أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق














المزيد.....

ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 10:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

على مدى ثلاثين عامًا ظللتُ أبحثُ عن لغةٍ أتواصلُ بها مع طفلي، ثم صغيري، ثم ابني، ثم صديقي الصموت "عمر". واكتشفتُ أنني لم أكن أبحث عن "طريقة" للتواصل مع ابني، بقدر ما كنتُ أفتّشُ عن "لغةٍ" لا تشبه اللغات. لغة لا تعتمد على الحروف، ولا تتوسّل الصوتَ، ولا تَدينُ للكلمات بمعناها المتعارف عليه. لغةٌ تُدرَك أكثرَ مما تُقال، وتُحَسُّ أكثرَ مما تُفهم. رحت أتامل كيف تُبنى اللغة وكيف نقولها؟ هل ننطقها، أم نكتبها، أم نغني إيقاعَها، أم نرقص على حبال حروفها؟
ابني المتوحّدُ الذي يرفضُ الكلام، وضعني أمام سؤالٍ صعب: ما اللغة أصلًا؟ هل هي ما ننطقه بأفواهنا؟ أم ما نخطّه على الورق؟ أم ما نقرأه في عيون أطفالنا، دون أن يتكلموا؟ هكذا بدأت رحلتي: لا أعلّمه لغتي، بل أتعلّمُ لغتَه. راقبتُ الرسمَ وهو يتشكّل بين أصابعه، لا كـ "فنٍ"، بل كبديلٍ عن الكلام. الخطُّ فعلٌ، لا أثر؛ واللونُ موقفٌ، لا حِليَة. لوحاته كانت تقول: "أنا هنا… هل تسمعونني؟" تعلّمتُ أن أقرأ المسافة بين خطّين كما تُقرأ جملة، وأن أُصغي إلى صمته الكثيف كأنه نصٌّ مكتوب بحبرٍ غير مرئي.
أدركتُ أن اللغة ليست أداةَ تواصل، بل شكلُ وجود. واختلاف اللغات لا يعني فشل التواصل، بل تعدّد الطرق. علّمني "عمر" أن الصمتَ ليس عجزًا عن القول، بل امتلاءٌ بما لا يُقال. تأملتُ تجاربَ إنسانيةً اصطدمت بالمأزق نفسه: كيف نقول ما يتجاوز القول؟ "الحسين بن منصور الحلاج"، "جلال الدين الرومي"، "أبو حامد الغزالي"، كان ثلاثتهم مرايا لرحلتي مع "عمر”.
"الحلاج"، العشقُ عنده لم يكن إحساسًا يُحتمل، بل نارٌ تلتهم العاشقَ. لم يبحث عن لغة تصفُ عشقَه لله، بل صار هو اللغة. حين قال "أنا الحق"، كان يعيش لحظة انهيارٍ للحدود بين القائل والمقول. هناك، لم تعد الكلمات وسيلة، بل صارت مصيرًا. لم يجد "الحلاج" لغةً تَسَع ما رآه، فدفع حياتَه ثمن القول.
"الرومي"، تحوّل العشقُ عنده إلى رقصة تعلّمها من “شمس الدين التبريزي”. لم يصطدم باللغة، بل راوغها، راقصها. خبّأ التجربة في الشعر، ومرّرها فوق الموسيقى والاستعارة، كأن الحقيقة لا تُقال إلا إذا تدثّرت بالجمال. لغته لم تُفجّر المعنى، بل أذابته في الإيقاع.
أما "الغزالي"، فهو الوجه الثالث الأكثر هدوءًا وخطورة. مشى الرحلة نفسها، لكنه عاد. شكّ، واهتزّ، ثم أعاد بناء عالمه بلغةٍ حذرة، قابلة للفهم والتداول. اللغة عنده كانت جسرًا، لا هاوية. لم يصرخ كالحلاج، ولا رقص كالرومي؛ بل صمت، ثم عاد بلغةٍ تُقرُّ بعجزها وتعتذر عمّا لا تستطيع قوله. فما يُذاقُ لا يُحكى.
ثلاثة رجالٍ حاولوا النجاة من ضيق اللغة: بالصرخة، والرقص، والصمت. وطفلٌ متوحد، لم يقع في الفخ أصلًا، بل اختار "الرسم" لُغةً. أدرك الأربعة أن اللغة ليست دائمًا جسرًا، بل قد تكون جدارًا. واختار كلٌّ منهم طريقه: "الحلاج" فجّره، "الرومي" دار حوله حتى تلاشى، "الغزالي" خاصمه، و"عمر" رسم في الجدار نافذةً. ثلاثة إجابات لِسؤالٍ واحد: "كيف نحكي ما لا يُقال؟" أولهم احترق، وثانيهم غنّى، وثالثهم فهِم. وأما الرابع فاختار الصمتَ ورَسَم. وأنا، بين الأربعة حائرةٌ أبحثُ عن لغة لا تحرق، ولا تخون. لغة تحاول الاقتراب من الحقيقة دون أن تُسجِنها في تعريف.
مع "عمر"، لم أنجح أن أكون حلاجيةً، ولا روميةً، ولا غزاليةً. كنت أتنقّل بينهم وأستعير من كلٍّ طريقته في النجاة بابني. أصرخ وأغني وأرقص، وأحيانًا أكتفي بأن أصمتَ معه، وأتأمل ريشته ترسمُ وتتكلم. اكتشفتُ أن أعمق اللغات ليست تلك التي نُتقنها، بل تلك التي تغيّرنا. اللغة التي خرجتُ بها من رحلتي مع "عمر" لم تكن مفرداتٍ جديدة، بل حساسية مختلفة تجاه العالم. صرتُ أرى المعنى حيث لا كلمة، وأسمع النداء حيث لا صوت. ولم يعد السؤال: كيف أتواصل مع ابني؟ بل: كيف أكون جديرةً بلغته؟
في نهاية الرحلة، لم أعد أبحث عن ترجمةٍ لصمت "عمر"، ولا عن معادلٍ لغويٍّ لما يفيض منه بالرسم واللون. تعلّمتُ أن بعض المعاني لا تُنقَل، بل تُعاش، وأن الاقتراب من الآخر لا يحتاج دائمًا إلى جسرٍ من الكلمات، بل إلى جسارة الوقوف على الحافة. لم يعد يهمّني أن أفهم كلَّ ما يقوله "عمر" صمتًا، بقدر ما يهمّني ألا أُفسد صفاءه بتفسيراتٍ ناقصة. صار يكفيني أن أجلس إلى جواره، أراقب ميلاد اللون، وأشعر أن العالم رغم ضجيجه، يمكن أن يُعاد ترتيبه على مهل، بضربة فرشاة. هناك، في تلك المساحة الهادئة بيني وبينه، أدركتُ أن الحبَّ نفسه لغةٌ، لا تحتاج إلى ترجمة.


***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نخلةٌ … وجَرّةُ ماء
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان


المزيد.....




- طعن شخصين بهجوم على حي يسكنه يهود شمالي لندن
- أزمة الهوية التنظيمية: لماذا تعثرت تجربة الأحزاب السياسية ال ...
- فيديو منسوب لـ-رفع العلم الإسرائيلي فوق أحد المساجد في سوريا ...
- حرب المصطلحات: كيف توظف إسرائيل -يهودا والسامرة- لابتلاع الض ...
- -يهودا والسامرة-.. تحقيق نبوءة يهودية أم دعاية لابتلاع الضفة ...
- أردوغان: المسلمون يمرون بمرحلة عصيبة وتجب تنحية الخلافات الع ...
- جدل في مراكش عقب صلاة سياح يهود أمام سور -باب دكالة- التاريخ ...
- عملية طعن شمال لندن تسفر عن جريحين من الجالية اليهودية والشر ...
- المقاومة الإسلامية تطلق صلية صاروخية بإتجاه تجمعات العدو في ...
- حركة حماس: نرفض قطعاً قرار ولاية أريزونا الأمريكية اعتماد ال ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - ابني الصموتُ… ثلاثُ طُرقٍ للعشق