أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - قيام الدولة وركائز العدالة والسلم والأمن والمصالحة















المزيد.....



قيام الدولة وركائز العدالة والسلم والأمن والمصالحة


احسان طالب

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 22:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ضرورات المرحلة الانتقالية
المرحلة الانتقالية هي أساس بنيان الدولة التي ستنشأ عنها، وليست مجرد واسطة انتقالية من الحالة الثورية إلى الحالة الدستورية، بعبارة أخرى أنها ليست مرحلة إجرائية لوجستية في جوهرها بل هي كذلك في شكليتها، فهذا التموضع الانتقالي ليس انتقالاً ميكانيكياً بحتاً، بل هو أشبه بعملية تفاعل حيوي ينتج مادة جديدة ومختلفة عما كان سابقا لها.
على السلطات التي تتولى إدارة تلك الفترة الانتباه بحذر شديد لتفاصيل الخطوات والبنية التي تسير بموجبها العملية برمتها، فالشعوب في هذه الحقبة لا تعبر الزمن كضرورة واقعية بل تنشئ هياكل رصينة ومتينة للتغيير والتحول والانتقال، وتلك الهياكل لا تقوم من الفراغ ولا تنتهي بلا قصد؛ بل هي مرهونة باستحقاقات ملزمة وغايات وأهداف محددة يتوجب تحقيقها وبيانها وإظهارها ككيانات مادية محسوسة.
فالقضية برمتها لا يمكن أن تكون خديعة سياسية ولا لعبة حزبية ولا مقولة زمنية، إنها غوص في جوهر مفهوم الدولة وأركانها، الدولة الحديثة دولة الحق والعدالة والقانون والمساواة والدستور، دولة تشاركية أكثر شمولية وأكثر انفتاحاً وأكثر قابلية للتداول والازدهار والتقدم والاستقرار.
يرتكز المفهوم الرئيسي للمرحلة الانتقالية في سوريا على الانتقال والتحول من منطق الثورة إلى منطق الدولة، فالثورة بمنطقها العام، انقلاب عنيف على كل القيم والمفاهيم والمبادئ المجتمعية والتاريخية السائدة، وليس مجرد تغيير جذري للنظام السياسي والسلطة القائمة، فمفهوم ديمومة الثورة واستمراريتها ليس ركناً منتصباً للمرحلة الانتقالية السورية، فالثورة بأساسياتها لا تعترف بقوى الدولة التقليدية، ولا تقر مبادئ العدالة القانونية والقضائية، وهي أميَل للعدالة الطبيعية مبدأ العين بالعين والسن بالسن والنفس بالنفس.
من أجل ذلك طُرح مفهوم العدالة الانتقالية كأساس ضروري للمرحلة التي لن تستقيم بدونها، وإذا كان الطابع الأولي للمرحلة هو الشق السياسي فالجوانب الأخرى لا تقل أهمية عنه، بل لن تنجح العملية السياسية على المدى المتوسط والطويل بدون السير المتزامن مع الأسس التالية: السلم الأهلي والأمن الاجتماعي والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.
بيد أن الوعاء والوجاء الذي يستوعب ويحصِّن ويضمن كل ما سبق هو الكيان المادي والمعنوي الموسوم بالدولة، وبدونها لا تقوم قائمة للمجتمعات المتحضرة المستقرة الناهضة المنتجة، ولا نبالغ إذا قلنا بأن الدولة هي التي تضمن هيمنة الأخلاق الحميدة وتصون كرامة الإنسان. المفاهيم الما قبل الدولة كالعشائر والقبائل، ليست تحصينات كافية ولا شاملة، فالقانون والحق العام هو ما يتجاوز الروابط الاجتماعية الأضيق، فالدولة لا تتعصب لقبيلة ولا لعشيرة بعينها بل لكل أفراد الشعب على تعدد مشاربهم ومنازلهم ومضاربهم.
والمجتمعات التقليدية الحديثة تنضوي بالعادة على تنوع آخر وهو التنوع الاثني والديني والطائفي، ولا سبيل لرابط أعلى يشمل الجميع دون استثناء إلا الوطن، وهو شكل كلي عمومي لا يعكسه ولا يصوره بأسلوب اجتماعي منظم متماسك، إلا ذلك الكيان السياسي والحقوقي والاجتماعي المختصر بوسم الدولة. وهو ذاته القادر على استيعاب القيم المتعالية على المجتمع السياسي والعقد الاجتماعي والعقد الدستوري ويقصد بذلك الأديان والطوائف والغيبيات.


1 ـ مفهوم الدولة كمنطلق انتقالي
الدولة هي الشكل الأمثل عبر التاريخ البشري لتنظيم الحكم والإدارة وحماية الحقوق والأنفس ودرء الفتن، فالدولة هي المبدأ الأهم في قاعدة سد الذرائع وهي القاعدة الرئيسة في تفعيل وتطبيق مبدأ المصلحة المرسلة.
فالدولة حاجة وضرورة، وبدونها تنتشر الفتن وتستعر الحروب وتتطاول الجماعات المسلحة على الناس ويطغى استبداد الطائفة والفرد، وتتراجع قيمة الإنسان المكرم وتحل الأيديولوجيات محل القوانين، ويتسلط الأفراد على المجتمع وينتشر الفساد والجريمة والطغيان.
الدولة هي الهيكل الإداري والتنظيمي الذي يتولى إدارة وقيادة شعب، يسكن بقعة محددة من الأرض، ذات سلطة وسيادة تحتكر العنف والقوة والقهر بما يحقق مصالح الوطن، بما هو العنصر الجامع لمفهوم الأرض والشعب، وهي التي تتولى الإدارة والقيادة وفقاً لقانون عام أي دستور وعقد سياسي اتفق الشعب على أن يُتخذ أساساً ومعياراً ومقياساً معتمدا للخير والحق السياسي.
على الرغم من تبنينا لمقولة أن العدالة الانتقالية ظرفية وأنها بحد ذاتها ليست قضية عدالة شمولية وأنها جزء من المفهوم الكلي ما بين المثالية والواقعية، نستطيع إدراج المفهوم الظرفي تحت بند ما نطلق عليه العدالة السياسية، ذلك أنه وجد كواحد من موجبات المرحلة الانتقالية وهي قضية سياسية في المقام الأول.
وهنا ندرك نقطتين هامتين الأولى: تأكيدنا على أولوية ومركزية مفهوم الدولة كمجتمع سياسي، وضرورة كلية سابقة على ما سواها من مكونات وأركان؛ أي بدونها لا يتحقق المطلوب، ولا الحد الأدنى من النتائج الصادقة والصائبة نسبياً لكل الأهداف والغايات اللاحقة للمعرفة والعلم والمؤسسات النظرية والتاريخية.
النقطة الثانية: أن الغاية من مفهوم ظرفية العدالة هو إدراجها في سياقات الانتقال من حالة الاستبداد إلى حالة التشاركية ودمقرَطة مؤسسات الدولة، في ظل إصلاح المؤسسات الرسمية بالعموم والمؤسسات ذات الصلة خاصة، كما تطلبها الدولة الحديثة كالبرمجة الرقمية وأتمتة البيانات والإحصاءات وسواها من إصلاحات، كالاعتماد على الكفاءات والمهارات التخصصية دونما اعتبار لانتماءات سياسية أو عرقية أو دينية، ما يمكننا من السير قدماً في عملية تحقيق الانتقالية بشقيها السياسي والحقوقي.


