منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 03:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد المسألة في سوريا مجرد نفوذ إقليمي عابر أو تدخل مؤقت تفرضه ظروف الحرب، بل باتت أقرب إلى نموذج جديد من السيطرة السياسية الناعمة، التي لا تحتاج إلى احتلال الأرض بقدر ما تحتاج إلى احتلال القرار. ما يتشكل اليوم على الأرض السورية، خصوصًا في الشمال، يطرح سؤالًا صريحًا: هل نحن أمام عودة بصيغة حديثة لما يمكن تسميته “النفوذ العثماني الجديد”؟
هذا النفوذ لا يأتي على شكل جيوش ترفع أعلامها وتعلن ضم الأراضي، بل عبر أدوات أكثر تعقيدًا: دعم فصائل، إدارة محلية مرتبطة، اقتصاد موجّه، وتعليم وإعلام يعيدان تشكيل الهوية تدريجيًا. إنها محاولة لبناء واقع سياسي جديد، لا يقوم على إخضاع الشعب بشكل مباشر، بل على التحكم في رأس السلطة ومن خلاله توجيه الدولة بأكملها.
الفكرة هنا بسيطة وخطيرة في آنٍ واحد: بدل أن تحكم شعبًا قد يرفضك أو يقاومك، يكفي أن تمسك بمفاتيح القرار لدى من يُفترض أنه يمثله. حينها، تصبح السيادة شكلية، وتتحول الدولة إلى واجهة، بينما تُدار خيوطها من الخارج. وهكذا، لا يعود السؤال: من يحكم سوريا؟ بل: من يملك القدرة على توجيه من يحكمها؟
لقد أثبتت السنوات الماضية أن التدخلات الخارجية في سوريا لم تكن إنسانية بحتة ولا أمنية فقط، بل حملت في طياتها مشاريع سياسية بعيدة المدى. ومع تعقّد المشهد، لم تعد الحدود بين “الدعم” و”الوصاية” واضحة. فكلما ضعفت الدولة المركزية، ازداد اعتمادها على قوى خارجية، وكلما ازداد هذا الاعتماد، تآكلت استقلاليتها.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس فقط فقدان القرار الوطني، بل إعادة تشكيل الوعي السياسي لدى الأجيال القادمة، بحيث يصبح الارتباط بالخارج أمرًا طبيعيًا، بل ومطلوبًا. عندها، لا يعود النفوذ بحاجة إلى فرض نفسه، بل يجد من يدافع عنه داخليًا.
سوريا اليوم تقف أمام مفترق طرق حقيقي: إما استعادة القرار الوطني وبناء دولة قادرة على تمثيل شعبها دون وصاية، أو الاستمرار في نموذج “الحكم عبر الوكيل”، حيث لا يُحكم الشعب مباشرة، بل يُحكم من خلال من يُفترض أنه يحكمه.
وفي النهاية، قد لا يكون الاحتلال الجديد بحاجة إلى دبابة تعبر الحدود، بل يكفيه توقيع يُكتب في قصر رئاسي.
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