أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - المسار العدد 111















المزيد.....



المسار العدد 111


الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
(The Syrian Communist Party-polit Bureau)


الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 12:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




رحيل مناضل:
وداعاً حسن عبد العظيم ...
في يوم السبت 25 نيسان 2026 توفي الأستاذ حسن عبد العظيم (أبو ممدوح)، المنسّق العام لهيئة التنسيق الوطنية، بعد مسيرة سياسية تلخص وتكثف مسيرة الحركة الوطنية الديمقراطية في معارضتها لنظام حافظ الأسد وابنه، والتي كان من أهم خصائص هذه الحركة هو ربطها بين (الوطني) و(الديمقراطي)، وفي رؤية أن الخلاص من الديكتاتوريات لا يتم عن طريق دبابات وطائرات الأجنبي، بل أن هذا الطريق سيؤدي بالأجنبي لأن يسود البلد، وقد رأينا كارثية هذا الطريق، ولا زلنا نراها، من خلال تجربة العراق ما بعد عام 2003 وليبيا ما بعد 2011.
كان هذا أساس في خط الحركة الوطنية الديمقراطية عند تأسيس (التجمع الوطني الديمقراطي) في عام1979، وكان دور أبو ممدوح أساسياً في التأسيس وقيادة العمل المشترك بين مكونات التجمع الخمسة من أحزاب وحركات، ولم يكن خارج هذا السياق اعتقال أبو ممدوح في عام 1990وتعرضه لتعذيب شديد، عقب بيان التجمع الرافض لدخول حافظ الأسد في التحالف الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق، وهو ما استمر عليه الراحل عندما وقف ضد غزو واحتلال العراق عام2003، فيما رأى آخرون من المعارضة السورية في الغزو والاحتلال نقلاً للعراق نحو وضع أفضل.
أيضاً، كان هناك خصيصة ثانية في الحركة الوطنية الديمقراطية السورية، هي فكرة (الانتقال الديمقراطي الآمن)، وهي موجودة منذ بيان التجمع الصادر في عام 1980 التي ترى أن الانتقال الآمن من الديكتاتورية إلى نظام ديمقراطي جديد لا يتم عبر التغلُب (الذي غالباً ما يأتي عبر الاستعانة بالأجنبي)، بل عبر توافق وطني واسع، كما جرى في إسبانيا في عام 1975 بعد موت الجنرال فرانكو، أو كما جرى في تشيلي عام 1990، ومن دون ذلك ستدخل البلاد في ديكتاتورية جديدة (مثل إيران ما بعد الشاه)، أو في انقسام وطني أو تشظي جغرافي، أو كلاهما معاً، وهو ما يمكن أن يشكّل بذوراً لحرب أهلية (عراق ما بعد صدام حسين، وليبيا ما بعد القذافي).
حافظت هيئة التنسيق الوطنية، عند تأسيسها عام 2011 وطوال خمسة عشر عاماً من مسارها، على هاتين الخصيصتين، فيما انحرف الآخرون عنهما، وكان رأي الراحل أبو ممدوح، منذ عام 2011 في مؤتمر حلبون، عندما قالت الهيئة لاءاتها الثلاث: (لا للعنف من أي جهة أتي، ولا للطائفية، ولا للتدخل العسكري الخارجي) وهو ما ترافق مع طرح مؤتمر حلبون لفكرة (الانتقال الآمن نحو نظام ديمقراطي)، على رؤية أن البلد من دون ذلك سوف تغرق في بحر من الدماء، وسينتهي بها الحال إلى أن يتحكم بها الخارج الدولي والإقليمي وستتحول إلى ساحة لصراعاتهم، ومن ثمّ تفقد الاستقلال الوطني، وسيتشكّل انقسام عميق في نفوس وقلوب وعقول السوريين.
خلال خمسة عشر عاماً تفصلنا عن عام2011 تحقق كل ما كان يخشاه الراحل...
ستبقى ذكراه طويلاً..
الحزب الشيوعي السوري ( المكتب السياسي)
------------------------------------------------------------------------------------------
الافتتاحية:
كم خسر السوريون عندما لم تحصل التسوية الانتقالية نحو نظام ديمقراطي جديد؟..
بين شهري آب وتشرين الثاني 2011 برزت مبادرة الجامعة العربية لحل الأزمة السورية، بعد أشهر من اندلاع الأزمة، التي تمظهرت في انتفاضة شعبية عبر مظاهرات قمعها النظام مما أدى إلى مقتل ما يقارب خمسة آلاف من بين المتظاهرين والعديد من رجال الأمن، حيث لم يستطع النظام السوري في تلك الأشهر تكرار ما فعله حافظ الأسد في عام 1982 عندما قاد قمعه العنيف الذي وصل ذروته في مجزرة مدينة حماة إلى جعل سوريا "مملكة الصمت" حتى كسر السوريون ذلك الصمت في شهر آذار 2011 بدءاً من مدينة درعا، وبالمقابل لم يستطع السوريون تكرار ما فعله المصريون في ثورة 25 يناير-11 فبراير 2011 من إجبار الرئيس حسني مبارك على التنحي، الذي وجد نفسه مجبراً على ذلك لما وقف الجيش على الحياد.
الأزمة السورية أتت من هذا الاستعصاء، عندما لم يستطع المتظاهرون تكرار ما فعله المصريون ولما لم يستطع بشار الأسد عام 2011 تكرار ما فعله أبوه عام 1982 الذي نجح في الانتصار الأمني-العسكري (وليس السياسي) وفي إمشاء "مملكة الصمت".
كانت مبادرة الجامعة العربية حصيلة تشاور وتنسيق بين أمين عام الجامعة العربية الدكتور نبيل العربي وهيئة التنسيق الوطنية، التي كانت ترى أن الاستعصاء التوازني المذكور قد أنتج أزمة سورية لا يوجد سوى طريق واحد لحلها، يتمثل في تسوية انتقالية تحت إشراف الجامعة العربية تتفق من خلالها السلطة والمعارضة والقوى الاجتماعية على حل انتقالي تقوده سلطة انتقالية (حكومة وحدة وطنية ائتلافية) متفق عليها بينهم من أجل قيادة البلد إلى انتخابات لجمعية تأسيسية تضع مشروع دستور يُعرض على الاستفتاء الشعبي، وتكون الجمعية المنتخبة أيضاً بمثابة مجلس نيابي يكلف فيه رئيس الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً من قبل رئيس الجمهورية بتأليف حكومة تقود المرحلة الانتقالية لمدة من الزمن يتفق عليها.
في الحقيقة، تلك المبادرة ، التي أقرتها الجامعة العربية بيوم 2 تشرين الثاني 2011، قد كُتبت من قبل أعضاء في هيئة التنسيق في بيت الدكتور نبيل العربي بالقاهرة في مساء مابعد إفطار أحد أيام شهر رمضان من ذلك العام (آب 2011)، ثم تم تسريب مسودتها لتنشر في جريدة "الحياة" عدد يوم 6 أيلول قبل أن تعتمد المسودة بحرفيتها في اجتماع مجلس وزراء خارجية الجامعة العربية بيوم 2 تشرين الثاني.
ما بين ذلك المساء المصري وقرار الجامعة العربية، جرت تطورات عديدة منها اتجاه تركيا والسعودية للقطيعة مع النظام السوري ثم دعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما بشار الأسد للتنحي في يوم 18 آب، ثم سقط نظام معمر القذافي بعد خمسة أيام من ذلك في العاصمة طرابلس الغرب بعد تدخل عسكري من حلف الناتو، وبعدها في يوم 4 تشرين الأول قامت روسيا بممارسة حق الفيتو ضد قرار يتعلق بالشأن السوري هو شبيه بقرار عُرض قبل سبعة أشهر في مجلس الأمن سمح بتدخل عسكري دولي في ليبيا لـ"حماية المدنيين بعد شهر من المواجهة المسلحة بين نظام القذافي والمعارضة"، وامتنعت يومها موسكو عن التصويت، حيث أوحت تلك التطورات بأن سوريا لن تكون تكراراً للسيناريو الليبي، وأن موسكو، مع طهران، ستشكل ظهيراً لبشار الأسد ضد استقطاب دولي-إقليمي يشمل بالخندق المضاد واشنطن وأنقرة والرياض، وأن اتجاه معارضين سوريين لحمل السلاح، إسوة وبفعل إغراء التجربة التي مارستها المعارضة الليبية عندما كان حمل السلاح من المعارضين ذريعة ووسيلة لاستجلاب التدخل العسكري الخارجي مع ممارسة القذافي للعنف الدموي ضد المعارضة المسلحة، لن يقود إلى أكثر من حمام دم لا ينتهي في سوريا، فيه تدعم موسكو وطهران بشار الأسد وتدفع واشنطن عبر ما قاله أوباما "القيادة من الخلف" بتركيا والسعودية ودول الخليج إلى دعم المعارضة السورية المسلحة، وبالتالي إلى جعل البلد ميداناً لـ(صراع على سوريا) و(صراع في سوريا)، وهو ما حصل بين عامي 2011 و2024 وهو ما أنتج تهجير أكثر من نصف سكان سوريا من بيوتهم ما بين نازح داخلي ولاجئ للخارج وإلى مقتل ما يتراوح ما بين 500-700 ألف من السورين، غير الجرحى والمعوقين، وإلى دمار معظم البنية التحتية للاقتصاد والمجتمع السوريين.
في خريف 2011، وقفت هيئة التنسيق الوطنية وحيدة في خطها التسووي الانتقالي، فيما توحّد بشار الأسد مع رياض الشقفة (مراقب عام جماعة الاخوان المسلمين) ورياض الترك ومؤسس "الجيش السوري الحر" العقيد رياض الأسعد على رفض الحل التسووي الانتقالي، ثم انضم لهم في رفض التسوية كل التنظيمات الاسلامية المسلحة التي برزت بعامي 2012 و2013 بوصفها القوى الأكبر في المعارضة السورية المسلحة.
عندما فشل تعريب الحل التسووي الانتقالي برز التدويل للأزمة وحله الانتقالي من خلال (بيان جنيف-30 حزيران 2012) والذي تضمن نفس سيناريو المبادرة العربية، وقد أتى المبعوث الدولي الأخضر الابراهيمي في خريف 2012 لتسويقه وظهره يستند لواشنطن وموسكو، وعندما بدأ طلاق واشنطن مع الاسلاميين، الذي وضحت تجلياته في مصر مع انقلاب السيسي على مرسي في 3 يوليو 2013 وفي قطر مع إجبار أمير قطر ووزير خارجته على التنحي قبيل أيام من ذلك الانقلاب المصري، كان من الواضح أن أوباما يتجه للتفاهم مع بوتين في ما يتعلق بالملف السوري بعيداً عن أردوغان، وهذا ما برز أولاً في اتفاق 7 أيار 2013 بموسكو بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف على تفعيل بيان جنيف، ثم ثانياً في الاتفاق الأميركي-الروسي (14 أيلول) لتسليم السلاح الكيماوي السوري وما أنتجه هذا الاتفاق من القرار 2118(27 أيلول) لمجلس الأمن الذي وضع النص الكامل لبيان جنيف في ملحق القرار وهو ما يساوي قوة متن النص ودعا إلى تطبيق البيان وتنفيذه من خلال مؤتمر جنيف 2 الذي انعقد في كانون ثاني-شباط 2014 برعاية الأمم المتحدة لإيجاد حل تفاوضي تنفيذي لبيان جنيف.
أيضاً، ظل رياض الشقفة ورياض الترك ورياض الأسعد، ومعهم كل المعارضة الاسلامية المسلحة، على حالة التوحد مع بشار الأسد في رفض الحل التسووي الانتقالي، وكان الفرق بينهم أن بشار الأسد لا يقول ذلك صراحة ولكن يفعل كل ما يستطيع ضد ذلك فيما هم يفعلون ويقولون ذلك.
