|
|
بين استنزاف الحروب وتآكل النفوذ:هل أصبحت الولايات المتحدة نمرًا🐅من ورق؟…
مروان صباح
الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 10:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
/ الاشتغال في السياسة ليس بالأمر الهيّن أو اليسير كما يعتقد كثيرون ؛ فالحروب ، سواء كانت باردة أم ساخنة ، ليست وليدة اللحظة ولا حكرًا على هذا العصر ، بل هي امتداد طبيعي لصراع المصالح وتبدّل موازين القوى عبر التاريخ ، ولكل حقبة منظّروها ورجالاتها ؛ فمنهم أصحاب المنطق الوسطي الذين يؤمنون بالتوازن والحلول المرحلية ، ومنهم أصحاب النزعة الاندفاعية الذين يرون الحسم بالقوة ، كما لا يغيب عن المشهد أولئك الذين تحكمهم الحسابات المادية الصرفة .
غير أن السياسة ، إلى جانب الحسابات والاستراتيجيات ، تحمل أيضًا قدرًا كبيرًا من الحظوظ التاريخية ؛ ففي بعض المراحل ، يتسلّم السياسي زمام الحكم في لحظة تكون فيها دبلوماسية بلاده في ذروة النفوذ ، حتى تكاد المؤسسات الدولية ، بما فيها المحاكم والمنظمات الأممية ، تتحول إلى هياكل شكلية فاقدة للتأثير الحقيقي ، ولهذا لم تؤمن الإمبراطوريات الكبرى يومًا بما يُسمّى “الدبلوماسية الفاضلة”، بل كانت تؤمن بمنطق القوة وفرض الإرادة ، ومن هذا المنطلق ، يمكن فهم الصمت الدولي المريب تجاه الإبادة الجماعية التىّ تنفذها إسرائيل بحق الفلسطينيين ، حيث بدت المحكمة الدولية عاجزة عن ردع الجريمة أو حتى إدانتها بفاعلية حقيقية ، وهنا تبرز الحاجة الملحّة لأن تعيد الولايات المتحدة الأمريكية النظر في المتغيرات الكبرى التىّ يشهدها العالم ، بعيدًا عن الرؤية الضيقة التىّ يفرضها المشروع الصهيوني ومصالح دولة الاحتلال .
فالاستمرار في حالة الاستنزاف ، الممتدة منذ الحرب على العراق وحتى اليوم ، يشير إلى أن المسألة لم تعد مجرد مصالح مرتبطة بشركات السلاح أو شبكات اللوجستيات العسكرية ، بل إن واشنطن باتت على وشك خسارة حلفائها الدوليين بسبب انحيازها الأعمى لإسرائيل ، فهي، بهذا النهج ، لن تنقذ الإسرائيليين ، ولن تحافظ على ثقة حلفائها التقليديين ، سواء في تايوان، أو أوروبا، أو كوريا الجنوبية ، أو حتى في الخليج العربي ، وخلال المواجهة مع إيران، وبعد أن استنزفت إسرائيل جزءًا كبيرًا من مستودعاتها العسكرية في عدوانها على قطاع غزة ، برز نقص حاد ومقلق في مخزون الصواريخ داخل القواعد الأمريكية الخارجية والداخلية ، وبالتالي، فإن البنتاغون لم يكن صريحًا مع الرئيس دونالد ترمب، بينما استمر البيت الأبيض في تجميل الصورة وتقديم رواية مطمئنة ، حتى بات الحلفاء يشعرون بأنهم أصبحوا لقمة سائغة في حرب تقودها تل أبيب بلا أفق ولا نهاية .
ويزداد هذا التساؤل إلحاحًا مع تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن نتائج الحرب الأمريكية مع طهران ، والذي يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل أصبحت الولايات المتحدة نمرًا من ورق؟ ، فالتقارير الاستخباراتية الألمانية ، كما يُتداول ، تتحدث بوضوح عن أن حقيقة الحربين—حرب إسرائيل في جنوب لبنان ، والحرب الأمريكية على إيران—أخطر بكثير مما يرويه الإعلام ، فبرغم آلاف الضربات الإسرائيلية والأمريكية ، لا تزال إيران تحتفظ بنسبة معتبرة من قدراتها الجوية القديمة بالإضافة إلى قدرتها الجديدة من الصين وروسيا ، إلى جانب معظم ترسانتها الصاروخية وزوارق الألغام البحرية ، بينما يبقى مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران ، وفي المقابل، يبدو أن البنتاغون يبيع الوهم للرأي العام الأمريكي ، بينما يرى كثير من الأكاديميين والعسكريين أن واشنطن تكرر الأخطاء ذاتها التىّ وقعت فيها إسرائيل في حربها المفتوحة ، وكان من الأساس ألّا تنزلق الولايات المتحدة إلى هذا المسار ، لأن الاستمرار فيه لا يعني سوى انتحار جيوسياسي ، تمامًا كما يحدث لإسرائيل في جنوب لبنان .
