عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 15:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
التهديدات الهجينة تحول جوهري في استراتيجيات الصراع.
الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية
لم يعد إعلان الحرب إجراءً رسمياً يسبق إطلاق الرصاصة الأولى، بل أصبح وصفاً لاحقاً لحالة صراع متشعبة تبدأ قبل ذلك بكثير، في فضاءات خفية من الحيّز المعلوماتي والاقتصادي والنفسي. يعكس مصطلح "التهديدات الهجينة" هذا التحول الجوهري في طبيعة الصراع المعاصر، حيث تذوب الحدود التقليدية بين الحرب والسلام، وبين العسكري والمدني، وبين الداخلي والخارجي. يستخدم هذا المصطلح اليوم لوصف استراتيجيات مركبة تمزج بين الأدوات العسكرية التقليدية وغير التقليدية؛ مثل هجمات إلكترونية وحملات تضليل وأشكال الإكراه الاقتصادي والتلاعب بالمعلومات؛ بهدف إضعاف الخصم وتقويض تماسكه دون تجاوز عتبة الصراع المسلح المعلن (الخط الأحمر).
لكنّ هذا المفهوم، بقدر ما يقدّم إطاراً تحليلياً لفهم صراعات اليوم من التهديدات الهجينة، يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة التهديد ذاته، وأدوات مواجهته، وحدود قدرة المجتمعات الديمقراطية المنفتحة على تحصين نفسها دون المساس بقيمها.
ينطلق هذا المقال من سؤال إشكالي مركزي؛ كيف يمكن تعريف التهديدات الهجينة بدقة؛ وما هي تجلياتها الرئيسية في البيئة الاستراتيجية المعاصرة؛ وما الاستراتيجيات الدفاعية الشاملة التي طورتها المؤسسات الدولية والدول لمواجهتها.
أولاً: نحو تعريف دقيق من "الحرب الهجينة" إلى "التهديدات الهجينة"
لفهم الظاهرة، لا بد من التمييز بين مصطلحين متداخلين غالباً هما؛ "الحرب الهجينة" و"التهديدات الهجينة". يشير الأول إلى "استراتيجية عسكرية" أوسع تمزج بين القوة التقليدية والتكتيكات غير النظامية، بينما يُستخدم الثاني؛ وهو الأكثر شيوعاً في أدبيات المؤسسات الأمنية المعاصرة، للإشارة إلى طيف أوسع من الأنشطة الضارة التي تقع تحت عتبة الصراع المسلح، وتستهدف تحديداً نقاط الضعف النظامية في الدول الديمقراطية.
يرى المحللون أن "الحرب الهجينة" لم تعد تُعلن، بل "تتكشّف" عبر الشاشات والتسريبات والضغوط الاقتصادية دون إطلاق رصاصة واحدة بالضرورة. تعمل استراتيجيات التهديد الهجين في "منطقة رمادية" بين السلام والأعمال العدائية المفتوحة، وهي ممارسة قديمة من حيث الجوهر ، مثل الدعاية والتخريب والضغط الاقتصادي؛ لكن الجديد فيها هو بيئة التشغيل المعاصرة الرقمنة، والترابط الكوني، وسرعة انتقال التأثير، وصعوبة العزو،والمقصود بها تحميل المسؤولية لطرف محدد او عدة أطراف تقف وراء هذه التهديدات الهجينة.
تتفق المؤسسات الأمنية المركزية في تعريفها لهذه الظاهرة؛حيث يُعرّف حلف شمال الأطلسي الناتو (التهديدات الهجينة)، بأنها "أنشطة تقوم بها جهات فاعلة حكومية وغير حكومية تهدف إلى استهداف المؤسسات السياسية، والتأثير على الرأي العام، وتقويض أمن مواطني الناتو"، مستفيدة من التغير التكنولوجي السريع والترابط العالمي. أما الاتحاد الأوروبي، يصف (التهديدات الهجينة)،بأنها "أفعال تهدف إلى تقويض المؤسسات الديمقراطية وأنظمة المعلومات والبنية التحتية الحيوية، مستغلة الانفتاح القانوني والسياسي والاقتصادي" لتلك المجتمعات. ويكمن القاسم المشترك في هذه التعريفات في ثلاثة عناصر؛ التنسيق (استخدام متزامن لأدوات متعددة)، الغموض وإنكار المسؤولية أي (صعوبة العزو وتحميل المسؤولية)، والتأثير المجتمعي طويل الأمد (تآكل الثقة والتماسك الاجتماعي لا تحقيق نصر عسكري).
