|
|
من سِمات الرّأسمالية الأمريكية في ظل رئاسة دونالد ترامب
الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 10:27
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدّمة: جادَلَ نيكولاي بوخارين، في كتابه "الإمبريالية والاقتصاد العالمي"، خلال الحرب العالمية الأولى، بأن الإمبريالية هي النتيجة الحتمية للرأسمالية الاحتكارية، وقبل ذلك بعقود، بَيّنَ كارل ماركس في كتابه "رأس المال"، أن الإقتصادات الرأسمالية تميل حتمًا نحو الإحتكار، فمع ازدياد تعقيد الإنتاج، يضطر الرأسماليون إلى استثمار المزيد في الآلات والمعدات لمنافسة الشركات العملاقة الراسخة، مما يخلق حواجز أمام دخول السوق تُفيد الشركات الكبيرة القائمة، كما تميل الشركات الكبيرة إلى أن تكون أكثر تنافسية من الشركات الصغيرة لأنها تستفيد من وُفُورَات الحجم، وهكذا، يتركز رأس المال في أيدي قلة، مما يؤدي إلى تَغَوُّل الإحتكارات. مع نمو هذه الشركات الاحتكارية في الولايات المتحدة، توطدت علاقاتها مع المؤسسات المالية التي توفر التمويل والخبرة الفنية اللازمة لتوسعها، وبمرور الوقت، تتقارب مصالح المديرين التنفيذيين والممولين، ووصف رودولف هيلفردينغ، أحد معاصري بوخارين، هذه العملية بـ"التأثير المالي"، وتُقِيم هذه الشركات العملاقة المتأثرة بالتأثير المالي علاقات وثيقة مع الحكومات، فهي ترعى السياسيين، وتؤثر في برامج الأحزاب، وتتغلغل في الهياكل التنظيمية، وترعى جماعات الضغط القوية، من اتحاد الصناعات البريطانية (CBI) إلى لجان العمل السياسي للشركات في الولايات المتحدة، ولها مقاعد في مجالس النواب وفي الحكومات، وتسعى إلى توجيه السياسات بما يخدم مصالحها. يشكل هذا الترابط بين قوى الشركات والتمويل والسياسة جوهر الرأسمالية الاحتكارية، وهو أساس الإمبريالية، فقد أصبحت الدولة حامية لاحتكاراتها الوطنية في الخارج، مستخدمةً نفوذها الاقتصادي والسياسي لحماية مصالح الشركات وتعزيزها، وتتحوّلُ الشركات بدوْرِها إلى أدوات في يد الدولة، ساعيةً إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية للطبقة الحاكمة، فيما يتحول التنافس الاقتصادي بين الشركات إلى تنافس جيوسياسي بين الدول، ويبلغ هذا التنافس ذروته في صراعات بين كتل قوية (مثل الولايات المتحدة والصين)، وفي غزوات لدول صغيرة عالقة في الوسط (مثل فنزويلا وغرينلاند)، لكن هذه المعارك ليست سوى أعنف مظاهر الصراعات المتأصلة في العلاقات الدولية في ظل الرأسمالية. عندما يُجبر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي دولًا فقيرة مثقلة بالديون على فتح اقتصاداتها أمام الشركات متعددة الجنسيات الغربية تحت تهديد فقدان التمويل بالكامل، فهذا استعمار، وعندما تُجبر دولة قوية دولة أفقر على توقيع اتفاقية تجارية أحادية الجانب، تمنع الدولة الفقيرة من الحصول على الأدوية الجنيسة والبذور والتقنيات الحيوية، فهذا استعمار، وعندما تُقاضي شركة أمريكية حكومة أجنبية في محكمة دولية سرية لتنفيذها سياسات تُقوّض أرباحها، فهذا استعمار. في الولايات المتحدة، انتهج كل من بايدن وأوباما وبوش التدخلات الإمبريالية، والفرق هو أن ترامب يفعل ذلك جهارًا وبلا خجل. انقلاب دونالد ترامب على قواعد الرأسمالية رأسمالية المحاسيب: إثراء شخصي بلا حدود اتّسمت رئاسة دونالد ترامب باندماج المصالح الخاصة للرئيس الملياردير بموارد الدّولة واندماج السّلطة الإقتصادية بالسّلطة السياسية بشكل فاضح، مما جعل البعض يصف هذه الوضع ب"رأسمالية المحسوبية" ( أو رأسمالية المحاسيب) التي تعني "نظامًا اقتصاديًّا يعتمد فيه نجاح الشركات على علاقاتها المميزة مع السلطة السياسية، بدل الإعتماد على كفاءتها أو قدرتها الابتكارية"، لتستفيد تلك الشركات من مزايا غير مستحقة - مثل منح العقود الحكومية أو الإعانات أو اللوائح التنظيمية المواتية - بسبب علاقاتها الوثيقة بصناع القرار السياسي، مما يُشَوِّهُ قواعد الرأسمالية كالمنافسة وحرية السّوق وغيرها، وأدّى اندماج السلطة الإقتصادية بالسلطة السياسية إلى زيادة قياسية في ثروة دونالد ترامب وأُسْرَته، وإلى توسيع مجال عملياته الإقتصادية والمالية، من سوق العملات الرقمية إلى التكهنات حول حرب إيران... نَشَر الرئيس الملياردير دونالد ترامب كتابًا بعنوان "فن الصّفْقَة" الذي أصبح من أكثر الكتب مبيعًا، ويُلخّص الكتاب جوهر سياساته، ومن ضمنها "إن الولايات المتحدة عُوملت معاملة غير عادلة من قبل شركائها التجاريين ( خصوصًا الصين والإتحاد الأوروبي وكندا )، وإن الوقت قد حان لاستعادة التوازن من خلال فرض تعريفات جمركية باهظة" على جميع دول العالم، ولم يسلم الحُلفاء وأعضاء حلف شمال الأطلسي من رفْع الرسوم الجمركية، وعلى الصعيد الشخصي، يعتبر دونالد ترامب إنه من المنطقي ومن الشرعي أن يجمع الرئيس بين إدارة أعْتَى قُوّة امبريالية