أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - مطبخ السياسة الأموية: صناعة -الدين الهجين- وإعادة تدوير العقيدة.















المزيد.....

مطبخ السياسة الأموية: صناعة -الدين الهجين- وإعادة تدوير العقيدة.


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 20:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يبدو أن "بني أمية" لم يكتفوا بوراثة الحكم عن طريق القهر والغلبة، بل قرروا أن يورثونا "إسلاماً" جديداً، خرج من مطابخ السياسة لا من مشكاة النبوة. ففي الوقت الذي كان فيه المسلمون الأوائل ينشغلون بالزهد والجهاد الحقيقي، كان "مهندسو" الخلافة الأموية يعكفون في غرفهم المظلمة على مشروع "إعادة تدوير العقيدة"، ليخرجوا لنا بمنتجٍ هجين يجمع بين بريق التاج وزيف الخرافة.
لقد اعتمدت هذه الماكينة السياسية على استراتيجية "التطهير والإحلال"؛ فمن جهة، شنت السلطة حملات اغتيال ممنهجة وملاحقات أمنية, لم تترك شخصية إسلامية نزيهة أو صوتاً يعترض بكلمة "لا" إلا وأسكتته، سواء بالسيف أو بالسم. ومن جهة أخرى، فتحت خزائن "بيت المال" لدعم كل المنحرفين والكذابين و"أولاد الحرام" الذين لفظهم المجتمع لنقص مروءتهم، فجعلت منهم "أساطير" ورموزاً دينية يُشار إليها بالبنان، حتى صرنا نرى شبابنا اليوم يتغنون ببطولات وهمية لحثالات المجتمع في ذلك العصر، ظناً منهم أنهم حماة الدين، بينما لم يكونوا في الواقع إلا أدوات في يد الجلاد.
ولأنّ مشروع "الدين الأموي" لا يستقيم مع وجود الحق، كان العدو الأول والأخطر للدولة هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). لم يكن عداءً عابراً، بل كان "عقيدة أمنية" للدولة؛ فوضعت المخابرات الأموية قوائم سوداء لكل من يوالي علياً أو يذكر فضائله، واعتبرت "حب علي" جريمة لا تُغتفر تفوق في خطورتها الخروج عن الملة. لقد كان الهدف هو مسح الذاكرة الجمعية للمسلمين، واستبدال نهج العدالة العلوية بمنهج "السمع والطاعة" للظالم، وتغييب آل محمد خلف جبال من الروايات الكاذبة والأحاديث الموضوعة التي دُست في صلب التراث، لينتج عن ذلك "دين هجين" لا يمت بصلة لجوهر الإسلام المحمدي، بل هو مجرد أداة لتثبيت عرشٍ بُني على أنقاض القيم.


• أولاً: "صناعة الحديث".. عندما يصبح الوحي حسب الطلب!
الكلام عن ظاهرة "التوظيف السياسي للدين" لا ينتهي, وقد برزت هذه الحالة في العصور الإسلامية الأولى، وتحديداً في العصر الأموي، حيث واجهت السلطة الناشئة معضلة الأخلاق والشرعية. فبينما يمثل القرآن نصاً ثابتاً ومبدئياً يضع معايير العدالة والمساواة ولا يحابي الحكام, أو يمنحهم حصانة مطلقة، وجدت السلطة نفسها بحاجة إلى غطاء ديني يبرر استبدادها ويقمع المعارضة.
من هنا، تحول "الحديث النبوي" في أيدي بعض المنتفعين إلى أداة سياسية؛ فسهولة صياغة رواية ونسبها للنبي ﷺ (مقارنة باستحالة تغيير نص القرآن), جعلت من وضع الأحاديث "صناعة" تهدف لخدمة البلاط الملكي. وكان المحرك لهذه الصناعة هو التحالف بين "السلطان" الذي يملك المال والسيف، وبين "رواة" باعوا ضمائرهم مقابل العطايا المالية، لينتجوا نصوصاً ترفع من شأن الحاكم وتضفي عليه صبغة قدسية.
هذا التلاعب أدى إلى تبديل المفاهيم السياسية الجوهرية؛ فبدلاً من أن يكون الحاكم أجيراً لدى الأمة أو مختاراً من قبلها، تم الترويج لعقيدة "الجبر"، أي أن وجود الخليفة على كرسيه هو قضاء وقدر من الله لا يد للبشر فيه، وبالتالي فإن الاعتراض عليه هو اعتراض على مشيئة الخالق.
كما تم تحوير مفهوم "النصيحة" و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ليصبح تحت مسمى "الفتنة"، مما شرعن تصفية المعارضين جسدياً! بحجة الحفاظ على وحدة الجماعة، فتحول الدين من وسيلة لتحرير الإنسان, إلى أداة لترسيخ التبعية المطلقة للحاكم.


