أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري















المزيد.....

حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 16:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في كثير من المؤسسات العراقية، نلاحظ سلوكاً يتكرر بصورة لافتة: مسؤول يتزلف لمن هم أعلى منه، يبالغ في الثناء، يخفي الحقائق غير المريحة، وربما يلجأ إلى الكذب أو تجميل الواقع فقط لينال الرضا أو يتجنب الغضب. هذه الظاهرة ليست مجرد ضعف أخلاقي فردي، بل هي نتيجة تداخل عوامل نفسية وتنظيمية وثقافية.
ففي المكاتب الواسعة ذات الطاولات اللامعة، لا تُسمع الحقيقة دائماً. هناك لغة أخرى تُقال بصوت منخفض؛ لغة مليئة بالثناء المبالغ فيه، والابتسامات المصطنعة، والتقارير التي تُصاغ بعناية لتخفي ما يجب أن يُقال إنه مشهد مألوف: مسؤول يجلس أمام مسؤول أعلى منه، يتحدث بلهجة الواثق، لكنه في داخله يحسب الكلمات كما يحسب التاجر أرباحه وخسائره. لا يقول ما يعتقد، بل ما يُرضي. لا يعرض الواقع كما هو، بل كما ينبغي أن يبدو.
وفي بيئة تُدار بالأمزجة لا بالأنظمة، يصبح الرضا الشخصي معيار البقاء. وأن كل مسؤول يدرك أن كلمة واحدة قد ترفعه أو تطيح به، فيتعلم بسرعة أن يقول ما يُحب الرئيس سماعه، لا ما يجب أن يُقال. فالتملق ليس سلوكاً عابراً في دهاليز الإدارة، بل مرضاً بنيوياً ينهش المؤسسات من الداخل. حين ترى مسؤولاً يبالغ في الثناء على رئيسه، ويجمل التقارير، ويخفي الإخفاقات، ويكذب باسم "اللباقة"، فأنت لا تشاهد شخصاً ضعيفاً فحسب، بل ترى نظاماً كاملاً يُكافئ النفاق ويعاقب الصدق.
من أخطر ما يرسّخ التملق أن تتحول العلاقة بين الرئيس والمرؤوس إلى علاقة ولاء شخصي. في الوقت الذي يجب أن تُبنى القرارات على لجان، ومحاضر رسمية، وتوثيق شفاف، لا على جلسات مغلقة.
لماذا يحدث هذا؟
يكمن الجذر الأول في هشاشة المنصب. ففي بعض البيئات ترتبط الترقية والعقوبة برضا المسؤول الأعلى، حيث يصبح المنصب لا تكليف بل امتياز، ولا مسؤولية بل غنيمة. وحين يتحول الموقع الإداري إلى مصدر نفوذ شخصي، يصبح الحفاظ عليه أولوية تتقدم على الصدق والكفاءة. ويصبح الخوف هو المحرك الأول: الخوف من الإبعاد، ومن التهميش، ومن فقدان الامتيازات. في هذه البيئة، يتراجع الصدق أمام غريزة البقاء، ويتصرف المسؤول كمن يسعى إلى حماية نفسه لا إلى خدمة المؤسسة.
فعندما يكون مصير المسؤول مرتبطاً برضا شخص واحد، يصبح هذا الرضا بوصلته الوحيدة. وهنا تبدأ المأساة؛ وتتحول الإدارة إلى علاقة عاطفية مشوهة بين الأعلى والأدنى، لا إلى علاقة مهنية تحكمها معايير واضحة.