في ربيع 2014 كان مخططاً وفق اتفاق أميركي-روسي، لو نجح مؤتمر جنيف 2، على تأليف حكومة انتقالية يرأسها أحد المعارضين (أو أحد رجال الأعمال السوريين من المقيمين في الخارج) مع تأجيل الانتخابات الرئاسية المقررة في حزيران 2014 لسنتين من أجل تنفيذ بنود بيان جنيف، وقد كان المعارضون السوريون المناهضون للتسوية في حالة نشوة قصوى عندما أفضت أحداث أوكرانية في نهاية شهر شباط 2014 لانهيار التفاهم الأميركي-الروسي حول سوريا إثر تظاهرات انتهت إلى هروب الرئيس الأوكراني المنتخب والموالي لروسيا من القصر الرئاسي واللجوء لعند بوتين الذي اتهم الأميركيين بأنهم وراء تلك الأحداث في "عقر الدار القريبة"، وهو ما قاد الرئيس الروسي كرد فعل لاحتلال شبه جزيرة القرم وضمها لروسيا.
في عام 2016 انعقد ما بين كانون الثاني ونيسان مؤتمر جنيف 3، بعد تفاهمات أميركية-روسية، شاركت فيها إيران التي جرى بينها وبين أميركا الاتفاق النووي في 14 تموز 2015، على منع سقوط نظام بشار الأسد أمام زحف المعارضة الاسلامية المسلحة، المدعومة من السعودية المستاءة من الاتفاق النووي الايراني وهو ما دفعها لوضع خلافاتها وتنافساتها مع تركيا جانباً فيما يتعلق بالملف السوري، في ربيع وصيف 2015 من إدلب باتجاه منطقة الغاب وما رافقه من قطع "جيش الاسلام" في دوما لطريق دمشق-حمص، وهو ما أنتج الغطاء الأميركي للدخول العسكري الروسي إلى سوريا في 30 أيلول 2015، وكان حصيلة ذلك حصيلة هو القرار2254 (18 كانون الأول 2015) لتطبيق بيان جنيف، وقد كان مؤتمر الرياض للمعارضة السورية (8-10 كانون الأول) ضمن تلك التفاهمات لإنتاج وفد للمعارضة السورية يقوم بالتفاوض مع وفد النظام في جنيف 3 وفق القرار 2254 الذي حدد مدة التفاوض بستة أشهر لإنتاج الاتفاق التسووي، وإلا مجلس الأمن سيتخذ اجراءات أخرى واضح أنها كانت لفرض القرار من فوق رؤوس السوريين، كما جرى في اتفاق دايتون بيوغسلافيا عام 1995.
بدفع من أنقرة، التي كانت يومها على خصام مع واشنطن وموسكو، وبخطوة منفردة، ومن دون موافقة أعضاء هيئة التنسيق الوطنية المشاركون بالمؤتمر في (الهيئة العليا للمفاوضات) والتي مثلت الوفد المعارض، قام المنسق العام لـ(الهيئة العليا للمفاوضات) الدكتور رياض حجاب بإعلان تعليق المفاوضات، في 18 نيسان، مما قاد إلى انهيارها.
على إثر ذلك، ماتت فرص التسوية الانتقالية السورية، ومن بعد ذلك تقاسمت واشنطن وموسكو الجغرافيا السورية ما بين شرق الفرات وغربه (مع التنف للأميركيين) ثم وبعد تقارب أردوغان من بوتين إثر محاولة الانقلاب ضده ولقائه به (9 آب 2016) أعطت موسكو لأنقرة، مقابل تخليها عن دعم المعارضة الاسلامية المسلحة أولاً في الأحياء الشرقية لحلب (كانون الأول 2016) ومن ثم في شمال حمص وفي الغوطة وفي حوران، الغطاء لكي تتمدد في شريط جرابلس-الباب-إعزاز (آب 2016)، وفي مدينة عفرين ومنطقتها (كانون ثاني-نيسان 2018)، وفي شريط تل أبيض- رأس العين (تشرين الأول2019)، وعندما حاول الروس والايرانيون وحزب الله اللبناني وقوات النظام التمدد في شمال حماة وجنوب إدلب فإن أردوغان وبوتين قد عقدا اتفاق 5 آذار 2020 ثبت خطوط الفصل للمتقاتلين ضمن خطوط وقف القتال والتي ظلت قائمة يومها، وهو ما استمر حتى هجوم المعارضة الإسلامية من إدلب باتجاه حلب في يوم 27 تشرين الثاني 2024 وما تبع ذلك من سقوط النظام في دمشق بيوم 8 كانون الأول 2024.
لم تكن "انتصارات" بشار الأسد في فترة كانون الأول 2016-آذار 2020 بفعله الذاتي، بل بفعل الخارج وتفاهماته، وكذلك ما جرى في سوريا ما بين يومي 27 تشرين الثاني- 8 كانون الأول 2024، حيث لم يسقط نظام بشار الأسد بفعل داخلي، بل بفعل انشغال حليفه الروسي في الحرب الأوكرانية وانغرازه في وحلها منذ عام2022 وبسبب ضعف حليفه الإيراني بعد حربي غزة ولبنان ما بعد مرحلة 7 أكتوبر 2023 وقناعة أميركية بأن الضربة التي يترنح لها وعلى إثرها محور طهران الاقليمي هي ليست في غزة أو الضاحية الجنوبية، بل في سوريا، ولو استجاب بشار الأسد لإغراءات فك علاقته مع ايران لكان قد بقي في السلطة إلى الآن، ولكن ثبت أنه لا يستطيع لأنه كان فاقداً للسلطة لصالح الإيرانيين، لذلك تم اسقاطه وفق ما قال وزير الخارجية التركي حاقان فيدان، في مقابلة مع قناة “سكاي نيوز” الأمريكية، إن “سقوط الأسد لم يتم عبر عمليات عسكرية، بل كان هناك اتفاق دولي أدى إلى رحيله”.، وأضاف بأن” دخول المعارضة إلى دمشق جرى بسرعة بسبب هذا الاتفاق، ولو لم يكن موجودًا هذا الاتفاق لاندلعت معارك دموية”. https://alkhabaralyemeni.net/2026/01/27/327607/ "الخبر"اليمنية" (2712026)، وليس من دون هذا السياق أن حربين على إيران، شنتهما أميركا واسرائيل في عامي 2025 و2026، قد تمتا بعد فقدان المحور الإيراني للجسر السوري الذي قال حسن نصر لوفد معارض سوري التقاه عام2013 "أنه من دون الجسر السوري يختنق" لتبرير تدخله العسكري في سوريا منذ نيسان 2013، فيما منع جو بايدن شن حرب مباشرة على إيران كان يريدها بنيامين نتنياهو في أيام ما بعد هجوم حركة حماس على غلاف غزة بيوم 7 أكتوبر 2023.
الآن، وبعد خمسة عشر عاماً على بدء الأزمة السورية منذ يوم 18 آذار 2011، يجب أن يسترجع السوريون ويفحصوا تكاليف وأثمان تضييع التسوية الانتقالية: مئات آلاف القتلى، ملايين النازحين واللاجئين، دمار بنية تحتية ستكلف إعادة اعمارها ما يفوق التريليون دولار (ألف مليار دولار)، وانقسام في النفوس عميق المدى والهوة، وعدم استطاعة من تولوا السلطة بعد بشار الأسد الانتقال بالبلد إلى سكة آمنة. ثم يضاف لذلك واقع أنتجته الأزمة السورية هو تحكّم الخارج الدولي والاقليمي بالمسار السوري، وهذا شيء كان جلياً وملموساً في فترة 2011-2024، ثم أصبح أكثر من جلي وملموس في مرحلة ما بعد 8 كانون الأول 2024. أيضاً ما أسمي بـ"انتصارات" بشار الأسد في فترة 2016-2022 أنتجت وضعاً سورياً زاد فيه تغول السلطة في الفساد والنهب وإفقاد الناس لأي مظهر من مظهر الحريات، وقد قاد الدم والانتهاكات لحقوق الانسان التي مورست في السجون والمعتقلات، وأيضاً القصف العشوائي للمدنيين وللممتلكات، إلى جسور مقطوعة بين السوريين.
بالمقابل رأينا سلطة ما بعد 8 كانون الأول 2024 في وضع شبيه بوضع سلطة بشار الأسد من حيث أن طريقة مجيئها المحمول عبر قوة الخارج قد جعلها في وضعية تفتقد الركيزة الاجتماعية القوية، وحتى بالنسبة إلى من كان يؤيدها في الأشهر الأولى لم يكن هذا التأييد لها أو لبرنامجها أو لأيديولوجيتها، بل لأن أغلب المؤيدين في تلك الفترة كان يؤيدونها بوصفها عنواناً جديداً لمرحلة أمل أغلب السوريين أن تكون طياً للمرحلة السوداء السابقة لحافظ الأسد وابنه.
خلال ستة عشر شهراً، تفصل السوريين عن يوم 8 كانون الأول 2024، خابت آمال معظم السوريين في السلطة الجديدة، بل أنها أنشأت شروخاً جديدة في السويداء، وعمقت شروخاً كانت موجودة في الساحل، وزادت من شروخ لم تكن كبيرة بين العرب والكرد، وهي توحي مثل سلطة بشار الأسد بأنها ليست لكل السوريين وليست على مسافة واحدة من جميع السوريين، وهي في سلوكها خلال فترة ما بعد وجودها بدمشق تذكر بما فعله حزب البعث بعد انقلابه العسكري بيوم 8 آذار1963، عندما تصرف من منطلق أنه حزب، يعي أنه ضعيف الجذور الاجتماعية، لذلك أراد التمكين والاستحواذ عبر العنف على السلطة ومنع الآخرين من الانقلاب عليه ومن المشاركة بالسلطة ومنع أي عملية ديموقراطية مع تنظيرات بأن "المجتمع السوري غير مهيأ للديمقراطية"، وهي مقولة كان يرددها كثيراً حافظ الأسد، لذلك اتبع البعثيون سياسة "الولاءات لا الكفاءات"، وكما كان لحزب البعث السوري عقدة 18 تشرين الثاني 1963،عندما فقد البعثيون السلطة بفعل انقلاب عبد السلام عارف عليهم في العراق بعد وصولهم لها في انقلاب 8 شباط 1963، فإن الاسلاميين يعانون من "عقدة مرسي" الذي فقد السلطة بعد سنة من وصوله لها عبر الانتخابات، وهم يرون بأن انقلاب السيسي ما كان ليتم لو اتبع الإسلاميون المصريون سياسة التمكين عبر مبدأ "الولاءات لا الكفاءات".
ولكن من يراقب السلطة السورية الجديدة ، وهي في حالة تبخر للدعم الداخلي الذي كان لها في الأشهر الأولى، يراها في سلوكها الإداري تذكر بفساد السلطة السابقة، وهي مثلها تخاف من أي عملية ديمقراطية يتم فيها الاحتكام إلى صندوق الاقتراع، والسوريون بأغلبيتهم الآن ليسوا معها، وكذلك على ما يبدو الخارج، وأوله مثلث الولايات المتحدة- بريطانيا- الاتحاد الأوروبي، الذي تدل الكثير من المؤشرات على أن هذا المثلث يعيش خيبة أمل وانخفاض سقف توقعاته من سلطة سوريا ما بعد 8 كانون الأول 2024، التي كان الداعمة الخارجية الأقوى لها.
الآن، وبعد خمسة عشر عاماً، ما زال السوريون في حالة انقسام وتفصل الكثير من الخنادق بينهم، وليس صحيحاً أن وضع سوريا هو الآن على طريق معافاة الجراح، بل إن هذه الجراح تعمقت وزادت ونشأت جراح جديدة في مرحلة ما بعد نظام بشار الأسد لم تكن موجودة سابقاً، والسلطة الجديدة هي مثلها مثل سلطة بشار الأسد يشعر الكثير من السوريين بأنها لا تمثلهم.
بعد كل هذا وذاك، ومن أجل تفادي الأسوأ الذي تتجمع غيومه لكل صاحب بصر وبصيرة، أليس مشروعاً الدعوة من جديدة إلى تطبيق الحل التسووي الانتقالي الذي يتفق السوريون، في السلطة الجديدة والقوى السياسية والاجتماعية، من خلاله على حل انتقالي تتولى فيه سلطة انتقالية مؤقتة، متفق عليها وطنياً، قيادة وإدارة عملية الانتقال إلى نظام سوري جديد متفق عليه، عبر مؤتمر وطني عام تشارك فيه القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يمكن أن يكون القرار 2254، وغيره، على جدول أعماله ، وهو القرار الذي أكد مجلس الأمن الدولي في القرار 2799 في يوم 6 تشرين الثاني 2025 على تمسكه بـ"مبادئه وأهدافه"؟
الحل الانتقالي التسووي السوري هو أكثر الحاحاً في عام 2026 من عام 2011... وتفويته سيكون أكثر ضرراً ومأساوية من تفويت ما سبق. فقد أثبتت التجارب في بلدان عديدة أن الانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية يحتاج لتوافق وطني، ومن دون هذا التوافق تزداد الأزمات الموروثة من الديكتاتوريات، ويستنقع الوضع في البلد، مما يدخله في متاهات جديدة.
-----------------------------------------------------------------------------------------------------