وعقد الصفقات الشخصية وتحقيق الأرباح خلال فترة رئاسته، وتُعدّ الثروة الطائلة للرئيس ودائرته المقربة، ولا سيما عائلته، مثالًا صارخًا على آليةٍ تُشكّل جوهر القوة في الولايات المتحدة: رأسمالية المحاسيب التي أوْصَلت دونالد ترامب إلى منصب الرئاسة... من جهة أخرى، تُعد الولايات المتحدة من أكثر الدول تَدَخُّلًاً في العالم: فمن إنقاذ الشركات "الأكبر من أن تُترك للإفلاس" إلى تطبيق قوانينها خارج حدودها لمعاقبة المنافسة، بما في ذلك فَرْض قيود على الواردات التي يُحتمل أن تُنافس الصناعة المحلية، لتبْقى الأوْلَوِيّة للشركات الإحتكارية الأمريكية، واستفادت قطاعات مثل التمويل وصناعة السيارات من قوانين مواتية أو عمليات إنقاذ حكومية، وتمويل هذه القطاعات من المال العام، كما حدث خلال الأزمة المالية سنة 2008، ويخلق التمويل المتزايد لحملات الانتخابات علاقات زبائنية قوية بين المسؤولين المنتخبين، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وكبار مانحيهم (أصحاب الثروات الشخصية الساعين لتحقيق مصالحهم الخاصة أو الشركات الكبرى)، الذين يتوقعون عائدًا على استثماراتهم، وفي هذا السياق، وكما فعل خلال ولايته الأولى، تبنى دونالد ترامب أسلوبًا في الحكم يُوصف أحيانًا بـ"الدفع مقابل النفوذ": فالقرب من السلطة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتبرعات المالية، ولا يُعْتَبَرُ هذا ابتكارًا ترامبيًا، بل هو نموذج مُطبق بشكل مفرط، كان موجودًا بالفعل في عهد أسلافه، فقد حَرّرَتْ إدارات رونالد ريغان ( 1911 – 2004، رئيس الولايات المتحدة بين كانون الثاني/يناير 1981 و 1989 ) الأسواق المالية إلى حد كبير لصالح سوق المال والأسهم "وول ستريت"، وشنّ جورج دبليو بوش ( رئيس الولايات المتحدة من 2001 إلى 2009) حربين في ما سُمِّيَ "الشرق الأوسط"، حصلت خلالهما شركة هاليبرتون، الشركة التاريخية للمجمع الصناعي العسكري، والتي كان نائبه ديك تشيني رئيسًا تنفيذيًا لها، على عقود ضخمة دون طرح مناقصات تنافسية، وفي عامي 2008 و2009، أنقذ باراك أوباما المصارف دون مقاضاة مسؤوليها التنفيذيين، وعارضت رئيسة مجلس النواب السابقة، نانسي بيلوسي، القيود المفروضة على التداول، ويُزعم أنها جمعت ثروة طائلة خلال فترة ولايتها، مما غذّى بشكل مشروع اتهامات الفساد... يُعزى تفشي الفساد بين النخب السياسية الأمريكية، رغم قِدَمِهِ، إلى التكلفة الباهظة للحملات الانتخابية، مما يجعل معظم المسؤولين المنتخَبِين أكثر خضوعًا لسخاء مموليهم، وفي العام 2010، ألغى قرار المحكمة العليا في قضية "مواطنون متحدون" جميع القيود المفروضة على الإنفاق على الحملات الانتخابية، بما في ذلك من قبل الشركات، باسم حرية التعبير، وبهذا الصّدد، يُعد قطاع الوقود الأحفوري بارعًا بشكل خاص في شراء النفوذ في البيت الأبيض: فقَبْلَ دونالد ترامب، كانت شركات النفط تُمَوِّلُ بالفعل عشرات من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب مقابل إعفاءات ضريبية، وعقود، وتسهيلات في إبرام صفقات خارجية، واستثناءات تنظيمية، ثم تَغَيَّرَ الوضعُ جذريًا مع وصول الرئيس الأكثر دعمًا للأعمال في تاريخ الولايات المتحدة، فأصبحت المعاملات السياسية والصّفقات التي كانت تُخفى خلف شبكة من الوسطاء ولجان العمل السياسي وجماعات الضغط السرية، تُعرض الآن عَلَنًا كفضيلة، بل وُصفت بأنها دليل على الكفاءة، ويشغل المستفيدون منها مناصب وزارية. النفط والتكنولوجيا في قلب الإمبراطورية ربما تكون سلسلة صفقات النفط هي الأكثر توثيقًا وكشفًا لآليات الولاية الثانية، ففي الحادي عشر من نيسان/ابريل 2024، دُعي عشرون رئيسًا تنفيذيًا من قطاع النفط والغاز إلى منتجع مارالاغو لتناول العشاء مع دونالد ترامب، ووفقًا لتقارير نشرتها صحيفة واشنطن بوست، ألقى المرشح الجمهوري دونالد ترامب خطابًا مباشرًا قال فيه: "أعطوني مليار دولار لحملتي الانتخابية، وبمجرد انتخابي، سألغي اللوائح البيئية التي تُكلّفكم أموالًا، لِيُؤْتِيَ هذا الاستثمار ثماره"، وهكذا كان، فلم تبلغ تبرعات القطاع النّفطي المليار دولار المأمول، لكن المبلغ اقترب منه، وخلص أحد التقارير إلى أن "إجمالي النفوذ المالي لشركات النفط الكبرى في هذه الدورة الانتخابية بلغ 445 مليون دولار، وهو مبلغ مذهل"، بما في ذلك 96 مليون دولار مُخصصة مباشرةً لحملة ترامب، ويتبع قطاع التكنولوجيا النمط نفسه، بموارد أضخم، فقد استثمر إيلون ماسك أكثر من 250 مليون دولار في حملة ترامب الانتخابية للعام 2024 قبل تعيينه رئيسًا لـ"وزارة كفاءة الحكومة " (DOGE)، وهي وزارة تُثار حولها تساؤلات حول مدى قسوتها، مما منحه صلاحيات غير مسبوقة للوصول إلى البيانات والعقود الفيدرالية، رغم اعتماد شركة سبيس إكس وشركاته الأخرى بشكل مباشر على هذه الوكالات الفيدرالية نفسها في عملياتها. أما بيتر ثيل، مؤسس شركة بالانتير والداعم المالي لنائب الرئيس جيه دي فانس، فقد موّل العديد من مرشحي ترامب، لينتهي به المطاف بامتلاك شركة ارتفعت عقودها مع الحكومة الفيدرالية في مجال المراقبة بشكل كبير، كما استثمر لاري إليسون، مؤسس شركة أوراكل، بكثافة في حملة دونالد ترامب، الذي كافأه بالعديد من العقود الفيدرالية، مما سمح له بالاستحواذ على عملاقي الترفيه باراماونت وتيك توك في الولايات المتحدة، ومن المُحْتَمَل أن يستحوذ على شركة وارنر بروس. أما ميريام أديلسون، الدّاعمة القوية للكيان الصهيوني ووَرِيثَة إمبراطورية الكازينوهات التي أسسها زوجها الراحل شيلدون، فاستثمرت مئات الملايين في دورة انتخابات 2024، مقابل الحصول على سياسات مواتية للكيان الصهيوني ولقطاع الكازينوهات، ورغم عدم تمكُّنها - خلال ولاية دونالد ترامب الأولى - من تحقيق الثروة التي كانت تطمح إليها، إلا أن الولاية الثانية لدونالد ترامب أتاحت لها تعويض ما فاتها بلا حدود، ويُشارك صِهْرُ وأبناء الرئيس دونالد ترامب بشكلٍ خاص في هذه العملية، مما أثار العديد من الفضائح حول شركتهم، وورلد ليبرتي فاينانشال، التي وُجهت إليها اتهامات بالمحسوبية، وعمليات الاحتيال في العملات الرقمية، والاستثمارات المشبوهة. من المحسوبية إلى حكم العملات المشفرة الفاسد استفاد قطاع العملات المشفرة، الذي يُعدّ بيئةً خصبةً للمعاملات المالية المشبوهة، من الدعم الهائل الذي حظي به دونالد ترامب منذ حملته الانتخابية الأخيرة، رغم عدائه الشديد تجاه البيتكوين، الذي وصفه بأنه عملية احتيال ذات قيمة "وهمية"، وقد كانت ولايته الثانية مواتيةً بشكلٍ واضحٍ لهذا القطاع الذي استَقْطَبَ دَعْمَ كبار الشخصيات في عالم العملات المشفرة بتكلفة زهيدة، مما سمح لعائلته بتحقيق ثروات طائلة، وهكذا، أعلن دونالد ترامب في نيسان/أبريل 2025، على شبكته الاجتماعية "تروث سوشيال" أنه سيستضيف حفل عشاء فاخر في منتجع مار-أ-لاغو لأكبر حاملي عملته الرقمية الشخصية "ميمكوين" ( -$-TRUMP ) أالتي تم إطلاقها قبل تنصيبه بفترة وجيزة، تمامًا مثل -$-MELANIA) ) وفي الساعات التي تلت ذلك، قفزت قيمة هذه العملة الرقمية - وهي عملة مشفرة لا قيمة جوهرية لها، تحمل اسم الرئيس وصورته - بنسبة 69%، وأصبح الوصول إلى الرئيس التنفيذي لأكبر دولة في العالم يُباع ويُشترى، حرفيًا وفوريًا، في الأسواق المالية... فضلًا عن المسائل الأخلاقية المطروحة، يُعدّ بيع الوصول إلى الرئيس انتهاكًا لبند المكافآت في الدستور الأمريكي، إلا أن المحكمة العليا كانت قد امتنعت عن البتّ في قانونية هذه الممارسات خلال ولاية ترامب الأولى. بينما تندرج العلاقة مع المانحين الأجانب تحت شكل مألوف، وإن كان مُضخّمًا الآن، من أشكال رأسمالية المحاسيب، فإن ما يُميّز ولاية دونالد ترامب الثانية حقًا هو الإثراء الشخصي المباشر للرئيس وعائلته، فقد قدّرت مجلة فوربس ثروة دونالد ترامب الشخصية بـ 2,3 مليار دولار، عند توليه منصبه يوم العشرين من كانون الثاني/يناير 2025 وارتفعت ثروته الصّافية – وفق نفس المجلة – خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026، أي بعد سنة واحدة، إلى 6,6 مليارات دولارا، بزيادة تقارب 90%، وهو مسار تراكمي غير مسبوق لرئيس في منصبه، لم ينتج عن أنشطة تجارية تقليدية، بل عن مشاريع في مجال العملات الرقمية والإعلام مرتبطة مباشرة بمنصبه الرئاسي، ومع ذلك، فإن أنصار ترامب المتحمسين الذين وثقوا برئيسهم لإثراء أنفسهم لم يحصلوا على مكافأة مجزية، فقيمة عملة -$-TRUMP لا تزال في انخفاض حاد، مما أدى إلى إفلاس المشترين الأوائل، لكن الرئيس وحلفاءه لم يتضرروا، بل هم من يجنون الأرباح، فقد جَمَعَتْ منصة التمويل اللامركزي "وورلد ليبرتي فاينانشال"، التي تسيطر عليها عائلة ترامب، 550 مليون دولار من بيع رموزها الرقمية، واتجه مبلغ 401 مليون دولار (75%) إلى شركة "دي تي ماركس دي إف آي إل إل سي"، التي يمتلك ترامب فيها 70% من الأسهم، بينما تمتلك عائلته النسبة المتبقية البالغة 30%، وبالمثل، يشرف الموالون الذين يشغلون مناصب رئيسية الآن على القطاعات التي يستمدون منها دخلهم الخاص، دون أي فصل فعلي بين المنصب العام والمصالح الشخصية، ويحصل كل هذا دون أي تبعات قانونية. يوثق تقرير صادر خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عن اللجنة القضائية بمجلس النواب، برئاسة الديمقراطي جيمي راسكين، كيف استغل الرئيس منصبه لإثراء نفسه بحيازات من العملات المشفرة تصل قيمتها إلى 11,6 مليار دولار، ودخل يزيد عن 800 مليون دولار من بيع أصول العملات المشفرة خلال النصف الأول من سنة 2025 وحده، ويشير التقرير نفسه إلى أن الإدارة أوقفت أو أنهت في الوقت نفسه تحقيقات فيدرالية استهدفت العديد من شركات العملات المشفرة التي استثمرت في مشاريع ترامب، مثل كوين بيس