أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - القانون الدولي من منظور جنوب-جنوب















المزيد.....

القانون الدولي من منظور جنوب-جنوب


عبدالحكيم سليمان وادي

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 11:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية

يطرح هذا المقال إشكالية جوهرية في حقل القانون الدولي والعلاقات الدولية، متمثلة في التوتر القائم بين ادعاء الكونية والمعيارية المحايدة الذي يرفعه القانون الدولي، وبين خلفيته التاريخية والمعرفية المرتبطة بالتجربة الأوروبية الحديثة وسياقها الاستعماري. ينطلق المقال من فرضية مفادها أن القانون الدولي، في جانب معتبر من بنيته، يعكس تمركزاً معرفياً وسياسياً حول التجربة الغربية، وهو ما يستدعي مقاربة نقدية تفكيكية من منظورات غير غربية؛بل شرقية عربية وإسلامية وجنوبية-جنوبية؛ هذه الفرضية تستحق التحليل والنقاش على مستويات متعددة؛ تاريخية، معرفية، مؤسسية، ومعيارية تندرج كما يلي:

أولاً: نقد السردية التأسيسية للقانون الدولي

بقدم هذا المقال المتواضع إسهاماً مهماً في كشف محدودية السردية التقليدية التي ترجع أصول القانون الدولي إلى معاهدة وستفاليا 1648، باعتبارها لحظة تأسيس لمبدأ السيادة المتساوية للدول. هذه السردية خاطئة، رغم شيوعها، تتجاهل أن السيادة التي أرستها وستفاليا كانت سيادة (محصورة في الفضاء الأوروبي)، بينما كان العالم خارج أوروبا موضوعاً للاستعمار والهيمنة، وليس شريكاً متساوياً في النظام الدولي. لقد تشكل القانون الدولي الحديث، في جزء كبير منه، كقانون لإدارة العلاقات بين القوى الأوروبية من جهة، وكتقنين لوضعية التبعية والهيمنة على الشعوب المستعمرة من جهة أخرى. وهذا ما يفسر استمرار نزعة التمييز بين ما تسمي نفسها "الدول المتحضرة" وغيرها في أدبيات الحقبة الاستعمارية واستخدام مصطلح الدول الساميّة وتجاهل الدول الفقيرة جنوب-جنوب.

ثانياً: البعد المعرفي والفلسفي للمركزية الغربية

يطرح المقال بعداً معرفياً عميقاً يتمثل في أن القانون الدولي لم يتشكل فقط كممارسة سياسية، بل كحقل معرفي( مشبع بالخلفيات الفلسفية والأيديولوجية الغربية)؛ فالمنظومة القانونية الدولية قامت على ثنائيات فلسفية غربية بكل امتياز مثل؛ الفرد/الدولة، الجانب الديني/والدنيوي، العالم المتحضر/والهمجي، والمتقدم/والمتخلف. هذه الثنائيات لم تكن محايدة، بل كانت تحمل في طياتها أحكام قيمية تبرر الهيمنة. ومن هنا تأتي أهمية المقاربات غير الغربية التي تحاول تجاوز هذه الثنائيات وتقديم تصورات بديلة للقانون الدولي مبنية على أسس فلسفية وحضارية مختلفة نابعة من جنوب-جنوب، تأخذ بعين الاعتبار التجارب التاريخية والثقافية لشعوب الجنوب بشكل عام بعيدا عن تحكم دول المركز في هذا الأمر من التفكير.

ثالثاً: الإسهامات غير الغربية المغيَّبة: قراءة في الهامش المؤثر

من أبرز إسهامات هذا المقال محاولة إبراز إسهامات المنظورات غير الغربية، وبخاصة (العربية والإسلامية جنوب-جنوب)، في بلورة بعض المبادئ التأسيسية للقانون الدولي. وهنا يمكن تحديد ثلاثة مجالات رئيسية هي:

1-في تنظيم السلم والحرب؛ التراث الفقهي الإسلامي قدم تنظيماً معيارياً للعلاقات الدولية يسبق في جوانب منه ما عرفته أوروبا لاحقاً. فمبادئ كحرمة دماء غير المحاربين، وتحريم قتل النساء والأطفال والشيوخ في الحرب، وتنظيم العلاقة مع أهل الذمة، كلها قواعد سبقت اتفاقيات جنيف ووستفاليا وغيرها من اتفاقيات بقرون؛ لكن السردية الغربية للقانون الدولي غالباً ما تتجاهل هذه الإسهامات أو تصنفها ضمن "التاريخ" بدل "القانون".