2 ـ مبدأ العدالة الانتقالية
سنتجاوز العرض التاريخي الذي اعتادت الدراسات المشابهة التوقف عنده مطولاً لسهولة الرجوع إليه ومنعاً للتكرار والإطالة غير المفيدة، ولقد سبق لنا واستعرضنا ذلك الجانب في دراسة سابقة مذكورة ضمن الهوامش والمراجع. ونجد حاجة للسير بسياق ترابطي مرتب وفق تسلسل بحثي لا يقدم أطروحة مدرسية بقدر ما يرمي إلى تناول قضايا جوهرية وعرضية تتصدى لطرح، يقدم إضافة واستنتاجات امتدادية تلقي الضوء على نقاط لم يتم التركيز عليها ضمن أبحاث مشابهة.
وسنعمل على استنفاد المحاور التقليدية الأساسية وتوظيفها بسياقات تخدم تداخل المحاور وتبادل مواقع توظيفها ونقاط خدمتها للسياق العام.
"مفهوم العدالة الانتقالية هو حلقة الوصل بين مفهومين عموميين هما الانتقال أو التحول (Transition) والعدالة (justice).
بالنسبة لتعريفات الأمم المتحدة، العدالة: “هي من المثل العليا للمساءلة والإنصاف في حماية الحقوق وإحقاقها ومنع التجاوزات والمعاقبة عليها”. أما الانتقال أو التحول في مفهوم العدالة الانتقالية: فهو مفهوم منحصر في فترة من التغيرات السياسية تتميز باتخاذ تدابير قانونية وحقوقية لمواجهة وتصحيح جرائم ارتكبت عن طريق نظام قمعي سابق." مقتبس عن مركز الأهرام.
فنحن هنا أمام مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية يتم مناقشة تنفيذها من قبل دول متعددة، ويعود سبب ذلك التعدد إلى جوانب عدة، منها الحرص على تحقيق العدالة بعيداً عن منطق الثأر أو الانتقام، أيضا لوجود متهمين ومسؤولين عن جرائم جسيمة خارج الحدود، داخل مجموعة من الدول حول العالم، وأيضا العمل كما جرت العادة من أجل تأمين الانصاف، مشاركة الجنائية الدولية في المحاكمات، والقوانين الدولية والأممية ذات الشأن، إلى جانب الهيئات الوطنية المنضبطة تحت سيادة الدستور والقانون والهيئات القضائية الوطنية.
والحديث عن المناقشة هنا يدور في حدود وصلاحيات الجهات المشار إليها وآليات الدفاع والنقض، كما في تحديد النصوص القانونية المرجعية، وتلك النقاط ينبغي الاتفاق عليها داخل دوائر متقاطعة وطنية تخصصية ومجتمعية وسياسية وأخرى إقليمية وأممية ودولية. والحديث عن البحث في تلك المفردات لا ينفصل عن اعتبارنا مسألة العدالة الخاصة هنا هي في شق أو فرع من فروعها بحث ما هوي يندرج تحت بند مناقشات سياسية.
وسنرى بالتفصيل ما هي تلك التدابير المتنوعة ضمن الجانب الحقوقي والاجتماعي والسياسي والمدني.
هل مفهوم العدالة من حيث المبدأ المعرفي والنظري هو مسألة يلزمها توافق شعبي، بعبارة أخرى هل هي مادة حوار جماهيري؟
في واقع الأمر تعد المسائل القانونية والجنائية والحقوقية قضايا تخصصية، وعليه فإن مناقشتها على نطاق شعبي واسع لا يضيف تقدماً جديراً بالانتظار، إلا أن الحوار المجتمعي معني بتحديد المقاصد والغايات، كما هو معني بتحقيق الرضا والاطمئنان وتوفير الشعور بتحقيق العدالة.
من هنا وجب تولي بحث تلك المسائل على مستويات متعددة بدءاً بأهل العلم والمعرفة والاختصاص، ثم أهل الخبرة العملية، ثم أصحاب الشأن، وإذا كان المستويان الأول والثاني على درجة من الوضوح تغنينا عن التفصيل فإن المستوى الثالث هو محل جدل.
أصحاب الشأن:
العدالة بمعناها الأصولي ومفادها هي القاعدة التي ينبغي الانطلاق منها، أي أن الانتقالية هي جزء فرعي من الأصل وليس العكس، ما يشير إلى وصف الانتقالية بالظرفية، والظرف القاهر استثنائي، ويتمثل في ميدان الدراسة في الممارسات العنيفة جداً التي دارت ضمن حالة حرب مستعرة، أسفرت عن أعداد هائلة من الضحايا من شهداء وقتلى ومصابين، وتدمير واسع الطيف والانتشار، وخسائر مادية لحقت بالأموال والممتلكات والمؤسسات على الصعيدين الفردي والمجتمعي. كل هؤلاء الذين تم ذكرهم هم أصحاب الشأن عياناً وتمثيلاً. لهذا وجب لهذا المبحث أن يتصدى لمعالجة كل ما يتعلق بأصحاب الشأن على كافة الجهات.
وهؤلاء الأصحاب هم طرفي نقيض، الأول الجاني والثاني الضحية تربط بينهما الجريمة والحق والقانون والقضاء، منها وجب الانتباه لجملة من الحقوق التي لا تستقيم عدالة بدونها، وأقصد هنا:
1 ـ حق الإنصاف، fairness
والقصد هو تحقيق التوازن بين حق الضحية بالإنصاف الكامل وبين تحقيق المصلحة المجتمعية، الوطنية، ففي الحالة السورية كان يوجد جيش تعداده بمئات الآلاف ومن كافة التخصصات الحربية الكلاسيكية إلى عناصر حرب الإبادة الشاملة كالسلاح الكيميائي أو البيولوجي والصواريخ البالستية والقنابل العنقودية وسواها. وهذه الأدوات كلها استخدمت ضد الشعب السوري من قبل جيش الدكتاتور المتوحش بشار الأسد.
والسؤال هل تستطيع الدولة السورية الجديدة مقاضاة كل من شارك بهذه الحرب، فكثافة القتال واتساع رقعة الحرب دفع بتلك الأعداد الضخمة من العسكر للمشاركة في القتل والتدمير، فهل سيكون من الممكن محاكمة كل هؤلاء فرداً فرداً، وتحديد المسؤولية ونوع الجرم وحد العقوبة، بالتأكيد الجواب سيكون بالنفي؛ من أجل ذلك وجد المجتمع الدولي مساراً مختلفا وهو طريق العدالة الانتقالية التي تشكل عملية تكاملية متعددة الأطراف والمستويات والآليات والتوجهات بحيث نحقق المستوى النسبي من الإنصاف، فالعدالة المطلقة مسألة مثالية تقع خارج حيِّز الإمكان البشري.
2 ـ حق المعرفة: Integrity Transparency
النزاهة والشفافية.
النزاهة مرتبطة بعدم ممارسة اتهام عشوائي أو شمولي، كالقول مثلاً: إن جميع عناصر الجيش السوري السابق مجرمون ومشاركون بالقتل لذا يجب محاكمتهم بلا استثناء.
وهذا بالطبع خطأ لأنه من حيث المبدأ لا يستقيم مع الصرامة القانونية والحقوقية، لأن الاتهام القضائي يقوم على الدليل المادي المتعلق بذات المتهم وليس الافتراض أو الاحتمال، فهذين الأخيرين مجالهما التحقيق وليس القضاء.
الشفافية متعلقة بكشف وتبيين الجناة الحقيقيين وتحديد الضحايا المباشرين وعدم التستر على أحد خاصة من الأسماء المرتبطة بمستويات قيادية عليا.
وفقا للنزاهة والشفافية فإن التقاضي هو حق بالكشف عن جميع المتهمين المحتملين ومن ثم المتهمين بالقانون ثم نتائج المحاكمات والأحكام الصادرة. أي لابد من توفر حد معين من المحاكمات العلنية، وتقصير المنع من النشر إلى الحد الأدنى الذي تقتضيه الضرورة الجنائية.
3 ـ حق التقاضي الفردي:
أي السماح وتوفير سبل رفع القضايا الفردية للضحايا المحتملين وذويهم وورثتهم.
ما يستوجب النص على حق أي فرد متمتع بالحقوق المدنية رفع دعاوى جزائية ومدنية من متضرري الحرب أمام هيئات العدالة الانتقالية.
يتضمن هذا الحق شق العفو والسماح بما يسمح للضحية أو من يمثلها بإسقاط الحق أو العفو والصفح، وبالرغم من أن حق التقاضي منصوص عليه في كافة الأنظمة القضائية المعروفة لكنَّه هنا مؤكد ضمن منظومة العدالة الانتقالية بحيث لا يصح أن ينص قانونها الخاص على منع الأفراد من المطالبة بحقوقهم أيا كان تصنيفها أمام محاكمها الخاصة.
وبالعودة لمفهوم أصحاب الشأن ضمن هذا الحق يكون من حق المتهمين تقديم الدفوعات القانونية والأدلة القضائية لنيل البراءة أو تخفيف الحكم أو إخلاء المسؤولية.
العزل السياسي
هو نوع من العقاب السياسي الذي لا يرتقي للعقاب الجنائي أو الجزائي، وتعبير عن رفض المجتمعات الشعبية، التي منحت ثقتها للنظام الجديد، بالعزل السياسي لرموز وأركان النظام البائد.
ويقتضي منع تقلد أو تنصيب أي من الرموز أو أركان النظام السابق "الفاعلة " أية وظائف أو مناصب قيادية في السلطات الرسمية المدنية والعسكرية والقضائية.
وفي الحالة السورية ينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن سلطة القهر الغالب والإرهاب كانت تهيمن على كافة مفاصل الدولة، ما يفيد بأن تولي منصب رفيع في النظام البائد كرئيس مجلس الوزراء لا يعني بالضرورة أن يكون الشخص فاعلاً أو مؤثراً أو قادراً على رفض تبوأ هذا المنصب، ما يفيد تاليا بضرورة التركيز على الفاعلين الحقيقيين وليس الواجهات التي كان يصدِّرها النظام الأسدي لتبدو وكأنها مسؤولة وصاحبة قرار.
التجريد من الشرعية:
تجريد رموز وأركان السلطة البائدة هي النقطة الأساسية التي تقوم على أساسها العملية الانتقالية برمتها.
الاستبعاد من العملية السياسية الجارية في المرحلة الانتقالية، الاقصاء من المناصب والمراكز الرسمية المؤثرة بالقرار السياسي والتشريعي، وإزاحة بقايا البنية البيروقراطية التي كانت سائدة.
وهنا أيضا نتطرق لإشكالية تعارض ذلك العزل مع مفهوم التشاركية والشمولية ومبادئ وآليات تطبيق حق المشاركة الدستوري، وبين النظر لضرورة استعادة الكرامة بواسطة عزل أشخاص أو شريحة مارست إذلال المواطنين وصادرت حريتهم.
وربما يكون الفيصل في هذا الشأن هو المزاج الشعبي، فبعض الأشخاص ممن كانوا جزءاً صغيراً من الآلة الكبرى للطغمة الحاكمة السابقة، مثل شريحة الفنانين المؤيدين أو المسؤولين من الطبقة الثالثة، وما بعدها بمستوى مدراء الشعب أو رؤساء أقسام القلم ومن في سويتهم، قد يعتبرون محل قبول أو ربما تغاضي من قبل الناس، فتعد تلك الشريحة وأمثالها بمنأى عن العزل.
وبدون ريب فإن أعمدة الفكر السياسي الذي ارتكز عليه الحكم الاستبدادي الأسدي، هم ثاني الطبقات بعد كبار الضباط والمسؤولين الفاعلين والاقتصاديين الذين كانوا يمولون النظام ويدعمون استقراره، وتجار المخدرات وأصحاب مصانع انتاجها، التي ينبغي أن يمارس عليها العزل السياسي بصرامة إلى جانب المحاكمة القضائية العادلة، ومنهم بالتأكيد الزمرة القيادية من أعضاء حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية.
حل الإشكالية المذكورة، تعارض العزل مع التشاركية ، متضمن داخل المفهوم الأساسي أو الجوهري للعدالة والتشاركية، في صلاحيات الإرادة الشعبية، فإذا رأت السلطات الحالية موجباً للاستعانة ببعض من الرموز أو أركان الأسدية فإن ذلك أمر مرفوض من حيث الأساس لأنه يناقض حقيقة التشاور بمخالفته للإرادة الشعبية.
الأمر الثاني أنه من غير المنطق أن يشارك أشخاص ماديون أو اعتباريون في عملية بناء وهم في ماهيتهم وهويتهم عناصر هدم وتدمير، وبوجودهم لا يمكن للعملية الانتقالية الوطنية أن تسير وتستمر لأنهم يشكلون حالة تعطيل وارباك وإعاقة للمسار السياسي والتشريعي والقضائي.
الفئات أو الشرائح التي مازالت تؤمن بالاستبداد الأسدي ومؤسساته القمعية وتُوالي رموزه وأركانه، وتسعى لعودته، والأخرى التي لا ترى شرعية للدولة الجديدة وترغب بالانفصال عنها أو اقتناص حكم ذاتي، فهذه كلها تقع تحت بند العزل السياسي، ويطبق عليها قانون العدالة الانتقالية في حالة الإصرار على ما تسعى إليه فتعامل كفئة متهمة جنائياً وتحاكم قضائياً.