وجيميني وروبن هود وريبل وكراكن وغيرها. لا يكتفي دونالد ترامب بإنشاء أصول العملات المشفرة والتَّرَبُّحِ منها، بل يُنَظِّمُ هذا القطاع لصالحه ويوقف التحقيقات التي تستهدف مموليه، حتى أن الملياردير الجمهوري كين غريفين، الرئيس التنفيذي لشركة سيتادل، يتهم الرئيس بتعزيز رأسمالية المحاسيب، وهو مُحِقٌّ في اتّهامه، ففي 14 نيسان/أبريل 2026، أعْلَن كيفن وارش، الرئيس المستقبلي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الذي اختاره ترامب، عن امتلاكه حصصاً في شركات بولي ماركت وسبيس إكس والعملات المشفرة... الحروب والتداول بناءً على معلومات داخلية ربما يكون المستوى الأخير من هذه البنية الاستغلالية هو الأكثر إثارة للقلق، إذ يتجاوز مجرد إثراء الرئيس ليضرب جوهر الإمبريالية الأمريكية، فقد أسفر العدوان الأمريكي الصّهيوني على إيران، الذي بدأ يوم 28 شباط/فبراير 2026، عن دمار هائل في إيران وفي العديد من بلدان المنطقة ( لبنان وفلسطين وقَطَر والإمارات والكويْت والسعودية والبَحْرَيْن...) وعن آلاف القتلى، فضلاً عن أزمة طاقة وأزمة اقتصادية عالمية، لكنه قد يكون مربحًا أيضًا لمن يملكون المعلومة والمعرفة. في صباح 23 آذار/مارس 2026، وقبل دقائق من افتتاح بورصة نيويورك، ادّعى ترامب على منصة "تروث سوشيال" أنه "تم إحراز تقدم كبير" في المفاوضات مع "نظام جديد أكثر اعتدالًا" في إيران، ولكن، لم يكن هناك في ذلك الوقت أي دليل على حدوث أي اختراق دبلوماسي من هذا القبيل، فلم يكن هدف الرسالة إعلام الجمهور، بل وقف تراجع السوق الذي بدأ يوم الجمعة السابق، وخلال الدقائق التي سبقت الإعلان، سُجلت أحجام شراء مرتفعة بشكل غير طبيعي في أسواق العقود الآجلة للنفط، مما غذّى الشكوك حول استخدام معلومات داخلية حول نوايا الرئيس. يُتهم وزير الحرب بيت هيغسيث – على سبيل المثال - بالتواصل – خلال شهر شباط/فبراير 2026 - مع شركة بلاك روك عبر وسيط لاستثمار ملايين الدولارات في صندوق دفاعي يضم شركتي لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان، وذلك في الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب على إيران، رغم القوانين التي تَحْظُرُ على كبار مسؤولي البنتاغون ( وزارة الحرب الأمريكية) امتلاك أسهم في أكبر عشر شركات مقاولات دفاعية متعاقدة مع الوزارة، بما في ذلك لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان وبوينغ، وهي تحديدًا الشركات التي يضمها الصندوق المذكور. تأتي هذه القضية وسط شكوك أوسع نطاقًا حول صفقات مشبوهة التوقيت في الأسواق الاستراتيجية، حيث يحقق المضاربون مكاسب هائلة من خلال التنبؤ بدقة ببدء العمليات العسكرية في فنزويلا وإيران، قبل ساعات فقط من الإعلان عنها، وتسجل منصة المراهنات المالية "بولي ماركت"، المرخصة في الولايات المتحدة، تدفقات هائلة من النشاط التجاري في الساعات التي تسبق العديد من القرارات العسكرية الكبرى، وكأن بعض المتداولين كانوا على دراية مسبقة بنوايا البيت الأبيض، وهذا ليس، بالطبع، دليلاً على جريمة مُثبتة، بل مجرد إشارات تُوحي، مجتمعةً، بوجود نظام يُمكن من خلاله تحويل المعلومات العسكرية السرية إلى مكاسب مالية، وعندما ينخفض سعر سهم شركة بالانتير، يَصْدُرُ تصريح رئاسي مُؤيّد لهذه الشركة، ليعود الوضع المالي للشركة إلى "طبيعته"، وأَحْدَثُ مِثَاٍل على ذلك هو "حصار الحصار" لمضيق هرمز، الذي يُتيح للمتداولين تحقيق أرباح طائلة عن طريق بيع خام برنت على المكشوف، مُستغلين اختلاف ساعات التداول بين البورصات الآسيوية والأمريكية، ومُعَظِّمِين الرَّافِعَة المالية في انتظار رسالة بسيطة من الرئيس الأمريكي على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يُؤدي إلى ارتفاع السعر مُجددًا، أو انخفاضه، كما حدث عندما هدد دونالد ترامب بإبادة الحضارة الإيرانيةن حيث لم تُقنع التصريحات الرنانة حول تحرير الإيرانيين سوى السُذّج الذين صدقوها، وبالتالي، فإن مُتابِعِي منصة المراهنات المالية "بولي ماركت" يُحقّقون مكاسب هائلة من خلال معرفتهم المُسبقة بالقرارات العسكرية الكبرى وبتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب... جعل دونالد ترامب – كزعيم لأعْتَى امبريالية - من سنة 2026 عامًا حافلًا بالكوارث التي تُصيب شعوب العالم، مقابل الأرباح الطّائلة للبيت الأبيض وشبكاته، ففي كانون الثاني/يناير 2026، قُدِّم اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته خلال غارة عسكرية لفترة وجيزة على أنه انتصار للديمقراطية، ومنذ ذلك الحين، وُضِعَت آلية لنهب موارد البلاد من المحروقات والذّهب والمعادن النادرة، بشكل مُمَنْهَجٍ، ويبدو أن الإجراءات الأخيرة لإدارة دونالد ترامب في منطقة الكاريبي تُرَدِّدُ صدى أكثر الانتقادات للإمبريالية الأمريكية التي تُهدّد باجتياح كوبا