جاسم المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 09:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
خلط الاوراق السياسة ببعضها, وتلفيق الاكاذيب وطمس الحقائق من خلال التصريحات المتواصلة المخالفة للمواقف, والتي يظهر من خلالها الاختلاف بين ماهو إنساني وما هو غير ذلك,وما بين ما تريده الشعوب ,وما ترسمه القوى الكبرى من خطط لمصالح ونفوذ , كلها صور لعالم اليوم , وفي خضم هذه الفوضى الممنهجة التي ازدادت بعد وصول ترامب الى البيت الابيض ليحقق احلام مجرم الحرب نتياهو في السيطرة على الشرق الاوسط ,والتحكم بثرواته وشعوبه, هنا تبرز بعض التجارب التي تكاد تشكل استثناءً في المنظومة الدولية ,وتضعنا امام تساؤلات عميقة حول طبيعة العدالة ,ومفهوم الشر والخير ,ومن هذه التجارب تجربة الجمهورية الاسلامية في ايران ,تلك الدولة التي ولدت من رحم الثورة ,وتشكّلت على أنقاض الاستبداد , ولكنها لم تكتف بمجرد تغيير داخلي ,لكنها اتجهت لتكون صوتا وموقفا ورسالة تتجاوز الحدود الضيقة لتلامس وجدان المظلومين في كل مكان في عالم لا يرى في النهوض المستقل إلا تهديدا ,وفي التحرر من الهيمنة الا خروجا عن السيطرة الشيطانية تلك التي تستعبد الشعوب وتنهب خيراتها وتقتل ابنائها.
ايران منذ الساعة الاولى لفجرها الثوري اختارت ان تنحاز الى من لا صوت لهم ,الى الشعوب التي تئن تحت وطأة الاحتلال , او الاستعمار الجديد ,أو التمييز العنصري ,او الحصار الاقتصادي , لم تتاجر بمواقفها , بل حملتها كمبدأ ودافعت عنها في المحافل الدولية دون تردد ,وقفت مع جنوب افريقيا في نضالها ضد الفصل العنصري عندما كان كثيرون يصافحون الأبارتهايد ويبررون وجوده ,بل ويدعمونه سياسيا واقتصاديا ,حينها لم تكن ايران تلهث وراء مصالح آنية ,بل رأت في ذلك النظام خرقا للعدالة وتحديا للقيم الكونية التي تدّعيها الحضارة الغربية..
وفي العراق رغم الحرب الدامية التي امتدت لثماني سنوات ,ورغم الدماء التي سالت, لم تتردد ايران في مد يد العون لشعب العراق خلال سنوات الحصار المفروض عليه ,ففتحت حدودها وأرسلت الغذاء والدواء ,ولم تجعل من جراح الماضي مبررا للتخلي عن انسانية الحاضر ,وهذا الموقف بالذات يختزل فلسفة الثورة الايرانية التي تميز بين الأنظمة والشعوب ,وتؤمن ان المآسي لا يجب أن تكون سببا في عودة الكراهية ,بل أن تتحول إلى دروس للتضامن والتعايش وصولا الى العدالة والسلام.
ولم تفعل ايران ذلك عند جوارها فقط , او عند مبررات الدين , او العرق ,فحين اشتعلت حرب البوسنة وتعرض المسلمون هناك لمجازر رهيبة كان موقف ايران واضحا ومعلنا , دعما انسانيا وسياسيا في وقت ساد فيه الصمت أو التواطؤ ,كما دعمت شعب قطر حين قررت بعض الدول العربية فرض حصار اقتصادي وسياسي عليها , فكان الموقف الايراني نابعا من منطلق السيادة ورفض الإملاءات وليس من تحالفات آنية ,ولا اصطفافات طائفية ,ومثل ذلك كثير في أفغانستان وباكستان وفلسطين ولبنان واليمن وفي غيرها من الأماكن التي امتدت فيها يد العون الايرانية بصمت ونكران ذات.
على الصعيد الداخلي لا احد يتحدث عن مسألة الديمقراطية في ايران, كأنها من المحرمات في الرؤية الغربية تجاهها ,لكن الحقيقة ان ايران قدمت نموذجا مغايرا للديمقراطية الغربية ,ليس على مستوى الشكل الانتخابي فقط ,بل على مستوى المضامين السياسية والاجتماعية ,فقد احترمت الاقليات العرقية والدينية ,ومنحتها تمثيلا سياسيا واضحا ,وضمنت لها حقوقا ثقافية ولغوية ,وأوصلت الخدمات الى كل الأطراف والمناطق حتى في ظل الحصار والعزلة الاقتصادية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود.
ولم تكن ايران مجرد بلد يقاوم الضغوط ,وانما كانت فاعلا في الساحة الدولية ,حاولت أن تقدم أطروحات للسلام العالمي قائمة على رفض الهيمنة والتدخل الخارجي والدعوة لحوار الحضارات بدلا من صدامها , وأدركت ان العالم لن يكون آمنا طالما استمرت معايير القوة والهيمنة بديلا عن العدالة والكرامة الإنسانية.
لكن مع ذلك كله كانت ايران ولا تزال عرضة لعملية شيطنة منظمة وممنهجة لا تستند إلى منطق ,ولا الى أدلة قوية , بل ترتكز على رغبة عميقة لدى بعض القوى في منع أي نموذج مستقل من ان ينجح او أن يشكل مصدر إلهام لغيره من الشعوب , ففكرة ان دولة ما يمكن ان تنهض دون وصاية , وان تصمد دون ارتهان للمنظومة المالية والسياسية الغربية ,هي بحد ذاتها كابوس لهذا النظام العالمي الذي بُني على أحادية القطب ومركزية المصالح الغربية في رسم خارطة العلاقات الدولية.