ثانياً: تجليات التهديد الهجين وأدوات الصراع في المنطقة الرمادية. لا يوجد تهديد هجين كأداة واحدة، بل كحزمة من الأدوات المتكاملة التي تعمل بتناغم لتحقيق أهداف استراتيجية. يمكن تصنيف أبرز تجلياتها على النحو التالي:
1. الحملات الإعلامية والتلاعب بالمعلومات: تُعد هذه الأدوات حجر الزاوية في الاستراتيجيات الهجينة. تهدف إلى تقويض الثقة العامة، وإثارة الاستقطاب، والتأثير على العمليات الانتخابية؛ وقد أظهرت قضية إلغاء المحكمة الدستورية الرومانية لانتخابات رئاسية أواخر عام 2024، بعد كشف استخباراتي عن "أعمال هجينة عدوانية" تضمنت حسابات اصطناعية على منصات مثل تيك توك مرتبطة بجهات روسية، هشاشة الديمقراطيات أمام هذا النوع من التدخل. كما لا يقتصر الأمر على الأخبار الكاذبة، بل يمتد ليشمل التلاعب بالروايات التاريخية والدينية والعرقية لبث الانقسام داخل المجتمع.
2. العمليات الإلكترونية: تسبق الهجمات الإلكترونية اليوم أي صراع عسكري، لتليين الجبهة الداخلية للخصم. وقد شهدت أوكرانيا قبل الغزو الروسي عام 2022 هجمات حجب خدمة موزعة واسعة استهدفت (البنوك والمواقع الحكومية والبنية التحتية للطاقة)؛ ويكمن خطر هذه العمليات في قدرتها على إحداث شلل في الخدمات الحيوية، مع تمتع منفذها بـ"الإنكار المقبول"، حيث يصعب إثبات المسؤولية بشكل قاطع في الفضاء الإلكتروني المعقد في ظل تطور الذكاء الاصطناعي.
3. الإكراه الاقتصادي واستغلال التبعية: تُستخدم العلاقات الاقتصادية كسلاح استراتيجي؛ ربما المثال الأبرز هو استغلال التبعية لموارد الطاقة كأداة ضغط سياسي؛ ففي منطقة "البلقان الغربية"، وفرت سيطرة روسيا على إمدادات الطاقة واستثماراتها في قطاعات حيوية نفوذاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً استُخدم لزعزعة الاستقرار ومنع التقارب مع المؤسسات الأوروبية والأطلسية.
4. استخدام الوكلاء والأدوات القانونية ("حرب القانون"): تلجأ الجهات الفاعلة إلى وكلاء محليين، أو مجموعات إجرامية، أو "قراصنة وطنيين" لتنفيذ عملياتها، مما يزيد من حالة الغموض. كما تُستخدم الأدوات القانونية بشكل هجومي، عبر (رفع دعاوى قضائية) ذات دوافع سياسية لإرهاق الخصوم أو تشويه سمعتهم، وهو ما يُعرف بـ"حرب القانون". كل أداة من هذه الأدوات قد تبدو منعزلة ومباحة، لكن تأثيرها التراكمي والمتزامن هو ما يحقق الهدف الاستراتيجي الأعمق هو؛ إضعاف قدرة الدولة والمجتمع على المقاومة واتخاذ القرار.