المحاصرة من أكثر من ستة عُقُود، وتغيير نظامها، وفي آذار/مارس 2026، وصل وزير الداخلية دوغ بورغوم إلى كاراكاس برفقة مسؤولين تنفيذيين من نحو اثنتي عشرة شركة أمريكية للنفط والتعدين، وغادر ومعه دفعة أولية بقيمة مائة مليون دولار من الذهب الفنزويلي، وتفاخر أمام مجموعة من مسؤولي قطاع الطاقة في هيوستن قائلًا: "لم يكن هناك أي تبادل للمعادن الثمينة بين فنزويلا وأمريكا منذ أكثر من عشرين عامًا"، وفي الوقت نفسه، وقّعت شركة التعدين الفنزويلية المملوكة للدولة "مينيرفين" (رغم فرض عقوبات عليها من قبل وزارة الخزانة الأمريكية سنة 2019 بزعْمِ "تمويلها منظمات إرهابية") عقدًا لتسليم ما يصل إلى طن واحد من الذهب إلى شركة تجارة السلع "ترافيغورا"، والمخصصة للسوق الأمريكية. أما سيادة الدول فتأتي في المرتبة الثانية. ما وراء دونالد ترامب: رأسمالية الاحتكار في حالة حرب تمثلت بعض مظاهر الغطرسة الأمريكية خلال فترة سنة واحدة من الولاية الثانية لدونالد ترامب في اختطاف نيكولاس مادورو والعدوان على إيران، وبداية حرب تغيير النظام في كوبا، ومحاولة ضم غرينلاند والعديد من التّهديدات الأخرى المتي تستهدف بلدانًا وشُعُوبًا عديدة... لم تَخْتَفِ الممارسات الإمبريالية قَطُّ من السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أنها باتت تُتبنى علنًا، وبينما تُعزي معظم التحليلات هذا التحول إلى دونالد ترامب ونهجه، إلا أنه في الواقع ينبع من تحولات رأسمالية الاحتكار، فالشركات الكبرى، التي باتت أقوى من أي وقت مضى في الولايات المتحدة، ولكنها مهددة على الساحة الدولية، تدعو إلى عسكرة السياسة الخارجية الأمريكية لترسيخ هيمنتها. تُعد فنزويلا مثالًا واحدًا من بين العديد من المشاريع الخارجية التي تُبَرِّرُها دوافع الولايات المتحدة، فقد صرّح دونالد ترامب مرارًا وتكرارًا "إن الأمر برمته يدور حول النفط، وسيتم التواصل مع شركات النفط الأمريكية لاستغلال الموارد الطبيعية في فنزويلا، وأن هذه الشركات ستطالب بضمانات للأرباح". إن الحروب الخارجية والدعم الحكومي للشركات والاستغلال الوحشي أمور مألوفة، فجميع الاقتصادات الرأسمالية تقوم على تعاون وثيق بين الشركات الاحتكارية الكبرى والمؤسسات المالية والدولة، وهو ما يُفضي غالبًا إلى مغامرات إمبريالية في الخارج. أما ما هو غير مألوف فهو التّبَنِّي الصّريح لمنطق الإمبريالية من قِبَل دونالد ترامب، وتداخل المصالح الشخصية مع السياسات العامة، وخضوع القرارات السياسية لمصلحة فئة قليلة تضُمّ الرئيس الذي يُصبح خصمًا وحَكَمًا. لم يُخفِ ترامب ازدراءه لما يُسمى "النظام الليبرالي القائم على القواعد"، وكان هذا النظام مُعرَّضًا للضغوط حتى قبل تَوَلِّيهِ منصب الرئاسة، فقد غزت القوى الإمبريالية مرارًا وتكرارًا دول "الجنوب العالمي" رغم التزاماتها المعلنة بالسيادة، كما أن برامج القروض واتفاقيات التجارة غير العادلة قد قوّضت شرعية "إجماع واشنطن" قبل الأزمة المالية للعام 2008 بفترة طويلة، وقد سمح الضعف المتأصل في العولمة النيوليبرالية لدونالد ترامب بالانفصال بسهولة عن النظام الليبرالي والعودة إلى التقاليد القديمة للتجارة والتنافس الإقليمي، إلا أن هذا الانقطاع الخطابي يحجب استمرارية عميقة للإمبريالية الأمريكية على مدى القرن العشرين. لقد كشفت تصرفات دونالد ترامب عن حقيقة أكثر جوهرية: الرأسمالية والإمبريالية متلازمتان، لكن الآن، لم تعد الطبقة الحاكمة تحاول إخفاء ذلك. استعمار على طريقة ترامب إن الهجوم الإمبريالي الأمريكي على فنزويلا ليس سوى أحدث معركة في حرب أوسع نطاقًا يشنها رأس المال، المتمركز في الولايات المتحدة، ضد البشر وكوكب الأرض. كما إن الحرب التجارية مع الصين، هي في حقيقتها، حربٌ على التكنولوجيا، وهي - بعبارة أخرى - حربٌ على مستقبل الإنتاج الرأسمالي، فساحة المعركة الرئيسية ليست المنسوجات أو الصلب، بل التقنيات المتطورة التي تُشكل أساس إنتاج القرن الحادي والعشرين، من أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والتكنولوجيا الحيوية والتقنيات الخضراء... تُخاطر الإمبريالية الأمريكية - بدون السيطرة على مراكز القوة المهيمنة في الاقتصاد العالمي - بأن تتجاوزها الصين الصاعدة، وتتمثل استراتيجية دونالد ترامب في منع ذلك من خلال ربط وادي السيليكون بالدولة ضمن كتلة رأسمالية قومية، وشن حرب اقتصادية في الخارج مع توطيد نفوذ الشركات في الداخل. لهذا السبب استحوذ على حصة في شركة إنتل، ولهذا السبب أيضًا قدم جوزيف بايدن قبله قانون رقائق المعالجات. لقد فُتحت جبهة أخرى في النظام المالي العالمي، حيث يُعد سلاح الولايات المتحدة الأقوى هو عملتها، لأن الولايات المتحدة تتمتع بامتيازٍ استثنائي بالغ الأهَمِّيّة يتمثل في طباعة الدّولار، عملة الاحتياط العالمية، مما يسمح لها بالحفاظ على عجز الميزانية