من يريد شيطنة ايران ولماذا؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه بشكل مبسط هنا, فهو يحتاج الى دراسات معمقة وبحوث مستقلة ,لأن الفاعلين كثيرون والأدوات متنوعة ,تبدأ من الإعلام ولا تنتهي عند العقوبات والحصار ,بل تتوسع لتشمل خلق الأزمات وتحريك النزاعات وتغذية الصراعات الداخلية ,كل ذلك لإبقاء ايران منشغلة بذاتها ,عاجزة عن تصدير نموذجها او حتى الدفاع عنه امام الرأي العام العالمي الذي يتم التلاعب به بشكل ممنهج.
الذي يريد شيطنة ايران هو ذاته الذي دعم الانقلابات في امريكا اللاتينية ,وهو من احتضن الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط لعقود , وهو من غيّب صوت فلسطين في المحافل الدولية ,وهو من يرى ان النفط يجب أن يبقى تحت السيطرة ,والسلاح بيد الحلفاء ,والثروات في خدمة الشركات العابرة للقارات ,إنه ذات العقل الذي يرى في الحرية خطرا ما لم تكن بصياغته هو ,ويرى في الديمقراطية تهديدا إن لم يفز بها عملاؤه هو , ويرى في الاستقلال جريمة إن لم تباركه مؤسساته المالية والسياسية الخاضعة التابعة العابدة للوبي الصهيوني.
التفسير العميق لهذا العداء ليس في سلوك ايران ,وانما في مشروعها , لأن وجود دولة تقول لا , وتستطيع أن تتحمل ثمن الرفض ,هو اختراق لهيمنة روحية وفكرية قبل أن تكون سياسية أو اقتصادية ,وهي إعلان بأن هناك من ما زال يؤمن ان الحق ليس فقط بقوة السلاح ,وانما بعدالة الموقف ,وان التاريخ لا يُكتب فقط على الورق وبالحبر والقلم ,وانما في الميادين المختلفة وعلى خطوط المواجهة المتعددة.
إيران لا تدعي الكمال , ولا تتنصل من الأخطاء , ولكنها ليست تلك الصورة الكاريكاتيرية الراديكالية التي ترسمها الدعاية الغربية ,بل هي كيان معقد غني بالتجربة والرمزية والانتماء , تحمل على أكتافها تراثا عميقا من المقاومة والفكر والتطلع للعدالة ,وهي بهذا المعنى ليست فقط دولة ,بل فكرة تتحرك وموقف يتشكل ومثال يُخشى أن يُحتذى.
ولعل السؤال الأهم ليس لماذا تُشيطن إيران, وانما لماذا يقبل العالم هذه الشيطنة دون أن يسائل مصدرها؟ ,ولماذا لا تُتاح للشعوب فرصة أن تسمع الرواية الأخرى وتُشغل عقولها وتختبر الحقيقة بنفسها دون وسائط مشوهة؟ ولماذا تحرم الإنسانية من أن ترى وجها آخر للحداثة وللعلاقات الدولية مختلفا عن ذلك الذي يفرضه منطق القوة والغلبة؟!
إن دفاعي المستمر عن إيران في هذا السياق وغيره لا يعني انني أؤيدُ كل سياساتها ,وانما هو دفاع عن حق الشعوب في ان تختار طريقها بنفسها ,وعن ضرورة ان يكون هناك تعدد في النماذج والمرجعيات ,وعن إيمان بأن العدل لا يكون عدلا إذا بقي حكرا على من يمتلك الصوت الأعلى ,والاقمار الصناعية الأضخم ,والشركات الاعلامية الأوسع , ما اريده هو نتاج حوار مفتوح وصادق بين الشعوب وليس بين الحكومات وأدوات القوة فقط..
ربما تكون التجربة الإيرانية مرآة تعكس قبح ما آل إليه العالم من ازدواجية في المعايير , ومن إنكار للواقع ,ومن خلط بين المصالح والقيم ,لكن في عمقها ايضا هي فرصة لفهم كيف يمكن ان تنهض أمة رغم الحصار ,وكيف يمكن ان تصمد فكرة رغم التآمر ,وكيف يمكن أن تبقى دولة منتصبة في وجه العاصفة دون ان تنكسر أو تتخلى عن ذاتها وقيمها ومصالحها ومبادئها العليا.
ان شيطنة إيران ليست سوى انعكاس لشيء أعمق من مجرد خصومة سياسية , انها اعلان بأن العالم لم يتصالح بعد مع فكرة التعدد , وانه ما زال عاجزا عن تقبل الآخر إذا لم يكن نسخة طبق الأصل منه , وربما سيبقى هذا الصراع قائما ما لم تُراجع البشرية مفاهيمها حول القوة والحرية والحق وتعيد الاعتبار للإنسان كقيمة فوق كل الحسابات..
ايران لم تكن إلا مثالاً واحدا على التحديات التي تواجهها الدول التي تسعى للاستقلال في هذا العالم. ورغم كل ما يقال عنها, فهي دولة استطاعت أن تقاوم الضغوط ,وتثبت أنها قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها, رغم الحصار والمقاطعة. وإذا كانت بعض الدول العربية تعيش تحت تهديدات مستمرة, فإن جزءاً من المسؤولية يقع أيضا على عاتق من يبررون هذه السياسات التي تؤدي إلى المزيد من التفكك, هؤلاء الذين لا يرون في السيادة والكرامة شيئا يستحق الدفاع عنه.
جاسم محمد علي المعموري
#جاسم_محمد_علي_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