أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - قمة غوادلوب 1979















المزيد.....

قمة غوادلوب 1979


حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)


الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 23:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين قرر الغرب رفع يده عن "مكابح" الثورة
تُعد قمة غوادلوب التي عُقدت في يناير 1979 واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في التاريخ السياسي المعاصر. يراها المؤرخون "نقطة التحول" التي شُيِّع فيها نظام الشاه محمد رضا بهلوي دولياً، لكن القراءة المتأنية تشير إلى أن القمة لم تكن "صانعة للحدث" بقدر ما كانت "إقراراً متأخراً" بواقع مرير؛ فقد كان الشاه حينها قد فقد زمام المبادرة في الشارع، وبدأ فعلياً في حزم حقائبه للرحيل.

لم يكن جدول أعمال قمة غوادلوب، المنعقدة في أواخر السبعينيات على الجزيرة المشمسة، يتضمن في الأصل مناقشة الوضع الإيراني، إلا أن الأزمة الإيرانية فرضت نفسها بشكل غير متوقع لتصبح موضوعاً رئيسياً اضطُر القادة إلى تناوله في اللحظات الأخيرة. ضمت القمة أربعة من أبرز قادة العالم: الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، رئيس الوزراء البريطاني جيمس كالاهان، الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، والمستشار الألماني هيلموت شميت. وقد كانوا مجتمعين لمناقشة قضايا استراتيجية ذات تأثير عالمي بالغ.

شملت المحاور التي ناقشها القادة مساعي تعزيز علاقات الغرب مع الصين بهدف تحقيق توازن سياسي واقتصادي مع الاتحاد السوفيتي الذي كان يسعى لتوسيع نفوذه. بالإضافة إلى ذلك، تناولت القمة موضوع التوترات المتزايدة في أفغانستان، التي كانت تُنبئ بغزو سوفيتي وشيك، فضلاً عن مسألة سباق التسلح بين القوى الكبرى ومفاوضات اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية "SALT II" مع موسكو. ولم تغب الأزمات الاقتصادية والطاقة المتفاقمة عن جدول أعمالهم، حيث شكلت هذه القضايا تحدياً مباشراً للنظام العالمي آنذاك.

بينما كانت المداولات مستمرة بشأن الصواريخ العابرة للقارات والاتفاقيات الاستراتيجية، وردت تقارير استخباراتية من طهران تحذر من انهيار وشيك لنظام الشاه. لذلك، اضطر القادة لإدراج الملف الإيراني على جدول الأعمال في اللحظات الأخيرة، لتتحول النقاشات من "آفاق العلاقات الغربية مع الصين" إلى "التعامل مع مرحلة ما بعد نظام الشاه."

الملفت للنظر أن المحادثات المتعلقة بإيران لم تكن موجهة نحو إنقاذ نظام الشاه أو التخفيف من أزمته، بل ركزت بشكل أساسي على كيفية التعامل مع تداعيات انهياره المحتمل. وأظهر الرئيس كارتر انقساماً واضحاً بين نصائح مستشاريه المتمثلة في موقف بريجينسكي الداعي إلى اتخاذ إجراءات صارمة، ورؤية سايروس فانس التي ركزت على محاولة التفاوض. على الجانب الآخر، كان الرئيس الفرنسي ديستان يحتفظ بـ"ورقة الخميني" الذي كان وقتها يقيم في فرنسا. في حين شعر كلٌ من كالاهان وشميت بقلق عميق حيال احتمالية تأثر إمدادات النفط العالمية.

نظراً لانشغال القادة بالقضايا الجيوسياسية الكبرى مثل المنافسة مع الاتحاد السوفيتي وتوسيع العلاقات مع الصين، خلصوا إلى قرار ضمني مفاده أن الشاه أصبح عبئاً سياسياً يمكن التضحية به لتجنب تشتيت التركيز عن الأولويات الاستراتيجية الأخرى. واعتقدوا بشكل غير دقيق أن تغيير النظام في إيران سيكون محلياً ومحدود التأثير، ويمكن احتواؤه بسهولة.

إدخال ملف الشاه بشكل متأخر إلى جدول أعمال قمة غوادلوب يعكس سوء تقدير كبير لدى القادة الغربيين. فقد اعتبروا انهيار نظام استمر لمدة خمسة وعشرين عاماً مجرد مسألة هامشية يمكن تسويتها بجانب المواضيع الأخرى مثل سباق التسلح أو العلاقات مع الصين، دون إدراك أن هذا الحدث كانت له انعكاسات طويلة الأمد أعادت تشكيل خارطة الشرق الأوسط السياسية لعقود لاحقة.