هذا الانكشاف الاستراتيجي أتاح لدول المنطقة فرصة تطوير قدراتها العسكرية بشكل لافت ، حتى بات بعضها يمتلك تفوقًا نوعيًا يربك الحسابات الإسرائيلية ، وفي الوقت نفسه ، تستفيد كل من الصين وروسيا من هذا الاستنزاف الأمريكي ، عبر إعادة تشكيل موازين القوة الدولية بهدوء وثبات ، لذلك ، فإن المعركة الحقيقية اليوم لا تُخاض فقط في الشرق الأوسط، بل أيضًا داخل الولايات المتحدة نفسها ، بين أصوات العقل التىّ تخشى تحويل بلادها إلى قوة متآكلة النفوذ ، وبين قوى الشركات الكبرى والدولة العميقة التىّ تدفع نحو استمرار الحرب مهما كان الثمن ، وتكشف الأزمة الاقتصادية المرتبطة بالحرب على إيران عن حجم الإخفاق في مسار المفاوضات الحالية ، التىّ تتأرجح بين التقدم والتراجع ، والسؤال هنا: هل بقي لدى الإيرانيين ما يمكن التفاوض عليه بعد كل هذه الضربات؟
الواقع يشير إلى أن إيران لم تدخل المواجهة دون أوراق قوة ، بل ادّخرت أدوات متعددة للردع والمواجهة ، فهي تمتلك أولًا اليورانيوم المخصب الذي يتيح لها الاقتراب من العتبة النووية ، لكنها تمتلك أيضًا ما يمكن وصفه بـ”السلاح النووي الاقتصادي”، والمتمثل في مضيق هرمز ، وهو السلاح الأكثر تأثيرًا على الاقتصاد العالمي ، إلى جانب ذلّك ، تمتلك إيران بنية صناعية واسعة لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة ، كما أن أغلب منشآتها العسكرية الحساسة تقع تحت الأرض وداخل الجبال ، فضلًا عن ارتباطها بمسارات دعم غير معلنة من الصين وروسيا ، ما يمنحها قدرة عالية على الصمود والاستنزاف طويل الأمد ، وفي الداخل الأمريكي والإسرائيلي ، تبدو الأشهر المقبلة أكثر تعقيدًا بالنسبة لكل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب ، فالقوى السياسية الإسرائيلية بدأت تتوحد استعدادًا للانتخابات القادمة ، بينما تتصاعد داخل الكونغرس الأمريكي أصوات جمهورية وديمقراطية ترفض تمديد الحرب وتحمّل كلفتها السياسية والاقتصادية .
الرئيس ترمب ، الذي تعامل سابقًا مع أعضاء الكونغرس بمنطق التهميش ، يجد نفسه اليوم أمام استحقاق قانوني وسياسي بالغ الخطورة ، في مشهد يعيد إلى الأذهان أجواء حرب فيتنام ، حيث تتآكل شرعية الحرب من الداخل قبل أن تُهزم في الميدان ، وفي المقابل ، فإن استمرار حزب الله في استنزاف إسرائيل جنوب لبنان ، وفشل الحصار البحري والضربات العسكرية في دفع إيران إلى الاستسلام ، يؤكدان أن معادلة الردع لم تعد أحادية الاتجاه ، بل إن طهران ، بإغلاق مضيق هرمز ورفع أسعار النفط وتهديد العالم بأزمة طاقة وأسمدة وتضخم عالمي ، نقلت المعركة إلى مستوى أكثر تعقيدًا وتأثيرًا .