المعايير البديهية للعدالة:
تدعو الحاجة إلى شرح مبسط لهذه المعايير، من أجل تقدير أهمية بعض المفاهيم كتوطئة لفهم مضامين العدالة الأولية، لنتحضر بعدها للحركة نحوالمسار الأكثر خصوصية، أي العدالة الانتقالية.
بالضرورة العدالة قضية أخلاقية في جوهرها عقلية حقوقية في ماهيتها، وأساس قانونها المنطق، فلا تقوم بتنصيب الخرافة ولا تتحقق بما يخالف المنطق الرسمي.
والجوهر ينطلق من المطلق المجرد ليصل إلى العملي النسبي، الجوهر الأخلاقي يقتضي أن تحقق العدالة المعايير البديهية لدلالات المساواة والإنصاف، الجزاء والعوض، واسترداد الحق المادي والمعنوي، أما الماهية الحقوقية في الوصف الذي بواسطته يتم صناعة المعايير والمقاييس والآليات التي تحقق العدالة بالاستناد لمقولات الزمان والمكان والكم، الحجم والعدد، والصفة والظرف. فالقانون شرط لازم للعدالة كما هو الحال بالنسبة للمساواة والحرية، وبدونهما لا تقوم عدالة، وتلك المعايير بديهية لأنها لا تستلزم البرهان؛ فالمساواة والحرية والعقل والمنطق لا تتطلب دليلاً على وجودها لأنها قائمة بالضرورة، وغياب أيا منها يخل بالمبدأ من أساسه.
مبدأ جوهري يسعى إلى تحقيق المساواة والإنصاف. التوزيع العادل للحقوق والفرص والموارد بين أفراد المجتمع بلا استثناء.

3 ـ محور العدالة الانتقالية كضرورة للمرحلة الانتقالية
في ظل انتصار الثورة السورية والسير قدما في إعادة مؤسسات الدولة، والاستعداد للمرحلة الانتقالية، بعد قيام مؤسسة الرئاسة برئاسة السيد أحمد الشرع، وبالنظر لما قامت به منظومة الفساد والإجرام الأسدية من ارتكاب جرائم إبادة بحق المدنيين، ونتيجة لتنامي أعداد الضحايا والمفقودين، وجد أنه من الضروري البدء بدراسة تطبيق مفاهيم ومبادئ العدالة الانتقالية في سوريا.
تواترت تساؤلات طرحها السوريون عن طبيعة النظام القادم، ومدى رسوخ قيم العدالة الاجتماعية، والحرية والتشاورية والتشاركية في فكر وعقيدة الثوار، كما طرحت تساؤلات عن شرعية القوانين الحالية، وعن أي من القوانين التي ستطبق في حال تحكيم العدالة الانتقالية، وإلى أي مدى سيكون للمجتمع المدني دور في المصالحة الوطنية.
لكن الأمر المتفق عليه هو أن العدالة يجب أن تأخذ مجراها بعيداً عن الحسابات الطائفية، وغريزة الحقد، وانفعالات الثأر، كما أنه من المتفق عليه أن تكون سوريا القادمة لكل أبنائها دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو الدين أو المذهب.
العناصر الشاملة لسياسة العدالة الانتقالية
والتي ينبغي أن تبدأ بتأسيس هيئتين تشكلان أساسا للبدء بتنفيذ مبادي العدالة:
الهيئة الأولى: هيئة إحصاء وتحديد الضحايا من الشهداء والمعتقلين بدءاً من 15/3/2011 إلى 8/12/2024 ؛ وبناء على مخرجاتها الإحصائية يتم تعويض أسر الضحايا، وتقديم دفعات مادية مقابل المدد الزمنية للمعتقلين السابقين وفقاً لقانون عام للعدالة الانتقالية.
تقدر جماعات حقوق الإنسان أن ما لا يقل عن 150 ألف شخص اختفوا بعد بدء الاحتجاجات المناهضة للحكومة في عام 2011، واختفى معظمهم في شبكة سجون الأسد، وقُتل العديد منهم، إما في عمليات إعدام جماعية أو بسبب التعذيب وظروف السجن. ولا يزال العدد الدقيق غير معروف.
الهيئة الثانية: توثيق أسماء المفقودين، وتشكيل لجان حقوقية ولجان الطب الشرعي تتعاون معها لجان وإحصائية فرعية، موزعة حسب مناطق جغرافية تغطي كافة الأراضي السورية، وتدوِّن الوثائق الخاصة من شهادات وصور وتنقيب في السجون والمقابر الجماعية والمعتقلات السرية. ما سيؤدي لمعرفة مصير المفقودين والمغيبين والمفقودين، وتجميع الأدلة بالتعاون مع الهيئات الأممية والإقليمية والعربية والدولية.
ويقع على عاتق هذه الهيئات حماية الأدلة الجنائية، وجمع البيانات، وتصوير الشهادات، وتحليل كل المعطيات المتاحة للاحتفاظ بالأدلة الأصلية والمادية المحسوسة الدامغة، وتجنب الفخاخ المصطنعة والشهادات المفبركة من قبل أعوان السلطة السابقة، وتفنيد ادعاءات تبرير الجرائم بدعوى الجهل أو تنفيذ أوامر القادة، وتحديد مدى الاستغراق الجرمي في حوادث متكررة كمجزرة التضامن.
1 ـ تشكيل محاكم خاصة بالعدالة الانتقالية تعقد المحاكمات الجنائية: ويقصد بها عقد المحاكم المسؤولة عن محاكمة مرتكبي الجرائم مع الأخذ بعين الاعتبار تراتبية المسؤولية للمتهمين.
2 ـ إصدار مرسوم تشريعي بقانون العدالة الانتقالية من قبل رئيس الجمهورية بعد تقديم مقترحات من قبل هيئة حقوقية قضائية تشكل لهذا الشأن.
3 ـ لجان الحقيقة:
وهو مصطلح شائع لدى معظم الدراسات ذات الصلة قريب الصلة بالهيئات التي سبق الإشارة إليها، وهي لجان تقصي الحقائق، كالمجازر والإعدامات الميدانية، وتوثيق الأساليب الممنهجه للتعذيب والقتل في سجون النظام البائد، كذلك لجان مختصة بتقدير وتقديم التعويضات، ومسح الأضرار التي نجمت عن جرائم القصف المتعمد لمنازل ومساكن المدنيين في كافة المدن والأرياف السورية.
4 ـ الاعتراف بالجميل وتقديم التقدير: لكل الثوار ومن قدموا حياتهم وفلذات أكبادهم حتى تنتصر الثورة وتغدو سوريا حرة مستقلة من جديد، وإيجاد السبل الملائمة والآليات التي من خلالها تعترف الدولة ومؤسساتها بالمعاناة والظلم والاضطهاد والتهجير، وتقدم الوسائل الكفيلة بمنحهم ما يستحقون من تقدير واحترام، ومكافئات، واتخاذ خطوات لمعالجة الأضرار في البنية التحتية.
5 ـ الإصلاح المؤسسي لمؤسسات الدولة: إصلاح المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية والمؤسسة القضائية بما يكفل منع تغول سلطات الدولة على الشعب، كما يعيد القرار لتحرك المؤسسة العسكرية والأمنية للسلطة التنفيذية المنتخبة من الشعب وإقرار القوانين المحصنة لحقوق الأفراد.
6 ـ لجان شعبية على مستوى المناطق والأحياء لنشر ثقافة الوطنية، والتآخي وإعلاء قيم التسامح، التوعية بالأخوة والمساواة وتكافؤ الفرص ونشر ثقافة المصالحة الوطنية.
7 ـ إقرار قانون خاص بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.
8 ـ تغيير أساليب وأشكال العمل في النيابة العامة، بما يساعد على تشجيع الضحايا للتبليغ عن الجناة ويسهل التعرف على الضحايا وعلى الجناة، وبما يسهل وصول الأفراد لمقار النيابة العامة.

حقيقة وجوهر العدالة الانتقالية:
إنها لا تعني بالضرورة العدالة الجنائية فقط، ولكن غير ذلك من أشكال العدالة، كالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. وترتبط هذه الفكرة بالتالي بالتحول السياسي، مثل تغيير النظام أو التحول من الصراع المسلح إلى المصالحة الوطنية، نحو مستقبل أكثر سلاماً وعدالة بأدوات واضحة المعالم.
ومن مهام العدالة الانتقالية حصر العقاب والمسؤولية بالأفراد وليس بالمجموعات العرقية أو الأثنية التي ينتمون إليها، فلا يجوز أخذ فئة أو جماعة أو طائفة بجريرة فرد أو أفراد منها، فالعدالة تستوجب معاقبة المجرم ذاته، بل وتستوجب تحصين وحماية أهله من الانتقام طالما أنهم ليسوا شركاء في الجريمة، وهذا جوهر قيمة العدالة، فالهدف هو تحصين المجتمع والسعي لمنع تكرار الجريمة وليس فعلها بدلالة الانتقام أو الثأر.
التدابير والآليات:
العدالة الانتقالية تشير إلى مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية التي يتم تنفيذها من قبل دول متعددة من أجل معالجة مخلفات انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتشمل هذه التدابير:
1 -الملاحقات الجنائية.
2ـ لجان تقصي الحقائق.
3 ـ برامج التعويضات.
4 ـ أنواع مختلفة من الإصلاحات المؤسسية.
.5 ـ إجراءات مدنية وقانونية لترسيخ المصالحة وتمكين العدالة.
6 ـ إحياء وتفعيل دور المجتمع المدني ومنظماته وتأكيد انغماسه في تحقيق العدالة الانتقالية.
7 ـ تمجيد ذكرى الضحايا وإعادة كتابة تاريخ الحدث وتثبيت الحقائق وتخليد ذكرى الأبطال.
صيانة الانتصار وتحصين المجتمع والدولة:
إن الاستقلال السياسي الوطني الكامل في ظل المعادلات الجيواستراتيجية العالمية والإقليمية، وفي ظل ثورة الاتصالات، وتنامي دور المجتمع الدولي والإقليمي عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والاستقطابات الدولية والإقليمية، ضرب من ضروب الخيال، فحتى الدول العظمى مثل الصين وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، تجد نفسها مرغمة إلى حد كبير على الالتفات للنظام العالمي الجديد وعدم الانفراد بالقرار، ولو على الأقل ضمن تحالفات دولية كبرى كحلف وارسو وحلف الناتو، ومجموعات دولية أصغر كالاتحاد الأوروبي ومجموعة الثمانية.
كذلك هو الحال لدى معظم دول العالم التي تتطلع لدور أكبر للمنظمات الإقليمية كالاتحاد الإفريقي والآسيان.
وعلى الصعيد العربي نلحظ رغبة لدى الأنظمة العربية لاتخاذ قرارات تحت مظلة جامعة الدول العربية، أو مظلة مجلس التعاون الخليجي وغيرها من التكتلات الإقليمية والدولية.
نحن ندرك أن الدول بمشاركتها بمنظمات إقليمية أو دولية تضع نصب عينها في المقام الأول مصالحها الوطنية والقومية، وتبحث عن الدعم لمشاريعها الداخلية والخارجية، لكنها تسعى في ذات الوقت لتجنب الصدام مع بقية دول العالم قدر الإمكان.

