعد 2001 (أفغانستان وإيران والسودان)؛ وتنافس القوى العظمى بعد سنة 2014 (روسيا والصين)؛ وبشكل متزايد خلال العقدين الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين كأداة للحرب المالية (فنزويلا وإيران عبر العزل المصرفي، وروسيا في ظل أكبر نظام عقوبات فُرض على الإطلاق)ن وبحلول سنة 2025، كانت روسيا وإيران وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا أكثر الدول خضوعًا للعقوبات، ولم تسلَمْ حتى الهند، إذ منعتها "العقوبات الثانوية المفروضة على أطراف ثالثة" من شراء النفط الإيراني بين سَنَتَيْ 2019 و2026، وأجبرتها على التراجع عن استثماراتها في ميناء تشابهار وطريقها إلى أفغانستان وآسيا الوسطى وروسيا...
أشارت دراسة نُشرت في مجلة لانسيت (2025) إلى وجود علاقة سببية قوية بين العقوبات وزيادة معدل الوفيات، واستخدمت الدراسة بيانات طولية لمعدلات الوفيات حسب الفئة العمرية وحالات فرض العقوبات في 152 دولة بين سَنَتَيْ 1971 و2021، ووجد الباحثون أن أقوى التأثيرات كانت للعقوبات الاقتصادية الأحادية والعقوبات الأمريكية، (لكن لم يجدوا دليلاً إحصائياً على وجود تأثير لعقوبات الأمم المتحدة)، وقدّر التقرير أن العقوبات الأحادية كانت مرتبطة بعدد وفيات سنوي قدره 564258 حالة، وهو ما يماثل عبء الوفيات العالمي المرتبط بالنزاعات المسلحة على مدى تلك الفترة التي استمرت خمسين عاما، ويعني ذلك حوالي 28 مليون حالة وفاة زائدة، معظمها من الأطفال وكبار السن، خلال تلك الفترة فقط بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وهذا وحده يُعد جريمة حرب، ولا علاقة لهذا الأمر بحروب العدوان أو تغييرات الأنظمة التي هندستها الولايات المتحدة (والغرب) معًا على مر السنين، أما في ظل رئاسة دونالد ترامب، فقد خرجت الولايات المتحدة عن السيطرة، وفرضت عقوبات على إيران وروسيا والصين وكوبا وغيرها، ولم تكن مجموعة بريكس قادرة على الرّد ( رغم فَرْض عقوبات على مُؤسّسيها، الصين وروسيا) أما الهند، فهي دولة ذات دخل متوسط منخفض، كما أن عدد سكانها كبيرٌ بما يكفي لتجنب العقوبات، فضلا عن انحيازها إلى جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني...
تُخطّط الإمارات – وعدد متزايد من الدّول - لتقليص الاعتماد على الدولار في سوق النفط، مما جعل الولايات المتحدة تعتبر هذا الإجراء بمثابة "تهديد"، فقد أصبح التخلي عن الدولار واقعاً قائماً منذ سنوات في دول خاضعة للعقوبات مثل روسيا والصين وإيران، لكن هذا التّوَجُّه أصبح يطال بعض حلفاء "الغرب"، فقد أعلن رئيس مصرف الإمارات خلال اجتماع مع وزير الخزانة الأمريكي، في واشنطن خلال النصف الأول من شهر نيسان/ابريل 2026، إن بلاده سوف تُنوّع احتياطياتها من العملات الأجنبية وسوف تبيع النفط إلى الصّين باليُوان (العملة الصينية) مع المُحافظة على الشّراكة التّاريخية مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، واستخدام الولايات المتحدة البنية التحتية الخليجية في عملياتها العسكرية العدوانية ضدّ إيران التي ردّت بشنّ غارات جوية على القواعد الأمريكية في الإمارات ودُوَيْلات الخليج الأُخرى...
