أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة














المزيد.....

حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 00:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في القدس، لا يُضرب جسد راهبة فقط، بل يُختبر معنى أن تبقى المدينة مدينة. في أحد أزقة البلدة القديمة، حيث تمرّ راهبة بثوبها الأبيض بهدوء، يكفي فعل واحد عنيف ليكسر هذا المشهد الهش، ويكشف ما يتراكم بصمت: أن العنف لم يعد استثناءً، بل احتمالاً قائماً في الحياة اليومية.

الحادثة التي أُصيبت فيها راهبة مسيحية على يد مستوطن ليست تفصيلاً عابراً في سجل الأخبار، بل لحظة كاشفة تُسقط الوهم القديم بأن ثمة مساحات ما زالت خارج دائرة الاستهداف. فالراهبة ليست خصماً سياسياً، ولا صوتاً في ساحة نزاع. إنها، في معناها الإنساني العميق، اختيار للحياة الهادئة: خدمة، صلاة، وانسحاب من صخب العالم. لذلك، فإن الاعتداء عليها لا يُفهم كاحتكاك عابر، بل كفعل موجّه ضد رمز—ضد صورة السلام نفسها.

الأرقام هنا ليست محايدة. خلال ثلاث سنوات فقط، ارتفعت الاعتداءات على المسيحيين ورموزهم في القدس ومحيطها من 89 حادثة إلى 155. هذا ليس تصاعداً طبيعياً، بل انزلاق واضح. وبين هذه الوقائع عشرات الاعتداءات الجسدية، ومئات الإهانات اليومية التي تتراوح بين البصق والشتائم والتضييق. والأخطر أن رجال ونساء الدين هم الأكثر استهدافاً—لأنهم مرئيون، لأن هويتهم لا تختبئ، بل تُحمل على الجسد وتمشي في الشارع.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في العدد وحده، بل في دلالته. فالبصق على راهب، أو ملاحقة راهبة، أو الاعتداء على كنيسة، ليست أفعالاً عشوائية. إنها لغة مكتملة. لغة تقول إن الآخر لم يعد يُرى كإنسان كامل الكرامة، بل كحضور قابل للإهانة بلا كلفة تُذكر. ومع تكرار هذه اللغة في الفضاء العام، تتحول من انحراف إلى نمط، ومن سلوك فردي إلى مناخ عام.

السؤال لم يعد إن كان ما يحدث خطأ—فهذا محسوم أخلاقياً—بل كيف أصبح ممكناً أصلاً. كيف انكسر الحاجز الذي كان يفصل بين الاختلاف والاعتداء؟ وكيف صار الرمز الديني، الذي يُفترض أن يكون خارج الصراع، داخل دائرة الاستهداف اليومي؟

من زاوية نفسية، لا تنفصل هذه الأفعال عن بنية توتر أعمق تبحث عن منفذ. في مثل هذه البيئات، يُختار الهدف بعناية: أن يكون مختلفاً، واضحاً، وأقل قدرة على الرد. والراهبة، بثوبها وصمتها، تجتمع فيها هذه الشروط. لكنها ليست هدفاً سهلاً فحسب، بل هدفاً مكثفاً؛ لأن الاعتداء عليها يمنح المعتدي وهماً بالسيطرة على معنى، لا على شخص.

اجتماعياً، تبدأ الخطورة الحقيقية في اللحظة التي يفقد فيها الحدث فرادته. عندما يصبح الاعتداء خبراً عابراً، تتآكل الحساسية الأخلاقية. وما كان يُرفض بلا تردد، يصبح قابلاً للتأويل، ثم للتجاهل. عند هذه العتبة، لا يعود العنف بحاجة إلى تبرير؛ يكفي أنه تكرّر حتى اعتاده الناس.

سياسياً، لا يمكن فصل هذا المشهد عن سياقه الأوسع. تقارير دولية، بينها ما نشرته Associated Press، تشير إلى ارتباط تصاعد هذه الاعتداءات بمناخ مشحون، وبشعور لدى بعض المعتدين بأنهم يتحركون في هامش تسامح أو غياب مساءلة. وهذا الشعور، بصرف النظر عن دقته، هو ما يحوّل الفعل من واقعة فردية إلى ظاهرة قابلة للتكرار.