ثالثاً: استراتيجيات المواجهة: من الدفاع إلى بناء "المرونة المجتمعية الشاملة"
في مواجهة تهديد مركب وغامض، لم تعد الاستجابة العسكرية الصرفة كافية، بل ظهر نهج جديد متعدد الأبعاد يُعرف بـ"المقاربة المجتمعية الشاملة" (Whole-of-Society Approach). يركز هذا النهج على تحصين الجبهة الداخلية وبناء مناعة مجتمعية ضد الهجمات الهجينة. ويمكن رصد أبرز محاور هذه الاستراتيجيات التي تتبناها المؤسسات الدولية والدول على النحو التالي:
1. بناء المرونة المجتمعية عبر التعليم والتوعية: يعد الاستثمار في "الأمن المعرفي" للمواطن خط الدفاع الأول. أظهرت دراسة حالة من لاتفيا أن التعليم المدني يبرز كأداة رئيسية لتعزيز مرونة المجتمع ضد التهديدات الهجينة، من خلال تعزيز المعرفة والمهارات والفضائل المدنية التي تمكن المواطنين من الدفاع عن دولهم الديمقراطية معرفياً وعسكرياً. مثلا على المستوى العملي، تقوم فنلندا بتدريس مهارات كشف التضليل الإعلامي للأطفال منذ المرحلة الابتدائية، مما أدى إلى تحسين قدرات السكان في العثور على المعلومات وتقييمها والتعامل معها بأمان. كذلك أصدرت الحكومة السويدية كتيباً بعنوان "لا تنخدع" لزيادة وعي المواطنين وحثهم على تثليث مصادر المعلومات.
2. التعاون المؤسسي وتنسيق الاستجابة: تتطلب مواجهة التهديدات الهجينة تعاوناً وثيقاً بين المؤسسات الأمنية والمدنية داخل الدولة نفسها؛ وكذلك بين الدول والحلفاء. يمثل التعاون بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو نموذجاً متطوراً في هذا المجال، حيث تم إنشاء فرق دعم متخصصة لمواجهة التهديدات الهجينة، وتطوير فروعاً لتحليل هذه التهديدات لتحسين الوعي بالموقف. وقد أقر إعلانهما المشترك الثالث في يناير 2023 بأنهما "وصلا إلى نتائج ملموسة في مواجهة التهديدات الهجينة". هذا التعاون يتجاوز تبادل المعلومات ليشمل بناء القدرات الوطنية للدول الشريكة، كما يحدث في غرب البلقان عبر برامج تدريبية مشتركة وتنسيق في التواصل الاستراتيجي لفضح الروايات الكاذبة.
3. استراتيجية "الردع بالحرمان" (Deterrence by Denial): في مواجهة صعوبة الردع بالعقاب (لأن العزو صعب)، تتبنى المؤسسات الأمنية بشكل متزايد استراتيجية "الردع بالحرمان". تقوم هذه الاستراتيجية على جعل الهجوم غير مجدٍ أو غير مرجح النجاح، عبر تقوية الدفاعات وزيادة المرونة المجتمعية. فإذا كان المجتمع قادراً على كشف التلاعب المعلوماتي ومقاومته، فإن الحملات المعادية تصبح أقل فعالية، وبالتالي يتم ردع الخصم عن شنّها منذ البداية. يُعد "الأمن المعرفي"، الذي يُعرّف بأنه "حالة وعملية لا يمكن فيها لتأثير خبيث غير مرغوب فيه أن يغير الإدراك البشري"، ركيزة أساسية لهذه الاستراتيجية، ويتم تحقيقه عبر التعليم والتفكير النقدي والأدوات التقنية للتحقق من المعلومات ودعم الصحافة الجيدة وهذا الأسلوب يستخدم في فلسطين لمحاربة الأفكار الخبيثة التي تنشرها اسرائيل بين أفراد الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الاسرائيلي.
رابعاً: تحديات المواجهة ومعضلة المجتمعات المفتوحة
رغم تطور استراتيجيات المواجهة، فإن ثمة تحديات ومعضلات جوهرية تواجه الدول الديمقراطية تحديداً. فالمجتمعات المفتوحة، بحكم قيمها القائمة على حرية التعبير والانفتاح، هي الأكثر عرضة للاستغلال من قبل الاستراتيجيات الهجينة. يبرز هنا تحدي تحقيق التوازن بين حماية الفضاء المعلوماتي والتحول التكنولوجي وبين عدم خنق الحريات المدنية؛ ففرض رقابة صارمة أو قوانين طارئة يمكن أن يحقق الهدف ذاته الذي يسعى إليه الخصم وهو إضعاف الديمقراطية من الداخل.