وإذا كان الرئيس الأمريكي ينتظر اتصالًا من الإيرانيين ، أو يظن أن الوقت لا يزال في صالحه ، فإن العالم لا يملك هذا الترف ، خصوصًا النواب الذين يواجهون ضغوط الناخبين قبيل الانتخابات المقبلة ، حيث يصبح انخفاض الأسعار واستقرار الأسواق أولوية تتجاوز الحسابات العسكرية ، وفي النهاية ، حتى لو تجاوز البيت الأبيض قرار الكونغرس ، فإن جوهر المسألة يبقى مرتبطًا بقدرة إيران على استنزاف الولايات المتحدة وإضعاف نفوذها الدولي ، تمامًا كما يحدث في الميدان اللبناني ، حيث تطورت أساليب المواجهة بشكل أربك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ، وفرض واقعًا جديدًا لا يمكن تجاهله ، فحزب الله استخدم مسيّرات مفخخة تُوجَّه بكابلات ألياف ضوئية بدلًا من الاتصال اللاسلكي ، ويُعتقد أن هذا الأسلوب يجعل اعتراضها أصعب ، وقد أدى إلى سقوط قتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي بحسب تلك التقارير .
إن العالم اليوم لا يشهد مجرد حرب عابرة ، بل لحظة إعادة تشكيل كبرى للنظام الدولي ، والسؤال الذي سيبقى مفتوحًا : هل تستطيع واشنطن استعادة عقلها الاستراتيجي قبل أن تدفع ثمن اندفاعها الكامل خلف إسرائيل؟… والسلام 🙋♂ ✍
#مروان_صباح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إعادة تشكّل الجغرافيا السياسية: من أوهام نهاية التاريخ إلى ع
...
-
بين حقائق التاريخ وتحولات الجغرافيا السياسية:من لبنان Ӻ
...
-
تحولات السياسة العالمية بين الشعبوية والبراغماتية:من بوينس آ
...
-
السياسية في إيطاليا 🇮🇹 بين اهتزازات الداخل و
...
-
تحولات المشهد الدولي بين أوروبا وصراع النفوذ في الشرق الأوسط
...
-
انتخابات 🗳 إسرائيل بين الملاجئ وذاكرة الخوف ، الحفاض
...
-
ذكرى رحيل القائد أبو محمود الصباح… جنرال التلال 🇵
...
-
بين الميدان والسياسة : الصراع المستمر ومراجعات القوة في زمن
...
-
منحدر التصعيد وتبدلات الميدان:قراءة📕في توازنات الحرب
...
-
بين الميدان والعقل 🧠 : معادلات الصراع وحدود القوة في
...
-
بين الانبطاح والنهضة : النظر في المواقف الدولية وسقوط السردي
...
-
على حافة الاشتعال : تحولات القوة الدولية بين واشنطن وطهران …
-
ميزان القوة في الشرق الأوسط: بين الحسابات الأمريكية والإسرائ
...
-
تحولات⚙في المزاج الأمريكي تجاه إسرائيل:من تآكل المسلما
...
-
جوليا بطرس 🙋♂♥🇱🇧 - القو
...
-
بين دبلوماسية “دعه يمر” ودماء🩸الميدان: قراءة في التح
...
-
بين التكنولوجيا والبدائية : تحولات الصراع الاستخباراتي - الز
...
-
حروب الهيمنة ونهايات القوة:حين تتحكم الجغرافيا بمصير العالم
...
-
التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بين تصاعد الصراع يصل لل
...
-
فلسطين:🇵🇸معادلة الثبات بين الإبداع والمقاومة
...
المزيد.....
-
-المحطة التالية: 140-.. رد -ساخر- من إيران على تصريحات ترامب
...
-
مباشر: وزير الدفاع الأمريكي يدافع أمام الكونغرس عن حرب إيران
...
-
باول يعلن البقاء في مجلس الاحتياطي الفدرالي بعد انتهاء ولايت
...
-
ترمب يلوّح بتقليص القوات الأمريكية في ألمانيا قريبا
-
أكبر حاملة طائرات في العالم تغادر الشرق الأوسط
-
سيلفي ومواقع وأسلحة..تفاصيل آخر ما فعله المتهم باغتيال ترامب
...
-
بعد التوتر مع ميرتس.. ترامب يعاقب ألمانيا بـ-سحب القوات-
-
كومي يسلم نفسه للسلطات الأمريكية لاتهامه بتهديد حياة الرئيس
...
-
ما الذي نعرفه عن -أسطول الصمود- الذي هاجمته البحرية الإسرائي
...
-
بوتين يدخل على خط أزمة إيران ويقترح هدنة مع أوكرانيا
المزيد.....
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
المزيد.....
|