لكن الأثر الأعمق لا يُقاس بلحظة الاعتداء، بل بما يتركه بعدها. هذه الوقائع لا تغيّر المدينة دفعة واحدة، بل تعيد تشكيلها ببطء. إنها تدفع جماعة كاملة إلى الشعور بالهشاشة، وتحول الانتماء إلى عبء يومي، وتزرع سؤال البقاء في مكان كان، عبر قرون، جزءاً أصيلاً من نسيجه الحي.

القدس ليست بحاجة إلى مزيد من الشعارات عن قدسيتها. هي بحاجة إلى اختبار بسيط وواضح: أن يكون الإنسان فيها آمناً. لأن المدينة التي تعجز عن حماية الأضعف فيها، تفقد قدرتها على حماية نفسها. والقداسة التي لا تنعكس في كرامة البشر، تتحول إلى فكرة معلّقة، بلا أثر في الواقع.

عندما تُضرب راهبة في شوارع القدس، لا تُصاب وحدها. يُصاب معنى التعايش، وتُخدش فكرة المدينة، ويُفتح سؤال لا يمكن تأجيله: أي قداسة يمكن أن تصمد، إذا لم يعد الإنسان فيها مصوناً؟

القدس لا تفقد قداستها حين تُمسّ حجارتها، بل حين يُهان فيها الإنسان… ويُصبح ذلك عادياً



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحذف بدل الانتظار
- “الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن ...
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما-
- عيدُكِ الثاني في السماء… أمي ريما
- قراءة نقدية في قصيدة “دفترُ الوجع: أقاربٌ، رفاقٌ، وقلبي” للش ...
- على وجهي ظلّ غيمة” للشاعرة ريما حمزة
- إلى الدكتور عادل جوده… حين يصبح النقد رؤية
- على حافة اليقظة
- حيث يختبئ الله… بين رجفة الجسد وسكون الروح
- لم يَسَعْهُ الصمتُ… فانكَشَفَ كونًا
- ما لا نراه يحكمنا: اللاوعي كجذرٍ خفيّ للنزاعات وأفقٌ آخر للس ...
- نصفٌ لا ينجو
- مرثيّة إلى الإعلاميّة أمال خليل
- جوني منصور: من يلاحق الذاكرة… كي لا تضيع
- الدكتور بشارة مرجية: حين تصير الكتابة للطفل امتحانًا للمعنى ...
- في الذكرى الثانية لرحيل بثينة ضبيط: هذا الغياب الذي لا ينجح
- كأننا نحنُ الذين تأخّرنا عن الرحيل
- “بين اللدّ والرملة: صيغةٌ للبقاء”
- بيانُ الشَّرخِ الأوّل
- مذكّرات شاعرية لبراءة غسان: حين تصبح القصيدة مرآةً للإنسان


المزيد.....




- باكستان تفتح 6 ممرات برية لنقل البضائع إلى إيران وسط الصراع ...
- كم بلغت كلفة الحرب على إيران؟ تقرير يكشف أرقامًا تتجاوز التق ...
- كيم جونغ أون يمجّد جنوده الذين -فضّلوا الموت على الأسر- في ح ...
- في مراكز النزوح بلبنان: الحرب تترك بصمتها -السوداء- على الأط ...
- الهند: مشروع عملاق لإعادة تأهيل حي -دارافي- أكبر أحياء مومبا ...
- تونس: نقل زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي من السجن إلى المستشف ...
- لماذا يركز حزب الله ضرباته على -شوميرا- في الجليل؟
- ضرب شرايين الطاقة.. صور فضائية توثق احتراق محطة نفط -بيرم- ا ...
- حرب الاستنزاف.. كيف أعادت إيران وأمريكا تعريف المواجهة؟
- هل تذوقت الزهور من قبل؟.. أسرار تحضير مربّى الورد خطوة بخطوة ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين تُضرب الراهبة… تُفضَح المدينة