كما أن مشكلة العزو (Attribution Problem) لا تزال العقبة الأبرز في تحميل المسؤولية لطرف محدد؛ ففي حين أن تحديد هوية المهاجم في الفضاء الإلكتروني أو خلف حملة تضليل عملية معقدة وتستغرق وقتاً طويلاً، يكون التأثير التخريبي للهجوم قد تحقق بالفعل؛ وتزيد المشاركة المتزايدة للجهات الفاعلة غير الحكومية من قراصنة ومجرمين ومرتزقة إلكترونيين في تعقيد المشهد، وتطمس الحدود الأخلاقية والقانونية للصراع؛ والأهم من ذلك، أن القانون الدولي لا يزال متخلفاً عن ركب هذه التطورات، مما يترك فجوات خطيرة في الحوكمة، خصوصاً فيما يتعلق بمسؤولية القطاع الخاص الذي يمتلك ويدير معظم البنى التحتية الحيوية المستهدفة.
ختاما،تمثل "التهديدات الهجينة"الوجهَ الجديد لصراعات القرن الحادي والعشرين، فهي ليست مجرد تكتيكات عسكرية جديدة، بل إعادة تعريف لمفهوم الصراع نفسه، حيث تنتقل ساحات المعركة من الجغرافيا إلى العقول والبنى الرقمية ونقاط الضعف المجتمعية؛ في هذا السياق، تصبح الديمقراطيات في سباق مستمر ليس فقط لتطوير أدوات دفاعية وسياسات ردع متكاملة، بل لإعادة هندسة مناعتها الداخلية عبر التعليم والتماسك الاجتماعي.
اخيراً،يتلخص التحدي النهائي في القدرة على تحصين "المنطقة الرمادية" دون أن تفقد المجتمعات المفتوحة جوهرها القائم على الحرية والثقة. فالحرب الهجينة، كما يصفها الخبراء، هي في النهاية حرب على الإدراك والثقة، والانتصار فيها لا يتحقق فقط بالتصدي للهجمات، بل ببناء مجتمع واعٍ ومتماسك قادر على فرز الحقيقة من الوهم، والتمييز بين النقد المشروع والتخريب المتعمد.
المراجع:
1. Mikac, R. (2022). Determination and Development of Definitions and Concepts of Hybrid Threats and Hybrid Wars: Comparison of Solutions at the Level of the European -union-, NATO and Croatia. Politics in Central Europe, 18(3), 355-374.
2. Romandash, A. (2025). On the Digital Frontline with Russia: Hybrid Warfare, Ukraine, and Lessons Learned for the West. Harvard Kennedy School, Carr Center for Human Rights Policy.
3. Bērziņa, I. (2025). Civic Education as a Countermeasure to Hybrid Threats: The Case of Latvia. SOCIETY. TECHNOLOGY. SOLUTIONS. Proceedings of the International Scientific Conference, 3, 46.
4. Caparini, M. & Last, D. (Eds.). (2026). Policing the Grey Zone. NATO DEEP ADL Portal.
5. Narratives of Threat: NATO, The EU, and The Securitization of Hybrid Threats in Europe. (2026). Hacettepe Üniversitesi.
6. Hybrid War: Old Practice, New Term. (2026, January 22). Politis.
7. Rickli, J. & Knappe, T. (2025, October 7). Enhancing Cognitive Security and Societal Resilience to Counter Cognitive Warfare. Geneva Centre for Security Policy (GCSP).
8. Next level partnership - Bolstering EU-NATO cooperation to counter hybrid threats in the Western Balkans. (2023, February 21). European -union- Institute for Security Studies (EUISS).
9. Karmakar, B. (2025, November 29). Pre-Conflict Cyber Operations: The New Frontline of Wars in the Twenty-First Century. CyberPeace Institute.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