أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - طقوس السلطة في المغرب: ديمقراطية الشكل واستبداد الواقع














المزيد.....

طقوس السلطة في المغرب: ديمقراطية الشكل واستبداد الواقع


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 09:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في المغرب، وتحت حكمٍ تتغلب فيه الطقوس على المعنى، لا يكاد يوجد فرق بين ارتداء الجلباب والطربوش الأحمر والبلغة الصفراء، وبين المشاركة في الانتخابات والنوم في البرلمان، وبين الانحناء والركوع في حفلات الولاء—عفواً، البلاء—وبين قراءة نشرة إخبارية. كلها طقوس محكمة الإخراج، موزعة الأدوار بدقة، حيث لا مجال للعفوية ولا مكان للخروج عن النص. الزمن نفسه يبدو وكأنه عالق في حلقة مفرغة؛ خبر الأمس هو خبر اليوم، ونشرة الثمانينات هي نشرة الحاضر، مع اختلاف الديكور فقط، أما المضمون فثابت، لا يتزحزح.


السياسة في هذا السياق لا تُمارس كفعل تغييري، بل كعرض دائم، تُعاد فيه نفس المشاهد بوجوه مختلفة. الانتخابات ليست أداة ديمقراطية بقدر ما هي مناسبة لإعادة إنتاج نفس البنية، حيث تُستهلك الخطابات وتُوزع الوعود، دون أن تترجم إلى سياسات حقيقية. الأحزاب، في كثير من الأحيان، لا تبدو كقوى اقتراح ومساءلة، بل كأدوات تكميلية داخل منظومة مغلقة، تتحرك ضمن هامش مرسوم سلفاً.

البرلمان، الذي يُفترض أن يكون قلب الحياة السياسية، يتحول إلى فضاء باهت، تُستهلك فيه الكلمات دون أثر. النقاشات شكلية، والقرارات تُمرر في غياب روح المحاسبة. الحضور لا يعني التأثير، والتمثيل لا يعني الدفاع عن مصالح الناس، بل في أحيان كثيرة يصبح مجرد وظيفة ضمن نظام أكبر لا يسمح بكثير من الاستقلالية.

أما الإعلام، فيؤدي دوراً لا يقل خطورة في تكريس هذا الجمود. بدل أن يكون سلطة رابعة تراقب وتنتقد، يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الرواية الرسمية. نفس اللغة الخشبية، نفس الأولويات، ونفس التعتيم على القضايا الحساسة. يُطلب من المواطن أن يصدق ما يُقال له، لا ما يعيشه يومياً. وهنا تتسع الفجوة بين الواقع والخطاب، بين التجربة والمعروض.

غير أن أخطر ما في المشهد ليس هذه الطقوس في حد ذاتها، بل ما تخفيه وراءها. الاعتقالات السياسية مستمرة، وإن اختلفت تسمياتها أو مبرراتها. كل صوت مزعج، كل رأي مستقل، يمكن أن يجد نفسه في مواجهة آلة قانونية ثقيلة. الصحفيون الذين يتجاوزون الخطوط غير المعلنة، النشطاء الذين يرفعون سقف النقد، وحتى المواطنون العاديون الذين يعبرون عن غضبهم، قد يتحولون إلى أهداف.

التعذيب، رغم نفيه الرسمي، لا يزال حاضراً في شهادات متعددة، يطفو إلى السطح كلما اعتُقد أنه اختفى. تكميم الأفواه لم يعد استثناء، بل أصبح جزءاً من آلية الضبط، حيث يُراد للصمت أن يكون القاعدة، وللكلمة الحرة أن تبقى محاصرة.

وفي موازاة ذلك، يستمر هدم البيوت في بعض المناطق، ليس فقط كإجراء إداري، بل كفعل يعكس اختلالاً عميقاً في العلاقة بين السلطة والمواطن. حين يُهدم بيت، لا يُزال حجر فقط، بل يُضرب شعور الانتماء في العمق. يصبح الإنسان مهدداً في أبسط حقوقه: السكن، الاستقرار، الإحساس بالأمان.

القانون، الذي يُفترض أن يكون الحَكَم، يتحول في هذا السياق إلى أداة انتقائية. يُفعَّل حين يخدم السلطة، ويُؤوَّل حين يهددها. النصوص موجودة، والدستور مليء بالحقوق، لكن التطبيق يكشف فجوة واسعة بين ما يُكتب وما يُعاش. العدالة، بدل أن تكون حصناً، تصبح في نظر كثيرين جزءاً من المشكلة.

ورغم كل هذا، يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن “النموذج التنموي” و”الإصلاحات الكبرى” و”الاستثناء المغربي”. عبارات براقة تُستهلك بكثافة، لكنها تصطدم بواقع اجتماعي صعب: بطالة، فوارق طبقية صارخة، خدمات عمومية متعثرة، وإحساس متزايد بالتهميش لدى فئات واسعة.