في أوروبا، تحتضن ألمانيا وإيطاليا أضخم القواعد العسكرية الأمريكية ( إلى جانب بريطانيا) منذ الإنتداب الأمريكي، إثر هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية، وتُساهم الدّولَتان في دعم الكيان الصهيوني خلال عمليات الإبادة في غزة والضفة الغربية ولبنان، حيث أثبت الاتحاد الأوروبي أنه ليس اتحاد قيم، بل كارتل لتجار الأسلحة، يحمي المصالح صهيونية، فقد اجتمع وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي يوم 21 نيسان/ابريل 2026 في لوكسمبورغ ورفضوا رفضاً قاطعاً دعوات إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا لتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني، ولو جزئياً، ولا تزال الاتفاقية، التي تمنح كيان الإحتلال امتيازات في الوصول إلى الأسواق الأوروبية وتعاوناً مؤسسياً عميقاً، سارية دون تغيير، وقادت ألمانيا وإيطاليا حملة عرقلة أي إجراء فعّال، لضمان استمرار التعاملات المعتادة مع دولة ترتكب ما وصفه خبراء الأمم المتحدة بالفظائع والجرائم والإبادة الجماعية دون انقطاع، وبينما فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات شاملة على روسيا في غضون أيام من غزوها لأوكرانيا - تجميد الأصول وحظر التجارة وعزل موسكو بسرعة غير مسبوقة - فإنه يرفض تطبيق حتى أبسط العقوبات على الكيان الصهيوني رغم جرائم الحرب الموثقة، والتوسع الاستيطاني، والمجازر التي تُبث مباشرة في غزة...
إن ازدواجية المعايير ليست خللاً في السياسة الخارجية الأوروبية، بل هي سمة أساسية، فالقانون الدولي، كما يبدو، لا يُطبق إلا على الأعداء الرسميين. أما بالنسبة للحلفاء المفضلين المتورطين في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، فيعلن الاتحاد الأوروبي تفضيل الحوار والتفاهم واستمرار عقود الأسلحة.
تُقدّم حكومة اليمين المتطرف الإيطالي المثال الأكثر فجاجة على هذه المهزلة، فقبل أيامٍ قليلة، أعلنت رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني "تعليق التجديد التلقائي لمذكرة التعاون الدفاعي الثنائية مع إسرائيل"، وهلّلت أحزاب المعارضة لهذا القرار لكن في الحقيقة، لم يكن الأمر سوى مسرحية، فالاتفاقية مُجمّدة فعلياً منذ أواخر سنة 2023، فيما لم يتم إلغاء أي عقود قائمة ولم يتم إيقاف أي شحنات أسلحة ولم يتم إلغاء أي مشاريع عسكرية مشتركة. لقد كانت لفتة رمزية تهدف إلى تهدئة الغضب الشعبي المتزايد مع الحفاظ على جوهر العلاقة، ولا تزال حكومة ميلوني اليمينية المتطرفة واحدة من أكثر الداعمين الأوروبيين موثوقية للكيان الصهيوني، وقد أثبت أداؤها في لوكسمبورغ ذلك.
يتناقض هذا التشكيك الممنهج من أعلى الهرم السياسي تناقضًا صارخًا مع الإجماع الشعبي القوي الذي يتشكل من القاعدة، ففي غضون ثلاثة أشهر فقط، جمعت مبادرة المواطنين الأوروبيين بعنوان "العدالة لفلسطين" أكثر من 1,1 مليون توقيع - وهي أسرع مبادرة من نوعها في تاريخ الاتحاد الأوروبي - مطالبةً بالتعليق الكامل لاتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني بسبب "الإبادة الجماعية والاحتلال المستمر وانتهاكات القانون الدولي"، وقد تجاوزت العريضة، التي نظمها تحالف اليسار الأوروبي بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والحركات المساندة للشعب الفلسطيني، العتبات المطلوبة في عشر دول أعضاء، ويُظهر هذا الحراك الشعبي الواسع أن ملايين الأوروبيين العاديين يرفضون تواطؤ حكوماتهم ويطالبون باتخاذ إجراءات ملموسة تتماشى مع القانون الدولي.
أما ألمانيا، فلا تزال مقيدة أيديولوجيًا واقتصاديًا بالمشروع الصهيوني، وقد تَحَوَّلَ دفاع برلين التلقائي عن الكيان الصهيوني إلى غطاء سياسي غير مشروط، وأصبح بمثابة شيك مفتوح للإفلات من العقاب، وقد رفض المسؤولون الألمان علنًا تعليق اتفاقية الشراكة ووصفوه بأنه "غير مناسب"، وأصروا بدلًا من ذلك على "حوار نقدي"، في حين تستمر صادرات الأسلحة الألمانية إلى العدو الصهيوني، وتعرقل برلين أي إجراءات جادة من جانب الاتحاد الأوروبي قد تضر بمجمعها الصناعي العسكري.