2-في احترام العهد والمواثيق؛ شدد الفقه الإسلامي على حرمة الوفاء بالعهود والمواثيق استناداً إلى النص القرآني، وهي قيمة مركزية في القانون الدولي المعاصر، غير أن هذه المساهمة كثيراً ما يتم تغييبها في المدونات التأسيسية للقانون الدولي ومن أبرز الآيات:

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (المائدة: 1)؛
"وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا" (الإسراء: 34) .

3-في التعامل مع غير المحاربين؛ مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، الذي يعتبر اليوم من المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، كان حاضراً بقوة في التراث الفقهي الإسلامي قبل أن يصوغه القانون الدولي الوضعي بصيغته الحديثة.

غير أن إبراز هذه الإسهامات يطرح سؤالاً منهجياً؛ هل المطلوب إثبات "أسبقية" المنظورات غير الغربية في اكتشاف مبادئ القانون الدولي، أم المطلوب تقديم تصور بديل للقانون الدولي ينطلق من هذه المنظورات. ربما المقال يبدو واقعاً بين هذين المسعيين، وهو توتر يفتح مجالاً للنقاش.

رابعاً: الأطر المؤسسية غير الغربية بين الاندماج وإعادة الصياغة.

يتناول المقال دور الأطر المؤسسية غير الغربية، وبخاصة جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وحركة عدم الانحياز، في محاولة إعادة صياغة قواعد القانون الدولي؛ وهذا محور بالغ الأهمية يستحق التحليل من زاويتين:

1-زاوية الإنجاز لا شك أن هذه المؤسسات أسهمت، بدرجات متفاوتة، في الدفع نحو قدر أكبر من مراعاة مصالح الدول النامية في القانون الدولي. فجهود حركة عدم الانحياز في الدفع نحو "نظام اقتصادي دولي جديد" في سبعينيات القرن الماضي، ومحاولات جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لإدخال اعتبارات العدالة والمساواة في صياغة القواعد الدولية، تمثل محطات مهمة في مسار تفاوض "دول الجنوب مع دول المركز".

2- زاوية المحدودية؛ لكن الواقع يشير إلى محدودية ما حققته هذه المؤسسات في تغيير بنية القانون الدولي تغييراً جوهرياً. فهي تعمل في إطار نظام دولي قائم، وغالباً ما تتحرك في مساحة "رد الفعل" بدل "الفعل" التأسيسي. كما أن هذه المؤسسات تعاني من انقسامات داخلية وتفاوت في المصالح بين أعضائها، مما يحد من قدرتها على تشكيل جبهة موحدة لإعادة صياغة قواعد القانون الدولي.

خامساً: ما بعد الحرب الباردة-عولمة القانون أم عولمة الهيمنة.

يقدم المقال تحليلاً مهماً للتحولات التي شهدها القانون الدولي بعد نهاية الحرب الباردة، حيث أضحى أكثر ارتباطاً بمنطق القوة والمصالح في ظل العولمة الليبرالية. هذه النقطة تصب مباشرة بجوهر دراستنا السابقة حول "المنطقة الرمادية" في العلاقات الدولية. ففي مرحلة ما بعد القطبية الثنائية، تحررت القوى الكبرى من القيود التي كانت تفرضها المنافسة الأيديولوجية، وأصبح القانون الدولي أكثر عرضة للاستخدام الأداتي في خدمة المصالح. وتجلى ذلك في مفاهيم كـ"التدخل الإنساني" و"مسؤولية الحماية" التي استخدمت، في حالات معينة، كأدوات لشرعنة التدخل في شؤون الدول الضعيفة. وفي هذا السياق، يصبح القانون الدولي، في جزء من ممارسته، امتداداً للسياسة "قانون القوة" في ثوب معياري.

سادساً: من منظور جنوب-جنوب نحو مقاربة بديلة

تحتاج المقاربة من منظور جنوب-جنوب، التي يستلهمها هذا المقال، إلى التطوير على عدة مستويات:

1- المستوى النظري؛ لا يكفي نقد المركزية الغربية، بل يلزم بناء تصور معرفي بديل للقانون الدولي ينطلق من تجارب (شعوب الجنوب) وتاريخها في مقاومة الاستعمار والهيمنة. وهذا يتطلب تجاوز "رد الفعل" النقدي إلى "الفعل" التأسيسي وعدم الاكتراث لدول المركز.

2-المستوى المؤسسي؛ تحتاج دول الجنوب إلى تجاوز حالة التشرذم والمنافسة فيما بينها، لبناء جبهة تفاوضية أكثر تماسكاً قادرة على التأثير في صياغة قواعد القانون الدولي. وهذا يقتضي تجاوز الخلافات الثنائية والإقليمية لمصلحة رؤية استراتيجية مشتركة لا تخضع لدول المركز.

