جعفر حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 01:34
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يُعدّ موضوع السيادة العراقية من أكثر القضايا تعقيداً وتشابكاً في تاريخ الدولة الحديثة، إذ لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التحولات السياسية الكبرى التي مرّ بها العراق، ولا عن البيئة الإقليمية والدولية التي تحيط به، فالسيادة ليست مجرد مفهوم قانوني يُنصّ عليه في الدساتير، بل هي ممارسة فعلية تتجسد في قدرة الدولة على التحكم بقرارها السياسي، وإدارة مواردها الاقتصادية، وحماية حدودها وأراضيها من أي تدخل خارجي، غير أن العراق، وخصوصاً بعد عام 2003، واجه تحديات عميقة جعلت هذه السيادة موضع اختبار دائم، بل وأدت في كثير من الأحيان إلى خروقات واضحة ومتكررة على المستويات الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على استقرار الدولة وثقة المواطن بمؤسساتها، فعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن القول إن العراق يعاني من نوع خاص من التبعية الهيكلية التي جعلت اقتصاده مرتبطاً بشكل كبير بالعوامل الخارجية، رغم ما يمتلكه من ثروات هائلة، وفي مقدمتها النفط، إذ يشكل النفط المصدر الأساسي للإيرادات العامة، ما يجعل الاقتصاد العراقي أحادي الجانب ومعرضاً لتقلبات السوق العالمية التي لا يملك السيطرة عليها، فمجرد انخفاض أسعار النفط يؤدي إلى أزمات مالية حادة، كما حصل في سنوات متعددة، الأمر الذي يضطر الحكومة إلى اللجوء إلى الاقتراض أو فرض إجراءات تقشفية قد تكون غير شعبية، وهذا بحد ذاته يمثل شكلاً من أشكال تقييد القرار الاقتصادي، حيث يصبح مرتبطاً بإرادة الأسواق العالمية والمؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين غالباً ما يقدمان قروضاً مشروطة بإصلاحات اقتصادية معينة، قد لا تنسجم دائماً مع الواقع الاجتماعي في العراق، ومن جهة أخرى، فإن عقود التراخيص النفطية مع الشركات الأجنبية، ورغم دورها في زيادة الإنتاج، إلا أنها كرّست نوعاً من الاعتماد الفني والتقني على الخارج، حيث لا تزال الشركات العالمية تلعب دوراً محورياً في تشغيل الحقول النفطية، وهو ما يحدّ من قدرة العراق على إدارة هذا القطاع بشكل مستقل بالكامل، كما أن ملف الغاز المصاحب الذي يُحرق بكميات كبيرة بدلاً من استثماره، يعكس خللاً بنيوياً في إدارة الموارد، ويجبر العراق على استيراد الغاز من الخارج لتشغيل محطات الكهرباء، وهو ما يمثل مفارقة اقتصادية واضحة، ويضع البلد تحت تأثير الدول المصدّرة للطاقة، حيث يمكن لأي توتر سياسي أن ينعكس على إمدادات الطاقة، وقد شهد العراق بالفعل حالات تأثر فيها تجهيز الكهرباء نتيجة مشاكل في استيراد الغاز أو الكهرباء، أما في ما يتعلق بالتجارة، فإن العراق يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاته الأساسية، بدءاً من المواد الغذائية وصولاً إلى السلع الصناعية، وهو ما يخلق عجزاً في الميزان التجاري، ويجعل الأسواق المحلية مفتوحة أمام المنتجات الأجنبية، ما يضعف الإنتاج الوطني ويزيد من الاعتماد على الخارج، ويمنح الدول المصدّرة نفوذاً اقتصادياً يمكن توظيفه سياسياً، ومن الأمثلة الحالية على ذلك استمرار استيراد السلع من دول الجوار بكميات كبيرة، وتأثر السوق العراقية بأي تغييرات في سياسات تلك الدول، سواء من حيث الأسعار أو القيود التجارية، وفي السياق نفسه، فإن النظام المصرفي العراقي لا يزال مرتبطاً بالنظام المالي العالمي، خصوصاً من خلال التعامل بالدولار، ما يجعله عرضة للإجراءات والقيود التي قد تفرضها الولايات المتحدة أو غيرها، وقد شهدت الفترة الأخيرة تشديداً على التحويلات المالية بالدولار، الأمر الذي أثر على السوق المحلية وخلق تقلبات في سعر الصرف، وهو مثال واضح على كيف يمكن للعوامل الخارجية أن تؤثر على الاقتصاد الداخلي بشكل مباشر، وعلى الصعيد السياسي، فإن خرق السيادة يظهر بشكل أكثر تعقيداً، إذ إن النظام السياسي في العراق بُني في ظل تدخل دولي مباشر، واستمر هذا التأثير بأشكال مختلفة، سواء من خلال دعم أطراف سياسية معينة، أو من خلال التأثير في مسار العملية السياسية، حيث إن بعض القوى السياسية ترتبط بعلاقات وثيقة مع دول إقليمية أو دولية، ما يجعل قراراتها في بعض الأحيان متأثرة بتلك العلاقات، وقد برز هذا التأثير بوضوح خلال فترات تشكيل الحكومات، حيث كانت المفاوضات لا تقتصر على الداخل، بل تمتد إلى عواصم إقليمية ودولية، وهو ما يضعف من استقلالية القرار الوطني، كما أن الانتخابات العراقية لم تكن بمنأى عن الاتهامات بالتدخل الخارجي، سواء عبر الدعم المالي أو الإعلامي لبعض الأطراف، أو عبر محاولات التأثير على الرأي العام، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى نزاهة العملية الديمقراطية في ظل هذه الظروف، ولا يمكن إغفال دور البعثات الدبلوماسية الأجنبية التي تُتهم