يُعدّ الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للكيان الصهيوني، حيث يتجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي 42 مليار يورو سنويًا، وإن تعليق أي جزء من اتفاقية الشراكة سيؤثر بشدة على الصادرات الصهيونية، وقد تصل الخسائر إلى 5,8 مليار يورو وفقًا لتقديرات المفوضية الأوروبية، لكن الاتحاد الأوروبي يُعطي الأولوية لهذه الأرباح، إلى جانب مصالح كبرى شركات تصنيع الأسلحة في إيطاليا وألمانيا وغيرها، على أي ادعاء بالالتزام بالقانون الدولي.
بلغ هذا التملق مستويات جديدة من السخافة والجبن في رد الاتحاد الأوروبي على العدوان الأمريكي-الصهيوني على إيران، فقد سارع الاتحاد الأوروبي إلى توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران، بما في ذلك اتفاق سياسي جديد أُعلن عنه مؤخرا في لوكسمبورغ لاستهداف "المسؤولين عن عرقلة حرية الملاحة في مضيق هرمز"، الذي ظل مغلقًا إلى حد كبير لما يقرب من شهرين، مما أدى إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وفي الوقت نفسه، بتجاهل الاتحاد الأوروبي الإنتهاكات الصهيونية الصارخة للقانون الدولي، ولا يمارس أي ضغط حقيقي وقد عبّرت الممثلة العليا كايا كالاس عن هذا النفاق الصارخ عندما صرّحت، بجدية تامة، في مؤتمرها الصحفي في لوكسمبورغ: "نحن أكبر الداعمين لفلسطين... والاتحاد الأوروبي هو أكبر داعم للشعب الفلسطيني (...) وسيواصل الاتحاد الأوروبي الضغط من أجل تحسين وصول المساعدات الإنسانية، وإدانة الاستيلاء الإسرائيلي غير القانوني على الأراضي في الضفة الغربية، والدعوة إلى نزع سلاح حماس" وقد صدرت هذه الكلمات في نفس اليوم الذي عرقل فيه زملاؤها أي تعليق لاتفاقية الشراكة مع الإحتلال الصهيوني وعمّقوا العقوبات على إيران مع استمرارهم في حماية النظام الصهيوني.
إن دول الإتحاد الأوروبي مُتواطئة مع الكيان الصهيوني من خلال تسليحه وتمويله وتمكينه من الإفلات من المحاسبة والتّتَبُّع والعقاب، ويُمول الإتحاد الأوروبي توسيع المُستعمرات الإستيطانية، والحرب المفتوحة في لبنان وخارجه.
إن مهزلة "إعادة تسليح أوروبا" - أي ضخّ مليارات الدولارات في الميزانيات العسكرية تحت ستار الدفاع ضد روسيا - تبدو جوفاءً تمامًا عندما ترفض هذه الحكومات نفسها محاسبة الكيان الصهيوني على انتهاكاتٍ أشدّ خطورةً للمعايير الدولية التي تدّعي التمسك بها.
يُعَدُّ الاتحاد الأوروبي ناديا للنخب الأكثر ولاءً للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الصهيونية، دون إعارة أي اهتمام بالضحايا الفلسطينيين أو المبادئ التي يدعي قادته التمسك بها، مثل حقوق الإنسان والقانون الدولي...
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيزي، وثمانية قضاة من المحكمة الجنائية الدولية، وثلاثة مسؤولين قضائيين، ومنظمات حقوق الإنسان الفلسطينية: الحق والميزان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، لأنهم حققوا في جرائم الإبادة الجماعية، وأصدرت الولايات المتحدة الأمر التنفيذي رقم 14203، الذي يحوّل أي شخص يتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية إلى هدف للعقوبات.
فقدت فرانشيسكا ألبانيزي صلاتها بجامعتي كولومبيا وجورجتاون، وجُمّدت أصولها، ولم يعد بإمكانها الوصول إلى حساباتها المصرفية أو بطاقاتها الائتمانية أو إجراء أي مدفوعات في أي مكان في العالم، فقد حذت المصارف الأوروبية حِذْوَ المصارف الأمريكية، وأغلقت حسابات قضاة المحكمة الجنائية الدولية الخاضعين للعقوبات، لمجرد أن الولايات المتحدة طلبت ذلك.