في نهاية المطاف، توصل الأربعة الكبار إلى اقتناع جماعي بأن الإصرار على دعم الشاه لم يعد مقبولاً من منظور استراتيجي. بل على العكس، كان ذلك الدعم يشكل خطراً محتملاً يتمثل في إشعال شرارة حرب أهلية واسعة النطاق قد تهدد بتدمير استقرار المنطقة بأكملها وإلحاق أضرار جسيمة بتدفق النفط العالمي المعتاد. بذلك أظهر اجتماع الجزيرة الكاريبية الهادئة افتقاراً للقدرة على استباق الأحداث التاريخية الكبرى التي كان لها تأثير عميق على النظام الدولي لعقود لاحقة.

سيطرت "نظرية الدومينو" على عقول القادة الغربيين؛ فالخوف الأكبر لم يكن الثورة بحد ذاتها، بل سقوط إيران في قبضة الاتحاد السوفيتي عبر حزب "توده" أو الحركات الماركسية. في تلك اللحظة، ارتكب الغرب خطأً استراتيجياً في التقدير، حيث نظروا إلى رجال الدين كـ "حاجز طبيعي" أمام المد الإلحادي الشيوعي، وافترضوا أن وصولهم للسلطة سيضمن بقاء إيران ضمن المعسكر المناهض لموسكو.

أثناء وجود الخميني في منفاه بفرنسا، استمرت قنوات الاتصال السرية مع واشنطن بنقل رسائل طمأنة تحمل طابعاً براغماتياً، خاصة فيما يتعلق بضمان استمرار تدفق النفط، حيث قدم المحيطون بالخميني ضمانات بعدم المساس بالإمدادات. كما أكدوا أن دور رجال الدين سيكون محصوراً في الجانب الروحي فقط، دون التدخل في الشؤون اليومية لإدارة الدولة.

بناءً على تلك التطمينات، أوصت واشنطن القادة العسكريين الإيرانيين بعدم تنفيذ أي انقلاب، مما ساهم في تسريع انهيار النظام الملكي تحت وطأة المد الثوري المتزايد.

إلا أن هذه التعهدات سرعان ما تبددت بمجرد تولي السلطة، حيث تم استبعاد الحلفاء الليبراليين واليساريين عبر حملة إعدامات واسعة النطاق. وبلغت التوترات ذروتها بأزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين، مما جعل الغرب يواجه نظاماً يبدو فاقداً لأي سيطرة أو التزام بالتفاهمات السابقة.

لماذا لم تسعَ غوادلوب إلى إنقاذ "رجل الغرب"؟

في الواقع، القادة الأربعة لم يقوموا بـ"إسقاط" الشاه بقدر ما امتنعوا عن "إنعاشه سياسياً". ففي الوقت الذي انعقد فيه مؤتمر غوادلوب، كانت الأوضاع على الأرض قد حُسمت فعلياً. شهدنا انهياراً تدريجياً للدولة نتيجة الإضرابات النفطية التي دفعت النظام إلى الإفلاس عملياً. كما أن الجيش، الذي كان يمثل العمود الفقري لدعائم الشاه، عانى من انشقاقات وتردد أفضيا إلى تآكل قوته.

علاوة على ذلك، كانت العلاقة بين الغرب والشاه قد وصلت إلى مستوى من الفتور بسبب سياساته في رفع أسعار النفط عام 1973، وهو أمر لم يغفره الغرب قط. نظروا إليه باعتباره "شرطياً" تفوق على الدور المرسوم له، وبالتالي أصبح من الأنسب لهم السعي لترويضه بدلاً من محاولة إنقاذه.


شعار "لا شرقية ولا غربية" شكّل تحولاً غير متوقع في الحسابات الجيوسياسية، حيث جمع النظام الجديد واشنطن بوصفها "الشيطان الأكبر" وموسكو كرمز لـ"الاستكبار الشرقي" ضمن موقف واحد. كان الغرب يأمل أن يشكّل الدعم لـ"الراديكالية الدينية" وسيلة لاحتواء المد الشيوعي، ولكن النتيجة جاءت مخالفة تماماً، إذ نشأ نظام جديد يعادي القوتين معاً.

الأحداث أثبتت أن موقف هذا النظام من القضية الفلسطينية وعداؤه لإسرائيل لم يكونا فقط مبدأً عقائدياً، بل لعبا دوراً استراتيجياً في تحقيق أهداف سياسية محددة. فقد تم استخدام القضية الفلسطينية كـ"جسر سياسي" لتجاوز الاستقطابات الطائفية والوصول إلى الشارع العربي السنّي، حيث شكلت هذه القضية المفتاح لجذب الدعم الشعبي وتحدي القوى القومية واليسارية التي كانت تسيطر على المشهد الثوري آنذاك، مما أتاح للنظام انتزاع زمام المبادرة وسحب البساط من تحت أقدام تلك القوى.

