أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام حافظ الزند - محمد بن عبد الله الجزء الخامس عشر















المزيد.....



محمد بن عبد الله الجزء الخامس عشر


عصام حافظ الزند

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 16:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
غَزْوَةُ المُصْطَلَقِ بِالمُرِيسِيعِ
بَلَغَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ إن بَنِي المُصْطَلَقِ يَجْمَعُونَ لَهُ وَقائِدُهُمْ الحارِثُ اِبْنُ أبي ضِرارٍ (أبو جُوَيْرِيَة). خَرَجَ إليهم الرَسُولُ ﷺ حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى ماءٍ مِنْ مِياهِهِمْ يُقالُ لَهُ: المُرِيسِيعُ مِنْ ناحِيَةِ قَدِيدٍ إِلَى الساحِلِ، فَتَزاحَمَ الناسُ وَاِقْتَتَلُوا قِتالاً شَدِيداً، فَاللّٰهِ بَنِي عَبْدِ المُصْطَلَقِ، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَنَفَلَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ أبنائهم وَنِسائِهِمْ وأموالهم، فا اللّٰهُ عَلَيْهِ. وَكانَتْ مِنْ بَيْنِ النِساءِ المُسْبِيّاتِ بَرَّةُ بِنْتِ الحارِثِ، وَوَقَعَتْ فِي السَهْمِ لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ بْنِ الشَمّاسِ، فَكاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِها وَكانَتْ امرأة حُلْوَةً مِلاحَةً، لا يراها أحد إلا أخذت بِنَفْسِهِ، فأتت رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتابَتِها. قالَتْ عائِشَةُ: فَوَاللّٰهِ ما هُوَ إلا رأيتها عَلَى بابِ حُجْرَتِي فَكَرِهَتْها (السِيرَةُ النَبَوِيَّةُ لِاِبْنِ هِشامٍ الجُزْءُ الثالِثُ قَتْلَى بَنِي المُصْطَلَقِ ص 187)، وَعَرَفَتْ أنه سَيَرَى مِنْها ﷺ ما رأيت، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَقالَتْ يا رسول اللّٰهُ أنا جُوَيْرِيَةً (وَرَدَّتْ هٰكَذا، فِي حِينِ أَنَّ اِسْمَها كانَ بَرَّةً وَالنَبِيُّ هُوَ الَّذِي غَيَّرَ اِسْمَها إِلَى جُورِيَّةَ)، بِنْتُ الحارِثِ بْنِ أبي ضِرارٍ سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَقَدْ أصابني مِنْ البَلاءِ ما لَمْ يَخَفْ عَلَيْكَ، فَوَقَعْتُ فِي السَهْمِ لِثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَمّاسِ، أَوْ لِاِبْنِ عَمِّهِ ، فَكاتَبْتُهُ عَلَى نَفْسِي (كاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِها أَيْ عاهَدْتُهُ بأنها لن تَتَزَوَّجُهُ، بَلْ سَتَفْتَدِي نَفْسَها بِالمالِ) فَجِئْتُكَ أسْتَعِينَكَ عَلَى كِتابِي، قالَ "فَهَلْ لَكَ فِي خَيْرٍ مِنْ ذٰلِكَ" قالَتْ وَما هُوَ يا رَسُولَ اللّٰهِﷺ قالَ:" أقضي عَنْكَ كِتابَكَ وأتزوجك " قالَتْ نَعَمْ يا رسول اللّٰهُ، قالَ " قَدْ فَعَلَتْ" فأسلمت وَتَزَوَّجَها، وَبَقِيتُ مَعَهُ حَتَّى وافاهُ الأجل، وَتُوُفِّيَت فِي المَدِينَةِ سَنَةُ 56 ﮬ وَصَلَّى عَلَيْها مَرْوان بِنُ الحُكَمِ، وَتَرَوَّى حَوْلَ تِلْكَ الحادِثَةِ الكَثِيرَ مِن الرِواياتِ مِنها أنها كانَت مُسْلِمَةً، وَمِنها أَنَّ والِدَها دَفَعَ بَعْضَ الإبل لِفِدائِها، ثُمَّ أسلمت وَدَفَعَ النَبِيُّ 400 دِرْهَمٍ صَداقاً لَها، وَمِنْها أنه أعتق 100 سَبْيٍ مِنْ قَوْمِها بَعْدَ زَواجِهِ، فَقِيلَ إنها كانَتْ أعظم بِرْكَةً عَلَى قَوْمِها، وَمِنْها أَنَّ والِدَها وَزَوْجَها قُتِلا فِي المَعْرَكَةِ، وَفِي أُخْرَى أنه جاءَ لِفِدائِها (وَهِيَ أَيْضاً رِوايَةٌ طَوِيلَةٌ) وَلٰكِنَّهُ أسلم فِي النِهايَةِ مَعَ قَوْمِهِ.