أحياناً بتجاوز دورها التقليدي، من خلال الانخراط في الشأن السياسي الداخلي، سواء عبر اللقاءات مع قادة الأحزاب أو عبر دعم مشاريع معينة، وهو ما يثير جدلاً واسعاً حول حدود العمل الدبلوماسي، وفي الوقت نفسه، فإن العراق يخضع لضغوط دولية في ملفات متعددة، مثل العقوبات، أو الالتزامات المالية، أو حتى التوازن في علاقاته الخارجية، حيث يجد نفسه في كثير من الأحيان مضطراً للموازنة بين قوى متنافسة، مثل الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يقيّد حركته السياسية ويجعله عرضة للضغوط من كلا الطرفين، ومن الأمثلة الحالية على ذلك استمرار التوتر بين واشنطن وطهران وانعكاسه على الساحة العراقية، حيث يتحول العراق أحياناً إلى ساحة لتبادل الرسائل بين الطرفين، سواء عبر التصريحات أو عبر التحركات الميدانية، أما على الصعيد العسكري، فإن خرق السيادة العراقية يُعدّ الأكثر وضوحاً وخطورة، إذ إن وجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية، سواء تحت مسمى التحالف الدولي أو غيره، يثير جدلاً مستمراً حول مدى توافقه مع مبدأ السيادة، فرغم أن هذا الوجود جاء بطلب من الحكومة العراقية في سياق الحرب ضد تنظيم داعش، إلا أن استمراره بعد تراجع خطر التنظيم يطرح تساؤلات حول ضرورته وحدوده، كما أن العمليات العسكرية التي تنفذها بعض الدول داخل الأراضي العراقية دون تنسيق كامل تمثل انتهاكاً صريحاً للسيادة، ومن أبرز هذه العمليات الضربات الجوية التركية في شمال العراق ضد حزب العمال الكردستاني، والتي تُنفذ بشكل متكرر، وترافقها أحياناً توغلات برية، ما يضع الحكومة العراقية في موقف صعب بين الحفاظ على سيادتها وبين تجنب التصعيد مع دولة مجاورة، وكذلك الضربات الجوية التي تنفذها الولايات المتحدة ضد بعض الفصائل المسلحة، والتي غالباً ما تأتي رداً على هجمات تستهدف مصالحها، وهو ما يؤدي إلى تصعيد متبادل ويزيد من تعقيد المشهد الأمني، إضافة إلى ذلك، فإن وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة أو ذات ارتباطات خارجية يمثل تحدياً كبيراً للسيادة، حيث إن تعدد مراكز القوة العسكرية يضعف من احتكار الدولة لاستخدام القوة، وهو أحد أهم عناصر السيادة، كما أن هذه الجماعات قد تنخرط في صراعات إقليمية أو تنفذ أجندات لا تتطابق مع المصلحة الوطنية، ما يعرض العراق لمخاطر إضافية، ومن الأمثلة الحالية على ذلك التوترات المتكررة بين بعض الفصائل المسلحة والقوات الأجنبية، وما يرافقها من عمليات قصف أو تهديدات، فضلاً عن استمرار العمليات العسكرية في شمال العراق، وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال تأثير البيئة الإقليمية، حيث يقع العراق في منطقة تشهد تنافساً حاداً بين قوى إقليمية ودولية، ما يجعله عرضة للتدخلات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ تسعى كل قوة إلى تعزيز نفوذها داخل العراق، سواء عبر دعم أطراف سياسية أو عبر التواجد العسكري أو الاقتصادي، وهو ما يحول العراق في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع بالوكالة، وفي ظل هذه الظروف، يصبح من الصعب تحقيق سيادة كاملة دون معالجة العوامل الداخلية التي تسهم في إضعاف الدولة، مثل الانقسامات السياسية، والفساد، وضعف المؤسسات، وغياب رؤية وطنية موحدة، إذ إن هذه العوامل تفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، وتجعل من السهل التأثير على القرار الوطني، ومن هنا، فإن استعادة السيادة العراقية تتطلب استراتيجية شاملة تبدأ بإصلاح الداخل قبل مواجهة الخارج، من خلال تعزيز مؤسسات الدولة، وتفعيل القانون، وتقوية الاقتصاد الوطني عبر تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط، ودعم الإنتاج المحلي، إضافة إلى تطوير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بما يضمن قدرتها على حماية الحدود وفرض القانون، وفي الوقت نفسه، يجب على العراق أن ينتهج سياسة خارجية متوازنة تقوم على مبدأ المصالح المشتركة وعدم الانحياز، بما يسمح له بالحفاظ على علاقات جيدة مع مختلف الأطراف دون أن يكون تابعاً لأي منها، كما أن تعزيز الوعي الشعبي بأهمية السيادة ودور المواطن في حمايتها يُعدّ عاملاً مهماً، إذ إن السيادة لا تُحمى فقط عبر القرارات السياسية، بل أيضاً عبر بناء مجتمع واعٍ يرفض التدخلات الخارجية ويدعم استقلالية القرار الوطني، وفي الختام، يمكن القول إن خرق السيادة العراقية ليس ظاهرة عابرة، بل هو نتيجة تراكمات تاريخية وسياسية واقتصادية، تتطلب معالجة جذرية وطويلة الأمد، تقوم على بناء دولة قوية قادرة على فرض إرادتها داخلياً وخارجياً، وتحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على استقلال القرار، وهو تحدٍ كبير، لكنه ليس مستحيلاً إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الواضحة.
#جعفر_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