كاظم الحناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 22:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في 13 آب 1990، نشرت صحيفة (البعث الرياضي) مقالا بعنوان (الوجه الآخر لصدام حسين) بقلم (عدي صدام حسين). العنوان بحد ذاته لا يبدو مثيرا، لكن توقيته يقول كل شيء. نحن نتحدث عن أيام قليلة بعد غزو الكويت، أي في لحظة كان فيها النظام بحاجة إلى إعادة ترتيب صورته أمام الداخل قبل الخارج.
الصورة المرافقة لم تكن عادية. صدام يقف وسط قطيع من الأغنام، بملابس بسيطة، كأنه واحد من الناس. هذا النوع من الصور لا يلتقط صدفة، بل يصنع. الرسالة واضحة: القائد ليس بعيدا، بل قريب، بسيط، راع لشعبه.
أما النص، فيمضي باتجاه واحد: رسم صورة إنسانية كاملة. تواضع، قرب من الفقراء، حياة بسيطة، مواقف عاطفية. لا شك، لا سؤال، لا وجه آخر فعلي. فقط صورة جاهزة للتصديق…
ليست المشكلة في الصورة، ولا في المقال، بل في الطريقة التي أعيد بها إنتاج المعنى عبر الزمن.
في تلك الصفحات، كان الوجه الآخر محاولة لتقديم شخص داخل رمز، لكن ما حدث لاحقا هو العكس تماما: تحول الشخص إلى واجهة، والواجهة إلى حقيقة لا تناقش.
هنا تبدأ الحكاية مع الاعلام… الشعوب التي ترهق بالفقر والخوف والحروب، لا تبحث عن الحقيقة، بل عن شكل آمن تعلق عليه قلقها. وعند هذه النقطة تحديدا، تتدخل السلطة أيا كان اسمها لتقدم النموذج الجاهز وقائد القطيع رجل بسيط… قريب من الناس… يرعى، يأكل مثلهم، يعيش بينهم…
ثم يرفع تدريجيا إلى مقام لا يمس وله هالة لا يسمح بتدنيسها ويشبه بالرموز العليا ليصبح وارثا لها.
هذه ليست عفوية، هذه صناعة تعلمنا من الماضي، كيف كانت تصنع الصورة عبر الصحف والاذاعة والتلفزيون، الصور، القصص، واللغة التي تبالغ في التبسيط حتى تلغي التفكير.
واليوم؟
الآلية نفسها، لكن بأدوات أسرع: شاشة، مقطع قصير، تعليق عاطفي، وجمهور يضغط إعجاب بدل أن يسأل.
الفكرة لم تتغير… فقط الوسيلة في الحالتين، يتم تقديم نموذج مكتمل لا يحتاج إلى نقد، ولا يسمح بالمسافة. نموذج يختصر الواقع المعقد في صورة واحدة سهلة الهضم.
وهكذا يتحول الوعي إلى استجابة، لا إلى تفكير.
المفارقة أن هذه النماذج لا تُصنع في المجتمعات القوية، لأن الإنسان هناك يملك أدوات الشك، بل تزرع في البيئات الهشة، حيث التعب يجعل العقل يبحث عن اختصار، لا عن حقيقة.
وهنا تكمن الخطورة،،فحين يختزل التاريخ في صورة، والإنسان في قصة منتقاة، يتحول الرمز إلى بديل عن الواقع، وتصبح الجماهير جزءا من إعادة إنتاجه، لا مجرد متلق له بل في اغلبه متملق.
وبين صفحة قديمة في جريدة… وشاشة حديثة في هاتف، نجد أن المسافة الزمنية كبيرة،
لكن المسافة في الوعي… لم تتغير كثيرا.
#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