الخِلافُ بَيْنَ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ
يَبْدُو مِن الأخبار القَلِيلَةِ أَنَّ العَلاقَةَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ لَمْ تَكُنْ وَبَعْدَ مُضِيِّ فَتْرَةٍ، بِدُونِ خِلافاتٍ خاصَّةٍ، وأن مَنْ أسلم مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ لَمْ يَكُنْ كَبِيراً، وَيَظْهَرُ مِنْ السَرايا وَالغَزَواتِ أَنَّ مُشارَكَةَ أَهْلِ يَثْرِبَ كانَ عُمُوماً قَلِيلاً (رُبَّما عَدَى بَدْرٍ الَّتِي شَعَرَ فِيها الأَنْصارُ أنها تُهَدِّدُهُمْ أَيْضاً ، وَلَعَلَّ حَجْمَ الخِلافِ بَعْدَ غَزْوَةِ المُصْطَلَقِ كانَ كَبِيراً بِحَيْثُ لَمْ يستطع الرُواةَ تجاهله، فَقَدْ أشارت إليه كُلَّ كُتُبِ المَغازِي الأَساسِيَّةِ وَبِما أَنْ طَرَحَهُ كانَ تَقْرِيباً واحِداً لِذٰلِكَ سَنَتْبَعُها عَبْرَ الواقِدِي: قالُوا: فَبَيَنا المُسْلِمُونَ عَلَى ماءِ المُرِيسِيعِ قَدْ اِنْقَطَعَتْ الحَرْبُ، وَهُوَ ماءٌ ظُنُونٌ، إنما يَخْرُجُ فِي الدَلْوِ نِصْفُهُ، اِقْبَلْ سِنانَ بْنُ وَبَرِّ الجُهَنِي- وَهُوَ حَلِيفٌ فِي بَنِي سالِم – وَمَعَهُ فِتْيانٌ مِنْ بَنِي سالِم يَسْتَقُونَ، فَيَجِدُونَ عَلَى الماءِ جَمْعاً مِنْ العَسْكَرِ مِنْ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ، وَكانَ جُهْجاً بْنُ سَعِيد الغَفارِيُّ أجيراً لِعُمَرِ بْنِ الخَطّابِ (رَضْ) فأدلى سِنانُ وأدلى جَهْجاً دَلُّوْهُ وَكانَ جَهَجَا أقرب السُقاةُ إِلَى سِنانِ بْنِ وَبَرٍ، وَاِلْتَبَسَتْ دَلْوَ سِنانٍ وَدَلْوٍ جَهْجاً، فَخَرَجَتْ إحدى الدَلْوَيْنِ وَهِيَ دَلْوُ سِنانِ بْنِ وَبَرٍ. قالَ سِنانٌ: فَقُلْتُ دَلْوِي: فَقالَ جَهْجاً وَاللّٰهِ ما هي إلا دَلْوِي، فَتَنازَعا إِلَى أَنْ رَفَعَ جَهْجاً يَدَهُ، فَضَرَبَ سنان فَسالَ الدَمُ فَنادَى: يا آل الخزرج! وَثارَتْ الرِجالُ. قالَ سِنانٌ، وأعجزني جَهْجاً هَرَباً وأعجز أصحابي، وَجَعَلَ يُنادِي فِي العَسْكَرِ: يَا آل قُرَيْشٌ! يا آل كِنانَةُ! فأقبل إليه قُرَيْشٌ سِراعاً، قالَ: سِنانٌ فَلَمّا رأيت ما رأيت نادَيْتُ بِالأَنْصارِ قالَ كَ فَأقْبَلْتُ الأوس وَالخَزْرَجَ، وَشَهَرُوا السِلاحَ حَتٌّ خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ فِتْنَةً عَظِيمَةً، حَتَّى جاءني ناسٌ مِنْ المُهاجِرِينَ يَقُولُونَ أترك حَقَّكَ! قالَ سِنانٌ وَإِذا ضَرَبْتُهُ لَمْ يضرني شَيْئاً. قالَ سِنانٌ فَجَعَلْتُ لا أستطيع اِفْتاتً عَلَى حُلَفائِي بِالعَفْوِ لِكَلامِ المُهاجِرِينَ وَقُومِي يأبون أَنْ اِعْفُوا غَلاً بأمر رَسُولِ اللّٰهِ ﷺ أَوْ اِقْتَصِ مِنْ جَهْجاً، ثُمَّ أَنَّ المُهاجِرِينَ كَلِّمُوا حُلَفائِي، فَكَلِّمُوا عِبادَةَ بْنْ الصامِتِ وَناساً مِنْ حُلَفائِي، فَكَلَّمَنِي حُلَفائِي فَتَرَكْتُ ذٰلِكَ وَلَمْ أرفعه إِلَى النَبِيِّﷺ.
وَكانَ اِبْنُ أبي جالِساً فِي عَشَرَةٍ مِنْ المُنافِقِينَ...... وَفِي القَوْمِ زَيْدُ بِنُ أرقم، غُلامٌ لَمْ يَبْلُغْ، أَوْ قَدْ بَلَغَ – فَبَلَغَهُ صِياحٌ جَهْجاً: يا آل قُرَيْشُ! فَغَضِبَ بِنْ أبي غَضَباً شَدِيداً، وَكانَ مِمّا ظَهَرَ مِن كَلامِهِ وَسَمِعَ مِنْهُ أَنْ قالَ: وَاللّٰهِ ما رأيت كَاليَوْمِ مُذَلَّةٌ! وَاللّٰهِ، انْ كُنْتُ لِكارِهاً لِوَجْهِي هٰذا وَلٰكِنْ قُومِي غَلَبُونِي! قَدْ فَعَلُوها قَدْ نافَرُونا وَكاثَرُونا فِي بَلَدِنا، وأنكروا مُنْتَناً وَاللّٰهُ، ما صِرْنا وَجَلابِيبُ قُرَيْشٍ هٰذِهِ إلا كَما قالَ القائِلُ "سَمِّنَ كَلْبَكَ يأكلك" وَاللّٰهُ لَقَدْ ظَنَنتُ أني سأموت قَبْلَ أَنْ أسمع هاتِفاً يَهْتِفُ بِما هَتَفَ بِهِ جَهْجاً وأنا حاضِرٌ لا يَكُونُ لِذٰلِكَ مِنِّي غَيْرُ. وَاللّٰهِ لئن رَجَعْنا إِلَى المَدِينَةِ لِيَخْرُجْنَ الأعز مِنْها الأذل! ثُمَّ أقبل عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ قَوْمِهِ فَقالَ: هٰذا ما فعلتم بأنفسكم؛ أحللتموهم بِلادَكُمْ فَنَزَلُوا مَنازِلَكُمْ.. وَيَسْتَمِرُّ التَشَكِّي وَالوَعِيدُ، وَيَنْقُلُ كُلُّ ذٰلِكَ الغُلامِ زَيْدٌ اِبْنِ أرقم ذٰلِكَ الحَدِيثَ لِلنَبِيِّ الَّذِي أغضبه الكَلامُ، وَكَرِهَ سَماعُهُ خاصَّةً عِنْدَما تأكد أَنَّ النَقْلَ صَحِيحٌ، وَرَغْمَ أَنَّ الناسَ قالُوا لِزَيْدٍ رُبَّما أنه لَمْ يَسْمَعْهُ جَيِّداً، أَوْ أَنَّ لَهُ غايَةً، وَلٰكِنَّ زَيْداً أصر عَلَى صِدْقِ ما نقل، وأخذ يَدْعُو اللّٰهُ أَنْ يَنْزِلَ ما يُؤَيِّدُ ما ذهب إليه وَبِالفِعْلِ جاءت آية تُؤَيِّدُ ما ذهب إليه زَيْدٌ {إِذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنك لِرَسُولِ اللّٰهِ وَاللّٰهُ يَعْلَمُ إنك لِرَسُولِهِ وَاللّٰهُ يَشْهَدُ إن المُنافِقِينَ لِكاذبون(1) } (104/ 63 سُورَةُ المُنافِقُونَ هِجْرِيَّةٌ عَدَدُ الآيات 11 الآية 1) وَتَحَمُّسُ بَعْضَ الحاضِرِينَ، وَطَلَبُوا مِنْ النَبِيِّ أَنْ يَقْطَعَ رأسه اِبْنُ أبي، وَلٰكِنَّ النَبِيَّ رَفَضَ حَتَّى طَلَبَ اِبْنَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ؛ لأنه أساء إِلَى الرَسُولِ وصحبه، وَلٰكِنَّ الرَسُولَ عالَجَ الأَمْرَ بأن أمر بِالرَحِيلِ، وإن كانَ الوَقْتُ غَيْرَ مُلائِمٍ وَالحُرُّ شَدِيدٌ، وَلٰكِنْ بِهٰذا الإجراء يَمْنَعُ الناسَ مِنْ الحَدِيثِ فِي ذٰلِكَ خاصَّةً وأنهم، وَبَعْدَ ذٰلِكَ الإجهاد فِي السَفَرِ وَقَعُوا نِياماً إِلَى أَنْ تهدأ النُفُوسَ، وَتَتَصافَى.
وَمِثْلُ مِثْلِ هٰذِهِ الحَوادِثِ مِن الاِحْتِكاكِ بَيْنَ الأَنْصارِ وَالمُهاجِرِينَ رُبَّما أَكْثَرَ مِمّا كَتَبَهُ، أَوْ سَجَّلَهُ التارِيخُ، وَتِلْكَ الأخبار، وما قيل ما هو فِي الواقِعِ إلا مِن صَمِيمِ العَصَبِيَّةِ القَبِلِيَّةِ الَّتِي ظَلَّت مُلازِمَةً لِتِلْكَ القَبائِلِ، وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ المؤاخاة بَيْنَ المهاجرين وَالأَنْصارِ لَمْ تَكُنْ بِهٰذا الشَكْلِ المُبالِغِ فيه وَهُناكَ العَدِيدُ مِن الشَواهِدِ ذَكَّرْنا بَعْضَها فِي بَعْضِ الفَقَراتِ، بَلْ إننا نَعْتَقِدُ أَنَّ حادِثَةَ الإفك هِيَ تَعْبِيرٌ آخر عَن اِسْتِياءِ اليَثْرَبِيِّينَ أَوْ لِنَقْلِ الخارجين مِن المُهاجِرِينَ فأخذوا يَبْحَثُونَ عن ما يُمْكِنُ أَنْ يَخْدِمَهُم؛ وبسبب ذلك سَمُّوْا المُنافِقِينَ (السِيرَةَ النَبَوِيَّةَ لِاِبْنِ إسحاق الجُزْءِ الثانِي الفِتْنَةَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ ص 440)
تَزايَدَ قُوَّةُ الإِسْلام
كَما أَشَرْنا أَنَّ سِياسَةَ مُحَمَّد بدأت تأخذ أبعادا جَدِيدَةً أقوى بَعْدَ بَدْرٍ إلا أنها، وَبَعْدَ الخَنْدَقِ أخذت تَتَصَرَّفُ كَلاعِبٍ أَساسِيٍّ فِي المِنْطَقَةِ، وَتَعْكِسُ طُمُوحاتٍ أكبر مِن مُجَرَّدِ هَزِيمَةِ المَكِّيِّينَ، وَقَدْ عَبَّرَ النَبِيُّ عَن تِلْكَ المَرْحَلَةِ بِقَوْلِهِ "لَنْ تَغْزُوَكُم قُرَيْشٌ بَعْدَ عامِكُم هٰذا، وَلٰكِنَّكُم تَغْزُونَهُم" (السِيرَةُ النَبَوِيَّةُ لِاِبْنِ إسحاق ص 425 وَالسِيرَةُ النَبَوِيَّةُ لِاِبْنِ هِشام الجُزْءُ الثالِثُ ص 158) كَما تَمَيَّزَت بِالعُنْفِ، بَلْ وَالقَسْوَةِ الشَدِيدَةُ وَتَكاثَرَت الانتصارات عَلَى أعراب مِن قَبائِلِ شَتَّى وَزِيادَةِ الغَنائِمِ وَالسَبْيِ، بَلْ حَتَّى النَبِيِّ كانَ يَضْمَنُ لِنَفْسِهِ مِن السَبايا المُلّاحِ، وَيَتَزَوَّجُ بِهِنَّ بَعْدَ أَنْ يَسْلَمُوا، لَقَدْ وَصَلَت غَزَواتُ مُحَمَّدِ إِلَى دَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَهٰذا يَدُلُّ عَلَى المُسْلِمِينَ أصبحوا قُوَّةً جَدِيدَةً فَدَوْمَةُ الجُنْدَلِ تَقَعُ عَلَى بُعْدِ 600 كم مِن المَدِينَةِ وَهِيَ نُقْطَةٌ مُهِمَّةٌ لِتِجارَةِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ مَعَ سُورْيا وَالعِراقِ ، وإن الكَثِيرُ مِن القَبائِلِ المُتَواجِدَةِ عَلَى خُطَى هٰذا الطَرِيقِ أسلمت خَوْفاً أَوْ طَمَعاً أَوْ نَتِيجَةَ القَحْطِ كَما فِي جَماعَةٍ مِن بَنِي عَيِيْنَةَ، وَالَّتِي اِعْتَنَقَت الإِسْلامَ عِنْدَها لا سمح لَهُم بِالذَهابِ إِلَى مَراعِي المَدِينَةِ لِلاِسْتِفادَةِ مِن غَزارَةِ اللَبَنِ، وَلٰكِنَّهُ ما أَنْ استعادوا قُواهُم بَعْدَ الجُوعِ وَالعَطَشِ وَالمَرَضِ، حَتَّى عادوا إِلَى طِباعِهِم فَقَتَلُوا راعِياً، وَسَلَبُوا خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيراً وهربوا لِذا جَهَّزَ لَهُم مَجْمُوعَةً لاحَقَتهُم، وَقَتَلَتْهُم تَحالَفَت البَعْض مَعَ مُحَمَّدٍ مِمّا يَعْنِي أنها قَطَعَت تِجارَةَ مكة مَعَ سُورْيا وَالعِراقِ ، حَتَّى أَنَّ صَفْوانَ اِبْنُ أمية، وَالَّذِي كانَ فِي الواقِعِ مُنافِساً لأبي سُفْيان كانَت لَهُ قافِلَةٌ كَبِيرَةٌ غَنِيَّةٌ عائِدَةٌ مِن سُورْيا، فَهاجَمَها جَيْشٌ مِن المُسْلِمِينَ يُقَدَّرُ بِ170 رَجُلاً يَقُودُهُم زَيْدُ بْنُ الحارِثِ، وَقُتِلُوا مِنهُم جَماعَةً وَاِسْتَوْلَوْا عَلَى عِيرِ القافِلَةِ الغَنِيِّ مِن فِضَّةٍ وَبِضاعَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَسِيقِ مَجْمُوعَةٍ مِن الأسرى، وَمِن ضِمْنِ الأسرى كان قُرَيْشِي يُدْعَى أبو العاصِ بْنِ الرَبِيعِ، الصَحابِيُّ لاحِقاً، وأبو العاصِ هٰذا هُوَ زَوْجُ زينب بِنْتُ النَبِيِّ مُحَمَّدٍ تَزَوَّجَتْهُ قَبْلَ الدَعْوَةِ، بَعْدَ الدَعْوَةِ لَمْ يَسْلَمْ، بَلْ حارَبَ مُحَمَّدٌ وَطالَبَتْهُ قُرَيْشٌ بِتَطْلِيقِ زَيْنَب، لٰكِنَّهُ رَفَضَ وَعِنْدَ الهِجْرَةِ بَقِيَتْ مَعَهُ فِي مَكَّةَ ، بَلْ إنه شارَكَ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ لِيُقاتِلَ المُسْلِمِينَ، وَلٰكِنَّهُ أسر، وَلَمّا بَدا القُرَيشِيُّونَ فِداءَ أبنائهم الأسرى أرسلت زَيْنَب مالاً، وَصِيغَتَها