هيئة التنسيق الوطنية
لقوى التغيير الديمقراطي
في سورية
تصريح إعلامي بخصوص الاعتصام بدمشق
يحتفل شعبنا في كل عام بذكرى السابع عشر من نيسان، الذي يمثل عيد استقلال سورية عن الاحتلال الفرنسي. وبهذه المناسبة، تداعت العديد من الفعاليات والنخب الوطنية للاعتصام في دمشق، مطالبةً بمطالب أصبحت محل إجماع وطني، تنادي بوقف الإجراءات التي باتت ترهق المواطن السوري، سواء من خلال قرارات الكهرباء أو الخصخصة.. إن كان في مجال الصحة أو المؤسسات الإنتاجية أو التعيينات ذات اللون الواحد....
وفي الموعد والمكان المحددين، كانت الوقفة الاعتصامية في ساحة المحافظة بدمشق، حيث رفعت شعارات وطنية ومطلبية خالصة. وللأسف، أثناء الاعتصام، تعرض المعتصمون لهجوم، وتم إطلاق شعارات ضدهم تصفهم بالفلول وأزلام النظام السابق، كما تم ملاحقة وكالات الإعلام التي تابعت الحدث. وصل الأمر إلى استخدام العنف والضرب ضد المعتصمين، حيث تعرض عضو المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق الوطنية في سورية، إلى الإهانة واعتُبر من الفلول رغم أنه كان من القيادات المعارضة للنظام البائد، وقد تعرض للاعتقال لسنوات طويلة في سجون النظام الأسدي.
إننا في هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في سورية، نقف من دافع وطني مع حق الشعب في إطلاق الحريات والعمل السياسي الوطني في سورية.
لقد خرج شعبنا بثورته، ودفع الثمن الغالي من حياته وممتلكاته ومستقبل أولاده، من أجل الانتقال من نظام الاستبداد إلى نظام يكفل الحريات ويؤسس للعدالة والكرامة والمساواة عبر نظام ديمقراطي تداولي.
كما أننا ندين الاعتداء على المعتصمين السلميين وتخوينهم، وخاصة الاعتداء الذي تعرض له زميلنا محمد فاضل فطوم وآخرين من المشاركين .. إن الاعتداء على المعتصمين يشكل اعتداءً على جميع شعارات الثورة، وأهمها "واحد واحد الشعب السوري واحد"، ومطالبها بالحريات ورفع الظلم والاستبداد الذي عانى منه شعبنا لعقود.
ومع أن قوات الأمن السورية حاولت أن تمنع تدهور حالة الاحتقان في ساحة الاعتصام ، إلا أن هذه الوقفة السلمية لم تكن إلا بدافع وطني بحت، بهدف تنبيه السلطة إلى إجراءاتها التي لا تصب في مصلحة المواطنين عامة، ومن أجل تصحيح المسار الذي تراكم على مدار سنة ونصف تقريباً منذ بدء المرحلة الانتقالية.
وفي ظل هذا الوضع الراهن والأجواء العامة التي لا تزال تتحرك فيها النزعات الطائفية والمناطقية ، تؤكد ما كنا قد أكدناه سابقاً، وما زلنا نؤكد عليه من ضرورة عقد مؤتمر وطني عام وجامع، لوضع خطوات ثابتة بمشاركة حقيقية وشاملة، لتأسيس عقد اجتماعي جديد يؤسس لسورية جديدة تقوم على أساس صيانة الحريات وإرساء العدالة وحكم القانون.
١٨ نيسان ٢٠٢٦
مكتب الإعلام المركزي