• ثانياً: "الإسرائيليات".. المستشار العبري في البلاط الأموي!
ان قضية "تسميم الوعي الديني" عبر دمج الأساطير والقصص الوافدة في التراث الإسلامي لخدمة أجندات سياسية ونفسية. هي قضية خطيرة جدا, فالدولة الأموية، في سعيها لتثبيت أركان حكمها، لم تكتفِ بتطويع الحديث السياسي، بل أرادت صياغة "خيال ديني" جديد يبهر العامة ويشغلهم بالغيبيات المجسمة عن واقع الاستبداد السياسي.
كان الاعتماد على "كعب الأحبار" وغيره من معتنقي الديانات السابقة مدخلاً لتدفق "الإسرائيليات"، وهي مرويات غريبة عن روح التوحيد القرآنية، تسللت إلى التفسير والتاريخ كما يتسلل "الفيروس" ليخرب النظام المعرفي من الداخل. هذه المرويات استبدلت التنزه الإلهي والمفاهيم العقلية بصور حسية مادية مستمدة من الموروثات الأسطورية القديمة؛ فظهرت في التراث روايات تصف الذات الإلهية بأوصاف بشرية (تجسيم)، وتتحدث عن "الأطيط" وصور "الجلوس" و"الأعضاء"، وهي مفاهيم تجد جذورها في "التلمود" وقصص العهد القديم المحرفة أكثر مما تجدها في محكم القرآن.
الهدف من هذا "التجسيم" وتحويل الإيمان إلى مادة حسية كان استراتيجياً؛ فالدين عندما يصبح "مادياً" ومحشواً بالخرافات، يسهل على السلطة التحكم بعقول الأتباع وتوجيه عواطفهم نحو تقديس "الظواهر" بدلاً من إعمال الفكر في المقاصد والعدالة. لقد كانت هذه الأساطير بمثابة "تخدير ثقافي" جعل من الدين جداراً من الخيالات التي تحجب الرؤية النقدية، مما مكن السلطة من تمرير سياساتها تحت غطاء من الغيبيات التي لا تقبل النقاش، تماماً كما لا يقبل العقل العام مناقشة "خوارق العادات" التي حشيت بها تلك الروايات.


• ثالثاً: فن الإحلال والتبديل في مفهوم الامويين
استخدمت السلطة الاموية منهجية ممنهجة لإعادة صياغة الوعي الجمعي, وتزييف التاريخ بما يخدم السلطة السياسية، حيث اعتمدت هذه العبقرية التزويرية على محورين متوازيين يهدفان إلى استبدال المرجعية النبوية بمرجعية سلطوية مطلقة.
ففي المحور الأول، عملت الآلة الإعلامية للقصر على انتقاء شخصيات لم يكن لها دور جوهري أو سابقة فضل في فجر الإسلام، بل ربما كانت في صفوف المعارضين والخونة، وعمدت إلى إحاطتها بهالة من "المناقب" والمآثر المصطنعة والأحاديث الموضوعة، وذلك لرفع شأنها وتحويلها إلى رموز مقدسة تُنافس الرموز الحقيقية وتُشرعن وجود السلطة.
وفي المحور الثاني والمتمثل في سياسة الإقصاء، شنت السلطة حملة شرسة لتغييب الحقيقة وتشويه صورة آل محمد، فمنعت تداول فضائل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام, ووصل الأمر إلى اتخاذ منابر الجمعة، التي هي وسيلة التواصل الجماهيري الأهم آنذاك، منصات علنية للسب واللعن بدلاً من نشر العلم والقيم، بهدف عزل الأمة عن منبعها الأصيل.
إن الغاية النهائية من هذا التلاعب بالتاريخ والدين لم تكن مجرد صراع على السلطة، بل كانت هندسة اجتماعية شاملة لإنتاج اجيال فاقد للقدرة على النقد والتمييز، اجيال تختزل مفهوم الإسلام في "السمع والطاعة" العمياء للحاكم مهما جار، ولا يتلقى معرفته عن أهل البيت إلا من خلال الرواية الرسمية التي يكتبها وعاظ السلاطين، مما يضمن استمرار الهيمنة السياسية تحت غطاء ديني مشوه.


• النتيجة: "الدين الأموي".. الماركة الأكثر مبيعاً!
ان النتيجة الكارثية لعملية التزييف التاريخي التي أدت إلى ولادة ما يمكن تسميته بـ "الدين الهجين"، وهو كيان عقائدي يحافظ على المظاهر والطقوس الإسلامية الخارجية, لكنه في جوهره يمثل أداة لخدمة الصراع السياسي وتثبيت دعائم السلطة.
لقد تضمن هذا المزيج إدخال مرويات وقصص وافدة، عُرفت بـ "الإسرائيليات"، جرى دمجها في صلب المعتقدات حتى صارت عند الكثيرين جزءاً لا يتجزأ من الدين، مما أحدث انقلاباً في المفاهيم الأخلاقية والإنسانية لدى الجماهير عبر العصور.
هذا الانحراف الفكري جعل مئات الملايين يتبنون بغير وعي رؤية مقلوبة للتاريخ، حيث يتم تبجيل "الجلاد" الذي استبد بالسلطة، في مقابل الحط من شأن "الضحية" التي تمثل قيم الحق والعدل، وهو ما يجسد النجاح الأموي في تحويل الإسلام من رسالة حركية تدعو للثورة على الطغيان والظلم إلى مجرد "مخدر" يكرس الاستسلام والرضوخ لولي الأمر تحت شعارات دينية مصطنعة.
إن هذا الميراث الثقيل من الروايات الموضوعة التي صُنعت في دهاليز السياسة الماكرة لا يزال يلقي بظلاله على الواقع المعاصر، مما يجعل الأمة أمام ضرورة حتمية للقيام بـ "ثورة فكرية" شاملة، تعتمد النقد والتحقيق لتنقية العقيدة من الشوائب السياسية وإعادة الاعتبار لجوهر الدين الأصيل بعيداً عن أساطير القصور وتزييف المؤرخين.