تلك المقدمة كانت ضرورية لندرك الإمكانات الحقيقية لفكرة الاستقلال السياسي لسوريا الغد، والمستقبل الذي يحقق لأبنائها العدالة والمساواة والتقدم والاستقرار الحقيقي والمشاركة الفاعلة.
إذن نحن نبحث عن منطقة ثابتة وقاعدة مستقرة تؤمن التوازن بين استقلالية وسيادة القرار الوطني والانخراط الطبيعي مع مؤسسات المجتمع الدولي والتوازنات الإقليمية.
تجنب مخاطر التأثيرات الدولية الإقليمية:
السوريون يستطيعون تجنب مخاطر التأثيرات الدولية الإقليمية التي تحكمت ببلدان أخرى مجاورة
1 ـ عبر مجموعة من الأفكار والإجراءات:
أ ـ الابتعاد عن بناء النظام السياسي وفق تقسيمات طائفية أو مناطقية.
ب ـ إقامة دولة الشورى والعدالة والمواطنة التي تحفظ الحقوق، وتحمي الجميع، وتمنع تكرار استغلال فئة لنفوذها العسكري والسياسي لإخضاع بقية السوريين والسيطرة على مقدرات الوطن.
ج ـ التماسك والالتفاف حول مؤسسات الدول، السياسية والعسكرية والأمنية والمدنية الوطنية، وعدم الخضوع مباشرة للإملاءات الدولية والإقليمية.
إن اقامة دولة القانون والحق والمواطنة التي تسودها العدالة والكرامة والمساواة، وتنظمها الشورى، تجعل مواطنيها وأبناءها ملتزمين بانتمائهم الوطني، وحبهم للدولة التي ينتمون إليها سياسيا. فالمشاركة السياسية والاقتصادية الفاعلة والعادلة تبعد الرغبات الانعزالية أو الانفصالية.
2 ـ التنمية الاقتصادية والبشرية، وترقية الموارد الطبيعية والبشرية، وتحقيق مستويات متقدمة من العيش الكريم، وتأمين متطلبات الحياة والعمل وحقوق الإقامة والتنقل والتعليم، والضمان الاجتماعي والصحي هي مؤشرات ومؤثرات قوية للحفاظ على الوحدة والانتماء.
3 ـ حفاظ وحماية الحقوق الدينية والثقافية والاجتماعية والقومية لكل فئات وأطياف السوريين واحدة من أهم ركائز الوحدة الوطنية الدستورية.
4 ـ الدولة القوية والمنيعة بسياساتها وحكومتها وجيشها وأمنها تزيح الأفكار والرغبات الانفصالية وتدعم الوحدة والتعاون.
5 ـ تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحات الوطنية وسيلة ناجعة وأساسية لنبذ الخلافات وإزالة الاحتقان وتبريد الأحقاد.
6 - نظام الشورى السياسي والتعددية الذي يؤمِّن التشاركية الكاملة، والتناوب على الحكم والتداول السلمي للسلطة، ويعطي التمثيل العادل والمنصف لكافة أطياف وفئات الشعب، ركيزة ودعامة صارمة للحفاظ على الوحدة والتماسك السياسي والاجتماعي.
7 ـ إن التنوع الطائفي والاثني والثقافي والاجتماعي هو عنصر إغناء وقوة للحضارة والتاريخ السوري.
8 ـ نشر المبادئ والقيم السامية للإسلام كدين وسطي، ابتدأ بمكارم الأخلاق وانتهى بالعدل والتوحيد والرحمة، وتجنب النظريات التكفيرية والحركات السياسية الرافضة لفكرة الوطن والمناهضة للمواطنة، عبر الحوار والتواصل، وبالاستفادة من التجارب السابقة للدول المجاورة في تجاوز الفكر التكفيري والجماعات المتطرفة، ودعاة الفتنة والفرقة بين أبناء الوطن الواحد على أساس طائفي ضيق الرؤية، مائل نحو التورية والمخادعة، من أجل تحقيق غايات وأهداف متعالية على جوهر مفهوم الوطن ومسلمة الوحدة الوطنية.
إن انتصار الشعب السوري، وإنهاء حالة الاستبداد والطغيان، وتحقيق العدالة، ضمان أكيد لتخفيف حالة التجاذبات الخارجية، وإنهاء الاصطفافات البعيدة عن الموضوعية والحكمة. في ظل تبني مفهوم الدولة كمبدأ وقاعدة لانتظام القانون والنظام، وعلاقات الأفراد والجماعات بالحكومة والمؤسسات والإدارة، تتراجع الانتماءات الما قبل وطنية، ويحضر الانتماء الوطني بقوة كعامل جوهري لتماسك المجتمع وصيانه سلمه وأمنه.
أركان الديمقراطية:
عادة ما ينص الباحثون في أشكال النظم السياسية إلى جملة من الأركان الرئيسة كضمان لقيام أنظمة سياسية عادلة تفاعلية وحية، يشكل الشعب فيها حالة مركزية ومحورية.
تلك الأركان المنصوص عليها هي في جوهر الأمر، بنيات وهيئات جوهرية سياسية، واعتباره في أي دولة حديثة أو نظام دستوري تشاوري تشاركي، فإذا تم إقصاء أحد تلك الهيئات فنحن أمام نقص جوهري في مفهوم الدولة الحديثة التي يراد لها أن تكون دولة استقرار وتقدم وعدالة ونمو ورفاه وسلام، فإذا تحققت تلك الأركان ضمن نظام سياسي اتخذ وصف النظم السياسية التقدمية والحديثة، حتى ولو تم تصنيفه تحت مسميات مغايرة، لما اعتاد المنظرون السياسيون على الإشارة إليه.
1 ـ سيادة الشعب على السلطات.
2 ـ فصل السلطات.
3 ـ انتخابات حرة ونزيهة.
4 ـ أفراد الشعب متساوون.
5 ـ التمثيل الأمثل لمكونات الشعب.
6 ـ هيئة ناخبة محددة ومشروطة.
7 ـ تداول السلطة.
8 ـ قانون انتخاب عادل.
9 ـ آليات فرز وإحصاء ومراقبة.
10 ـ أحزاب سياسية تعددية.


4 ـ المصالحة الوطنية والسلم الأهلي
ـ المصالحات الوطنية هياكلها، ودورها في تأمين الاستقرار.

إن تغيير النظام وتنحية رموزه وأركانه، لا يحقق المصالحة والعدالة بصورة ميكانيكية، ولا يعيد البلد لحالته الطبيعية ولا ينهي الاستبداد والفساد تلقائياً، إذ لابد من
1-التخطيط والعمل من أجل ـ إعادة بناء المجتمع على أسس جديدة تحقق العدالة والكرامة وتضمن حق المشاركة بأوسع معانيه، ومنها صيانة الحقوق الدستورية والعيش الكريم.
2 ـ تأسيس قواعد الدولة على بنيان ثابت يمنع التسلط وتكرار الدكتاتورية والاستبداد.
3 ـ رد الحقوق لأصحابها وإقامة العدل وإنصاف المظلوم.

من هنا يأتي دور المصالحة الوطنية لتكون ركيزة اجتماعية وسياسية وقانونية في دولة حديثة عادلة تشاورية دستورية ينعم أبناؤها بالسعادة والهناء قدر المستطاع، ويتعاظم دور المصالحة الوطنية عند البحث عن إزالة أسباب الانحدار الاجتماعي، ومحو الأحقاد المتنامية جراء الأحداث الدامية والتدميرية التي عصفت بالوطن.

المصالحة الوطنية مشروع أهلي، وخطة وطنية وقيمة أخلاقية وإنسانية وحقوقية، تقتضي تعرف الضحايا على الجناة الحقيقيين ومحاسبتهم وتعويض المتضررين، وهي ليست مجرد لقاءات إعلامية أو بيانات سياسية وأطروحات نظرية، بل هي قضية محورية وضرورية لها ضوابطها وقواعدها وقوانينها، وهي حاجة ضرورية وعنصر حيوي لإعادة الوئام الاجتماعي والسلم الأهلي، كما أنها معنية بكل أبناء الوطن مهما اختلفت انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو السياسية، وتشمل هياكلها كل التيارات السياسية والفكرية من اليمين إلى اليسار، وإذا كانت النخب الثقافية أو السياسية تعتقد بأنها غير معنية بالمصالحة فهي مخطئة لأنها في صلب الموضوع وجزء من الأزمة والعلاج.