المسؤول الذي يخاف، لا ينقل المشكلة كما هي، بل يخففها. لا يعترف بالفشل، بل يبرره. لا ينتقد القرار، بل يمدحه. لأنه يرى في الحقيقة خطراً، وفي العراق، وتحديداً في المؤسسات التي تُقدَّس فيها السلطة ويُجرَّم فيها الاختلاف، يصبح التملق مهارة بحد ذاته. العبارات الرنانة تحل محل الأرقام، والثناء يحل محل التقويم الموضوعي. ومع الزمن، لا يعود التملق سلوكاً فردياً، بل يتحول إلى ثقافة عامة. من يرفضه يبدو شاذاً عن القاعدة، وربما ساذجاً في نظر الآخرين.
في المؤسسات التي تُبنى على هرم سلطوي صارم، حيث القرار مركزي، والنقد يُفهم كتمرد، ينشأ مناخ يشجع التملق. فكلما كانت المسافة بين القمة والقاعدة كبيرة، وكلما قلّت المساءلة، ازداد الميل إلى إرضاء الأعلى بدل خدمة المصلحة العامة. هنا يتحول المنصب إلى علاقة شخصية لا مسؤولية مهنية.
بعض المسؤولين يفتقرون إلى الثقة بقدراتهم، فيعتقدون أن قوتهم مستمدة من رضا من فوقهم. فيبالغون في إظهار الولاء، ويتجنبون أي موقف قد يُفسَّر على أنه اختلاف أو اعتراض. الشخص الواثق يستطيع أن يقول: "هذا القرار يحتاج إلى مراجعة"، أما غير الواثق فيقول: "فكرة عظيمة" حتى لو كان مقتنعاً بعكس ذلك.
الطموح بحد ذاته ليس خطأ، لا بل مشروع ومطلوب. لكن حين يُختزل النجاح في الصعود بأي ثمن، تنفصل الوسيلة عن القيمة. وحين ينفصل عن القيم يتحول إلى انتهازية.
بعض المسؤولين لا يرون في التزلف تنازلاً أخلاقياً، بل استراتيجية ذكية. يبررون لأنفسهم الكذب بأنه "تكتيك"، ويبررون المجاملة المفرطة بأنها "لباقة سياسية". غير أن الفرق كبير بين الدبلوماسية والكذب، وبين اللياقة والنفاق.
عندما لا توجد آليات واضحة لتقييم الأداء، يصبح الانطباع الشخصي هو المعيار. والانطباع يمكن التأثير فيه بالكلمات المعسولة والتقارير المجمّلة. أما في المؤسسات التي تعتمد على مؤشرات أداء واضحة وتقييم موضوعي، فإن التملق يفقد قيمته لأنه لا يغير النتائج.
أن قول الحقيقة يتطلب شجاعة، خاصة إذا كانت الحقيقة تتضمن اعترافاً بالخطأ أو نقداً لقرار سابق، لكن حين يُعاقب الصادق ويُكافأ المادح، تتشكل بيئة تدفع الناس إلى الكذب حفاظاً على مصالحهم. وعندما تُخفى المعلومات الحقيقية، يتخذ المسؤول الأعلى قرارات مبنية على صورة غير دقيقة.
التملق الإداري ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل هو انعكاس لبيئة تسمح به أو تشجعه. فالمؤسسة الصحية هي التي تجعل الصدق أأمن من الكذب، وتجعل الكفاءة أهم من المجاملة، وتجعل قول الحقيقة فضيلة لا مخاطرة.
إن التملق الإداري ليس مجرد ضعف أخلاقي، بل علامة على خلل أعمق في بنية المؤسسة وثقافتها. وحين تصبح الحقيقة مكلفة، يصبح الكذب رخيصاً. لكن المؤسسات التي تبنى على المجاملة لا تصمد طويلاً؛ لأنها، ببساطة، لا ترى نفسها كما هي.
الشجاعة ليست صفة فطرية فقط، بل مهارة تُدرّس في المدارس والمعاهد المهنية. وبرامج تدريب القيادات يجب أن تتضمن مهارات إدارة الخلاف، وقول الحقيقة بطريقة مهنية، وإدارة الضغوط دون انزلاق إلى الكذب.