تستخدم الحكومة الأمريكية الأمر التنفيذي رقم 14203 لشنّ هجوم مباشر على "العدالة الدولية" فمن خلال معاقبة ثمانية من قضاتها الثمانية عشر، تُقوّض الولايات المتحدة قدرة المحكمة الجنائية الدولية على تقديم مجرمي الحرب إلى العدالة، كما تُعرقل الولايات المتحدة سير العدالة وتُشوّه أدلة جرائم الحرب من خلال معاقبة منظمات المجتمع المدني الفلسطيني التي تُقدّم أدلة للمحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم الحرب الصهيونية.
يمنع قانون الحظر الأوروبي (لائحة المجلس رقم 2771/96) على كيانات الاتحاد الأوروبي الامتثال للعقوبات الأمريكية غير القانونية المفروضة خارج حدودها، وفي حال تفعيله ضد الأمر التنفيذي رقم 14203، ستُلزم المصارف الأوروبية بمواصلة تقديم خدماتها للأفراد الخاضعين للعقوبات، ولن تتمكن شركات الاتحاد الأوروبي من إنهاء العقود أو تجميد الأصول لإرضاء الولايات المتحدة، لكن المفوضية الأوروبية لم تتخذ أي إجراء، بل تدعم القرارات التّعسُّفِيّة الأمريكية، وتُوَفِّرُ الغطاء الاقتصادي والسياسي الذي يُمكّن الكيان الصهيوني من الإستمرار في احتلال فلسطين وارتكاب المجازر، والإستمرار في ترهيب العالم، وإخضاع القطاع المالي والمَصْرِفِي الأوروبي للأوامر الأمريكية ( بدل القانون الأوروبي)



#الطاهر_المعز (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على هامش الأول من أيار/مايو 2026
- من سِمات الرّأسمالية الأمريكية في ظل رئاسة دونالد ترامب
- استراتيجية العَدًوّ في فلسطين ولبنان - سياسة -الأرض المَحْرُ ...
- تجارة النفايات: انعكاس التبادل غير المتكافئ
- آسيا – الولايات المتحدة تستهدف مضيق مَلَقَا، في قلب الشرق ال ...
- هل دخلت الإمبريالية الأمريكية مرحلةً جديدةً؟
- استفادة الإحتلال الصهيوني من -المساعدات- الدّولية
- الإتّجاه التّصاعدي للإنفاق الحربي
- فلسطين قبل تاسيس الدّولة الصّهيونية
- من مظاهر الغطرسة الأمريكية خلال الرّبع الأول من سنة 2026
- الأضرار الجانبية للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران
- العلاقلات الإماراتية الفرنسية في ظل التنافس بين الإمارات وقَ ...
- فرنسا – عنصرية الحكومة وأجهزة الدّولة
- أَرُونْدَاتِي رُويْ: صوت نِسْوِي مناهض للإمبريالية
- المنظمات -غير الحكومية- بين شَرْعيّة المبادئ المُعْلَنَة وشُ ...
- رياضة كرة القدم -أفيون الشّعوب-؟
- المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج 2/2
- المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج
- في جبهة الأصدقاء - المناضل النقابي العُمّالي الأمريكي الزنجي ...
- مُتابعات – العدد الواحد والسّتّون بعد المائة بتاريخ الواحد و ...


المزيد.....




- أول تعليق لوزير الدفاع الألماني على قرار أمريكا خفض عدد قوات ...
- خلف الكواليس.. من يحدد مسار وتوقيت رحلتك الجوية القادمة؟
- مصادر: خيبة أمل في البيت الأبيض من مسار المفاوضات مع إيران
- -حالة طوارئ-.. صفقات سلاح أمريكية بـ8.6 مليارات دولار لحلفائ ...
- تداعيات هرمز تصل إلى جبل طارق مع تغير مسارات الشحن البحري
- بعد اعتراض إسرائيل أسطول الصمود.. وصول النشطاء إلى إسطنبول
- لا مساجد للأحياء ولا مقابر للأموات.. تصاعد الإسلاموفوبيا في ...
- كيف غيرت التوترات الجيوسياسية مسارات العبور بمضيق جبل طارق؟ ...
- مسؤول إسرائيلي: نحن محاصرون في فخ إستراتيجي بجنوب لبنان
- 8 قتلى بغارات على لبنان وإنذار بإخلاء 9 بلدات بالجنوب


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - مُتابعة لبعض التّحوّلات في العلاقات الدّولية