إن فكرة الهيمنة أو السيطرة والانفراد في الحكم تعد عقبة رئيسة في سبيل تحقيق المصالحة، ما يمنع أبناء الوطن من تخطي الأزمات وتجاوز العقبات التي سببها التحول والانتقال من عالم الاستبداد إلى عالم الحرية، بل إن الرغبة في الاستحواذ و الامتلاك تخلق أجواء من عدم الثقة وتعيد أجواء الاحتقان والاستقطاب اللا وطني من جديد، فالفئات التي تريد امتيازات إضافية، وادعاءات لا وطنية، ينبغي لها إعادة التفكير، والوعي بأهمية الوطن الواحد والدولة القوية المسيطرة على كافة أراضيها، من أجل منع استغلال أي فئة كانت لظروف تاريخية أو أيديولوجية، أو افساح المجال لعودة رموز الطغيان ودولة الاستبداد المقهورة، وعليه كان لا بد من إقامة مجتمع المراقبة وتأمين المشاركة الحقيقية دون إقصاء أو عزل غير قانوني، واليقظة من تحويل الديمقراطية إلى استبدادية عددية؛ فالوطن لكل المواطنين أسياد وأحرار لهم نفس الواجبات ونفس الحقوق.
هذا هو المنطق الذي يحكم صلب المصالحة الوطنية، لأنه يعيد الحقوق لأصحابها، ويعلي من شأن الإنسان، ويكرس الوطن كحاضن وجامع وحامٍ للجميع دون استثناء. وعليه فالتغيير السياسي والإصلاح وحده لا يكفي للانتقال إلى حالة الاستقرار والأمن الاجتماعي، إذ تشكل المصالحات الوطنية إجراءً ضرورياً وحاجة ملحة لإتمام الانتقال والتغيير.

المصالحة الوطنية تتناقض مع مفهوم العزل السياسي، وتتوافق مع روح العدالة الانتقالية وإنصاف المظلومين، يمكننا تحديد هياكلها وأطرها على الشكل التالي:
1 ـ توافق المجتمع على قانون المصالحة الوطنية.
2 ـ بناء وإقامة مؤسسات دستورية قوية.
3 ـ استقلالية القضاء وعدم تسييسه، وإخضاعه للقانون وليس للرغبات والمشاعر والأمنيات.
4 ـ تشكيل لجان مصالحة تتوافق مع العادات والتقاليد الشائعة في المجتمع.
5 ـ مؤتمر حوار وطني جامع ينظر بمعالجات جوهرية ومخلصة لفهم مشكلات الماضي وسبل تجاوزها ومنع تكرارها.
6 ـ إعادة الاعتبار لقيمة العفو في التاريخ العربي والإسلامي، واستذكار أن قيمة الكرم هو العفو عند المقدرة.
7 ـ تشكيل هيئة حكومة خاصة بالمصالحة الوطنية، تتمتع بميزانية مادية خاصة و بصلاحيات إجرائية وقانونية واسعة.

دور المجتمع المدني في المصالحة الوطنية:

هو دور مركزي وفعال، فهو المعني والمسؤول بالمقام الأول بالمصالحات، وتجنيب أفراده الصراع والاشتباك. يشكل المجتمع المدني كأفراد وجماعات، القاعدة البشرية والبنية المدنية والأهلية والبشرية للمجتمعات عموما.
تقوم المنظمات والهيئات المدنية في الدول المتقدمة بدور كبير بإقامة مجتمع المراقبة، وذلك عبر إحياء دور الأفراد والمجموعات المدنية المنظمة برقابة عمل وسير مؤسسات الدولة ووقف الانحرافات التي تحول دون تحقيق المصالحة والمشاركة، ما يؤدي إلى تصحيح مسارات العمل الرسمي ويضخ الحيوية بمفاصل الحراك السياسي، وكلما كانت الحياة المدنية منظمة وقوية فاعلة في دولة ما كلما كانت مؤسساتها متينة ومتماسكة، بعيدة عن الفساد وقريبة من عامة الناس بكافة طبقاتهم وشرائحهم .
ـ يتميز المجتمع المدني بمرونة تسمح له بحرية التصرف والحركة، واختيار آليات وأساليب لا تخضع لمؤثرات سياسية، كما يتحلى بهامش كبير من الحرية، يتيح له اتخاذ مواقف انتقائية لتعدد مرجعياته وتداخلها، وبذلك يكون له قدرة على التكيف والتلاؤم مع الظروف المحيطة والطارئة لإتمام المهام والوظائف الموكلة إليه.
ولهيئات ومنظمات المجتمع المدني دور فعال في البدء بالمصالحة الوطنية وتثبيتها عبر تحقيق الاندماج الاجتماعي بين أطياف الشعب، والبحث عن المشتركات التاريخية والوطنية والاجتماعية، وإشاعة روح التآخي وتبادل التواصل.
سيكون إنشاء هيئات مدنية تجمع مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية والعرقية والدينية، عملية فاعلة في التعارف والتقارب وقبول الآخر، فالتواصل الاجتماعي واحد من أهم عناصر تجنب عوامل التباعد والتناحر و تخفيف حدة الاستقطابات ما دون الوطنية كالعشائرية والقبلية والطائفية، كما أنه القوة المعنوية التي تحطم حاجز الجليد بين المكونات الاجتماعية المختلفة .
ولما كان المجتمع المدني يتمتع بالتنوع والتعدد والاتساع، والقدرة على الانتشار داخل المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية، كان قادراً على لعب أدوار هامة في إنقاذ الوطن وصيانة وحدته وتحقيق المصالحة بين أبنائه، وله تأثير يضاهي أحياناً دور القوى والتيارات السياسية المكبلة بأجنداتها الحزبية وأيديولوجياتها الفكرية، حيث نلاحظ في ظل الصراعات الأهلية وفترة الانتقال من حالة الاستبداد والظلم إلى حالة المساواة والعدل، لا يتوفر للأحزاب السياسية دور كبير بتحقيق المصالحات الوطنية، لانشغالها غالبا بالقضايا الكبرى واستنفاذ طاقاتها في بناء التجاذبات السياسية، ما يبرز أهمية دور منظمات وهيئات المجتمع المدني.


5 ـ السلم الأهلي والأمن الاجتماعي ودور شبكات الأمان
تعتبر تلك القضايا مسائل جوهرية وثيقة الصلة بالاستقرار والبناء والعمران، يلزم النظر فيها بواقعية بعيداً عن خطاب مثالي يغفل جذر المشكلة، ويتعالى فوق حلولها الدنيوية والمدنية، فهي شأن من الشؤون العملية التطبيقية المبنية على أسس علمية وتجارب وخبرات محلية ودولية.
لقد خلف الاستبداد الطويل ظلال قاتمة على بلدنا وشعبنا حفرت آثارها عميقا في بنياتنا الاجتماعية والفكرية والثقافية، ثم تلا ذلك سنوات من الحرب والقتال الدموي مارسته منظومة الأسد ضد الشعب والمدن والأرياف السورية دون هوادة، مستخدمة كل ما وقع تحت سلطتها من أسلحة تقليدية ثقيلة، وطيران وأسلحة دمار شامل، منها كيميائية كغاز الكلور والسارين، والقنابل الحارقة والفوسفورية والعنقودية.
لقد كانت فكرة الإبادة تستوطن عقول وفكر ضباط ورجال الأسد وصرحوا بذلك دون وجل، وتحدثوا عن التطهير والإبادة، ومارسوا التهجير على نطاق واسع، واشتغلوا بحماس وحدِّة على إعادة استيطان المناطق التي هجر منها أهلها على أسس طائفية. كما أنهم استقدموا ميليشيات طائفية من الخارج ومكنوهم من السيطرة على الأرض والزرع والمساكن، ما خلف كوارث إنسانية وهجرات مليونية، ودمار عمراني واقتصادي هائل كنتيجة لاستعمال البطش العسكري الجائر المنفلت من أية قواعد أو قوانين حرب دولية، تمظهر بالاستخدام المفرط والعشوائي للقوة الهائلة من قبل السلطة الحاكمة والجيوش الطائفية التي جاءت للمساندة والنصرة. في مراحل مختلفة لفترات ما قبل التحرير.
ولنستوعب حجم القوة التي استخدمت ضد الشعب السوري نستعرض فقط جزء من حجم العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الروسية ضد المعارضة وحاضنتها:
قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، إن قوات بلاده نفذت عشرات آلاف الغارات على مناطق في سوريا، ودمرت أكثر من مئة ألف موقع، وذلك خلال ثلاث سنوات من تدخلها المباشر في سوريا.
ونقلت وكالة سبوتنيك الروسية اليوم 2018.10.20 | 12:10عن شويغو . أن روسيا قتلت نحو 87 ألفاً و500، شخص في سوريا ووصفهم بـ "الإرهابيين.
وذكر الوزير الروسي، أنّ قواته ساعدت نظام الأسد في السيطرة على 1411 منطقة سكنية، عبر تنفيذها أكثر من 40 ألف غارة، 21 ألف غارة منها تم تنفيذها ليلاً.
وتابع شويغو: "خلال الإجراءات القتالية تم تدمير نحو 122 ألف موقع للمجموعات الإرهابية، وفي سوريا، حصلنا على تجربة قتالية غنية ونحن على استعداد لتقاسمها.
وقال شويغو أيضا في 30 أغسطس 2021 . خلال مقابلة حصرية مع قناة "سولوفيوف-لايف" على اليوتيوب: "لقد اختبرنا في سوريا ما يزيد على 320 نوعاً من الأسلحة. في الواقع، لقد اختبرنا جميع الأسلحة، باستثناء تلك الإصدارات التي يسهل فهمها.
تمنحنا تلك الأرقام صورة لا غبار عليها عن حجم القوة الهائلة التي استُخدمت ضد الشعب السوري من واحدة من الجهات التي دعمت منظومة المافيا الأسدية، وهي واحدة من قوى عديدة وجيوش خارجية تعاضدت قواها لهدم سوريا فوق رؤوس أبنائها وتهجير سكانها وتغيير النظام الاجتماعي والديني الذي يمثل الأكثرية السورية.
إن ما تعانيه بلدنا سوريا أمر في غاية الصعوبة والتعقيد، ولكن ذلك لا يعني غياب الحلول أو ضياع فرص الإصلاح والترميم، بل على العكس تماماً، الفرص والحلول متوفرة وممكنة بالاعتماد على طاقات وإمكانات الشعب السوري، والأرض السورية المعطاءة، ومساعدة أشقاء وأصدقاء سوريا من الدول العربية، وقيام المجتمع الدولي بواجبه لمعالجة مسألة تحرر الشعب السوري وإزالة أية عقبات تقف في طريق نموه وتقدمه واستقراره ووحدة دولته وترابه الوطني.
فالمجتمع الدولي كان في واقع الأمر جزءاً حيوياً مما آلت إليه الأمور في وطننا الحبيب جراء تقاعسه وتباطؤه وحتى مشاركته بالوصول إلى ذلك المستوى من الدمار والخراب والتفكك.
لقد بات ربط السلم الأهلي بالأمن الاجتماعي مسألة علمية اقتصادية واجتماعية وطنية، وعلينا أن نرتقي بخطابنا، وعدم الاكتفاء بالتكرار، واجترار المقولات الجاهزة، والتعبيرات النمطية المخادعة التي تصور الفرد والمجتمع كعنصر من عناصر الأيديولوجية السياسية أو الدينية.
فالفرد المواطن كيان مستقل له حاجاته وضرورات عيشه قبل تحديد انتماءاته الأثنية و الدينية والمذهبية، وعلية فقضية السلم الأهلي والأمن الاجتماعي قضايا وطنية رئيسة، تعلو فوق منطق وخطاب التقسيمات الجهوية أو السياسية والحزبية و الدينية. ولا يجوز أن يفهم هنا خطأ استبعاد دور الأديان أو الثقافات والمدارس الفكرية والسياسية والاقتصادية في التأسيس والتشييد، بل على العكس تماما إذ لا بد من انخراط تلك المؤسسات الاعتبارية في العملية الوطنية الكبرى، عملية بناء الوطن والإنسان.