وعلى الصعيد الإقليمي، نجح النظام في تقديم نفسه كـ"حامي الحمى"، الأمر الذي عزز من شرعيته الإقليمية وأتاح له توسيع نفوذه وتعزيز مكانته كقوة مؤثرة في المنطقة.


مقامرة خاسرة
شهدت قمة غوادلوب تلك اللحظة المفصلية التي يمكن وصفها بأنها كانت بمثابة "رفع اليد عن المكابح" في سياق تاريخي مشحون بالاضطرابات. ففي وقت واجهت فيه الحكومة الشاهنشاهية
احتجاجات عارمة اجتاحت الشوارع، أصبحت الوسائل المألوفة للقمع، مثل إطلاق الرصاص، عاجزة تماماً عن تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في الردع. وجد القادة أنفسهم أمام مفترق طرق مُظلم، حيث لم يعد أمامهم سوى خيارين لا ثالث لهما: إما الذهاب إلى قمع شامل يحمل في طياته مخاطر تعميق الأزمة، أو الانحدار نحو ما يمكن اعتباره "انتحاراً سياسياً".

في لحظة بدت فيها الخيارات مغلقة، لجأ قادة العالم الغربي إلى الاعتماد على ما يمكن تسميته بـ"القفز نحو المجهول"، مفضلين المغامرة بمستقبل المنظومة السياسية العالمية. لقد ظنوا آنذاك أنهم بإمكانهم احتواء هذا المجهول والسيطرة عليه بوسائلهم الخاصة، معتمدين على شخصيات تكنوقراطية تم إعدادها وتأهيلها داخل منظومتهم التعليمية وخصوصاً في جامعاتهم العريقة. ولكن ما لبثت الأحداث أن أثبتت خطأ حساباتهم، لتتكشف أمامهم حقيقة مثيرة للقلق: أن الأيديولوجيات ذات الجذور العقدية والمبادئ الراسخة لا يمكن ترويضها أو حصرها ضمن القواعد التي شيدوها بأيديهم خلال تلك القمة.

يوضح هذا الفيديو أدناه كواليس قمة غوادلوب وكيف توصل القادة الغربيون إلى قناعة بضرورة رحيل الشاه وتأثير ذلك على مسار الثورة.

صراع النفوذ في ايران بين الغرب وخميني

https://www.youtube.com/watch?v=pKTI4jyoIIg




مالمو

2026-04-27



#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)       Hamid_Koorachi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران بين -سراب- الماضي و-واقعية- التحول الصامت
- قراءة في -جيوبوليتيك الرعب- وتزييف التاريخ
- سقوط العقاب: كيف قادت -الأخطاء المركبة- إلى انهيار عرش الشاه ...
- في حضرة التراب
- من -خداع الزهد- إلى -إمبراطوريات النهب-
- مفارقة الحصار والتحول
- خندق الشعوب المشترك ضد -مقصلة- الدين وتوحش -الامبراطور-
- تشريح العقل السياسي لليسار الإيراني
- تركيا واستراتيجية -الاحتواء المرن- تجاه الحرب على ايران
- وباء الإنتاج المفرط - الصين نموذجاً
- سرّ بقاء نظام ولاية الفقيه
- عقيدة -الانتحار الاستراتيجي-: يكرر نتنياهو خطيئة صدام حسين
- روح العالم على حصان والكاوبوي راكبا صاروخ
- جنازة النظام الدولي في مضيق هرمز
- حين تروض -الأسواق- ما عجزت عنه -الصناديق-
- ما بعد -هزيمة الجميع-: نحو إعادة تشكيل مشهد الشرق الأوسط
- قُدّاسُ الملحِ.. وهذيَانُ الجسدِ العاري
- أسطورة -العدو الأزلي-
- مسرحية: زجاج الحقيقة
- استقرار إيران ضرورة استراتيجية للشرق الأوسط


المزيد.....




- الملك تشارلز الثالث يبدأ زيارة دولة للولايات المتحدة
- عراقجي يشيد بمتانة الشراكة الإستراتيجية بين إيران وروسيا
- رغم انهيار القطاع الصحي.. عملية معقدة تنقذ طفلا في غزة من إع ...
- مسؤول عسكري إيراني يُجري محادثات مع روسيا وبيلاروسيا
- 3 هواجس لدى أنقرة.. كيف تهدد حرب إيران معادلة الأمن التركي؟ ...
- مقترح إيران لوقف الحرب.. شكوك أميركية وغياب للملف النووي
- فيديو: تصادم قطارين في إندونيسيا يسفر عن سقوط قتلى وجرحى
- -الجانبان ليسا متباعدين كما يبدوان-.. مصادر تكشف لـCNN ما يد ...
- بوتين يعلن تسلمه رسالة من مرشد إيران ورده عليها
- مباشر: بوتين يستقبل وزير الخارجية الإيراني وإسرائيل تواصل ضر ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حميد كوره جي - قمة غوادلوب 1979