3- المستوى المعياري؛ ينبغي الانتقال من المطالبة بتطبيق القواعد القائمة بشكل أكثر عدالة، إلى المساهمة في إنتاج قواعد جديدة تعكس مصالح وأولويات دول الجنوب في مجالات عديدة مثل؛ الديون، والتنمية، ونقل التكنولوجيا، والبيئة، والأمن السيبراني، والتحول الرقمي التكنولوجي، حيث ما تزال القواعد الحالية منحازة لمصالح دول الشمال.

ختاما،يعتبر القانون الدولي كساحة صراع وتفاوض وفي المحصلة، يؤكد هذا المقال، أن القانون الدولي ليس مجموعة محايدة من القواعد كما يروج له في دول المركز، بل هو ساحة صراع وتفاوض مستمر بين القوى والمصالح المتباينة. وهو ما ينسجم مع تحليلنا السابق للمنطقة الرمادية؛ فالقانون الدولي، في جزء من ممارسته، يعكس حالة من الغموض الاستراتيجي تستخدمه القوى الكبرى(الشمال) لخدمة مصالحها، بينما تحاول دول الجنوب استخدامه كأداة دفاعية لحماية سيادتها. غير أن تحويل القانون الدولي إلى أداة حقيقية للعدالة والمساواة يتطلب من دول الجنوب تجاوز موقع "الضحية المنتقدة" إلى موقع "الفاعل المؤسس" القادر على إنتاج البدائل المعيارية والمؤسسية. وهذا رهان صعب، لكنه ضروري، في عالم تظل فيه المصالح هي المحرك الأساسي للسلوك الدولي، وحيث تصبح "المنطقة الرمادية" هي المساحة التي يتفاوض فيها الضعفاء والأقوياء على شروط الوجود المشترك يجب على دول الجنوب الانخراط بكل قوة لتصبح الفاعل المؤثر وليس العكس.



#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التهديدات الهجينة تحول جوهري في استراتيجيات الصراع
- جريمة العصر بنك الجلود الإسرائيلي من جثامين الشهداء الفلسطين ...
- الثابت والمتغير في تحولات وظائف القانون الدولي
- المنطقة الرمادية ذريعة سردية أكثر منها ظاهرة في القانون الدو ...
- هل من مسار بديل لإصلاح الأمم المتحدة بعد 80 عام من التأسيس.
- العملة الرقمية أداة تحكم سياسي وانهاء لعصر الكاش.
- فشل السياسة العمومية الفلسطينية المتعاقبة؛ أزمة شرعية أم أزم ...
- آليات عزل إسبانيا،وأزمة جزر فوكلاند.
- الضربة الاستباقية لتدمير تركيا
- رئيس يبكي في القدس وشعب يأكل لحم الحمير
- تجربة الموت في غزة مع الدرونز الإسرائيلية (الزنانة).
- ماسك: جيفري ابستين على قيد الحياة في اسرائيل
- رئيس مجلس سلام غزة يسرق 17 مليار دولار ويحولها لإسرائيل
- أسطول البعوض الإيراني يرعب واشنطن
- مشروع جديد لتجاوز هرمز بين الطموح الجيوسياسي وحقائق الواقع ا ...
- انتقاد إسرائيل ليس معاداة للسامية: جدلية التمييز بين الحق في ...
- ا‎نهيار تام في مكانة اسرائيل عالميا بشهادة مركز نيو الأمريكي
- زلزال سياسي في أوروبا- سقوط أوربان بعد 16 عامًا من الحكم.
- لماذا نضخم عمل الذكاء الاصطناعي
- ترمب ونظرية الرجل المجنون


المزيد.....




- -بطلي الأول-.. نانسي عجرم تهنئ والدها وزوجها بعيد الأب
- المفاوضات بين الأمريكية الإيرانية مستمرة في سويسرا رغم انسحا ...
- رئيسة بلغاريا: حزمة العقوبات الأوروبية الجديدة ضد روسيا ستضر ...
- ميرتس يؤكد أنه لم يعد حساسا للإهانات على مواقع التواصل
- الجزائر والأردن تتفقان على توسيع رقعة التعاون في مجالات متعد ...
- قلقٌ في شمال إسرائيل.. هل يتحول وقف النار في لبنان إلى -جحيم ...
- -كانت تلهو أمام خيمة جدها-.. غارة إسرائيلية على خان يونس تقت ...
- مشجعو المنتخب السعودي وآمال بالفوز
- الشرع لـ-المشهد-: سوريا لا تنوي الانخراط في أي تصعيد مع لبنا ...
- نتنياهو: لن ننسحب من جنوب لبنان


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحكيم سليمان وادي - القانون الدولي من منظور جنوب-جنوب