أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - عيد العمال في العراق بين الألم والأمل














المزيد.....

عيد العمال في العراق بين الألم والأمل


نوري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 22:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في صباحٍ عراقيٍّ يختلط فيه الغبار برائحة القلق، يقف عامل اليومية عند زاوية شارعٍ مزدحم، لا ليتأمّل المارّة، بل ليراقب احتمالات الرزق. لا يعنيه كثيراً أن هذا اليوم يصادف عيد العمال العالمي، فالأيام عنده لا تُقاس بالتواريخ، بل بما تحمله من فرصة عملٍ أو خيبة انتظار. في مثل هذا اليوم، تحتفي دولٌ كثيرة بعمالها، ترفع الشعارات، وتستعيد تاريخ النضال من أجل الحقوق، لكن في العراق، يبدو المشهد مختلفاً؛ إذ يتحوّل العيد إلى لحظة تساؤل هادئ، وربما موجع: ماذا يعني أن تكون عاملاً في بلدٍ تتأرجح فيه الحياة بين الأمل واللايقين؟
ليس من المبالغة القول إن العامل العراقي يعيش في قلب معادلة اقتصادية قاسية، لا تمنحه الاستقرار الذي يستحقه، ولا تترك له مساحةً كافية للحلم. فبين بطالةٍ مقنّعة تبتلع طاقات الشباب، وسوق عملٍ غير منظّم يعتمد في جزءٍ كبير منه على العمل المؤقت أو "اليومي"، تتآكل فكرة الأمان الوظيفي تدريجياً. يقف كثير من العمال على أرصفة المدن، لا كجزءٍ من مشهد عابر، بل كحالةٍ مستمرة، حيث يتحوّل الانتظار إلى مهنة بحد ذاته. وفي بلدٍ يمتلك من الموارد ما يكفي ليضمن حياةً كريمة لمواطنيه، يبدو هذا التناقض أكثر حدّة، وأكثر إثارة للأسئلة.
قد يقول قائل إن القوانين موجودة، وإن التشريعات التي تنظّم العمل وتكفل حقوق العمال ليست غائبة، وهذا صحيح إلى حدٍّ ما. غير أن المشكلة في العراق لا تكمن دائماً في غياب النص، بل في هشاشة تطبيقه. فكم من عاملٍ يعمل من دون عقدٍ واضح، وكم من يدٍ تتعب من دون أن تجد مظلة ضمانٍ اجتماعي تحميها من تقلبات الزمن؟ في المسافة بين القانون والواقع، تضيع حقوق كثيرة، وتُختبر قدرة الدولة على تحويل النصوص إلى حماية فعلية. ليس المطلوب هنا استحداث قوانين بقدر ما هو تفعيل الموجود منها، وجعلها جزءاً من الحياة اليومية للعامل، لا مجرد موادّ تُقرأ في الأوراق الرسمية.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال العمل النقابي بوصفه أحد أكثر الأسئلة تعقيداً. فالنقابات، التي يُفترض أن تكون صوت العمال وحصنهم، تبدو في العراق مشتتة بين تعدد الجهات وتباين المرجعيات. هذا التعدد، الذي قد يبدو في ظاهره دليلاً على الحيوية، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى عامل إضعاف، حيث يغيب الصوت الموحد القادر على التأثير الحقيقي. العامل، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى كثرة العناوين، بل إلى جهة تمثله بصدق، وتدافع عنه بفعالية، وتملك القدرة على تحويل مطالبه من مجرد مطالب إلى حقوقٍ قابلة للتحقق.
ولا يمكن قراءة واقع العمال بمعزلٍ عن التحولات الاقتصادية الأوسع التي يشهدها البلد. فالتذبذب في فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الفجوة بين الدخل والاحتياجات الأساسية، كلّها عوامل تجعل من حياة العامل سلسلةً من التحديات اليومية. يصبح التفكير في المستقبل ترفاً، ويغدو التخطيط للحياة مؤجلاً إلى إشعارٍ آخر. في مثل هذه الظروف، يفقد العيد معناه الرمزي، ويتحوّل إلى تذكيرٍ غير مباشر بما ينقص، لا بما تحقق.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست معتمة بالكامل. ففي هذا الواقع المليء بالتحديات، ما زال العامل العراقي يحتفظ بشيءٍ من الإصرار الذي يصعب تفسيره بسهولة. هناك قدرة على الاستمرار، وعلى التكيّف، وعلى البحث عن فرصةٍ حتى في أكثر الظروف قسوة. هذا الإصرار، وإن كان في ظاهره فردياً، إلا أنه يحمل في طياته إمكانية التحول إلى قوة جماعية، إذا ما توفرت له الظروف المناسبة، والإطار الذي ينظّمه ويوجّهه.
إن الحديث عن عيد العمال في العراق يجب أن يتجاوز حدود الوصف إلى أفق التفكير في ما يمكن أن يكون. فإعادة الاعتبار للعمل بوصفه قيمة أساسية، لا مجرد وسيلة للبقاء، تحتاج إلى جهدٍ متكامل تشترك فيه الدولة والمجتمع. يبدأ ذلك من توفير بيئة عملٍ عادلة، مروراً بتفعيل القوانين، وصولاً إلى إعادة تنظيم العمل النقابي على أسسٍ أكثر فاعلية. ليست هذه مطالب مثالية، بل شروط ضرورية لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار الحقيقي.
ربما يكون السؤال الأهم في هذا السياق: أيّ عيدٍ نريد للعمال في العراق؟ هل نريده مناسبةً تُستعاد فيها الخطابات، أم لحظةً يُعاد فيها النظر في السياسات؟ الفرق بين الاثنين كبير، وهو ما يحدّد ما إذا كان الأول من أيار سيبقى يوماً عادياً في حياة العامل، أم سيتحوّل إلى علامة فارقة.
لا يحتاج العامل العراقي إلى كثير من الشعارات، بقدر ما يحتاج إلى اعترافٍ حقيقي بجهده، وإلى منظومةٍ تحمي هذا الجهد من الاستنزاف. حين يشعر أن عمله ليس معركةً يومية، بل طريقٌ نحو حياةٍ أكثر استقراراً، يمكن عندها فقط أن يحمل العيد معنى مختلفاً. وحتى يحين ذلك، سيبقى عيد العمال في العراق أقرب إلى سؤالٍ مفتوح، ينتظر إجابة لا تُكتب بالكلمات، بل تُصنع بالقرارات.