المشكلة ليست في موظف يمدح رئيسه، بل في نظام يجعل المدح شرطاً للبقاء. وحين يصبح الصدق مخاطرة، يصبح الفساد خياراً عقلانياً. فالمؤسسات القوية لا تُبنى على الانحناء، بل على الاستقامة.
ولا تنهار بسبب النقد، بل بسبب الصمت.
ليس أخطر على أي مؤسسة من الفساد المالي، بل الفساد الصامت الذي يسبقه: فساد الكلمة. وحين يتحول المسؤول إلى مروّج لرئيسه، ويصبح التقرير لوحة تجميل، وحين تُخفى الحقيقة خوفاً من إزعاج صاحب القرار- فاعلم أن المؤسسة دخلت مرحلة الانحدار، حتى لو بدت من الخارج مستقرة.
أن المسؤول الذي يتملق لا يفعل ذلك بدافع الأدب، بل بدافع الخوف أو الطموح الأعمى. فهو يعرف أن البقاء لا يعتمد على الإنجاز بقدر ما يعتمد على الرضا الشخصي. لذلك يتعلم بسرعة: قل ما يحب أن يسمعه، لا ما يجب أن يسمعه.
وهكذا، تتحول الإدارة إلى دائرة مغلقة من المجاملات. المدير الأعلى يسمع ما يعجبه، فيظن أن الأمور تسير بخير. والمسؤول الأدنى يخفي المشكلات، فيظن أنه يحمي نفسه. والنتيجة؟ قرارات تُبنى على وهم. إذن، المشكلة ليست في شخص يجامل، بل في بيئة تجعل المجاملة شرطاً للنجاة.
أما الثمن الذي تدفعه المؤسسة، فهو باهض: تتضخم الأخطاء الصغيرة لأنها لا تُكشف مبكراً، وتُقصى الكفاءات المستقلة لأنها "غير منسجمة"، ويسود منطق الولاء بدل منطق الإنجاز، وتتآكل الثقة حتى داخل الفريق الواحد. فالمؤسسة التي تُدار بالتصفيق، تتفاجأ يوماً بأنها بلا إنجاز حقيقي.
إن التملق الإداري ليس مجرد عادة سيئة، بل هو مؤشر خطر. فحين يفضّل المسؤول رضا رئيسه على مصلحة مؤسسته، فهو لا يحمي نفسه، بل يساهم في إضعاف الكيان الذي يعمل فيه. فالمؤسسات القوية لا تخشى الحقيقة، أما التي تخاف منها، فهي تعرف في أعماقها أنها بنيت على هشاشة.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كركوك الستينيات: فسيفساء في العيش المشترك
- گلستان… مرثية الذاكرة في ذكرى حلبچة
- بطاقة لا تُمنح… وشهادة تُصنَع في الظل
- أين هي منظمات المجتمع المدني اليوم من أزمات العراق والمنطقة؟
- عندما تصبح قصيدة بوشكين غير صالحة للنشر
- الاستقلالية المُغتصبة: إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني ل ...
- هل تكفي الإدانة؟
- العراق وحُلم المواطنة والاستقرار
- لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب
- هل استسلم السلام، لتبدأ الحرب؟
- أدب السيرة في العراق: حين يسبق الواقع الخيال
- في أفول نجمة عراقية
- في الذكرى التاسعة عشرة للتفجير الإجرامي شارع المتنبي.. عنقاء ...
- رواية -ما تخيله الحفيد-... رحلة سردية في دهاليز الذاكرة والم ...
- بغداد: ذاكرةٍ تمشي على قدمين ومدينة تبحث عن نفسها
- حين يصبح الاحتفاء بمنجزك حافزاً للمواصلة
- واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر
- السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ سافر في شؤ ...
- محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحا ...
- في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. ال ...


المزيد.....




- أضرار جسيمة بعد إعصار ضرب مدينة مينيرال ويلز بولاية تكساس.. ...
- مسؤول بالبنتاغون يكشف ما أنفقته أمريكا على الحرب ضد إيران
- بعد ضغوط لاستبعاد المالكي.. واشنطن ترحب بتكليف علي الزيدي رئ ...
- تحذير بسبب الحرب والنزوح: واحد من كل أربعة في لبنان مهدّد با ...
- البنتاغون: الحرب ضد إيران كلفت أمريكا حتى الآن حوالي 25 مليا ...
- مآسي منسية.. أين الإعلام من حروب إفريقيا؟
- حارس ترمب السابق: حماية الرئيس أصبحت أصعب من أي وقت مضى
- المدينة التي تستعصي على الدولة.. لماذا تمردت كيدال 5 مرات في ...
- -شبكات-.. الملك تشارلز يمازح الكونغرس وترمب يستقبله بكلمات غ ...
- ترمب ضد الجميع.. رئيس يحارب القضاء والإعلام والمعارضة والحلف ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جورج منصور - حين ينحني المنصب: في سيكولوجيا التملق الإداري