--------------------------------------------------------------------------------------
إلى اليسار
- سمير سالم –
يومًا تلو الآخر، مع تبدد أشباح الانفصال وعودة النظام "القديم" وأساطير الطوائف، يتجلى الصراع الداخلي في سوريا في شكله الأصلي والحقيقي، صراع يقوم على أساس اجتماعيّ-اقتصاديّ، وتنفد شيئًا فشيئًا إمكانية شحنه بأوهام متخيلة تتمحور حول طوائف وأعداء. وفي حين قد تنطوي المرحلة الحالية على مخاطر كثيرة على المجتمع السوري المنهك من حكم استبدادي مديد، ووضع اقتصادي وأمني مترد، وغير مطمئن -على أقل تقدير- في قطاعات واسعة منه للسلطة الحالية إلى الآن، فإنّ الوضع الحالي قد يمثّل فرصة بالنسبة إلى القوى الماركسية السورية.
فحتى لو رأينا إلى السلطة الحالية على اعتبارها سلطة لا تزال في طور التشكّل، بحكم تصارع عدة تيارات داخلها، وعدم اتضاح خريطة حلفائها الفعليين، والضغوط الخارجية التي تُمارس عليها في اتجاهات متعددة، فهي تثبت في كلّ فرصة أمرين: أولهما، أنَّها لا تسعى في أيّ اتجاه يعترف بوجود تعددية سياسية وفكرية وأيديولوجية يُفترض أنْ تكون بدهية في بلد له تاريخ سياسي مديد مثل سوريا، وحرصها على تلافي كلّ ما يتيح لهذه التعددية أنْ تتخذ شكلها الطبيعي، واعتبارها الديمقراطية ضربًا من الرفاهية لا داع إليها الآن. أمّا الثاني، فهو أنّها لا تتوانى، من دون أي شرعية، عن تبني سياسات تساهم في تعميق إفقار الشعب السوري، بدايةً من فاتورة كهرباء تزيد في أحيان كثيرة عن راتب موظف لشهر كامل، وزيادة أسعار الوقود والمواصلات والخبز، وصولًا إلى الحديث عن خصخصة الصحة، وغياب الشفافية في حملات جمع التبرعات الاستعراضية التي جرت في العام المنصرم وثبات أنّ هذه الحملات لم تكن سوى مسكّن مؤقت لا يشفي هذه البلاد من أيّ من أمراضها المزمنة.
إن الاتجاه الاقتصادي الذي سلكه النظام البائد في حقبة الأسد الابن، أدى إلى عدم تطوير القطاع الزراعي في سوريا، وتراجع الصناعة السورية ونفور كثير من الصناعيين الكبار من العمل في البلاد بسبب الظروف غير الملائمة والفساد والشبكات الطفيلية المرتبطة مباشرةً بالنظام البائد، فقادنا إلى تغيرات اقتصادية-اجتماعية عميقة، ظهر بفعلها نافذون اقتصاديون جدد كل ما يملكونه هو صلة وطيدة بشبكات الفساد المتجذرة في السلطة، وولّد أزمات عميقة (من اتساع الشرائح التي ترزح تحجت خط الفقر، وازدياد معدلات البطالة، وأزمات بيئية لا تنتهي). كان هذا الاتجاه الاقتصادي أحد الأركان الرئيسة للانفجار الاجتماعي في عام 2011، غير أنّه اتخذ منحى أكثر رداءةً خلال سنوات الحرب، مع ظهور اقتصاد ظل يقوم على فرض "الأتاوات" على الشعب السوري وتجارة الكبتاغون وحرق الغابات وغير ذلك.
راهنًا، مع السعي الحثيث من السلطة السورية الجديدة نحو اندماج بالسوق الرأسمالي العالمي، دون اكتراث بما يُمكن أنْ يفضي إليه هذا الاندماج غير المدروس من توسيع الفوارق الطبقية وتعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستفحلة أساسًا، والحديث المستمر حول خصخصة القطاع العام، مما سينعكس سلبًا على الغالبية العظمى من السوريين اللذين يرزح أكثر من 80% منهم تحت خط الفقر. يبدو الخلاص السوري في قطاع حكومي قوي، مع ضرورة إصلاح القائم منه وتحصينه ضد الفساد والنهب وتجييره لحسابات معيّنة، ومشروطًا بتحقيق تنمية سورية أساسها الاستثمار والإنتاج المحليين على أسس شفافة وعادلة، على أنْ تكون هذه التنمية قائمة على سياسات وخطط مناسبة وعادلة، وأنْ تشجع نمو قوى الإنتاج، لا سيّما في المجالات المرتبطة بالقاعدة المادية للإنتاجين الصناعي والزراعي اللذين يعدان عمادا الاقتصاد السوري.
كلّ العوامل السابقة تؤكّد الحاجة إلى وجود تجمّع ماركسي سوري يقوم على أرضية مشتركة، في النظرية والرؤية، دون التخلي عن جوهرية الديمقراطية في السياق السوري، إذ أنّ المرحلة الحالية تستلزم التمسك بإطلاق سيرورة التحوّل الديمقراطي، بوصفها السبيل الوحيد لانتقال آمن وجوهري للبلاد، والتي يُمكن لها أنْ تكتسب شرعية شعبية حقيقية. لكن، على الرغم من أهمية وجود تجمعات واسعة للقوى السياسيّة التي تعرّف ذاتها بأنّها "وطنية-ديمقراطية"، ومشاركة القوى السياسية الطامحة إلى نظام ديمقراطي يمثّل السوريين دون إقصاء، تبدو هذه الجبهات العريضة في أحيان كثيرة مكبَّلة بسبب تنوّع اتجاهاتها، ومصالحها تاليًا، إذ نرى أنّ كثيرًا من القوى السياسية التي لطالما طالبت بالانتقال الديمقراطي تتبنى في المرحلة الحالية نهجًا لا يتسم بأيّ نقدية تجاه السلطة القائمة، بل ويبرر كثيرًا مما حدث ويحدث إلى الآن. في الوقت ذاته، تبدو بعض القوى التي لطالما كانت جزءًا من المعارضة السياسية للأسدين راديكالية إلى حد التهور واللاعقلانية في طروحاتها بعد سقوط نظام الأسد.
هنا يُمكن لماركسيّة عقلانيّة، تتعامل مع معطيات الواقع الموضوعية، دون أنْ تتخلى البتة عن حسها النقدي، أنْ تقدّم إجابات شافية على كثير من الأسئلة المطروحة في الشارع السوري حاليًا. فالقطاع العام الذي تنادي به الماركسية قد يكون طوق النجاة الوحيد اجتماعيًا-اقتصاديًا بالنسبة إلى غالبية الشعب السوري، في الوقت الذي تتجه السلطة إلى بيعه أو خصخصته. والماركسية في تركيزها على جوهر الصراعات لا مظهرها، يُفترض بها أنْ تكافح كلّ تمييز أساسه الجنس أو القومية أو الدين أو الطائفة، وتجنب ضروب التمييز هذه هو ركن أساس من أركان المواطنة المتساوية. ويُمكن للقوى الماركسية، بل وعليها، أنْ تطوّر صيغة مركّبة تجمع بين مقاومة مراكز النفوذ الإمبرياليّ، وأنظمة الاستبداد، والقوى التكفيرية، دون أن تنزلق باتجاه الدعوة إلى أنظمة وطنية استبدادية، أو إلى أنظمة ديمقراطية عميلة، لتكون صوت الغالبية الحقيقية من السوريين والتيار المعبر عن مصالحهم.
-------------------------------------------------------

الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران: دوافعها ومسارها وتداعياتها
- المحامي نشأة الطعيمة -

