أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود نجم الدين المعمار - النظام تحت مجهر الفلسفة السياسية














المزيد.....

النظام تحت مجهر الفلسفة السياسية


محمود نجم الدين المعمار

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 00:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس الخلل في هذا النظام طارئًا يمكن إصلاحه بتبديل الأشخاص، بل هو خللٌ بنيوي يكمن في الأساس الذي تُدار به الدولة وتُفسَّر به نصوصها. ولعل أول ما يكشف هذا الخلل أن الأنظمة الحية تُراجع نفسها، بينما الأنظمة المختنقة تعيد إنتاج أخطائها. فالولايات المتحدة، منذ وضع دستورها، أجرت سبعةً وعشرين تعديلًا دستوريًا، أي أنها ظلت تعيد النظر في نفسها كلما تغيّرت الظروف أو ظهرت عيوب. أما نحن، فمنذ كتابة دستورنا، لم نُجرِ تعديلًا واحدًا، وكأن النص بلغ الكمال، أو كأن العطب ليس فيه. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المشكلة أعمق من مجرد تطبيق سيّئ، بل هي كامنة في بنية النظام ذاته.

هذه البنية تضع كل من يصل إلى السلطة أمام مفترق حاسم لا ثالث له: إما أن ينحاز إلى الشعب فيسعى إلى إصلاح التعليم، والصحة، ومحاربة الفساد، فيفتح على نفسه أبواب الصدام مع القوى المتحكمة في النظام فيُقصى سريعًا، وإما أن يدخل في منطق التفاهمات مع عقدة الكتل، وشيوخ العشائر، ومفاتيح النفوذ، فيشتري رضاهم ويستتب له الحكم. وهكذا تتحول الدولة من منظومة مؤسسات إلى شبكة ولاءات، ويصبح الاستقرار نتيجة ترضيات لا نتيجة قانون. في هذه الحالة لا يكون الحاكم حرًّا في الاختيار، بل مقيّدًا ببنية تفرض عليه أن يكون جزءًا من المشكلة إن أراد أن يبقى في موقعه.

غير أن النظر إلى هذا الواقع من زاوية قانونية صِرفة لا يكفي. فالدستور، على أهميته، ليس هو الأصل الأول الذي يفسر هذا الانحراف، بل هو نفسه يحتاج إلى تفسير. والسؤال الأسبق من كل نص دستوري هو: كيف صار هذا الدستور دستورًا أصلًا؟ ما الذي يمنحه معناه؟ وما الذي يحدد كيفية قراءته؟ هنا نصل إلى الجذر الحقيقي: الفلسفة السياسية للعقد الاجتماعي. فهي التي تحدد متى تكون السلطة مشروعة، ومتى يجب تقييدها، ولمن تكون الأولوية عند التعارض.

فإذا نظرنا إلى هوبز، وجدنا أن الأولوية لبقاء النظام؛ فالسلطة تُقيَّد ما لم يُهدَّد الاستقرار، فإذا هُدِّد توسعت، ولو على حساب الحريات. أما عند لوك، فالأولوية للحق؛ فالسلطة لا تُمنح إلا بقدر ما يحمي الحرية، وإذا تعارضت مع الحقوق وجب تقييدها. وعند روسو، تكون السلطة مشروعة بقدر ما تعبّر عن الإرادة العامة، غير أن أخطر ما في هذا التصور هو إمكان أن تحتكر فئةٌ ما تعريف هذه الإرادة وتتحدث باسم الجميع. وبذلك يختلف معنى الدستور ذاته: فهو عند هوبز أداة استقرار، وعند لوك قيد على السلطة، وعند روسو تعبير عن الإرادة العامة.

والمشكلة في واقعنا أن السلطة لا تلتزم برؤية واحدة من هذه الرؤى، بل تنتقل بينها بحسب ما يخدمها. فإذا احتاجت إلى الشرعية، استدعت لغة الشعب والإرادة العامة، وإذا أرادت تقييد الحريات، لجأت إلى خطاب الأمن والاستقرار، وإذا رغبت في تثبيت امتيازاتها، تحصّنت بمنطق المصلحة. وهكذا لا يعود الدستور معيارًا ثابتًا يُحتكم إليه، بل يصبح أداة مرنة تُفسَّر بحسب الحاجة. وهذا هو أصل الازدواجية التي تُفرغ النصوص من معناها.

ثم تأتي مسألة الأهلية، وهي عِلّة لا تقل خطورة عن عِلّة الفلسفة. فالتشريع ليس وظيفة عادية، بل هو أخطر وظيفة في الدولة، لأنه يحدد مصائر الناس وحقوقهم وواجباتهم. وهنا يقدّم أرسطو مثالًا بالغ الدلالة: لو كان لدينا أفضل ناي، فلمن نعطيه؟ هل نعطيه لأجمل الناس أو أغناهم أو أقواهم؟ أم لأفضل من يعزف؟ الجواب واضح: نعطيه لأفضل عازف، لأن الناي وُجد ليُعزف عليه جيدًا. وكذلك التشريع: لا ينبغي أن يُعطى لمن يملك المال أو النفوذ أو الصوت الأعلى، بل لمن يملك الأهلية العلمية والفكرية لفهم القانون والفلسفة السياسية والأخلاق وتبعات النصوص.