والتجارة، فالجميع يحتاج إلى الدولار، وبطريقة أو بأخرى، يأتي هذا الدولار من الاحتياطي الفيدرالي الذي يلعب دورًا محوريًا في آليات التمويل العالمي. يحاول دونالد ترامب استخدام الدولار كأداة في حربه التجارية مع الصين، ساعيًا إلى خفض قيمة العملة لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية وتثبيط الواردات الصينية، تمامًا كما تفعل الصين منذ عقود، وقد حقق ترامب نجاحًا ملحوظًا في جهوده لخفض قيمة الدولار، لكن النتائج لم تكن كما تَوَقَّعَ، بل تُوَاجِهُ هيمنةُ الدولار الآن تحدياتٍ متزايدةً... يُمثل غزو فنزويلا جبهة عسكرية في مشروع ترامب الإمبريالي، وتهدف الحرب إلى تأمين إنتاج النفط الأمريكي في مواجهة استقلال الصين المتزايد في مجال الطاقة. أما تهديداته ضد غرينلاند ومفاوضاته بشأن أوكرانيا فتتعلق بالوصول إلى العناصر الأرضية النادرة التي تحتاجها جميع الصناعات التكنولوجية المتقدمة التي يسعى ترامب إلى الهيمنة عليها. إن هيمنة الصين المطلقة على هذه العناصر الأرضية النادرة تفسر سبب فشل الحرب التجارية الأمريكية حتى الآن، فبمجرد أن هددت الصين بقطع وصول شركات التكنولوجيا الأمريكية إلى هذه العناصر، اضطر دونالد ترامب للتراجع. العجرفة في الدّاخل بعد إلقاء دونالد ترامب خطاب "حالة الاتحاد" لسنة 2026، نشرت رئيسة الاتحاد الأمريكي للعمل ومؤتمر المنظمات الصناعية (AFL-CIO) - ليز شولر - بيانًا ( 25 شباط/فبراير 2026) اعتبر إن محتوى خطاب الرئيس دونالد ترامب يعكس وجهة نظر النُّخْبَة ولا يعكس الواقع اليومي لملايين العمال الأميركيين، واعتبر البيان إن الخطاب يُشكّل موقفًا طبقيا منحازًا إلى رأس المال وأرباب العمل، فالخطاب " منفصل تمامًا عن الواقع الاقتصادي اليومي للعمال في ظل ارتفاع التكاليف واختفاء الوظائف..." حيث لا يتمثل الإقتصاد بالنسبة للعمال في نِسَبِ النُّمُوّ وأخبار أسواق المال وأسعار الأسْهُم وأرباح المصارف والشركات الكبرى، بل مقارنة الرواتب بأسعار الغذاء والدّواء وإيجار السّكن والنّقل والتّامين والرعاية الصحية ومصاريف تعليم الأبناء، وتوفير احتياجات الأسرة... لذلك تُعتبر أجَنْدَة دونالد ترامب مُحابية بشكل علني وقِح لأصحاب المليارات وتعظيم أرباح أثْرَى الأثرياء ( والرئيس وعائلته من ضمنهم) وشركات التكنولوجيا الكبرى، بينما لا يتمكّن ملايين الأمريكيين من العلاج والدّواء، وعمد الرئيس دونالد ترامب إلى تقسيم الطبقة العاملة بين "العُمال البيض" وبقية العاملين، وبين العمال الأمريكيين والمهاجرين، ليحتد الصراع بين فئات الطبقة العاملة، بدل توجيه الجهود نحو محاربة رأس المال والإستغلال والحَيْف الطّبقي وانعدام العدالة في توزيع الثروة التي يخلقها العُمّال... خطورة هيمنة المُجمّع الصناعي العسكري حذّر الرئيس ( الجنرال) دوايت أيزنهاور ( 1890 – 1969 – ترأس الولايات المتحدة من 1953 إلى 1961) في خطبة الوداع كرئيس سنة 1961، من "مجمع صناعي عسكري" في زمن السلم، لأن المجتمع الدّيمقراطي الحر لا يمكنه التعايش مع "جيش دائم"، لكن هشاشة "الحكم الديمقراطي" والخطاب العنيف خلال فترة الحرب الباردة التي امتدت من الحرب العالمية الثانية إلى انهيار الإتحاد السوفييتي – وما تخللها من تلاعب (manipulation ) وقمع الحريات خلال فترة الماكارثية على سبيل المثال - وأُعيد إحياء هذه الممارسات المناهضة للديمقراطية وللحريات الفردية والجَمْعِيّة مع تزايد هيمنة العولمة النيوليبرالية وتصاعد التوترات بين الحضارات، مما برر توسع الميزانية العسكرية والتوسع العالمي للقوة الأمريكية، الأمر الذي أدى إلى وجود حوالي 850 قاعدة عسكرية أجنبية في 85 دولة، ضمن عَسْكَرة السياسة الخارجية الأمريكية المُحَرِّضَة على الحرب، وأكّد شعار دونالد ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" هذا الإتجاه العدواني الذي هَمّش المؤسسات الدّولية، وفي مقدّمتها الأمم المتحدة التي تم استبعادها من النقاش بشأن شن الحُروب العدوانية، وبشأن الإبادة الجماعية في غزة ولبنان، والمُحَرِّض على الحرب بدعم من كلا الحزبين السياسيين الرئيسيين الجمهوري والدّيمقراطي، وبتواطؤ إعلامي كبير، بذريعة "حماية الأمن القومي الأمريكي" الذي يمتدّ من كندا إلى تايوان، مما أرسى تهديدات خطيرة لأمن الدّوَل الأخرى اعتبرت إيديولوجية "الواقعية السياسية" إن الهيمنة العسكرية "هي التي شكلت التاريخ العالمي، وأن جميع البدائل المرتبطة بأفكار نزع السلاح واحترام القانون الدولي والحكومة العالمية ما هي إلا مزيج من التمني وسوء فهم لاستمرار الصراع والأولوية الممنوحة للمصالح القومية الإستراتيجية"، وقد لاقت هذه الأيديولوجية استحسان كل من البيروقراطية العسكرية ومصلحة القطاع الخاص في وجود مؤسسة عسكرية ضخمة، مع استبعاد المعارضة والآراء البديلة للأمن القومي من المناقشات السياسية الداخلية، وتجاهلت هذه "الواقعية السياسية" الأصوات "المعتدلة" لبعض الواقعيين السياسيين البارزين مثل جون ميرشايمر وستيفن والت لأنهم دعوا إلى سياسة دولة مسؤولة، على غرار معهد كوينسي، الذي تصور مصالح الأمن القومي بحذر أكبر وكان أكثر حساسية لسجل الإحباط العسكري في السياقات المناهضة للاستعمار. تَعَزَّزَ هذا الانغلاق الأيديولوجي من خلال نشرات العديد من مراكز الأبحاث في واشنطن، الممولة من شركات المقاولات الدفاعية سعيا وراء زيادة الأرباح، ومن الحكومات الأجنبية ( كالكيان الصهيوني)، والتي تدعم وجهات النظر الضيقة السائدة حول الجغرافيا السياسية العسكرية تحت ستار البحث الموضوعي، ولكن بما يتوافق مع توجهات النخب السياسية الخارجية، وقد قدم ويليام هارتونغ و بن فريمان هذه التقييمات بتفصيل مقنع في كتابهما المهم " آلة الحرب التي تبلغ قيمتها تريليون دولار: كيف يدفع الإنفاق العسكري الجامح أمريكا إلى حروب خارجية ويُفلسها في الداخل ( 2025 )... إن الإنفاق هو نتيجة وليس تفسيرًا للنزعة الحربية الأمريكية، وترتبط زيادة الإنفاق الحربي بمفهوم منحرف ومنغلق للواقعية السياسية، يحظى بتأييد حماسي من البيروقراطية العسكرية الحكومية المتحالفة مع مصالح القطاع الخاص، بدعم من الحِزْبَيْن ومن وسائل الإعلام الرئيسية، فضلا عن النفوذ الكبير لجماعات الضغط المؤيدة للكيان الصهيوني التي تتداخل مع الطموحات الاستراتيجية، ومن خلال الحوافز المهنية المرتبطة بالعلاقات المتبادلة بين كبار مسؤولي القوات المسلحة، والبيروقراطيين العسكريين، والتعيينات التنفيذية في كبرى شركات المقاولات الدفاعية، والشركات الاستشارية الفاخرة في وسائل الإعلام أو مراكز الأبحاث. تتجاهل مراكز صنع القرار الأمريكي في أعلى هرم السلطة القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبادئ نورمبرغ، لتبرير هذا التوجه الحربي الذي لا يهدف النّصر السياسي، بل ربحية شركات المُجَمّع الصناعي العسكري الذي طغى على السياسة الخارجية الأمريكية، وصَمَّمَ النزعة العسكرية لتغيير الأنظمة وبناء الدول، كما في أفغانستان والعراق وإيران، والتّعويل على التفوق العسكري الساحق، وتقليل الخسائر بالاعتماد على ابتكارات الأسلحة التي تُسبب دمارًا واسع النطاق، وتتطلب إنفاقًا ضخمًا... هل يُعيد التاريخ نفسه؟ عدم احترام الإتفاقيات والمواثيق وقّعت حكومة الولايات المتحدة أكثر من خمسمائة معاهدة مع شعوب أمريكا الأصلية، ولم توف بأي معاهدة، وقد أطلق المؤرخون على هذا السجل المروع اسم "درب المعاهدات المنتهكة"، ولا تزال الولايات المتحدة تنتهك المادة 15 من اتفاقية الهدنة الكورية ( منذ 1953)، التي تنص صراحةً على أنه "لا يجوز لأي من الطرفين فرض أي نوع من الحصار على كوريا"، حيث تفرض الولايات المتحدة حصارًا مستمرًا على كوريا الشمالية يؤثر بشدة على قطاعها المالي من خلال عرقلة الائتمان الدولي والاستثمارات الجديدة، فضلًا عن التجارة والسفر، وعلى غرار الحصار الجديد الذي فرضه ترامب على إيران، تفرض الولايات المتحدة عقوبات قاسية على شركات النقل والسفن والأفراد الذين يساعدون كوريا الشمالية في تصدير الفحم والمعادن. تنتهك الولايات المتحدة القانون الدولي بمجرد تنصلها من التزاماتها ومعاهداتها الدولية، أو بعدم طرحها للتصويت في مجلس الشيوخ، ومن الأمثلة البارزة على ذلك تجاهلها لقرارات محكمة العدل الدولية، التي تستثني نفسها (والكيان الصهيوني) منها، كما يُشكل انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، من أكبر الجرائم في حق الإنسانية والأجيال القادمة، كما تجدر الإشارة إلى عدم توقيع الولايات المتحدة على عضوية المحكمة الجنائية الدولية. يُنْذؤرُ سِجِلّ الولايات المتحدة التاريخي بأوقات عصيبة قادمة، ويبدو اليوم أن احتمال قيام الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بقتل الإيرانيين وتدمير بلادهم يفوق بكثير احتمال موافقة هذين الوحشين على اتفاق سلام وإنهاء صراع لم ترغب فيه إيران قط، لأن من مصلحة رموز الهيمنة ( دونالد ترامب ونتن ياهو ) استمرار الحرب العدوانية لأسباب سياسية بعضها داخلية وبعضها الآخر خارجية... خاتمة إن التحول نحو النزعة التجارية في عهد دونالد ترامب لا يمثل سوى قطيعة خطابية مع سياسات الإدارات السابقة، فقد انتهج الرُّؤساء جوزيف بايدن وباراك أوباما وجورج بوش الأب والإبن جميعًا تدخلات إمبريالية، سواء عبر حروب مفتوحة أو اتفاقيات تجارية أحادية الجانب ( أي مَفْرُوضة ولا تخدم سوى الجانب الأمريكي) أو التلاعب بالقواعد والمؤسسات العالمية، والفرق هو أن دونالد ترامب يفعل ذلك جهارًا وبلا خجل لأنه يعتقد أنه قادر على إقناع الشعب الأمريكي بأن الإمبريالية تصب في مصلحتهم، وليس فقط في مصلحة رأس المال الأمريكي. لا تنجح هذه الاستراتيجية إلا في غياب بديل سياسي قابل