#نوري_حمدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة بين المحاصصة وإرادة الشعب
- العراق بين تعقيدات الداخل وضغوط الإقليم: توازنات هشة في لحظة ...
- أزمة التوافق وضغوط تشكيل الحكومة
- مقال يكسر أول أقفال المحاصصة
- سيادة العراق بين عجز الداخل وضغوط الخارج
- العراق على خط الزلازل الإقليمية: تصعيد أميركي - إيراني واختب ...
- العراق حين تُدار الدولة بالخارج نهاية منظومة وبداية اختبار ا ...
- الانسحاب المحسوب والعودة الثقيلة
- البرلمان السادس: حين يغيب حُرّاس الحقوق وتُشرَّع السلطة بلا ...
- فنزويلا والاختبار الفاضح لشرعية النظام الدولي: السيادة في زم ...
- حصر السلاح في العراق: لحظة الدولة بين منطق الشرعية وحدود الق ...
- الاحتجاجات الإيرانية: حين يهتز الداخل وتتقاطع خرائط النفوذ ف ...
- بين الدستور والتوافق.. العراق يودّع 2025 على عتبة اختبار الد ...
- حراك اقتصادي غير مسبوق: إعادة تشكيل المالية الريعية العراقية
- إقليم البصرة.. سؤال الثروة والدولة في لحظة عراقية حرجة
- كهرباء العراق.. حين يتحول الغاز الإيراني إلى مفتاح العتمة
- الدولة أولاً.. والسلاح أخيراً
- بعد نكسة 2025: هل يمتلك التيار الديمقراطي العراقي شجاعة المب ...
- العراق بعد إسدال ستار التفويضات
- هل يحتاج العراق إلى مزيد من الأحزاب؟


المزيد.....




- بعد تراشق ترامب وميرز حول حرب إيران.. أمريكا ستسحب 5 آلاف جن ...
- أول تصريح لترامب بعد إخطار الكونغرس بـ-انتهاء الأعمال العدائ ...
- لماذا لم نفهم المنطقة؟ ولماذا نتعثر؟
- نيويورك تايمز: الجيش الأمريكي فقد تفوقه بسبب تهور ترمب
- هكذا حضرت فلسطين في مظاهرات -يوم العمال- العالمية
- قاض أمريكي يمنع إدارة ترمب من ترحيل نحو 3 آلاف لاجئ يمني
- وول ستريت جورنال: إيران تبحث عن حل للحصار الأمريكي الذي تعجز ...
- تصعيد رغم الهدنة.. و12 قتيلا بغارات إسرائيلية على لبنان
- ترامب يبلغ الكونغرس بانتهاء -الأعمال القتالية- مع إيران
- حرب إيران تؤخّر تسليم شحنات أسلحة أميركية لحلفاء أوروبيين


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - عيد العمال في العراق بين الألم والأمل