وفي المقابل، فإن المحكومين أنفسهم يواجهون مشكلة أهلية سياسية. فالقانون لا يعتدّ بالتصرف المدني إلا إذا صدر عن أهلية تامة، ويحمي ناقص التمييز من نتائج اختياره. فإذا كان هذا هو حال التصرف في المال الخاص، فمن باب أولى أن تكون هناك أهلية في إنتاج السلطة العامة. لأن من لا يملك الحد الأدنى من الوعي السياسي والمعرفي لا يستطيع أن يُنتج اختيارًا رشيدًا، بل يصبح أداة في يد من يملك النفوذ. ومن هنا يمكن القول إن الأهلية المدنية شرط لصحة التصرف، والأهلية السياسية شرط لصحة إنتاج السلطة.

وتزداد الصورة وضوحًا إذا استحضرنا تصور جون رولز للعدالة. رولز لا يصف كيف تُسن القوانين في الواقع، بل يضع معيارًا لاختبار عدالتها. فهو يفترض أن واضعي القواعد يجب أن يشرّعوا من وراء ما سمّاه “حجاب الجهل”، أي أن يتجردوا من مواقعهم ومصالحهم وهوياتهم، فلا يعرفوا قبل سنّ القاعدة إن كانوا سيكونون من المنتفعين بها أم من المتضررين منها. والغاية من ذلك أن يضعوا قواعد عادلة للجميع، لأن كل واحد منهم يحتمل أن يكون هو الأضعف.

غير أن ما حدث في واقعنا هو العكس تمامًا. فالبرلمانيون حين سنّوا قوانين تخص رواتبهم ومخصصاتهم وامتيازاتهم، لم يشرّعوها من وراء حجاب الجهل، بل من داخل مواقعهم التي تضمن لهم المنفعة. لم يشرّعوا كمن يحتمل أن يكون مواطنًا، بل كمن ضمن أنه نائب. وهنا لا تعود القاعدة تعبيرًا عن عدالة عامة، بل تتحول إلى تقنين للمصلحة الخاصة بلغة القانون.

وعليه، فإننا لا نواجه أزمة أشخاص بقدر ما نواجه أزمة معيار. ولا يكفي أن نغيّر الوجوه إذا بقي الأصل الذي يُفسَّر به النظام مختلًا. فالدولة التي لا تحدد فلسفتها السياسية بوضوح، ولا تشترط الأهلية في من يحكم ومن يختار، ولا تلتزم بمعيار ثابت في تفسير نصوصها، تظل أسيرة ازدواجية تفتح باب الخراب أكثر مما تبني طريق الإصلاح.



#محمود_نجم_الدين_المعمار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية الوطنية بين الدين والعقل: نحو تأسيس أخلاقي جامع
- نداء لارجاني بين المذهب والدين
- اقتصاد في الجوهر ايدلوجيا في الغلاف
- هل من الممكن ان تقلب الطاولة على امريكا نتيجة حربها على ايرا ...
- السلطة امام المراة
- دعوى للجاهلية
- الانجاب ليس حقا للجميع
- حقوق الانسان العاري
- زينلسكي يدفع فاتورة خسارة ماكرون للنيجر
- اي انسان تريد ان تربيه الدولة


المزيد.....




- بعد سجال حاد مع ميرز.. تدوينة لترامب عن مصير قوات بلاده في أ ...
- لماذا أصبحت هذه الساعة -غير المألوفة- المفضّلة لدى المشاهير؟ ...
- زهران ممداني يحث الملك تشارلز على إعادة -ماسة كوهينور-.. ما ...
- السعودية.. الداخلية تعلن ضبط متورطين في منشور يتضمن عبارات - ...
- القضاء الأمريكي يكشف استعدادات المتهم بمحاولة اغتيال دونالد ...
- هل ستصمد الأسهم الأمريكية أمام تحديات الحرب؟
- لتغطيتها -فظائع غزة-.. الجزيرة الإنجليزية تفوز بجائزة إعلامي ...
- سجال حاد.. مشرّع يضغط على هيغسيث بشأن القدرات النووية الإيرا ...
- كيم جونغ أون يمدح انتحار جنوده عوضا عن الأسر كاشفا العقيدة ا ...
- حرائق المصانع في مصر: حين تتحول بيئة العمل إلى خطر قاتل


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود نجم الدين المعمار - النظام تحت مجهر الفلسفة السياسية