بعد نجاح الثورة الإيرانية والإطاحة بنظام الشاه الايراني الحليف الاستراتيجي القوي لأمريكا في منطقة الشرق الأوسط عام ١٩٧٩ واستبداله بنظام إسلامي متشدد معادٍ للولايات المتحدة الأمريكية، ومنذ ذلك التاريخ أصبحا واشنطن وطهران عدوين لدودين لبعضهما، فأصبحت أمريكا عند طهران هي الشيطان الأكبر في العالم، كما أصبحت طهران عند الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة الدول المعادية للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وصُنفت من الدول الراعية للإرهاب بعد الهجوم الانتحاري في بيروت عام ١٩٨٣ على السفارة الأمريكية الذي تسبب في مقتل العشرات من الأمريكيين والفرنسيين، وكذلك بسبب الهجوم على مقر القوة المتعددة الجنسيات في بيروت وأدى إلى مقتل ٢٤١ جنديًا أمريكيًا في نفس العام، حيث كان هذا الحدث أشد إيلامًا ودموية للقوات المسلحة الأمريكية من حرب أمريكا في فيتنام، واعتبرت أمريكا إيران وراء هذ العمل عبر حزب الله اللبناني. كما أصبحت إيران، بسبب سياساتها الخارجية المعادية لدول المنطقة والخليج العربي ومحاولاتها تصدير ثورتها ومعتقداتها الإسلامية المتشددة عاملًا عدم استقرار للمنطقة، وكذلك عامل جذب للعديد من الفصائل الإسلامية المسلحة عبر شعاراتها المعادية لإسرائيل من جهة ثانية، فأصبحت تلك الفصائل أذرع لها تحركها وفق مصالحها الاستراتيجية، وامتدادًا لنفوذها الإقليمي الذي أصبح يشكّل أحد عناصر القوة لها ومهددًا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وفي منطقة الخليج العربي بشكل خاص، كما أصبح هذ التمدد الإيراني تحديًا لطموحات إسرائيل التوسعية في الدول العربية المحيطة بها مثل لبنان وسوريا وبقية الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة.
نظرت الولايات المتحدة الأمريكية لهذا التحول السياسي الحاصل في ايران منذ عام ١٩٧٩ ابتداء من أزمة الرهائن التي استمرت حتى عام ١٩٨٢ كخصم ايديولوجي لها وتحديًا لحضورها الاستراتيجي في الشرق الأوسط أمام الاتحاد السوفيتي آنذاك.
تعتبر الحرب على إيران في ٢٨ فبراير عام ٢٠٢٦ استمرارًا لحالة العداء الطويلة بين أمريكا وإسرائيل من جهة مع إيران، وهي امتداد للغارات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية في يونيو عام ٢٠٢٥ بالتنسيق مع اسرائيل باستهداف المنشآت النووية الإيرانية.
ومن جهة أخرى، ووفق التقديرات الاستراتيجية، لم تتحقق شروط و أهداف الحرب الاخيرة على إيران بين أمريكا وإسرائيل بالكامل، فقد صرح رئيس الوزراء الاسرائيلي لأكثر من مرة إنه يريد إسقاط النظام الايراني باعتباره يشكل خطراً وجوديًا على إسرائيل وإن ايران ستكون قوة إقليمية حين امتلاكها للسلاح النووي، وإسرائيل ترغب في إخراجها من اي معادلة قوة في المنطقة في مواجهة إسرائيل في الهيمنة والتوسع والسيطرة على محيطها. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أعلنت أن الهدف من العملية العسكرية على إيران هو تدمير القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية التي أصبحت تشكل خطرًا على المنطقة وعلى مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وأيضًا منعها من امتلاك السلاح النووي، وفي تصريحات معلنة أخرى للرئيس الأمريكي ترامب حتى يمنع الحرب على إيران، عليها إنهاء تخصيب اليورانيوم بشكل كامل وفرض قيود مشددة على برنامج الصواريخ الباليستية ووقف دائم لدعم الجماعات الحليفة لطهران في منطقة الشرق الأوسط مثل حماس في غزة وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. أمّا غير المعلن بشأن دوافع وأسباب الحرب عند الولايات المتحدة الأمريكية هو إنهاء القوة الإيرانية وملء الفراغ العسكري والأمني في منطقة الشرق الاوسط بعد حرب غزة والضربات التي لحقت بأذرع إيران بالمنطقة مثل منظمة حماس في غزة وحزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الابن في دمشق الحليف الاستراتيجي لإيران، إضافة إلى جملة من التفاهمات الإقليمية والدولة مع كل من تركيا وروسيا في ما يتعلق بالمنطقة وبالحرب على أوكرانيا، وهو ما ترافق مع غزو فنزويلا وخطف رئيسها والتحكم في مقدراتها في البترول والطاقة.
إن جملة تلك العوامل دفعت أمريكا إلى شن الحرب على ايران بهدف السيطرة على مصادر قوتها من بترول وغاز ومصادر الطاقة الأخرى، وقطع الطريق على التمدد الاقتصادي الصيني المتسارع في المنطقة الذي يهدد أمريكا في إمبراطوريتها كقطب قوة وحيد في العالم.
كان الرد الايراني على المطالب الامريكية المعلنة قبل أن يتم شن الحرب عليها عبر المرشد الأعلى علي خامنئي قبل اغتياله، فقد صرح قبل الضربة التي أطاحت به أن إيران لن ترضخ للمطالب الأمريكية مؤكدًا أن أيّ تفاوض مع أمريكا لا يمكن أن يقوم على (شروط حمقاء).
منذ عام ٢٠٢٥ بدأت أمريكا وإيران عدة جولات من المفاوضات للوصول إلى اتفاق سلام بينهما، غير أنهما لم يتوصلا إلى أي تفاهمات بسبب تمسك كل طرف بشروطه ومطالبه المعلنة، وفي ٢٢ يونيو من عام ٢٠٢٥ أعلن الرئيس الامريكي ترامب و بالتنسيق مع إسرائيل (التي كانت بدأت ضرباتها الجوية لإيران في 13 حزيران) عن تنفيذ عدة غارات عسكرية استهدفت المنشآت النووية الإيرانية وأسفرت عن تدمير شامل للمواقع النووية في كل من فوردو ونطنز وأصفهان بحسب تصريح الرئيس الأمريكي ترامب، وفي ٢٨ فبراير من عام ٢٠٢٦ استهدفت أمريكا وبالتنسيق مع إسرائيل بضربات جوية واسعة النطاق عدة مواقع في أغلب المدن الإيرانية وفي مقدمتها العاصمة طهران وتم خلالها وفي اليوم الأول القضاء على أغلب القادة الإيرانيين من الصف الأول والثاني وكان من ضمنهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وقد أعلنت أمريكا حينها أن الهدف من العملية العسكرية هو تدمير القدرات الصاروخية والعسكرية الإيرانية ومنعها من امتلاك السلاح النووي وفي تصريحات أخرى للرئيس الأمريكي انه يرغب في إسقاط النظام أو تغيير سلوكه.
أقدمت إيران بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إغلاق مضيق هرمز المهم الذي يعد الشريان الرئيسي الحيوي بالنسبة للاقتصاد العالمي وفي إمداد الطاقة حيث يمر عبره أكثر من ٢٠% من التجارة العالمية و٢١% من البترول العالمي و٣٥% من إمدادات الغاز وأكثر من ٣٠% من الاسمدة الزراعية ومواد الطاقة المتعددة والبتروكيميائية، كما استهدفت إيران بالصواريخ والطيران المسير أغلب دول الخليج العربي ومنشآت البترول والغاز والطاقة، وبالمقابل فرضت الولايات المتحدة الأمريكية حصارًا محكمًا على جميع الموانئ الإيرانية.
أقدمت إيران بعد الضربات الصاروخية الامريكية عليها، على استهداف دول الخليج العربي بالصواريخ وكانت بذلك تستهدف عدم استقرار المنطقة وأيضًا أمن الطاقة ورفع كلفة الحرب على واشنطن وتل أبيب وتوسيع دائرة الحرب الاقليمية قدر الإمكان وإيصال الحرب إلى فوضى شاملة في المنطقة وإرباك الأسواق العالمية وهي بذلك تحاول الإمساك بأوراق مهمة لفرض شروط لصالحها عند التفاوض في وقف الحرب.
كانت فاتورة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كبيرة جدًا على أغلب دول العالم، غير أن إيران كانت في مقدمة الدول المتضررة. فقد أصبحت من جراء الضربات الجوية التي استمرت لأربعين يومًا على بنيتها الاقتصادية والعسكرية والمدينة وعلى قيادتنا السياسية والعلمية أمام تحدي غير مسبوق في تاريخها الحديث، وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية فقد تعرض أكثر من ١٧ ألف موقع للدمار، كما قدرت وسائل إعلام إيرانية تكلفة إعادة إعمار إيران بنحو ٢٧٠ مليار دولار، إضافة إلى ما سيلحق بها من الحصار البحري الذي فرُض عليها والذي سيكلّف إيران خسائر تتجاوز الأربعمائة مليون دولار في اليوم وفق تقدير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الإيرانية.، كما أدت الضربات الممنهجة على أهم المواقع الصناعية والبتروكيميائية إلى تفاقم أزمة البطالة داخل إيران، فأصبح ما يقارب من نصف القوة العاملة الإيرانية معرضة للبطالة مما سيؤدي إلى كارثة اقتصادية وشيكة إن لم ترفع العقوبات المفروضة عليها وفق تقديرات النخب الاقتصادية والسياسية الإيرانية في بريطانيا. كما لحقت بإسرائيل بحسب تقديرات أولية لخبراء عسكريين واقتصادية أضرار تراكمية بفعل الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله اللبناني الموجهة إلى الكيان الاسرائيلي بلغت ١٥ مليار دولار وشملت القواعد العسكرية وقطاع الصناعات البتروكيميائية والبنى التحتية المدنية والمباني السكنية وتعويضات الأهالي بفعل الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله اللبناني، وهذا التقدير لا يتضمن كلفة العمليات الجوية الإسرائيلية ضد ايران ولا كلفة القبة الصاروخية التي تكبدتها اسرائيل لحماية أجوائها. كذلك لحقت بدول الخليج العربي أضرار واسعة لم يتم تقديرها من جرار استهداف مطاراتها والطاقة والكهرباء فيها، وبنيتها التحتية والخدمات المدنية بشكل عام. هذا وقد صرح رئيس البنك الدولي بأنه سيكون هناك من جراء الحرب على إيران تداعيات متسلسلة ومتلاحقة على الاقتصاد العالمي حتى وإن توقف إطلاق النار بين الأطراف المحاربة، وأن التضخم في العالم سيرتفع من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ نقطة، وأن هذه الحرب ستطال جميع مواد الطاقة والتجارة، كما قدّر مسؤول برنامج التغذية العالمية بأن عشرات الملايين في المنطقة وفي أفريقيا سيواجهون خطر الجوع بسبب هذه الحرب وبسبب إغلاق مضيق هرمز، أما وكالة الطاقة الدولية فقد وصفت إغلاق مضيق هرمز بأنه سبب أسوأ أزمة طاقة في التاريخ وأن تداعيات هذه الحرب ستستمر طويلًا.
بسبب كثرة انعطافات تلك الحرب وتوقع تعدد مساراتها، فإنه من الصعب رسم خارطة طريق دقيقة لها من النواحي الداخلية والإقليمية والدولية، فالحروب لا تزال مستمرة بين جميع أطرافها سواء عبر السلاح أو من خلال الحلول الدبلوماسية، وليس من المتوقع أن تكون قصيرة كما كان يرغب الرئيس الأمريكي باستسلام إيران والرضوخ لشروطه المعلنة بمجرد قطع رأس النظام الإيراني، حيث أنه لا يمكن أن يقبل الرئيس الامريكي ولا إدارته في الحزب الجمهوري وصقوره اليمينية المتطرفة بوقف الحرب قبل أن يتحقق البعض من أهدافهم الاستراتيجية المعلنة للحرب ضد إيران من أجل إعلان الانتصار فيها والا سيكون مصيرهم السياسي محرجًا أمام الجمهور الأمريكي، وهذا الأمر ينسحب أيضًا على رئيس وزراء الكيان الصهيوني وعصابته في الداخل الإسرائيلي. أما بالنسبة للنظام الايراني فقد اتضح من سياق حرب الاربعين يومًا أنه يمتلك قدرة كبيرة على الصمود أمام قوتين كبيرتين في العالم وهو يعتبر نفسه انتصر في هذه الحرب طالما قد نجا من السقوط، وبقاء النظام عند القادة الإيرانيين هو نصر بحد ذاته، لذلك يكون من المستبعد أن يقدم تنازلات استراتيجية هامة لأمريكا.
يتضح من سياق الحرب على إيران أن الدول العربية وجامعتها ومؤسساتها وأنظمتها الرسمية فاقدة لأي دور إيجابي يكون في مصلحة شعوبها، فرغم الهزائم المتكررة التي لحقت بها بمواجهة الكيان الصهيوني، وبقادتها، بقيت ولا تزال في غيبوبة وموات بطيء، ولا تفكر إلا في بقاء نظمها المستبدة وارتهانها للخارج وتستمد استمرارها منه. وقد تكون هذه الحرب فرصة أمامها للنهوض عبر امتلاك الإرادة السياسية للتحرر والمراجعة الجادة لأجل التغيير الوطني الديمقراطي.
--------------------------------------------------------------------------------------------------
أربعون يوماً من الحرب في الشرق الأوسط
محمد سيد رصاص
(المركز الكردي للدراسات)،1442026
https://nlka.net/archives/14906
في يوم 1 شباط/فبراير 2026، وقبيل أربعة أسابيع من مقتله بغارة إسرائيلية – أميركية، قال “المرشد الإيراني” علي خامنئي إن “على الأمريكيين أن يعلموا أنه إذا أشعلوا حرباً، فستكون هذه المرة حرباً إقليمية”.
إذا استرجعنا ما جرى في أربعين يوماً من الحرب، التي كانت طلقتها الأولى تلك الغارة التي قتلت خامنئي في 28 شباط/فبراير، فإن ما قاله قد كان السيناريو الذي اتبعته إيران في هذه الحرب، والذي لم تمارسه في حرب الـ 12 يوماً بحزيران/يونيو الماضي. وقد استطاعت طهران بهذه الحرب أن تحدد إيقاعها، فيما لم يستطع الأمريكان والإسرائيليون تحديد إيقاعها من خلال سيناريو أميركي، أريد أن يجبر إيران عبر القصف العنيف على الرضوخ للمطالب الأميركية الثلاثة التي كانت مطلوبة في المفاوضات الأميركية – الإيرانية ما قبل الحرب: تسليم الـ 450 كيلو غرام من اليورانيوم المخصب مع إيقاف البرنامج النووي والتخصيب، تفكيك وإيقاف البرنامج الصاروخي الباليستي ، تخلي إيران عن دعم أذرعها الإقليمية، فيما كان هناك شيء إضافي عند الإسرائيليين لتلك المطالب الثلاثة، وهو جعل النظام الإيراني في وضع تنتجه الحرب يجعله آيلاً للسقوط، بينما أراد الأميركان – وما زالوا يريدون – صفقة مع النظام الإيراني القائم تنتجها نيران الحرب.
كان السيناريو، الذي ألمح إليه خامنئي ثم طُبِّق بعد مقتله، مبنياً على مجابهة عدو متفوق في معركة من خلال التركيز على نقاط ضعفه، أي:
 تعطيل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر فيه خمس الطاقة العالمية من نفط وغاز مسال وبالتالي رفع أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات تضغط، عبر الداخل الأميركي ومن الحلفاء في الدول الصناعية الكبرى المستوردة للطاقة، على واشنطن لوقف الحرب.
2- توجيه معظم القوة الحربية الإيرانية (الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة) ضد دول الخليج، بوصفها نقطة ضعف أميركية أولاً، لكونها المنتج الرئيسي للطاقة العالمية مما يؤثر على الأسعار، وثانياً لإظهار أميركا غير قادرة على حماية حلفائها، وثالثاً لإظهار إيران بأن لها اليد العليا في النطاق الخليجي.
 جعل إسرائيل تنام في الملاجئ عبر الصواريخ الباليستية والمُسيّرات، ولو أن معظمها كان يسقط في الجو، وحتى ولو كانت أقل من تلك التي أطلقتها إيران على دول الخليج.
 تحريك إيران لذراعها الإقليمية الكبرى، أي حزب الله في لبنان، وجعله منخرطاً في هذه الحرب، مع التلويح بمشاركة أذرعها العراقية واليمنية، وهذا الخيار التحريكي للأذرع لم تستعمله إيران في حرب العام الماضي.
نجحت إيران في “حرب الأربعين يوماً” في تحديد إيقاع الحرب، فيما لم ينجح دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في ذلك، ويمكن القول إنهما قد فوجئا بما فعلته طهران في هذه الحرب، ولم يكونا يتوقعان ما حدث. والأرجح أن سيناريو كاراكاس، الذي طبقته واشنطن قبل شهرين ضد الرئيس الفنزويلي، وما أدى إليه هناك ضرب الرأس واقتلاعه إلى رضوخ جسم النظام الفنزويلي للإرادة الأميركية، قد أغرى ترامب بتكراره في طهران، حيث تم البدء بضرب الرأس من أجل الوصول لاستسلام الجسم، وهو ما لم يحصل وتم إثبات أن طهران ليست كاراكاس 2. وليس مهماً في هذا الصدد مقولة، حتى تم تردادها في واشنطن وغيرها، إن نتنياهو جرّ ترامب للحرب، فمن الواضح أن الدولة الأميركية العميقة (والبنتاغون هو المسؤول عن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط) منذ 7 أكتوبر 2023 تريد العودة والارتداد عن سياسة باراك أوباما الانسحابية من الشرق الأوسط، وأن الأميركان قد أصبحوا على اقتناع بقول الجنرال ديغول إن الشرق الأوسط هو “قلب العالم”، ومن يسيطر عليه يسيطر على العالم. إذ إن الشرق الأوسط هو عاصمة الطاقة العالمية، و”القطب الواحد للعالم” لا يستطيع الاستمرار في ممارسة أحاديته القطبية من دون السيطرة على هذه المنطقة، وبالتالي الإمساك بمفتاح صنبور الطاقة العالمية، من أجل التحكم بأسعار الطاقة، ومن أجل التحكم بمستوردي الطاقة العالمية، وأولهم الصينيون والأوروبيون، ومن أجل منافسة وتحجيم العاصمة الثانية للطاقة العالمية من نفط وغاز والتي اسمها روسيا.
إيران هي العقبة أمام هذه الخطة الأميركية، لذلك جرى ضربها بحربين خلال تسعة أشهر، كانت هناك قبلهما وما بينهما جولات تفاوضية، ثم أتى الأميركان لكي يقولوا للإيرانيين في مفاوضات إسلام آباد بعد ثلاثة أيام من حرب الأربعين يوماً: “ما هو رأيكم بعد كل هذه النار؟”.
وكان جواب الإيرانيين في المفاوضات للأميركان: “ولكنكم لم تنجحوا.. وخطتكم الكاراكاسية قد فشلت.. لذلك دعونا نصل إلى حل وسط “.
هنا، يوحي ترامب، وهذا ما يقلق تل أبيب وهو أمر واضح وملموس لكل من يتابع الصحف الإسرائيلية بعد هدنة 8 نيسان/إبريل، بأنه مستعد لحل وسط، ولكن لا يعرف إن كان هذا سيكون مثل الاتفاق النووي لأوباما مع خامنئي عام 2015: (وضع سقوف للبرنامج النووي الإيراني مقابل إغماض واشنطن عينيها عن التمدد الإقليمي الإيراني)، وهو اتفاق وصفه ترامب في الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2016 بأنه “أسوأ اتفاق في التاريخ” قبل أن يسحب توقيع واشنطن عليه عام 2018، أو سيكون مثل الذي جرى تداوله عن مفاوضات ويتكوف – عراقجي بشباط/فبراير الماضي، من عرض تم تقديمه عن صفقة (وقف التخصيب والبرنامج النووي مع تسليم اليورانيوم المخصب مقابل رفع العقوبات عن إيران) مع غموض في موقف واشنطن بموضوعي الصواريخ الباليستية والأذرع الإقليمية، وهو ما رفضته إيران، التي عرضت وقف التخصيب لفترة زمنية محددة مع احتفاظها بالحق بالتخصيب وببقاء المنشآت النووية ولكن ضمن “برنامج سلمي”، مما قاد لبدء الحرب بعد يومين من تلك المفاوضات من قبل الأميركان والإسرائيليين.
الأمر الذي يجب أن يفحص تجاه مآلات مفاوضات العاصمة الباكستانية: هل اختلفت توازنات القوى بين واشنطن وطهران بعد الحرب، من حيث أن المفاوضات هي مرآة لتوازنات القوى؟.. وبالتالي كم تغير وضع المفاوضين في مفاوضات إسلام آباد عن مفاوضات ويتكوف – عراقجي قبل الحرب؟..
النتيجة التي انتهت إليها الحرب حكمت مفاوضات االعاصمة الباكستانية، وجعلتها مستعصية في توليد نتيجة، حيث على الأرجح أن المفاوض الإيراني شعر بأن وضعه أفضل من قبل شهرين، رغم كل ما فعلته واشنطن وتل أبيب من تدمير للقدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية. فهو يملك ورقة خوف واشنطن من استئناف الحرب التي يمكن أن تقود إلى ارتفاع أسعار الطاقة لمستويات غير مسبوقة ولمدة طويلة، في حال ضرب منشآت الطاقة الإيرانية ورد طهران بضرب منشآت الطاقة في الخليج. كما يملك الإيرانيون ورقة حذر واشنطن، بعد فشل تجربتيها في العراق وأفغانستان، من أن أي احتلال لأرض إيرانية، سواء في جزر مضيق هرمز الثلاث: قشم ولاراك وهرمز، أو في ساحل المضيق أو في أي بقعة برية إيرانية أو في جزيرة خرج، سيجعل الأميركان يغرقون في حرب طويلة غير معروفة النهاية والنتائج، والرأي العام الأميركي ليس ميالاً لذلك، بمن فيهم مناصرو ترامب في اليمين الأميركي الجديد.
من جهة أخرى، كان المفاوض الأميركي مدركاً بأنه في وضع تفاوضي هو مرآة لحرب لم تستطع فيها واشنطن وتل أبيب توجيه ضربة قاضية لإيران، وفق منطق مباريات الملاكمة، ولا الفوز عليها بالنقاط، بل هناك استراحة إما تقود لتسوية، أو لاستئناف الحرب. وواضح أن حرباً، على طراز ما خاضته الولايات المتحدة في أفغانستان 2001-2021 وعراق 2003-2011، لا يريدها ترامب. وقد أثبتت له الحرب الأخيرة بأن طهران خامنئي وما بعد خامنئي ليست كاراكاس مادورو، وأنها ليست كابول الملا عمر ولا بغداد صدام حسين، اللتين سقطتا بسهولة أمام العسكر الأميركي، ولو أن ما بعدهما كان كثير الإيلام والفشل للأميركان. هذا مع الإشارة أن الأميركان كانوا يريدون من الحرب الأخيرة إجبار النظام الإيراني على تسوية يفرضونها، ولم يبتغوا إسقاط النظام خوفاً من الفوضى الإقليمية التي سينتجها التشظّي الإيراني ما بعد سقوط النظام، بخلاف ما أراده الإسرائيليون من الحرب.
السؤال الآن: هل فرضُ ترامب بعد مفاوضات إسلام آباد للحصار على الموانئ الإيرانية، بما فيه مضيق هرمز الذي كان ورقة ضغط إيرانية كبرى في أيام الحرب، هو محاولة منه لتحسين شروط الأميركي، من دون حرب في مفاوضات قادمة بعد مفاوضات إسلام آباد، وإفقاد إيران ورقة قوة، رغم كل التداعيات المحتملة على أسعار النفط، أم أن الخطوة الأميركية المربكة لطهران ستقود إيران للمبادرة لقلب الطاولة من خلال إشعال الحرب من جديد؟.
المنطقة الساحلية: بوابة سوريا الاقتصادية إلى المتوسط
تاريخ النشر: 14 /4/2025
الكاتب :عمر تشالنج
https://defacto-sy.com/?p=1756

- هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)

يجب التعامل مع المنطقة الساحلية، التي تحمل أهمية اقتصادية كبرى كبوابة سوريا إلى البحر المتوسط وبسبب ثروتها الغازية البحرية، بوصفها مثل جميع أجزاء سوريا الأخرى، من خلال إطار المصالحة الوطنية. أي محاولة أحادية الجانب من السلطة المركزية لتهميش المصالح المحلية أو احتكار الموارد الاقتصادية، تخاطر بإشعال النزاع من جديد وإعادة إنتاج الديناميكيات نفسها التي أدت إلى الحرب. مثل هذا المسار سيضر في النهاية بسوريا والشعب السوري ككل. تكمن الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للمنطقة الساحلية السورية في كونها المنفذ الوحيد للبلاد إلى البحر المتوسط. زادت هذه الأهمية وسط التطورات في ديناميكيات الطاقة –خاصة الغاز الطبيعي– بين دول حوض شرق المتوسط. وجود هذا المورد الحيوي يُدخل ديناميكيات قد تشكل موقع سوريا ضمن التحالفات الإقليمية والدولية. علاوة على ذلك، من المتوقع أن يرفع هذا من دور المنطقة الساحلية ومكانتها داخل المناخ الداخلي السوري في السنوات القادمة.
عقدان من المنافسة على غاز شرق المتوسط ، جعلت حوض شرق المتوسط – بما في ذلك الشام والدلتا النيلية– يجذب انتباهاً إقليمياً ودولياً متزايداً بسبب احتياطياته الكبيرة من الغاز الطبيعي. تقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن الحوض يحتوي على أكثر من 300 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي قبالة سواحل سوريا ولبنان وإسرائيل ومصر وقبرص وتركيا، بالإضافة إلى نحو 3.5 مليار برميل من النفط الخام.رغم أن هذه الأرقام لا ترقى إلى مستوى الاحتياطيات الهائلة في روسيا أو قطر، إلا أن التوقعات تشير إلى إمكانية اكتشافات إضافية. الاحتياطيات المكتشفة حالياً كافية لتلبية الطلب المحلي في المنطقة وتوفير فرص تصدير ذات قيمة. هذا دفع الدول الأوروبية إلى الانخراط في معادلة طاقة شرق المتوسط لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي.مع الاكتشافات الأولى لحقول الغاز في شرق المتوسط، خاصة قبالة سواحل مصر وقبرص وإسرائيل، بدأ سباق مع الزمن بين الدول الساحلية لاكتشاف الغاز واستخراجه. انضمت شركات الطاقة الأوروبية والأمريكية بسرعة إلى المنافسة. تشير التقارير الجيولوجية إلى أن الغاز موجود في أعماق نسبياً ضحلة عبر الحوض بأكمله، مما يعني أن من يبدأ الاستخراج أولاً سيضمن ليس فقط حصته، بل قد يتعدى على احتياطيات الدول الساحلية المجاورة.أثارت هذه الاكتشافات الغازية توترات جيوسياسية وعسكرية بين بعض دول شرق المتوسط. تم نشر سفن حربية بحرية أحياناً لمرافقة السفن الاستكشافية أو اعتراض سفن الدول المنافسة. أصبح الحوض الغازي نقطة خلاف بسبب النزاعات غير المحلولة حول ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة (EEZ) والرفوف القارية. لم تصدق عدة دول على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعامي 1982 و1994، مفضلة تجاوز القانون البحري الدولي لصالح اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف لترسيم الحدود البحرية وتسهيل الاستكشاف والاستخراج.في السنوات الأخيرة، تصاعدت التوترات بين معسكرين متعارضين يتنافسان على السيطرة على ثروة غاز شرق المتوسط. من جهة، دول منتدى غاز شرق المتوسط (EMGF)، الذي تأسس عام 2019 ومقره القاهرة. ويشمل أعضاؤه مصر وقبرص واليونان وإسرائيل والأردن وإيطاليا وفرنسا والسلطة الفلسطينية، مع مشاركة الولايات المتحدة كمراقب. من الجهة الأخرى، تركيا، التي كثفت أنشطتها ضد خصومها – رئيسياً اليونان وقبرص– من خلال عمليات حفر في مياه "قبرص الشمالية"، الكيان المنفصل الذي تعترف به أنقرة فقط، ومن خلال مذكرة تفاهم موقعة مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس الليبية برئاسة فايز السراج عام2019رسمت الحدود البحرية من الساحل التركي للساحل الليبي عبر خط يتوسط جزيرتي قبرص وكريت. تجاهلت هذه الاتفاقية وجود الجزر اليونانية التي تعتبرها أثينا جزءاً من مجالها البحري السيادي.سوريا في معادلة غاز شرق المتوسط لسنوات خلال الحرب – منذ 2011– بقيت خارج المنافسة الإقليمية على غاز شرق المتوسط. ومع ذلك، بعد أسابيع قليلة فقط من انهيار نظام البعث وفرار بشار الأسد نهاية العام الماضي، أسرع المسؤولون الأتراك إلى الإعلان عن نية أنقرة ترسيم الحدود البحرية مع سوريا وتوقيع اتفاقيات مع الحكومة الجديدة في دمشق بشأن استكشاف الغاز في مياه شرق المتوسط.تضيف هذه السرعة التركية لتثبيت الاتفاقيات مع دمشق قبل استقرار الوضع طبقة جديدة من التعقيد إلى المناخ السوري وامتداداته الإقليمية والدولية. الحكومة السورية الجديدة حكومة انتقالية، وهناك آراء سياسية وقانونية متباينة حول ما إذا كانت تملك السلطة الكاملة للدخول في معاهدات وتوقيع اتفاقيات مع أطراف أجنبية، خاصة في الأمور الاستراتيجية. يذكر هذا بحركة مشابهة من تركيا عام 2019، عندما وقع الرئيس رجب طيب أردوغان اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية . أدىت تلك الصفقة إلى تفاقم الانقسامات الداخلية الليبية وزيادة المنافسة بين تركيا ودول شرق المتوسط الساحلية الأخرى.
من وجهة نظر أنقرة، فإن إبرام اتفاقية حدود بحرية مع حكومة دمشق – التي تشكلت تحت رعاية هيئة تحرير الشام (HTS)، التي تحافظ تركيا على علاقات وثيقة معها– سيعزز نفوذ تركيا البحري ويغير توازن ديناميكيات الطاقة الحالية في المنطقة. قد يشمل ذلك تأمين اعتراف دمشق بمطالب تركيا في مناطق EEZ لـ"قبرص الشمالية" –الدولة المعلنة ذاتياً التي تعترف بها تركيا فقط والتي تقابل سواحل خصوم أنقرة الإقليميين– أو الحصول على الوصول إلى EEZ سوريا الخاصة في المتوسط. بالنسبة لتركيا، يمثل هذا فرصة استراتيجية لإقامة رأس حربة جديد في شرق المتوسط وتشكيل تحالف إقليمي يشمل دمشق وطرابلس الغرب وقبرص الشمالية. سيسمح مثل هذا التحالف لأنقرة بتحدي خصومها في EMGF، خاصة قبرص واليونان، وتعزيز طموحها لتصبح مركزاً إقليمياً لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا.ومع ذلك، تواجه جهود تركيا لجذب سوريا إلى دائرتها وإعادة تشكيل خريطة الطاقة في المنطقة مقاومة من لاعبين مؤثرين آخرين. من ناحية، هناك EMGF، الذي يضم عدة دول – كل منها حذر من دور تركيا المتوسع والنفوذ في سوريا عامة، وعلى ساحلها خاصة. من ناحية أخرى، هناك روسيا – أكبر منتج ومالك احتياطيات غاز في العالم– التي تحافظ على وجود عسكري على الساحل السوري ولديها حسابات استراتيجية خاصة بشأن قطاع الغاز.إسرائيل، التي تسعى منذ زمن طويل إلى الحد من نفوذ إيران وحزب الله في سوريا ولبنان، وكذلك حماس في غزة، وهي قلقة من صعود الجماعات السنية المتطرفة على حدودها الشمالية وظهور حكومة في دمشق متحالفة مع تركيا. مثل هذا التطور لن يهدد مصالح إسرائيل الأمنية فحسب، بل قد يقوض طموحاتها الاقتصادية أيضاً. تهدف إسرائيل إلى أن تكون جزءاً من "الممر الاقتصادي" الرابط بين الهند وأوروبا عبر الخليج وشرق المتوسط. عندما اقترحت تشكيل EMGF، تخيلت إسرائيل أن تصبح مركزاً إقليمياً لتصدير الطاقة إلى أوروبا. ولتحقيق ذلك، وقعت عدة اتفاقيات في السنوات الأخيرة متعلقة بنقل الغاز وترابط الكهرباء مع قبرص واليونان.أما روسيا، فحتى لو لم يشكل غاز شرق المتوسط بديلاً عملياً للغاز الروسي أو منافساً حقيقياً، فإن موسكو مصرة على عدم فقدان احتكارها شبه الكامل لسوق الطاقة الأوروبية. لذلك، أكدت روسيا وجودها في ساحة غاز شرق المتوسط –عسكرياً، من خلال قواعدها في حميميم وطرطوس على الساحل السوري، وكذلك في شرق ليبيا، واقتصادياً، من خلال شركات الاستكشاف الغازي الروسية. بهذا، أرسلت روسيا رسالة واضحة: إنها لاعب رئيسي لا يمكن تهميشه، وتقف كوزن موازين لكل من تركيا وEMGF في المنافسة الإقليمية على الطاقة.غاز سوريا على اليابسة وفي البحرمثل غيرها من دول شرق المتوسط الساحلية –التي يستخرج الكثير منها غازاً من EEZ الخاصة بها منذ نحو عقدين– من المحتمل أن تحتوي EEZ السورية أيضاً على احتياطيات غاز كبيرة. رغم عدم وجود بيانات دقيقة عن الاحتياطيات الغازية البحرية المثبتة قبالة الساحل السوري، تقدر هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن المنطقة البحرية السورية قد تحتوي على ما يصل إلى 700 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي (1 متر مكعب ≈ 35 قدم مكعب).هذا الاحتياطي البحري المقدر يعادل نحو ثلاثة أضعاف احتياطيات الغاز السورية البرية، التي تبلغ حوالي 240 مليار متر مكعب. قبل الحرب، بلغ إنتاج الغاز السوري متوسط 28 مليون متر مكعب يومياً، نصفه من الغاز المصاحب لاستخراج النفط . تم إعادة حقن ثلث هذا الإنتاج تقريباً في آبار النفط لتعزيز الاسترداد، بينما استخدم الباقي لتزويد محطات الكهرباء وإنتاج غاز البترول المسال (LPG) للاستخدام المنزلي.تقع حقول الغاز السورية بشكل رئيسي في المناطق الوسطى والشرقية والشمالية الشرقية من البلاد. قبل الحرب، جاء ثلث الإنتاج الغازي الإجمالي من مناطق تسيطر عليها اليوم الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES)، بينما تبقى غالبية الحقول تحت سيطرة الحكومة المركزية. اليوم، انخفض الإنتاج الوطني إلى 10 ملايين متر مكعب يومياً فقط –غير كافٍ لتلبية نصف الطلب حتى لمحطات توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز.بدأت سوريا التحضيرات التقنية والقانونية لاستكشاف الغاز البحري في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وقعت الحكومة السورية عقوداً مع شركات أجنبية لإجراء مسوحات جيولوجية وسيسمیكية في مياهها الإقليمية لتقدير الاحتياطيات المحتملة من النفط والغاز. غطت هذه المسوحات نحو 10,000 كيلومتر مربع من EEZ السورية وأسفرت عن "نتائج واعدة" بشأن وجود الغاز. تم تحديد ثلاثة كتل بحرية للاستكشاف، تقابل المدن الساحلية اللاذقية وبانياس وطرطوس.
ومع ذلك، لم تبدأ أنشطة الاستكشاف في هذه الكتل البحرية قبل اندلاع الحرب رغم دعوات المناقصات.خلال النزاع، حصلت عدة شركات روسية –مثل سويوزنيفتيغاز وسترويترانلغاز– على عقود لاستكشاف واستخراج النفط والغاز في الجزء السوري من حوض شرق المتوسط. ومع ذلك، لم تؤدِ هذه العقود إلى إنتاج فعلي، بشكل رئيسي لأسباب غير اقتصادية. أحاطت اتهامات بالفساد هذه الصفقات والشركات، مع تعقيد الوضع السياسي والأمني المتقلب في سوريا، بالإضافة إلى العقوبات الغربية المفروضة على دمشق.
التحديات والمتطلبات: تتقاطع الحدود البحرية السورية مع تركيا شمالاً، وقبرص و"قبرص الشمالية" غرباً، ولبنان جنوباً، مما يضع البلاد عند مفترق خطوط الخلاف في معادلة غاز شرق المتوسط. مع سلطة حاكمة جديدة في دمشق، تتزايد التكهنات حول كيفية موقف سوريا ضمن هذه المنافسة الإقليمية على الطاقة. ومع ذلك، تواجه الحوافز الاقتصادية والدوافع السياسية التي قد تشكل توجه الحكومة الجديدة تحديات داخلية وخارجية.لا شك أن دخول سوريا كلاعب في ساحة غاز شرق المتوسط سيغير الديناميكيات الإقليمية الحالية. الاصطفاف مع تركيا واعتماد رؤية أنقرة لترسيم الحدود البحرية قد يفتح فرصاً لسوريا لاكتشاف موارد غازها الساحلية من خلال شراكات مع تركيا. هذا قد يساعد في تأمين الوقود والكهرباء الحاسمة لتعافي سوريا الاقتصادي، وربما يسمح بتصدير الغاز عبر خطوط أنابيب إما إلى السوق التركية أو عبر تركيا إلى أوروبا. ومع ذلك، مثل هذه الخطوة ستتحدى على الأرجح EMGF ودولها الأعضاء –خاصة إسرائيل ومصر– التي قد تفسر موقف سوريا كاصطفاف مع أنقرة ضدهم. قد يثير ذلك أيضاً توترات مع مشروع خط أنابيب الغاز العربي( مصر – الأردن- سوريا- لبنان)، الذي أكملت أجزاء منه في سوريا قبل الحرب. فشلت محاولات إحياء المشروع بسبب العقوبات وسلوك النظام السابق.بديلاً، يمكن لسوريا أن تبتعد عن هذه المنافسات الإقليمية بتعزيز تعاون إقليمي أوسع وعمل على تقليل التوترات الجيوسياسية من خلال الاعتماد المتبادل. بدلاً من الاصطفاف حصرياً مع تركيا، يمكن لسوريا الانخراط في مشاريع طاقة متعددة الأطراف وتشكيل شراكات متنوعة. رغم أن سوريا لم توقع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) ولم ترسم حدودها البحرية، فإن تصديق المعاهدة قد يساعد في حماية حقوق سوريا السيادية في مياهها الإقليمية ويطمئن الدول المجاورة. هذا قد يمهد أيضاً الطريق لاستثمارات مشتركة مستقبلية واتفاقيات مشاركة الإنتاج في المناطق الاقتصادية المتداخلة مع لبنان وتركيا وقبرص.ومع ذلك، يواجه تحقيق مثل هذا السيناريو عقبات كبيرة. أبرزها تأثير العقوبات الغربية على سوريا، التي تعيق ليس فقط استكشاف واستخراج الغاز البحري بل تقيد كل قطاعات الاقتصاد السوري تقريباً، بما في ذلك النفط والغاز. علاوة على ذلك، لا تزال القيادة الجديدة في دمشق تسعى للشرعية الدولية. بدون إكمال الإطارات الدستورية والقانونية اللازمة لسوريا لتوقيع اتفاقيات حدود بحرية أو الانضمام إلى UNCLOS، ستبقى السلطات الجديدة غير قادرة على الدخول بشكل حقيقي في معادلة غاز شرق المتوسط –مما يجعل جهودها لا تختلف عن جهود النظام السابق.هناك أيضاً قائمة من الطلبات والشروط المرتبطة بالمرحلة الانتقالية التي يجب على الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وحكومته تلبيتها لإثبات شرعية حكمهم وتمثيلهم، وطمأنة المجتمع الدولي بأنهم لا يشكلون تهديداً للأمن الإقليمي أو مصالح الدول المجاورة.يزيد من التعقيد أيضاً أن مشاركة سوريا في مشاريع غاز شرق المتوسط تعتمد أولاً وقبل كل شيء على استقرار الوضع الداخلي. كشفت المذابح التي نفذتها جماعات جهادية متطرفة وتشكيلات عسكرية تابعة للجيش العربي السوري بين 7-10 مارس في قرى ومدن علوية على طول الساحل السوري عن هشاشة البيئة الأمنية وتعدد الولاءات ومراكز القوى داخل الإدارة الجديدة. أدانت الحكومات الغربية الفظائع، التي قتلت آلاف المدنيين العلويين، وأثارت مخاوف بشأن تسلل الجماعات الجهادية الأجنبية إلى الهيكل الحاكم الجديد.
الخاتمة: لا يمكن دمج الموارد الطبيعية السورية في جهود إعادة الإعمار والتعافي بدون عملية سياسية ودستورية شاملة تمنح الحكومة شرعية داخلية ودولية. بينما حددت الشروط للاعتراف الدولي بوضوح من قبل المسؤولين الغربيين، فإن الشرعية الداخلية تعتمد على صياغة إجماع بين السوريين حول المصالح المشتركة وتوزيع عادل للسلطة والموارد وهو ما يشكل مقدمة الضمانات الموثوقة بشأن طبيعة الدولة السورية الجديدة.يجب التعامل مع المنطقة الساحلية، التي تحمل أهمية اقتصادية كبرى كبوابة سوريا إلى البحر المتوسط وبسبب ثروتها الغازية البحرية، – مثل جميع أجزاء سوريا الأخرى– في إطار مصالحة وطنية. أي محاولة أحادية الجانب من السلطة المركزية لتهميش المصالح المحلية أو احتكار الموارد الاقتصادية، تخاطر بإشعال النزاع من جديد وإعادة إنتاج الديناميكيات نفسها التي أدت إلى الحرب. مثل هذا المسار سيضر في النهاية بسوريا والشعب السوري ككل.
حرب إيران: لماذا يُعدّ حقل فارس (بارس) الجنوبي مهمًا إلى هذه الدرجة؟
- تيموثي رووكس -
https://www.dw.com/en/iran-war-and-energy-prices-attack-on-south-pars-raises-more-energy-fears/a-76432233
19آذارمارس2026
- هيئة الترجمة في الحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)
أدّى الهجوم على حقل فارس(بارس) الجنوبي الغازي الرئيسي في إيران إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وأثار مخاوف من تصعيد أكبر، ودفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع.
شنّت إسرائيل، الأربعاء 18 آذار/ مارس، هجومًا استهدف حقل فارس الجنوبي، طال وحدات التكرير البرية وخزانات تخزين الغاز في منطقة عسلوية، إضافة إلى منشآت بحرية مرتبطة بالحقل.
ردًا على ذلك، سارعت إيران إلى شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت السعودية والإمارات، إلى جانب مركز الطاقة الرئيس في قطر، مدينة رأس لفان الصناعية التي تُعدّ أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المُسال في العالم.
الولايات المتحدة: “لم نكن على علم” بالهجمات
في إشارة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد لا تتبنيان النهج ذاته على الدوام، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال” أنه “لم يكن على علم بهذا الهجوم تحديدًا”، لكنه أشار إلى أن إسرائيل لن تعاود استهداف الحقل دون استفزاز.
وفي الوقت نفسه، وفي محاولة لاحتواء التصعيد، حذّر ترامب إيران من أن الولايات المتحدة ستقوم “بتدمير كامل حقل فارس الجنوبي بقوة غير مسبوقة” إذا أقدمت على مهاجمة قطر مجددًا.
شكّل الهجومان تصعيدًا خطيرًا في مسار الحرب الإقليمية، وعززا حالة القلق في أسواق الطاقة، نظرًا إلى الأهمية الحيوية لحقل فارس الجنوبي في الإمدادات العالمية، واحتمال انزلاق الوضع نحو مزيد من التدهور. أعقب هذه التطورات ارتفاع ملحوظ في أسعار الغاز الطبيعي، وأيضاً النفط.
إيران واعتمادها على فارس الجنوبي
يُعد حقل فارس الجنوبي الإيراني جزءًا من حقل أكبر يقسمه خط بحري في الخليج، حيث يقع على الجانب الآخر حقل الشمال القطري.
يشكّل هذان الحقلان المشتركان أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم، إذ تمثل نحو ثلث الاحتياطيات المعروفة عالميًا.
وبالنسبة إلى إيران، فإن أي استهداف لإنتاج فارس الجنوبي يُعدّ مشكلة داخلية بالدرجة الأولى، إذ تحدّ العقوبات الغربية من قدرتها على التصدير، ما يدفعها إلى استهلاك معظم إنتاجها محليًا، بينما تذهب الكميات المتبقية إلى كل من العراق وتركيا.
ويمثل حقل فارس الجنوبي نحو 70% من إنتاج الغاز الإيراني، كما يشكل ركيزة أساسية في اقتصاد البلاد، إلى جانب قطاع النفط.
وقد يؤدي أي تعطّل في الإنتاج إلى تراجع الإمدادات، وتفاقم أزمات الطاقة المحلية، وزيادة إجراءات التقنين وانقطاع التيار الكهربائي، وذلك رغم امتلاك إيران ثاني أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في العالم بعد روسيا، وثالث أكبر احتياطي نفطي.
قطر: أسواق الطاقة العالمية في حالة ترقّب وقلق
بالنسبة إلى قطر، فإن أي استهداف لحقل فارس الجنوبي أو منشآته الإنتاجية لا يُعد مسألة محلية، بل أزمة عالمية، نظرًا إلى اعتمادها على تصدير الغاز إلى الأسواق الدولية، وكونها المورّد الأكبر لآسيا.
يساهم مجمّع رأس لفان الصناعي بنحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال عالميًا. وإجمالًا، تحتل قطر المرتبة الثالثة عالميًا في تصدير الغاز المُسال بعد الولايات المتحدة وأستراليا.
كما أن توقّف العمل في منشآت رأس لفان لا يؤثر فقط في الغاز، بل يمتد إلى إنتاج الهيليوم — وهو منتج ثانوي لعمليات تسييل الغاز — وله استخدامات صناعية عديدة، من بينها أشباه الموصلات.
شهد إنتاج النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط انخفاضًا ملحوظًا، ويعود ذلك بشكل رئيس إلى إغلاق مضيق هرمز، ما حال دون وصول النفط والغاز من الخليج العربي إلى المستهلكين حول العالم.
مع إغلاق المضيق، تمكنت منشآت إنتاجية أن تعمل إلى الآن، حتى وإن توقفت مؤقتًا. لكن، في الوقت الراهن، ومع استهداف منشآت النفط والغاز بشكل مباشر، قد تبقى هذه المنشآت خارج الخدمة لوقت أطول بكثير بسبب حاجتها إلى إصلاحات، حتى لو انتهت الحرب وأُعيد فتح المضيق.