الأمن الاجتماعي:
الأمن الاجتماعي ركيزة أساسية لحماية منجزات الثورة وتوفير البيئة الآمنة للبناء والإعمار وتحصين المجتمع من الانزلاق نحو الفوضى والاضطراب.
ويشتمل مفهوم الأمن الاجتماعي على شبكات أمان تتضافر من خلالها جهود ومعارف:
1 ـ الفرد
2 ـ والمجتمع
3ـ ومؤسسات الدولة
لتهيئة الظروف المناسبة التي تكفل استقرار حياة الأفراد وأمنهم، داخل مجموعاتهم الطبيعية والمدنية.
وبدون الأمن الاجتماعي يصبح الفرد في مهب التجاذبات الملحقة بالتقسيمات والتنظيمات الناشئة في ظل الصراعات الأهلية، وفترات الانتقال من أنظمة الاستبداد والطغيان إلى أنظمة شورى ملزمة مدنية.
في ظل الصراعات المسلحة يغيب مفهوم الأمن الاجتماعي تحت وطأة شعارات كبرى تطيح بقيمة الإنسان، ليحل مكانها أولوية حماية الفئة أو الشريحة أو الانتماء الوجداني محل الوطن ومصالحه الكبرى.
إن الحفاظ على الحياة والمال والعرض، بمفاهيمها الشعبية والتقليدية، أمر حيوي هنا، وسبيل من سبل ضمان اللحمة الاجتماعية والوطنية، وتعزيز الاندماج الاجتماعي المطلوب في فترات ما بعد التحرير وانتهاء الصراع، فالعزلة الناجمة عن الانتماءات الطائفية أو السياسية تشكل عائق وجمراً تحت الرماد يهدد السلم الأهلي.
كما أن تجاهل الفئات المهمشة من المجتمع، يترك الباب مفتوحاً، ويعطي فرصاً متاحة لتلك الفئات للانخراط في مخططات تخريبية وأعمال إجرامية تفتعلها جهات خارجية أو محلية لتقويض الثورة وتفكيك التعايش الاجتماعي.
ويلخص الحديث النبوي الشريف (من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها) قدراً عظيما من أركان الأمن الاجتماعي.
السلم الأهلي:
يركز المفهوم على المجتمع ككل وعلى علاقات الأفراد والجماعات السياسية والمدنية والمنظمة والعفوية، في حين يتكامل المفهوم مع الأمن الاجتماعي الذي يركز في جوانب رئيسة منه على الفرد وتجمعاته الصغيرة، كالأسرة والعائلة، والأمن الداخلي للفرد، واحتياجاته.
ويرتبط السلم الأهلي بصورة حيوية بالتقسيمات التقليدية، كالطائفة والقبيلة والعشيرة، حيث تتولى تلك الأواصر التقليدية قسطاً وافراً من مهام الحفاظ على السلم الأهلي، وتضغط بداخلها لمنع بروز دعوات أو تحركات تدفع لأحداث نزاعات أو صراعات مذهبية أو مناطقية أو أثنية.
يعني السلم الأهلي الدائم رفض كل أشكال التقاتل، أو مجرد الدعوة إليه أو التحريض عليه، أو تبريره، أو نشر ثقافة تعتبر التصادم حتمياً بسبب جذرية التباين، وتحويل مفهوم الحق بالاختلاف إلى أيديولوجية الاختلاف والتنظير لها ونشرها. ويعني السلم الأهلي الدائم العمل على منع الحرب الأهلية في المجتمع. أي حصر سلطة حمل السلاح بالدولة وأجهزتها وفقا للقوانين الناظمة.
و ينطلق العمل في سبيل إرساء السلم الأهلي الدائم من قاعدة عملية و هي أن الحرب الأهلية أو الداخلية في المجتمع خسارة لكل الأطراف، وتفريض في منجزات الانتصار الشعبي على الاستبداد والإجرام الذي طال كافة السوريين وإن كان على درجات متفاوتة، وحتى تلك الشريحة التي كانت تساند جيش الأسد وتقف بجانبه وتدعمه، نالها أيضا قسط من العنت والمعاناة، لذلك فرط ذلك الجيش المدحور بالنظام والمجتمع والدولة، ولاذ بالفرار تاركاً الشعب لمصيره، وجاءت حكمة وأخلاق الثوار لتغيِّر الظروف التي رسختْها الحرب الطويلة ضد الشعب، وتحد من ضراوة الاستقطابات العرقية والطائفية التي مزقت الدولة وفككت المجتمع.
كيف يمكن تحقيق الأمن الاجتماعي أو الحماية المجتمعية ؟
عاش السوريون طيلة خمسة عقود ونصف وهم يشعرون بالخوف والرعب والتهديد الدائم لحياتهم ومكتسباتهم وممتلكاتهم وأعراضهم وأسرهم وأطفالهم، وكانت مراكز الشرطة والأمن والجيش مصدر خوف مميت، وذلك على العكس تماما من المهمة والوظيفة الطبيعية الأصيلة التي ينبغي لهذه المؤسسات القيام بها ألا وهي حماية الممتلكات والأرواح والسلم والأهل والأمان.
لقد عمل النظام الأسدي على تحول الناس إلى أشخاص مشوهين دمويين انتهازيين بلا أخلاق ولا قيم، وانتشرت ظاهرة كتابة التقارير بحيث يحدث أن يكتب الأخ تقرير بأخية فيصار به إلى التحقيق والسجن، وقد يغيب سنوات دون معرفة مصيره، واشتهرت عبارة تهديد بين السوريين لمجرد حصول أي خلاف كان، والله بخفيك وبوديك خلف الشمس، ورسخ قيم إعلام النظام عبر المسلسلات الدرامية التي كانت تخضع مباشرة لسلطة الأمن، الانتفاع الشخصي على حساب الغير وأشاع الرشوة والسمسرة والغدر، وتهويل قدرات المخابرات لدرجة بات المواطن السوري يصدق حقاً بأن الحيطان لها آذان، وبنى حكم الأسد منظومات راسخة ضمن مؤسساته لإدارة الفساد واحتكار السلطة والثروة والجاه.
ونشأ خلال فترة الأسد الصغير ترتيب طبقي اجتماعي جديد يضع أبناء عائلة الأسد في مرتبة عالية تداني مكانة الربوبية والألوهية، حيث كان انتقاد الرئيس أو أحد من عائلته جريمة مآلها الموت، أو على الأقل السجن مدى الحياة، وتسور بطبقة اجتماعية من حاضنته احتلت ما يقارب من الثمانين بالمئة من المناصب في الدولة ومراكز القوة في الجيش والشرطة والمخابرات، وحصر اتخاذ القرار بالرئيس شخصياً ومن يثق بهم؛ فلم يعد مثلاً لأعلى منصب في الدولة بعد الرئيس وأقصد رئيس الوزراء،، حول ولا قوة، حيث بات منفذاً فقط، وهذا ما أفصح عنه أخر رئيس لمجلس الوزراء بعهد الأسد البائد.
حتى أن النخبة من الفنانين والمثقفين ورواد الحياة الاجتماعية وأثرياء القوم وأكابره، كانوا من أبناء تلك الطبقة، وما دونها هم حراس وواجهات شكلية تختار من بين الفئات الأخرى من الشعب السوري للتغطية والتضليل وذر الرماد في العيون، وإقناع الدول العربية والإقليمية بشرعية شعبية لمنظومة الفساد والإجرام ومافيات المخدرات التي كان يرأسها.
لقد كانت أسس نهج الأسد وجماعته تحويل الاقتصاد السوري والدولة السورية لأكبر دولة منتجة ومصدرة للمخدرات على المستوى العالمي، ما حشر أعداداً هائلة من السوريين في سوق إنتاج وتداول وتهريب المخدرات، وحاصروا مؤسسات الدولة التي باتت رهينة لتلك المافيا المحلية وشركائها الإقليميين، وصارت القوانين تُتخذ وتُصدر من أجل تسيير أمر الدولة لحماية وتحصين العملية الاقتصادية تلك.
وتأسست منظمات خاصة محمية من أجهزة الدولة والأمن للتهريب، وحرمان خزينة الدولة من مصادر تمويل هي بأمس الحاجة إليها، ما تسبب بانهيار الاقتصاد وانهيار التماسك الاجتماعي، وسقط ما يقرب من تسعين بالمئة من السوريين بين حدود الفقر وما دونه، وكان أن وقع جيل الشباب من طلاب المدارس الثانوية والجامعات في براثن تعاطي المخدرات لانتشارها والاشتغال بسوقها باعتبارها تخدم استبداد الأسد، وتدعمه بالمال والرجال، وتخضع رقاب السوريين للحاجة والفقر والإذلال.
بناء على ما تقدم دعت الضرورة للخوض في مفاهيم الأمن والحماية الاجتماعية في سياق البحث في مهام ومآلات المرحة والعدالة الانتقالية.
الأمن بشتى معانيه ومستوياته مطلب للإنسان وللمجتمع، وهو المناخ الذي يحقق طمأنينة النفس والشعور بأن الحياة مصانة، والعيش الكريم حق، والملكية محمية بفعل القانون وتقاليد المجتمع، وفي ظل تحقق الأمن الاجتماعي تسود الرفاهية والاستقرار والتنمية، الأمن الاجتماعي غايته القضاء على مثلث الرعب "الخوف والجوع والمرض"، ولا يتحقق ذلك المطلب إلا باتباع سياسات عامة وسن قوانين تصون الحقوق وترعى التنمية المستدامة وتعلي من شأن كرامة الإنسان وحماية حقوقه الطبيعية والرسمية. وكلما ارتفع مستوى الوعي الفردي والاجتماعي بمفهوم الأمن المدني والطبيعي كانت الأنظمة أكثر حرصاً وسعياً لتفعيله وتطبيقه وبنائه.
التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة:
سبيل لتحقيق الأمن الاجتماعي؛ عبر تبني خطط وبرامج الحد من الفقر، وبناء اقتصاد قوي متماسك، يديره أخصائيون وخبراء مطورون مهتمون بإدارة المخاطر، والبناء المؤسساتي المتضمن إنشاء شبكات أمان يتولى أمرها القطاع العام ـ الرسمي من قبل الدول ـ وبالتوازي مع الجهات المانحة والمنظمات الأهلية غير الحكومية، والشركات الخاصة، والجمعيات الخيرية، والتحويلات غير الرسمية العائلية من قبل المهاجرين وأصحاب رؤوس الأموال السورية في الخارج، ما يعني أن عملية تشييد مظلة شاملة للأمان الاجتماعي تتطلب تضافر الجهود الرسمية الحكومية والمنظمات الأممية والقطاع الخاص وهيئات المجتمع المدني ـ الجمعيات الخيرية، الهيئات الإغاثية، المشاريع المالية والبنكية لتمويل القروض الصغيرة والمشاريع العائلية والهيئات الاجتماعية الراعية لتوفير فرص الزواج للشباب، حلقات الوصل بين المانحين والمحتاجين.
ويقع على عاتق الهيئات الرسمية الحكومية وما هو في حكمها خلال المراحل الانتقالية العبء الأكبر والمسؤولية الأهم حيث أنها وحدها القادرة على تنفيذ شبكة الأمان الاجتماعي والاقتصادي بتوفيره للشروط التالية:
1ـ ضمان ضروريات الحياة والعيش الكريم لعائلات الشهداء والمقاتلين، ورعاية الأسر التي فقدت معيلها.
2ـ إيلاء قضية الإسكان والإعمار أولوية في مخططاتها السياسية والاقتصادية.
3ـ دعم أسعار الأغذية والوقود والكهرباء والنقل العام.
4ـ توفير الرعاية الصحية لكافة محتاجيها، بطريقة تسهل وصول كافة المواطنين لضمان صحي وفقاً لنظام قانوني، لا يمنح المقتدر فقط فرصة لتلقي العناية والرعاية والعلاج على أعلى مستوى، بل أيضا يفسح المجال لأبناء الطبقة الوسطى والدخل المحدود بالطبابة والرعاية الجيدة، وكفالة المتضررين والمصابين بإعاقات جزئية أو كاملة جراء الصراع الحربي، وتأمين الشيخوخة ليس فقط لموظفي الدولة، وإنما لكل أبناء الوطن من تلك الشريحة التي تحمل عبق وتاريخ وأصالة سوريا الدولة والوطن والحضارة.
5ـ التخطيط التنموي المتوازن والعادل وخاصة للمناطق الريفية والمهمشة تقليديا.
6ـ الإصلاح الضريبي: إعفاء الفقراء والطبقة الوسطى من الرسوم والضرائب وتحقيق العدالة الضريبية.
7ـ التعليم المجاني وديمقراطية التعليم، بحيث لا يكون التعليم العالي حكراً على الميسورين ومساعدة الجهات المانحة للبعثات التعليمية الداخلية والخارجية.
8ـ تأمين المرافق العامة ـ طرقات، وسائق النقل العامة، النوادي الرياضية والثقافية والفنية ـ بعروض مجانية أو شبه مجانية.
إن تحقيق الأمن الاجتماعي ليس مجرد علميات اجتهادية أو تحركات فردية؛ إنه خطة وطنية شاملة واستراتيجية سياسية واقتصادية متكاملة زمنيا وجغرافيا، لذلك من الضروري جدا تأمين الموارد اللازمة والعاجلة لإقامة شبكات الأمن الاجتماعي على مستوى الدولة والوطن، ولقد بات واضحاً بأن غياب الأمان والضمان الاجتماعي هو فيروس عضال سيفتك بكل المنجزات الثورية على المستويات المتوسطة والطويلة الأمد، وسيحرف مسار التحرير ويدخل البلد في متاهات الصراعات، فالمواطن الآمن المكتفي والواثق بحاضرة ومستقبل أطفاله هو المواطن المستقر والمشارك بفاعلية في العملية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الوطنية.








