أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - أمريكا وأطفال الحصار.. هل يتكرر السيناريو؟














المزيد.....

أمريكا وأطفال الحصار.. هل يتكرر السيناريو؟


محمد وهاب عبود

الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 00:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما تزال جروح تسعينيات القرن الماضي في العراق تنزف حتى اليوم والمتمثلة بحصار اقتصادي أمريكي برعاية غربية دام ثلاثة عشر عاماً 1990 - 2003، أودى بحياة أكثر من مليون ونصف المليون طفل عراقي. لقد كان مشروعاً تجويعياً وجريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان لشعب تكالبت عليه سلطة فاشية من الداخل وقوى دولية غاشمة من الخارج. وفي تلك السنوات العجاف يتذكرون العراقيون كلمة "العتيك"، حينما اضطروا إلى بيع كل ما يملكون من أثاث وأجهزة وحاجيات وتحف في أسواق "العتيك"، بينما جاب "الدوارة" الشوارع بحثاً عن شرائها أو مقايضتها.

إبان تلك الحقبة كانت واشنطن تراهن على معادلة تجويع الشعب حتى يثور على النظام، لكن الحسابات خابت، صمد النظام ولم ينهار. غير أن الفاتورة الثقيلة دفعها العراقي البسيط والطفل الذي حرم من الحليب والدواء، دفعتها الأم التي رأت طفلها يذوب أمام عينيها دون قدرة على فعل شيء، ثلاثة عشر عاماً من المعاناة وذاكرة مريرة لا تضاهيها مرارة في حناجر العراقيين.

جان بول سارتر يقول إن الجوع أداة قمع سياسية لأنه يكسر الإنسان قبل أن يكسر جسده. وهذا ما فعلته أمريكا تماماً، فقد سحقت الكرامة الإنسانية تحت أحذية الحصار وحولت البيوت إلى مقابر صامتة، كما تحول العراق إلى سوق كبير للعتيك، ليس فقط للأشياء، بل للكرامة الإنسانية ذاتها.

واليوم تعاود الولايات المتحدة استخدام ذات الأسلوب البشع، فقد أفاد مسؤولون عراقيون وأمريكيون لصحيفة "وول ستريت جورنال"، بإدارة الرئيس دونالد ترامب علقت شحنات النقد بالدولار الأمريكي إلى العراق، كما جمدت برامج التعاون الأمني مع الجيش العراقي، والهدف تصعيد الضغوط على بغداد لتفكيك ما وصفته المليشيات المدعومة من إيران.

في هذا المشهد المعقد يقف العراق في حرج، فتعدد الأذرع الأمنية والعسكرية يقوض سمعة ومكانة البلاد على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، لكن القرار يبقى عراقياً خالصاً، والمطلوب عدم الانصياع للأوامر الأمريكية وعدم الانزلاق في حرب عراقية-عراقية تخدم أجندة خارجية.
إن الملفات الشائكة تحتاج إلى تفاهمات وترتيبات وضمانات ومعالجات دون سفك الدماء ووفق أطر توافقية تراعي حساسية الوضع. فالقيادة السياسية رغم علاتها وتشظياتها مدعوة من منطلق الضرورة التاريخية إلى البحث عن شريك دولي لا يستخدم الخبز كسلاح. بل عليها أن تنسل تدريجياً من السطوة الأمريكية التي تريد عراقاً ضعيفاً وخاضعاً.

في تسعينيات القرن الماضي لم تكن الصين تملك القوة والاقتدار والمكانة الدولية التي تتمتع بها اليوم، فالعراقيون كانوا محاصرين من كل اتجاه. أما الآن ثمة بديل يمكن اللجوء إلى الشريك الصيني كحبل نجاة من قبضة الحرب الاقتصادية الأمريكية، فالصين وروسيا اليوم قوتين عظميين تقدمان نموذجاً مختلفاً للعلاقات الدولية.

ومن البيٌن أن الولايات المتحدة تواجه خطر الضمور كحضارة، في المقابل تبرز قوى عظمى جديدة تزاحمها على عرش القيادة العالمية. لذلك ستستمر أمريكا في استخدام أبشع الوسائل للحفاظ على هيمنتها، هي تريد أن تبقى الناهي والآمر في هذا العالم حتى لو كان الثمن أشلاء الأطفال العراقيين.

ثمة مشاريع كبرى اليوم لتحويل العراق والمنطقة بأكملها إلى سوق "عتيك" واسع وممزق، سوق تنهشه الخلافات الداخلية والتجاذبات الخارجية، وكل شيء معروض للبيع، الأمن، السيادة، الكرامة، حياة الأطفال. وهذا هو المصير الذي ينتظر العراق إن لم يتدارك السياسيون الوضع، وربما ذكرى ضحية مليون ونصف طفل ستكون كافية لإيقاظ الضمير.

دكتور محمد وهاب عبود / باحث وأكاديمي



#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التنفس عبر فوهات المدافع
- عودة -أبو خليل-
- مواقع تتربح وطفولة تُستباح
- المنطقة الرمادية بين النصر والهزيمة
- الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي
- ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟
- إبستين وشراء البراءة من الإعلام
- قصة السومريين والمجلس الوزراي للاقتصاد
- لماذا هذه الكراهية للشعوب؟
- انتخابات العراق 2025.. لا جديد يُذكر والقديم يُعاد
- القابضون على الذكاء الاصطناعي
- شيطنة فنزويلا
- جائزة نوبل.. تكريم الغرب لنفسه
- البودكاست وثقافة الثرثرة
- سلطة النهب
- ال -ترند- والانجراف الجمعي
- فرنسا القديمة وكاليدونيا الجديدة
- الأجيال وجدل الأفضلية المزمن
- كورونا العادل في زمن الظلم
- كورونا_من زاوية اخرى


المزيد.....




- بيان صحفي: نفي بشأن مقال صحفي منسوب إليّ
- -سيلفي- للمتشبه به قبل هجوم عشاء مراسلي البيت الأبيض وتسلسل ...
- -هل تصف إغلاق إيران لمضيق هرمز انتصارًا؟-.. نائب ديمقراطي يت ...
- إسرائيل تعلن اعتراض سفن أسطول الصمود العالمي قبل وصوله لغزة ...
- الجيل -زد- ينجذب إلى الساعات الكلاسيكية.. لا لوظيفتها فقط
- ماذا بعد رفض حماس خطة نزع سلاحها؟ هل تعود الحرب في غزة؟
- ترامب يدعو إيران إلى -الاستسلام- ويبحث خيارات عسكرية.. وإسرا ...
- خروج الإمارات من -أوبك-: هل يعيد رسم خريطة النفوذ في سوق الن ...
- السكان يتغيرون والخرائط تبقى.. صراع دارفور الأخطر
- إسرائيل تعترض سفن -أسطول الصمود- قبل وصولها إلى غزة


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - أمريكا وأطفال الحصار.. هل يتكرر السيناريو؟