“أسواق النفط في حالة قلق”
تُعد أعمال إصلاح المنشآت المتضررة معقّدة ومكلفة، وقد تستغرق أشهرًا أو حتى سنوات، ما يعني تراجع تدفقات النفط والغاز إلى الأسواق العالمية المتعطّشة للطاقة.
وفي حين تمتلك قطر القدرة المالية لتحمّل كلفة هذه الإصلاحات، فإن إيران، التي تعاني من سنوات من العقوبات، قد تواجه صعوبات مالية تحدّ من سرعة التعافي.
وأشار محلل “دويتشه بنك”، جيم ريد، إلى أن الهجوم على حقل الغاز يُعد تطورًا لافتًا، كونه أول استهداف مباشر لمنشآت الإنتاج منذ بداية الحرب الحالية.
وقد ارتفعت أسعار النفط والغاز عقب الهجمات، وأضاف ريد: “لا تزال الأسواق الآسيوية في حالة قلق في هذا الصباح في خضم مخاوف من تعرّض البنية التحتية للطاقة لأضرار جسيمة".

كتب وارن باترسون، رئيس استراتيجية السلع في شركة ING، وإيفا مانتي، مختصة باستراتيجيات السلع: "إن الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز الطبيعي المُسال تعني أن الأزمة لا تتعلق بموعد استئناف التدفقات عبر مضيق هرمز فحسب، بل كذلك بالمدة التي ستستغرقها أعمال الإصلاح".
مع ترسخ هذا الواقع الجديد، يُمكن للمخاوف أن ترفع أسعار الطاقة إلى عتبة جديدة.
يرى باترسون ومانتي أنّ "استهداف أصول الطاقة الإيرانية جاء في وقت كانت فيه الإدارة الأميركية تسعى خلال الأسابيع الماضية إلى تخفيف الضغوط التصاعدية على أسعار النفط".