للتطبيق، فالديمقراطيون يكتفون بدورهم كبيادق في يد رأس المال، رافضين تصوير أزمة غلاء المعيشة كأزمة جشع الشركات، ومُفَضِّلِينَ بدلاً من ذلك حُجَجًاً تكنوقراطية غير مُقْنِعَة تستند إلى اقتصاديات جانب العرض، ولو استيقظ الديمقراطيون وبدأوا في إدانة سيطرة الشركات على الدولة الأمريكية، لفقدت أجندة دونالد ترامب الكثير من شعبيتها، لكن الحزب الدّيمقراطي لا يُشكّل بديلاً ذا مصداقية... قد يكون بعض الأمريكيين مستعدين لإرسال أبنائهم للموت في حروب خارجية تُشن لحماية "المصلحة الوطنية" الأمريكية، لكن لا أحد مستعد لإرسال أبنائه للموت في حرب تُشن لإثراء مديري شركات الوقود الأحفوري، ومُجمّع الصناعات العسكرية. أما بالنسبة للنخب، فهذه المبررات متطابقة: أي شيء يُثري الشركات الأمريكية هو في مصلحة البلاد، لكن بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، ليس الأمر كذلك. وحده الخصم المستعد لكشف هذا الاختلاف قادر على تحدي ترامب حقاً. على الصعيد العالمي، أظْهر العدوان على إيران غياب جبهة تقدّمية عالمية مناهضة للإمبريالية، ولذا وجب العمل على بناء مثل هذه الجبهة... بالنسبة للولايات المتحدة و"الغرب"، مثّلت حرب فيتنام نقطة تحوّل ملتبسة، إذ أبرزت في آنٍ واحد حدود الدور العسكري في مرحلة ما بعد عام 1945، وأدت إلى سلسلة من التعديلات التي رسّخت عسكرة الدولة وعلاقتها التكافلية مع مصالح القطاع الخاص في مبيعات الأسلحة وميزانية عسكرية متنامية في "زمن السلم"، وقد أدّى احتراف القوات المسلحة، والتركيز المتزايد على الأسلحة والتكتيكات التي لم تُسفر عن خسائر أمريكية فادحة، إلى توجيه وسائل الإعلام الرئيسية نحو نمط الواقعية السياسية الذي ساد في واشنطن بين مراكز الفكر التابعة للقطاع الخاص ونخب السياسة الخارجية في الحكومة. لعلّ التفسير الأقلّ شهرةً والأكثر تأثيرًا للنزعة العسكرية الأمريكية في زمن السلم هو مزيج من انهيار الاستعمار الأوروبي في أوراسيا وتأثيرات التحوّل من الرأسمالية الصناعية إلى الرأسمالية المالية، وقد ساهم هذا التحوّل في آثار سلبية داخلية تمثّلت في تزايد التفاوتات بين الأثرياء، أي شريحة الواحد بالمائة، وبقية السكان، مع تراجع مستوى معيشة العمال والمهنيين من الفئات المتوسطة، ونتيجةً لذلك، برز الأثرياء من المليارديرات كقوة سياسية يمينية متطرفة. إضافةً إلى ذلك، فإنّ تدفق رؤوس الأموال المالية إلى الجنوب العالمي عبر التجارة والاستثمارات والأسواق يُبرّر وجود شبكة واسعة من القواعد العسكرية الأجنبية ووجود بحري امبريالي عالمي يُتيح العمليات العسكرية في أي مكان على وجه الأرض.
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
استراتيجية العَدًوّ في فلسطين ولبنان - سياسة -الأرض المَحْرُ
...
-
تجارة النفايات: انعكاس التبادل غير المتكافئ
-
آسيا – الولايات المتحدة تستهدف مضيق مَلَقَا، في قلب الشرق ال
...
-
هل دخلت الإمبريالية الأمريكية مرحلةً جديدةً؟
-
استفادة الإحتلال الصهيوني من -المساعدات- الدّولية
-
الإتّجاه التّصاعدي للإنفاق الحربي
-
فلسطين قبل تاسيس الدّولة الصّهيونية
-
من مظاهر الغطرسة الأمريكية خلال الرّبع الأول من سنة 2026
-
الأضرار الجانبية للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران
-
العلاقلات الإماراتية الفرنسية في ظل التنافس بين الإمارات وقَ
...
-
فرنسا – عنصرية الحكومة وأجهزة الدّولة
-
أَرُونْدَاتِي رُويْ: صوت نِسْوِي مناهض للإمبريالية
-
المنظمات -غير الحكومية- بين شَرْعيّة المبادئ المُعْلَنَة وشُ
...
-
رياضة كرة القدم -أفيون الشّعوب-؟
-
المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج 2/2
-
المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج
-
في جبهة الأصدقاء - المناضل النقابي العُمّالي الأمريكي الزنجي
...
-
مُتابعات – العدد الواحد والسّتّون بعد المائة بتاريخ الواحد و
...
-
الحصار و-العقوبات-، سلاح امبريالي ضدّ الشُّعُوب
-
أوروبا والهند، صَفْقَة ضَخْمَة
المزيد.....
-
أول رد من ترامب على المقترح الإيراني الجديد بشأن المفاوضات و
...
-
إيرانيون يعبرون لـCNN عن قلقهم من استئناف الحرب قريبا
-
-بالتوفيق في الحصار-.. قاليباف يسخر من هيغسيث بخريطة تُظهر ا
...
-
135 الف قنبلة منذ 7 اكتوبر.. الجيش الاسرائيلي يكشف حجم ضربات
...
-
-أدخلنا كل ما نريد إدخاله-.. حزب الله يكشف تفاصيل المواجهة م
...
-
ترامب: لست راضيا عن المقترح الإيراني الجديد
-
فرنسا: مسيرات للتمسك بأول مايو كعطلة رسمية
-
انسحاب أمريكا المحتمل.. هل انتقلت الصدمة من ألمانيا إلى الكو
...
-
جنوب لبنان اليوم.. 11 قتيلا في 34 غارة إسرائيلية وحزب الله ي
...
-
-فوق السلطة-.. ضربوا كل شيء ونسوا -المطبخ النووي-
المزيد.....
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
المزيد.....
|