المفارقة أن هذا النظام، الذي يراهن على الاستمرارية عبر التحكم، قد يخلق في العمق شروط التآكل البطيء. فالمجتمع لم يعد كما كان، والوعي لم يعد قابلاً للاحتواء بنفس الأدوات القديمة. وسائل التواصل، التجارب اليومية، والانفتاح على العالم، كلها عوامل تجعل من الصعب الاستمرار في نفس الأسلوب دون تكلفة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة ليس المعارضة الصاخبة، بل فقدان الثقة الصامت. حين يكف الناس عن التصديق، وحين يتحول الصمت من خوف إلى لا مبالاة، يبدأ الشرخ الحقيقي. لأن الأنظمة لا تسقط فقط بالاحتجاج، بل قد تتآكل أيضاً من الداخل، حين تفقد قدرتها على الإقناع.

في النهاية، لا يتعلق الأمر برفض الدولة أو مؤسساتها، بل بالمطالبة بأن تكون هذه المؤسسات ذات معنى حقيقي. أن تتحول من طقوس إلى أدوات فعل، من واجهات إلى فضاءات مساءلة، من رموز جامدة إلى آليات تخدم المواطن فعلاً. السؤال لم يعد: هل يمكن الاستمرار بهذا الشكل؟ بل: ما كلفة هذا الاستمرار، ومن سيدفع ثمنه، ومتى يصبح التغيير ضرورة لا خياراً.

إلى ذلك الحين، سيبقى المشهد قائماً: طقوس تتكرر، أدوار تُعاد، وواقع ينتظر أن يُكسر هذا الإيقاع.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب : مات الشعب… وعاش صاحب الجلالة : أزمة الحكم في المغرب ...
- المغرب و مسرحية المؤسسات: وجوه تتغير ونفس الأزمات تتكرر
- المغرب المختطف: سلطة تُحكم وشعب يُقمع
- مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خار ...
- حين تُهدم بيوت الفقراء وتُبنى إمبراطوريات العقار: من يحكم ال ...
- قصيدة ساخرة : المغرب ، أبراجُ السلطان… وقبورُ المنسيين
- المغرب: مملكة الخوف… حين يحكم القمع وتنهب الثروات
- المغرب: حين تُدفن الحقيقة في الزنازين وتُكتب الرواية الرسمية ...
- من المطالبة بالكرامة إلى زنزانات السجون: الوجه الخفي للسلطة ...
- قصيدة :المغرب مملكة السراب
- المغرب: الكارثة التي كشفت كل شيء… أين ذهبت 12 مليار دولار؟
- المغرب بين ثرثرة شعب… وصمت وطن: حين يصبح الكلام بديلا عن الك ...
- المغرب بين بريق الصورة وعتمة الواقع… حكاية شعب منهك
- المغرب بين مسرح الطاعة وكواليس الخوف
- المغرب: ثروات بالمليارات وشعب على الهامش: من يحاسب من؟
- المغرب: من دول بناها الشعب إلى نظام يحتكر الدولة بكل مفاصلها
- المغرب : لعنةُ الجوعِ على عرشِ الظلم
- المغرب بين خطاب التنمية ووجع المواطنين: الحقيقة الممنوعة
- حين تلهينا حروب الشرق الأوسط عن أسئلة الكرامة والثروة في الم ...
- الواجهة المزيفة للإنجازات: ثروات المغرب في يد الشركات الملكي ...


المزيد.....




- أول رد من ترامب على المقترح الإيراني الجديد بشأن المفاوضات و ...
- إيرانيون يعبرون لـCNN عن قلقهم من استئناف الحرب قريبا
- -بالتوفيق في الحصار-.. قاليباف يسخر من هيغسيث بخريطة تُظهر ا ...
- 135 الف قنبلة منذ 7 اكتوبر.. الجيش الاسرائيلي يكشف حجم ضربات ...
- -أدخلنا كل ما نريد إدخاله-.. حزب الله يكشف تفاصيل المواجهة م ...
- ترامب: لست راضيا عن المقترح الإيراني الجديد
- فرنسا: مسيرات للتمسك بأول مايو كعطلة رسمية
- انسحاب أمريكا المحتمل.. هل انتقلت الصدمة من ألمانيا إلى الكو ...
- جنوب لبنان اليوم.. 11 قتيلا في 34 غارة إسرائيلية وحزب الله ي ...
- -فوق السلطة-.. ضربوا كل شيء ونسوا -المطبخ النووي-


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - طقوس السلطة في المغرب: ديمقراطية الشكل واستبداد الواقع