الوضع الإقليمي والعربي
- من البرنامج السياسي للحزب الشيوعي السوري(المكتب السياسي)-2026-
ما إن انتهت الحرب العالمية الأولى حتى كانت تقريباً كل الدول العربية والإقليمية تخضع لانتداب ووصاية وهيمنة الدول الرأسمالية الامبريالية مثل بريطانية وفرنسا ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت الدول العربية والإقليمية تحصل على ما سمي باستقلالها السياسي والخروج من تحت الهيمنة البريطانية والفرنسية حيث كانت سطوة لندن وباريس قد بدأت بالأفول مع منتصف خمسينيات القرن العشرين وليبدأ عندها التدخل الأمريكي في المنطقة لملء فراغ القوى الاستعمارية التقليدية في المنطقة مع مبدأ أيزنهاور الذي طرح بعد أشهر قليلة من حرب السويس عام1956 ومن أجل مواجهة السوفييت في المنطقة التي كانوا قد دخلوها من خلال دعم موسكو للرئيس جمال عبد الناصر من خلال صفقات السلاح التي بدأت عام1955ثم باتفاقية بناء السد العالي ومن خلال صفقات السلاح والدعم السياسي للسلطة السورية وخاصة في فترة مابعد23شباط1966.
كان الدخول الأمريكي للمنطقة قد بدأت خطواته قبل طرح (مبدأ أيزنهاور) عام1957، لما شكل اللقاء بين الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز آل سعود عام1945بداية علاقات جعلت الرياض وكيلاً أساسياً للقوة الأمريكية في المنطقة ثم كان الانقلاب الأمريكي على رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام1953وارجاع شاه إيران بداية عملية الخلافة الأمريكية للبريطانيين في منطقة الشرق الأوسط.
استخدمت مناخات الحرب الباردة من قبل الأمريكان لتحجيم النفوذ السوفياتي في المنطقة ومن أجل فرض النفوذ الأمريكي عل الشرق الأوسط وهو ما نجحت فيه واشنطن عبر إبعاد القاهرة عن موسكو منذ عام1974ثم في عقد اتفاقية كامب دافيد عام1978 المصرية مع إسرائيل لإخراج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي من أجل الاستفراد الأمريكي- الإسرائيلي بباقي العرب بعد تحييد (الرأس المصري) ثم بتحطيم العراق في حرب1991تمهيداً لاحتلاله عام2003من "أجل إعادة صياغة المنطقة "وفق تعبير وزير الخارجية الأمريكي كولن باول قبل أسابيع من بدء الغزو الأميركي للعراق عام2003.
قاد فراغ القوة عند العرب إلى صعود قوة دول الجوار الإقليمي في إيران وتركيا وإثيوبيا، وبدأ ذلك مع ضعف الدور المصري في عهد السادات بالقياس إلى الدور المصري الإقليمي في عهد عبد الناصر، وقد انتهى الدور الإقليمي وقوة العراق مع حرب 1991 وأيضا انتهى الدور الإقليمي السوري مع نشوب الأزمة السورية عام2011.
السعودية ،التي برز دورها الإقليمي أيضاً مع الفورة النفطية بعد حرب 1973 ثم بدأ دورها الإقليمي بالتلاشي في مرحلة ما بعد 2015 ،وقد برز هذا التلاشي بوضوح في ملفات العراق وسوريا ولبنان بالتوازي مع غوصها في أوحال اليمن منذ عام2015ولو أن هناك عودة عند الأميركان نحو إعادة تعويم الدور السعودي ضد إيران بدءاً من قمة الرياض بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أيار2017التي ترافقت مع توترات غير مسبوقة في العلاقات الأميركية – التركية.
لم يقتصر ذلك على صعود أدوار دول الجوار العربي في الإقليم بل يمتد ذلك الى لعبها بالدواخل العربية المحلية، كما أن دولة مثل إيران قد أصبح لها تأثير كبير في الصراع العربي - الإسرائيلي عبر نفوذها على حزب الله وحركتي حماس والجهاد. وكان لعب دول الجوار الإقليمي بالدواخل العربية، من خلال الطوائف الشيعية في العراق ولبنان والبحرين والحوثيين في اليمن ولعب تركيا على الأحزاب الإسلامية والحركات المسلحة في سوريا وأيضاً تأثير إثيوبيا على الجبهة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون غارانغ ثم سيلفا كير، مؤشرا على امتدادات لتلك الدول للعب في الحركات المحلية بالدول العربية ليس فقط لممارسة النفوذ وإنما حتى لإيصال قوى موالية لتلك الدول إلى سدة السلطة المحلية مثل حزب الدعوة في العراق أو إنشاء ميليشيات عسكرية تلعب دورا كبيرا في لعبة السلطة المحلية مثل الحشد الشعبي في العراق أو الحوثيين في اليمن أو لتغيير الخرائط مثلما قاد تمرد الحركة الشعبية في جنوب السودان عام1983الى انفصال الجنوب عام 2011. يشير ذلك أيضاً إلى مدى تفكك واضطراب بنية الدول العربية التي تمت وراثتها من الاستعمار التقليدي في الخمسينات والستينات للقرن العشرين.
يعطي مثال العراق عام 2003 وما بعد صورة تظهيرية عن ذلك: حيث لم يختلف العراقيون فقط ضمن اصطفافي المعارضة والموالاة على الحاكم المحلي الذي اسمه صدام حسين وإنما اختلفوا أيضا بين مؤيد للغزو الأمريكي ومعارض له وهذا ما شمل لاحقا الموقف الخلافي عند العراقيين من سلطة الاحتلال بقيادة الحاكم الأمريكي بول بريمر.
في سوريا2011-2024 أيضا اشترك الجميع في الموالاة والمعارضة( ماعدا قلة قليلة نحن منها) في الاتجاه نحو نزعة الاستعانة بالخارج: الموالاة نحو الاستعانة بالمحور الروسي- الإيراني وأغلب المعارضون نحو الاستعانة بالمحور الأمريكي_ التركي- الخليجي بحيث كانت (كل" أو معظمها" البقرات سوداء في الليل) كما يقول هيغل. بتأثير كل ذلك دخل العراق تحت الوصاية الخارجية ثم لحقته سورية ويبدو أن الوضع في اليمن ليس بعيداً عن ذلك.
من هذا المنطلق يلاحظ أن المشاريع التي تقدم للمنطقة هي كلها على طراز نظام المحاصصة الذي هو موجود بلبنان منذ ميثاق 1943 وبعده ميثاق الطائف عام 1989 حيث من الواضح أن هذا النظام يتيح للخارج مجالا أكبر للسيطرة على الداخل العربي أو للتلاعب في هذا الداخل وذلك من قبل دول مثل الولايات المتحدة وبريطانية وفرنسة وروسيا تقوم على ديمقراطية المواطن وليس ديمقراطية المكونات كما يراد فرضها من قبلها على المنطقة العربية.
يؤكد ذلك على أن العرب ومنهم سورية لم يتجاوزوا مهمات المرحلة الوطنية من حيث أن التناقض الرئيسي أمام القوى السياسية في العراق وسورية ولبنان واليمن هو نضال من أجل رفع وصاية الخارج عن الداخل والاستقلال بعيدا عن حكم السفارات في تلك الدول وإن المهمات الأخرى، مثل (الديمقراطية) و(الاقتصادية الاجتماعية) و(التحديثية)، يجب أن تكون بالتوازي مع المهمة الوطنية تلك وليس بالتعاكس معها، كما أن مهمات التحالف السياسي بين القوى السياسية العربية المحلية يجب أن تكون مبنية أولا على الموقف تجاه الأوصياء الخارجيين على الدواخل العربية.
يلاحظ :
أن هناك اتجاهات جديدة نحو جعل الخليج هو المركز العربي في قضايا السياسة والأمن إضافة للثقافة والفن، بعد ما يقارب خمسون سنة ماضية من القضاء على الدور المصري الاقليمي بعد كامب دافيد، وتحطيم للعراق بعد حرب الخليج الأولى1980-1988 والثانية1991ثم الاحتلال الأميركي عام2003وماتبعه من هيمنة ايرانية على بلاد الرافدين، ومن تحطيم لسوريا من خلال ما جرى ما بعد عام2011 بعد أن جرت أزمة داخلية ركبها الخارج الاقليمي والدولي لتتحول إلى صراع على سوريا وصراع في سوريا.
هذه الاتجاهات من المركز الامبريالي العالمي تهدف إلى انشاء امتداد شرق أوسطي جديد لحلف الأطلسي (الناتو) يضم دول عربية بالتحالف مع اسرائيل في مواجهة ايران وغيرها، مع محاولة انهاء الصراع العربي-الاسرائيلي عبر ذلك.
في رصد لبعض الاتجاهات العامة بمجتمعات عربية عديدة، يمكن ملاحظة ظاهرة بدأت في الجزائر عام1992، ثم تكررت في تونس مع زين العابدين بن علي1987-2011 ومع قيس سعيد منذ عام2021، ثم ظهرت في مصر مع السيسي منذ 2013، هي تتمثل في وقوف ليبراليين وعلمانيين ويساريين مع انقلابات الديكتاتوريين ضد الإسلاميين أو مع اتجاهاتهم للقمع، ولو كان ذلك على حساب العملية الديمقراطية.
في رأينا:
الحل للقضية الفلسطينية يأتي عبر إقامة دولة ديمقراطية علمانية على كامل أرض فلسطين تضم العرب واليهود وتكون دولة يتمتع فيها المواطنون بالتساوي في الحقوق والواجبات، وهذه الرؤية مبنية على خلفية فشل حل الدولتين وفشل مشروع اسرائيل الكبرى. هذا الطريق يمكن أن يأخذ مدى عملي في المستقبل، لأن الحلول الأخرى مثل تحرير فلسطين قد ثبت عدم إمكانية تحققها في ظروف ما بعد عام1948، كما فشلت الحلول التسووية مثل حل الدولتين في ظل الاستيطان بالضفة الغربية ووضع القدس حيث أصبح حلاً غير واقعي، هذا غير الحلول الخطرة مثل حل إقامة دولة فلسطينية في شرق الأردن كان شارون أول من اقترحه عام1970.
العروبة هي رابط ثقافي- اجتماعي وليست رابطاً سياسياً، كما كانت في الخمسينيات والستينيات قبل أن تفشل، كما لم تعد الآن حركة سياسية أو أيديولوجية . العروبة هي هوية حضارية ثقافية ارتبطت بمسار لحضارة نشأت مع الاسلام ، وهي ليست مرتبطة بحالة عرقية أو قومية، بل مرتبطة بحالة احساس بهوية حضارية – ثقافية معينة.
نشأت الحركة السياسية العروبية بعد انهيار الدولة العثمانية التي كانت محاولة لا نشاء جامعة اسلامية تتجاوز الحالة القومية . العروبة في القرن العشرين أفرزت حركات سياسية ، ولكن لم تستطع هذه الحركات أن تحتكر العروبة، بل يمكن لتيارات ،مثل الماركسية والليبرالية ،أن تتبنى العروبة أولا تتبناها .لذلك العروبة يمكن أن تشمل العرب وغير العرب، ويمكن أن لا يتبناها كل العرب، وهي ليست هوية تفرض على أحد، أوهوية اجبارية حتمية للبلد.
ويمكن للعروبة أن تكون حالة لمواجهة التهديدات الامبريالية أو الاسرائيلية ،أو أن تكون اتجاهاً لا نشاء تكتل اقتصادي على طراز الاتحاد الأوروبي.
محاولة لتعريف السياسة
- مازن كم الماز -

يحتاج المرء أحيانًا أن يعود إلى الأسس أو إلى البديهيات لأن هذه تغيب وسط الصخب والنقاشات ذات النبرة المرتفعة الأقرب إلى جعجعة بلا طحين… ما هي السياسة؟ قد يبدو هذا السؤال صادمًا للوهلة الأولى أو عسير الجواب حتى، فما يبدو بديهيًا في صخب الأحاديث والمناكفات اليومية يبدو فجأة معقدًا إذا حاول الإنسان تعريفه أو التعبير عنه بكلمات واضحة محددة. ليست السياسة أن تقف إلى جانب هذا الزعيم أو ذاك، ولا إلى جانب ذلك التيار السياسي أو الفكري أو إلى جانب أحد خصومه، و لو أن هذا هو أحد تجليات السياسة. السياسة هي آلية اتخاذ القرارات فيما يتعلق بحياة جماعة من البشر، كيف تُدار الخلافات داخلها و كيف يجري اختيار قادتها و كيف تدار مواردها ، صحيح أن موضوعها الأشهر هو الحكومة لكن السياسة تمارس في كل مكان، في المعامل والجامعات والشوارع والسجون طبعًا وحتى المدارس. هناك محاولة لتعريف مكثف للسياسة بأنها تحديد من سيحصل على ماذا و متى و كيف. و للدول أو الحكومات أشكال مختلفة حسب اتساع دائرة من يتخذ القرار، فإذا كان من يتخذ القرار فردا واحدًا تسمى بالأوتوقراطية وحتى بالديكتاتورية في حالة الحكم الفردي الأشد استبدادًا؛ أو مجموعة صغيرة من الأفراد أو ما يسمى بالأوليغاركية، إلى الديمقراطية أو حكم الأكثرية أو في تعريف آخر حكم الشعب نفسه بنفسه. و الوصول إلى السلطة يكون عبر أحد طريقين: التغلب أو اختيار الناس للحاكم، و في تاريخنا وجد كل من إمامة المتغلب و"البيعة الشرعية" للإمام، ولو أن الطريقة الأولى كانت القاعدة والثانية هي الاستثناء؛ وبينما ذهب كثيرون إلى ضرورة إتباع أو الخضوع للإمام المتغلب حقنًا للدماء عند البعض ولتفادي الفوضى عند آخرين، قال آخرون وبعضهم من كبار الأئمة ممن يقلدهم اليوم ملايين المسلمين كأبي حنيفة النعمان برفض شرعية إمامة المتغلب وأصروا على ضرورة البيعة العامة حتى أنهم شرعوا الخروج على الحاكم الظالم، بل وشاركوا أو دعموا ثورات ضد أخطر حكام زمانهم. يمكن القول إن السياسة كانت تمارس في الدول العربية و الإسلامية القروسطية عبر الثورات والانتفاضات، كان ذلك هو الطريق الوحيد عمليًا منذ استحال الحكم إلى ملك عضوض، أي وراثي، لتغيير السلطة أو سلوكها أو الاحتجاج على قراراتها و ممارساتها. أما بالعودة إلى زماننا اليوم و إلى سوريا تحديدًا يمكننا القول إن فتح آفاق السياسة أمام المجتمع يتطلب في الحقيقة شرطًا حاسمًا هو وجود إمكانية حقيقية لتغيير السلطة سلميًا أو لتداول السلطة، هذا فقط سيمنح الأحزاب السياسية معنى ومغزى لوجودها، بدونه ستتحول فقط إلى معارضة أبدية تقف أمام خيارين، إما النجاح في إسقاط النظام او الاستمرار في معارضته "إلى الأبد"؛ و ستبقى "السياسة" كما كانت طوال حكم النظام السابق، معارضة فقط محصورة بعدد محدود من المنشغلين بالشأن العام المستعدين لتقديم التضحيات أمام قمع النظام والذين يقضون وقتهم في نقد الحكومة بدون العمل على دراسة مجتمعهم ووضع مشاريع بديلة أو مناقشة المسائل الحيوية في حياة وتطور المجتمع، أي شكل سلبي ونخبوي لممارسة السياسة يكرس عجز السلطة نفسها عن مخاطبة المجتمع أو فهمه أو الاعتراف بوجوده وبحقه في إدارة شؤونه أو نقدها على أقل تقدير. ليس فقط الأحزاب والتي تشكل ضرورة لممارسة السياسة أو لوجودها، بل الناس المحكومون هم أيضًا سيكونون بلا خيارات عمليًا أكثر من الخضوع أو الثورة عندما تُسد في وجوههم كل السبل ليس فقط للترقي الاجتماعي والاقتصادي والوظيفي، بل ربما للحصول على أساسيات الحياة نفسها. هنا سنكون أمام سلطة تستمد "شرعيتها" و سطوتها من جهازين فقط، جهاز القمع المباشر و جهاز القمع غير المباشر، أو الجهاز المنتج للبروباغندا الخاصة بها، في مواجهتها يقف مجتمع عار من كل وسيلة للدفاع سوى الهدم البطيء أو العنيف ما دام البناء الذي يشكل السلطة يقام وينظم لقمعه ونهبه فقط.
-----------------------------------------------------------------

موقع الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي) على (الحوار المتمدن
رابط الموقع:
https:\www.ahewar.netm.asp?i=9135
• عدد زوار موقع الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي : 730,978
( 20 نيسانإبريل2026 )





الفيسبوك موقعنا على


facebook.com/scppb.org

موقعنا على الانترنت
www.scppb.org

موقعنا على الحوار المتمدن
www.ahewar.net/m.asp?i=9135



#الحزب_الشيوعي_السوري_-_المكتب_السياسي (هاشتاغ)       The_Syrian_Communist_Party-polit_Bureau#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسار العدد 110
- المسار 109
- البرنامج السياسي - 2026
- المسار- العدد 85
- المسار- العدد 84
- المسار 81
- المسار 79
- المسار- العدد 72
- المسار- العدد 71
- المسار- العدد 70
- المسار- العدد 69
- المسار- العدد 68
- المسار- العدد 67
- المسار- العدد 66
- المسار- العدد 65
- المسار- العدد 64
- المسار- العدد 63
- المسار- العدد 62
- المسار- العدد 61
- المسار- العدد 60


المزيد.....




- أول رد من ترامب على المقترح الإيراني الجديد بشأن المفاوضات و ...
- إيرانيون يعبرون لـCNN عن قلقهم من استئناف الحرب قريبا
- -بالتوفيق في الحصار-.. قاليباف يسخر من هيغسيث بخريطة تُظهر ا ...
- 135 الف قنبلة منذ 7 اكتوبر.. الجيش الاسرائيلي يكشف حجم ضربات ...
- -أدخلنا كل ما نريد إدخاله-.. حزب الله يكشف تفاصيل المواجهة م ...
- ترامب: لست راضيا عن المقترح الإيراني الجديد
- فرنسا: مسيرات للتمسك بأول مايو كعطلة رسمية
- انسحاب أمريكا المحتمل.. هل انتقلت الصدمة من ألمانيا إلى الكو ...
- جنوب لبنان اليوم.. 11 قتيلا في 34 غارة إسرائيلية وحزب الله ي ...
- -فوق السلطة-.. ضربوا كل شيء ونسوا -المطبخ النووي-


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي - المسار العدد 111