• الخاتمة: نحو استرداد "المشكاة" من قبضة "السياسة
إن الوقوف على أطلال هذا التزييف لا يكفي، بل إن المسؤولية الملقاة على عاتق الأجيال الحالية تكمن في شق الطريق نحو الوعي التاريخي النقدي.
إننا اليوم أمام تراث يحتاج إلى "غربلة" لا تجامل أحداً؛ فنحن مخيرون بين الاستمرار في اعتناق "مخدر الشعوب" الذي أنتجته دهاليز القصور، أو العودة إلى "الثورة ضد الطغيان" التي جسدها نهج آل محمد.
إن استرداد الدين من مطابخ السياسة الأموية يتطلب جرأة في كشف "الجلاد" مهما طال ثوبه، وإنصاف "الضحية" مهما اشتد تغييبها.
فالحقيقة التي حاولوا طمسها خلف دخان "الإسرائيليات" وصناعة "المناقب الوهمية" لا تزال تشع من مشكاة النبوة الأصلية، بانتظار عقولٍ تحرر نفسها من قيود "السمع والطاعة" العمياء، لتعلن أن الإسلام الحقيقي هو ذاك الذي يجعل من الإنسان حراً، ومن العدالة قبلةً، ومن كرامة آل محمد بوصلةً لا تحيد.



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التجنيد الإلزامي: هل يغتال أحلام شباب العراق من جديد؟
- مضيق هرمز يبتلع ترامب... كيف دفع جنون ترامب باقتصاد العالم إ ...
- ايران تنتصر كيف صاغت طهران نظاماً عالمياً جديداً على أنقاض ا ...
- هوليوود في صحراء أصفهان: -رامبو- الأمريكي يستنجد بمسدسه.. وا ...
- أدب الموت المأجور: كيف يُباع العراق في سوق النخاسة الأدبية؟
- كيف حولَت طهران ليالي المملكة إلى كوابيس باليستية
- من ناطحات السحاب الى الملاجئ هل يدفع -خنجر أبوظبي- ثمن خيانة ...
- مضيق هرمز -برميل البارود- الذي هز أركان الاقتصاد العالمي
- ترامب يقتل الاطفال في ايران بصواريخه المدمرة
- ما العلاقة بين الطائر الساخر والبشير شو؟
- علل تراجع الرواية العراقية في السنوات الاخيرة
- قصة قصيرة: ... ضريبة على الحب وعلى الفلافل
- من فتح ملف ابستين في توقيت حرب ايران؟
- العراق في قلب طريق الحرير
- قرارات حكومية ظالمة بحق الموظف الجامعي
- فندق امريكي خمس نجوم في الحسكة للدواعش
- علة تراجع ترامب عن تهديده
- أمريكا تدق طبول الحرب العالمية الثالثة
- تأخر الرواتب مصيبة فقط على محدودي الدخل
- قصة قصيرة: لوحة صامتة


المزيد.....




- بعد تراشق ترامب وميرز حول حرب إيران.. أمريكا ستسحب 5 آلاف جن ...
- أول تصريح لترامب بعد إخطار الكونغرس بـ-انتهاء الأعمال العدائ ...
- لماذا لم نفهم المنطقة؟ ولماذا نتعثر؟
- نيويورك تايمز: الجيش الأمريكي فقد تفوقه بسبب تهور ترمب
- هكذا حضرت فلسطين في مظاهرات -يوم العمال- العالمية
- قاض أمريكي يمنع إدارة ترمب من ترحيل نحو 3 آلاف لاجئ يمني
- وول ستريت جورنال: إيران تبحث عن حل للحصار الأمريكي الذي تعجز ...
- تصعيد رغم الهدنة.. و12 قتيلا بغارات إسرائيلية على لبنان
- ترامب يبلغ الكونغرس بانتهاء -الأعمال القتالية- مع إيران
- حرب إيران تؤخّر تسليم شحنات أسلحة أميركية لحلفاء أوروبيين


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسعد عبدالله عبدعلي - مطبخ السياسة الأموية: صناعة -الدين الهجين- وإعادة تدوير العقيدة.