شبكات الأمن الاجتماعي
social safety net
هي المعنية بتغطية فئات وجماعات وشرائح تكون بحاجة أكثر من سواها للحصول على الدعم والمساعدة والضمان، ويقع تحت المقصود بتلك الفئات سكان المخيمات في الداخل والخارج، ومن فقدوا مساكنهم ومحلات إيوائهم ومصادر رزقهم، وهم شريحة كبيرة جداً من الشعب السوري وتصل أعدادهم إلى الملايين، مما يظهر ضخامة المهمة وضخامة احتياجها ومستلزماتها من هيئات وآليات، ومخصصات مادية وعينية، يكون لتلك الشبكات دور في استيعاب وتشغيل عدد مناسب من العاملين والمتطوعين من أصحاب الخبرة، والمؤهلين تعليمياً إلى جانب كبار السن ممن لا يتلقون مساعدات اجتماعية ولا رواتب تقاعدية.
ينبغي على شبكة الأمان الاجتماعي توفير التغطية لثلاث مجموعات مختلفة إلى حد ما:
الحالة الأولى: الأسر والمجتمعات الصغيرة الفقيرة فقراً مزمناً، كسكان العشوائيات المحاذية للمدن والأرياف الكبرى والتي هي تعاني حتى في الأوقات الاعتيادية وفترات الاستقرار السياسي، الذي لم تعرفه سوريا في عهد الأسدين، أو فترات الازدهار الاقتصادي الذي كان حكراً على طبقات وشرائح محدودة من الشعب السوري.
هذه الفئات كانت فرصها محدودة للحصول على الدخل، وتتصف بالاحتياج المزمن للوفاء بمستلزمات الحد الأدنى من العيش الكريم، وهي مجموعات لم تكن محدودة أو قليلة أو محصورة بمكان بذاته، فظاهرة التفتيش في حاويات القمامة بحثاً عن خبز أو بقايا طعام أو أي شيء يمكن إعادة تدويره أو بيعه لشراء وجبة تسد رمق أطفال جياع، كانت ظاهرة لا تخطئها العين في العاصمة السورية وسواها قبل سقوط النظام القمعي الفاسد، وكذلك ظاهرة انتفاء المدخرات اللازمة لإدارة المخاطر الصحية الطارئة والأزمات المستجدة الناجمة عن تدهور الحالة الصحية أو عن فقدان المعيل في سجون الظلام والاعتقال الأسدية البشعة.
الحالة الثانية: مجموعة تمتلك دخولاً لكنها لا تغطي الاحتياجات ولا تفي بلوازم الضمان الصحي أو متطلبات التعليم، وأي تخفيضات صغيرة في الدخل يمكن أن يكون لها عواقب وخيمة بالنسبة لهم.
الحالة الثالثة: وهي الفئات التي فقدت مصدر رزقها وتدمرت مساكنها ومنشآتها الاستثمارية، زراعية كانت أم صناعية أم تجارية، مما اضطرها للتحول إلى جهة المجموعات الأكثر حاجة والأشد تضرراً من الحرب، وهذه المجموعة عابرة لخط الفقر حيث أنها لم تكن قابعة تحته قبل الثورة.
يمكن لبرامج شبكات الأمان الاجتماعي أن تلعب أربعة أدوار في سياسة التنمية:
1ـ إعادة توزيع الدخل للفئات الأفقر والأضعف، بحيث يحقق تدخلها تأثيراً فورياً على محاربة الفقر وتفكيك قواعد عدم المساواة بتوفير فرص العمل المتساوية وتحقيق تكافؤ الفرص.
2ـ تمكين الأسر المنتجة من الاستثمار في الحاضر والمستقبل القريب، عبر القروض والمشاركة الاستثمارية والمنح الحكومية، وتسهيل حركة المنتجات العائلية، والتعريف بها.
3ـ مساعدة الأسر على إدارة المخاطر، بتقديم التعويضات بدلاً عن الأضرار، ونشر استراتيجيات مواجهة الأخطار والكوارث، وإتاحة فرص متعددة لتوفير الوظائف وسبل كسب الرزق.
4ـ تشكل صلة الوصل بين المحتاجين والمانحين، وتؤمن للمؤسسات الرسمية التعرف على الفئات والمناطق الأكثر حاجة وتضرراً بحث تضع الحكومات أطروحات وأفكار ونتائج تحركات وأبحاث شبكات الأمان في خططها التنموية والاقتصادية الوطنية بحيث تكون المؤسسات الرسمية أكثر كفاءة وأقرب إلى الوقع.
ولتتحقق فاعلية شبكات الأمان بتدخلها المباشر في تفاصيل عمليات التخطيط والتنفيذ لمشاريع الأمن الاجتماعي بأن يكون العاملون في تلك الشبكات من أصحاب المصلحة المباشرة أو قريبين منهم بصورة لصيقة، ويساعد تلك الشبكات في عملها وضع برامج ومخططات بيانية تسجل المحتاجين والمستفيدين بدقة، وإجراء أبحاث استقصائية لتحديد الحاجات واستقبال المقترحات من أصحاب الشأن، ودراسة الحالات المشمولة على أرض الواقع لوضع شروط عملية لكيفية استقبال المنح، وسبل تسديد القروض، وإيصال البرامج لهدفها المقرر، وعليها تحديد المهام والمسؤوليات بوضوح.
وعلى شبكة الأمان التحلي بالمرونة والانفتاح على اقتراحات الفئات المستهدفة والاستفادة من الخبرات المحلية والتجارب الدولية المشابهة.
آليات ووسائط بناء السلم الأهلي:
1ـ من الضروري التكلم عن خصائص المجتمع السوري وتسخيرها لتحقيق خصائص السلم الأهلي عموماً، فلكل مجتمع خصائصه الفريدة، ويفترض الانتباه إليها ما سيسهل مهمة الخبراء ويساعد في تبني السياسات المناسبة والمخططات الناجعة، فالمجتمعات الإسلامية والشرقية تُعلي قيمة الشرف والعرض وترفع من شأن خصوصية العائلة، ولا ترتاح كثيراً لعمليات الدمج بين الجنسين، ومعرفة تلك الخصوصية سيساعدنا من أجل الوصول لنتائج إضافية وعملية.
2ـ إنشاء مراكز متخصصة للتدريب والتخطيط في الحفاظ على السلم الأهلي وفض النزاعات سلمياً.
3ـ تعزيز الثقة بين مكونات المجتمع ودعم المبادرات المحلية الرامية لتحقيق التعايش السلمي.
4ـ تعزيز التوافقات الوطنية والتركيز على القضايا الوطنية الاستراتيجية الجامعة واستنهاض الذاكرة الجمعية.
5ـ نشر مبادئ ومفاهيم المجتمع المدني وبناء السلام ونشر ثقافة حل النزاعات بالوسائل السلمية.
6ـ تمكين الفئات المتوجسة من التغيير، والخائفة من التعبير عن مخاوفها، وطرح مشاكلها إلى العلن.
7ـ دمج المقاتلين السابقين في مؤسسات الدفاع الوطني وتحويل المدنيين منهم لوظائف مدنية.
8ـ توفير الدعم النفسي والمادي للضحايا وإعدادهم للحياة في المجتمع السلمي.
9ـ تبني سياسة إعلامية وتعليمية على المستوى الوطني ترسخ قيم السلم والإخاء والحوار والتواصل، وتحض على الفضيلة والمعرفة، وتنبِّه إلى مخاطر القيم السلبية ـ الثأر، الانتقام، الجريمة بدافع الشرف ـ وترفع من قيمة الإنسان المكرم في الشرائع والأديان السماوية.
وكما سبق ذكره أعلاه فإن الأمن الاجتماعي هو ذروة السنام والسكة الموازية التي لا مفر من وجودها لضمان مسيرة المجتمع بيسر وأمان خلال حقبة المرحلة الانتقالية نحو الاستقرار والازدهار والمستقبل المشرق.

ـ مفهوم التحرر 6
ضمن السياق الفلسفي نستوعب "أن التحول أو الانتقال مرتبط في مفهوم العدالة الانتقالية بالانتقال من مجتمع أقل تحرراً إلى مجتمع أكثر انفتاحا وتحررًا.
عرفت الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها: "كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة. أي أنها منظومة من القرارات التي يتخذها المجتمع والدولة استجابة لانتهاكات حقوق الإنسان المنهجية والواسعة النطاق، بهدف تحقيق الاعتراف الواجب بما تكبده الضحايا من انتهاكات ومحاسبة مرتكبيها" المقتبس عن مركز الأهرام.
وضمن ذلك السرد المغزول بواسطة العديد من التفصيلات التي تم بيانها وتأسيسها، يكون مبدأ أو مفهوم "التحرر" محوراً مركزياً، ذو أبعاد متشعبة تبدأ بمنهجية التفكير والتعقل وتمر بقناة التغيير السياسي المبادئي، بواسطة فهم ارتباط تنظيم السياق السياسي الرسمي، أي السياسة المتبعة من قبل سلطة الدولة، بالسياق السياسي المنفصل عنها، أي المعارضات المنضوية تحت أحزاب أو تنظيمات غير رسمية، كمسألة جوهرية لا يستقيم حال الدولة والمجتمع بانتفائها، فعندما لا تلتفت الأنظمة الحاكمة إلى حق حرية إبداء الرأي وتنظيم الحراك السياسي، ستفسح المجال لتشكيل تنظيمات سرية ذات علاقات خارجية مشبوهة، ما سيؤدي في المستقبل لانشقاقات شعبية ومجتمعية، بهذا المنطق نرى ضرورة ترسيخ تشريعات وقوانين تتيح حرية المشاركة السياسية وتنظيم الأحزاب والتيارات بواسطة الدستور وما ينضوي تحته من قوانين.
فالتحرر إشكالية فكرية عقلانية منهجية، تسيل بين ثنايا سردية التفكيك والبناء، تفكيك بنية دولة ونظام قام وتيبس على الدكتاتورية والاستئثار والقهر والانفراد والتقوقع الطائفي، وبناء دولة ونظام مناقض كلية لتلك البنية التي استولت على الوطن والشعب ومقدرات الأمة بكامل مكوناتها، هذا في الجانب السياسي والإجرائي، وهو جانب تشغيلي مباشر. ولدينا الجانب التربوي التعليمي والتثقيفي المعرفي الذي سيناقش ويفكك آليات الاستبداد والانغلاق والتعنت والتعصب.
الغايات الوطنية العليا لا تنفك عن القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية والحضارية، ومع إدراكنا لخصوصية المجتمع السوري التاريخية والحضارية لا ينبغي تحول تلك الخصوصية كمنصة للهروب من استحقاقات المواطنة الكاملة وإقرار حقوق الإنسان، فمهمة تحقيق التوازن قائمة ضمن سياق المواطنة والحق والقانون.
التحرر العقلاني والذكي كوسيلة منهجية يقدم العون للتخلص من تبعات الأصولية الأيديولوجية الصارمة، وبالنظر إلى تجارب تاريخية عاشها العرب خلال عصور الازدهار والتقدم نعي بحماسة لتوفر إمكانية الدمج بين الأصالة والمعاصرة وبين التمسك بالقيم الدينية العليا ومبادئ الدولة الحديثة.


المراجع والمصادر:
1 ـ مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.
2 ـ مركز الحوار السوري. التقرير التمهيدي، العدالة الانتقالية وأهمية المقاربة السورية 46/12/2024
3 ـ عن مجلة دراسات دولية.
أ.م.د رغد نصيف جاسم، محمد عبد اللطيف ابراهيم التميمي العدالة الانتقالية.
4 ـ كتاب حوار الديمقراطية والإسلام، إحسان طالب، دار ضفاف، بيروت لبنان الطبعة الأولى 2013
5 ـ الآلية الدولية المحايدة والمستقلة المستقلة سوريا،
تأسست الآلية الدولية المحايدة والمستقلة - سوريا (IIIM) في ديسمبر 2016 من قبل الجمعية العامة للمساعدة في التحقيق مع الأشخاص المسؤولين عن أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي المرتكبة في الجمهورية العربية السورية ومقاضاتهم منذ مارس 2011.
6 ـ وكالة الأنباء سبوتنيك الروسية.
7 ـ قناة "سولوفيوف-لايف" على اليوتيوب.
8 ـ جون رولز "نظريّة العدالة" (A Theory of Justice)
9 ـ العدالة الانتقالية، خطاب الانتقالية والتحول الديمقراطي. إحسان طالب ، الحوار المتمدن 4/12/2012.



#احسان_طالب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بحث في بنية العقل، الوظيفة علّة بنيوية
- التسامي الإنساني الروحي. الدين كظاهرة وجودية أصيلة
- بحث في المعنى، التأويلية الفينومينولوجية ما بين هايدغر وهوسر ...
- القيمة والجوهر والماهية، الوعي وتفاضل الفضيلة
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
- الدين والدولة والسياسة والأخلاق مفارقات موضوعية
- ثورة العقل لزوم التنوير
- بحث في المنطق، تفكيك وتحليل المغالطة المنطقية
- قواعد المنهج في علم الظاهراتية. الموسوعة الفينومينولوجية
- تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هاي ...
- الانقسام الجوهري بين فينومينولوجيا هوسرل وأنطولوجيا هايدغر ا ...
- الترجمة والتأويل بنسق فلسفي ظاهراتي
- -فينومينولوجيا الاستيعاء: التمايز المنهجي بين الإدراك الحسي ...
- الظاهراتية بين الوجود كوعي والوجود ككينونة هوسرل مقابل هايدغ ...
- ماهية المسؤولية، من خلال استعراض لتاريخ الفلسفة الظاهراتية ( ...
- نظرية إحسان طالب في المسؤولية والوعي اليقين الماهوي والحدس ا ...
- الدولة ما بين هيوم وهيغل. مبحث فينومينولوجي
- نقد نظرية ميشال فوكو حول السياسة الروحية. نظرية الخميني ونظر ...
- الوعي بالشعور سُبل التفكير الايجابي
- في مفهوم الديموقراطية الالتباس والواقعية السياسية


المزيد.....




- -مونولوج- ساخر عن ميلانيا يدفع ترامب لطلب فصل كيميل من ABC.. ...
- الإمارات تعلن انسحابها من منظمة أوبك وأوبك+
- الإمارات تعلن انسحابها من منظمة أوبك وتحالف أوبك+
- ماذا نعرف عن علي الزيدي المكلف بتشكيل الحكومة العراقية الجدي ...
- الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط: ترامب يشترط ...
- في قرار مفاجئ.. الإمارات العربية تعلن انسحابها من منظمة أوبك ...
- حكومة ماكوسو الثانية في برازافيل.. تدوير للحرس القديم وتثبيت ...
- تحت القصف في طهران.. كيف ولد مسلسل -أهل إيران- من قلب الدمار ...
- فتح وحماس في مؤتمريهما القادمين ماذا ستقولان للشعب؟
- تحقيق للجزيرة يكشف.. من عبر مضيق هرمز خلال 7 أسابيع من الحرب ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - قيام الدولة وركائز العدالة والسلم والأمن والمصالحة