وَكانَ فِيها قِلادَةٌ لَها كانَتْ أمها خَدِيجَة قَدْ أهدتها لَها عِنْدَما بَنَى عليها أبو العاصَ، وَعِنْدَما شاهَدَ النَبِيُّ القِلادَةَ وَعَرَفَها رَقَّ قَلْبُهُ، وَقالَ لأصحابه "أَنَّ زَيْنَب بَعَثَتْ بِهٰذا المالِ لافتداء أبي العاصِ، فإن رأيتم أَنْ تُطْلِقُوا لَها أسيرها، وتردوا عَلَيْها مالَها فَاِفْعَلُوا "قالُوا نَعَمْ، وَنِعْمَةُ عَيْنِ يا رسول اللّٰهُ" وَحَسْبَ الرِوايَةِ اِشْتَرَطَ النَبِيُّ عَلَى اِبْنِ العاصِ أَنْ يَبْعَثَ إليه بِاِبْنَتِهِ زَيْنَب، وَقَدْ فَعَلَ بَعْدَ حِينٍ، وَلٰكِنَّهُ بقي عَلَى شَرَكِهِ وَمَوْقِفِهِ مِنْ مُحَمَّدٍ وَرُبَّما بَلْ قِطَعاً شارَكَ فِي أحد وَالخَنْدَقِ فِي نَفْسِ المُعَسْكَرِ الأول (السيرة النبوية لابن هشام الجزء الثاني ص 197- وما بعدها) َقِيَ كَذٰلِكَ وَبِما أنه رَجُلُ تِجارَةٍ سافَرَ إِلَى سُورْيا فِي عِيرِ أَغْلَبِهِ لِصَفْوانِ بْنِ أمية، وَالَّتِي هاجَمَها المُسْلِمُونَ وَهٰكَذا وَجَدَ نَفْسَهُ فِي الأسر مرة أخرى، هَرَبَ مِنْ الأسر وَاِتَّجَهَ إِلَى بَيْتِ زَوْجَتِهِ زَيْنَب فَاِسْتَجارَها فأجارته، وَبَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ وَقَفَتْ عَلَى بابِها وَنادَتْ بِأَعْلَى صَوْتِها: إني أجرت أبا العاصَ! فَقالَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ أيها الناسُ سَمِعْتُمْ ما سمعت قالُوا: نَعَمْ قالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما عَلِمْتُ بشيء مِمّا كانَ حَتَّى سَمِعْتُ الَّذِي سَمِعْتُمْ. وَعِنْدَما عادَ إِلَى البَيْتِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ زَيْنَب، استُدعي الرِجالُ الَّذِينَ كانُوا فِي السِرِّيَّةِ الَّتِي أخذت العِيرَ وَقالَ لَهُمْ: (أَنَّ ذا الرَجُلِ مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ أخذتم مالُهُ، فإن تُحْسِنُوا وتردوا عليه الَّذِي لَهُ، كانَ ما نحب، وإن أبيتم فَهُوَ فيء اللّٰهِ الَّذِي أفاء عَلَيْكُمْ، وأنتم بِهِ أحق) فَقالُوا: بَلْ نَرُدُّ عَلَيْهِ مالَهُ يا رسول اللّٰهُ" وَعادَ أبو العاصِ إِلَى قَوْمِهِ مَعَ تِجارَتِهِ. أما بَقِيَّةَ عِيرِ قُرَيْشٍ، فَقَدْ كانَ غَنِيمَةَ المُسْلِمِينَ وَيُقالُ، وَقَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ أسلم أبو العاصِ بْنِ رَبِيعٍ، وَكانَ قَبْلَهُ قَدْ أسلم الكَثِيرَ، وَحُرِمَتْ قُرَيْشٌ مِنْ طَرِيقِ تِجارَتِها، وَضَعُفَتْ أواصر تَحالُفاتِها وَلَمْ يَعُدْ أبو سفيان بِقادِرٍ عَلَى وَقْفِ تَدَهْوُرِ قُرَيْشٍ، فَكانَ رِجالُها بَيْنَ مَنْ قُتِلَ، وَمَنْ ماتَ أَوْ فَقَدَ تِجارَتَهُ، أَوْ أسلم وَهٰكَذا أصبح اِبْنُ العاصِ مِنْ الصَحابَةِ وَالقِصَّةِ يَرْوِيها الواقِدِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أئمة التارِيخِ الإِسْلامِيِّ، وَنُؤَكِّدُ أَنَّ تِلْكَ الأخبار، وإن كُتِبَتْ مِنْ قِبَلِ المُنْتَصِرِ، إلا أنها فِي كُلِّ الأحوال تُعَبِّرُ عَنْ الرُوحِ وَالقِيَمِ البَدَوِيَّةِ، فَها هُوَ عَلِيُّ بْنُ أبي طالِبٍ، وَبَعْدَ قَتْلِهِ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ وَعادٍ مُتَهَلِّلٍ إِلَى الرَسُولِ، حَتَّى قالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَلّا سَلَبَتْهُ دِرْعَهُ، فإنه لَيْسَ فِي العَرَبِ دِرْعُ خَيْرٌ مِنْها؟! قالَ: إني حِينَ ضَرَبْتُهُ اِسْتَقْبَلَنِي بسوأته، فَاِسْتَحَيْتُ يا اِبْنَ عَمِّي أَنْ أسلبه. فَالغَنِيمَةُ المُرافِقُ الطَبِيعِيُّ فِي مِثْلِ هٰذِهِ الحالاتِ؛ وَلِذٰلِكَ اِهْتَمَّ عُمْرٌ بِها أَكْثَرَ مِنْ اِهْتِمامِهِ بأي شيء آخر.
اِتِّفاقِيَّةُ الحُدَيْبِيَةِ
تُعَدُّ اِتِّفاقِيَّةُ الحَدَيبِيَّةِ بِاِعْتِبارِها بِدايَةَ نِهايَةِ "قُرَيْشِ المُشَرِّكَةِ" وَبِدايَةُ الانتصار الكُلِّيِّ لِمُحَمَّد وَدَعْوَتِهِ فِي وَقْتٍ قِياسِيٍّ لا يتعدى نِهايَةَ السَنَةِ السادِسَةِ لِلهِجْرَةِ وَتَقْرِيباً الثامِنَةَ عَشَرَ لِبَدْءِ الدَعْوَةِ، وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِي تَسْمِيَتِها فَالبَعْضُ وَخاصَّةً بَعْضَ كُتُبِ المَغازِي سَمَّتها غَزْوَةٌ عَلَى اِعْتِبارِ أنها مِن سِلْسِلَةِ غَزَواتِ الرَسُولِ أراد مِن وَرائِها أَنَّ بين قُوَّةِ المُسْلِمِينَ وَضَعْفَ قُرَيْشٍ إضافة إِلَى أهداف أُخْرَى وَالبَعْضُ سَمّاها أمر الحُدَيْبِيَةِ كَما فِي اِبْنِ هِشامٍ، وَمِنهُم مَنْ سَمّاها بِقِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ وَهُناكَ مَنْ سَمّاها بِصُلْحِ الحَدِيبَةِ، وَذٰلِكَ لِوُرُودِ كَلِمَةِ المُصالَحَةِ فِي لاِتِفاقِيَّةٍ، وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ هٰذِهِ التَسْمِيَةَ الأخيرة غير موفقة فَهُوَ لَمْ يَكُنْ صُلْحاً، بَلْ اِتِّفاقٌ مُتَبادَلٌ لِلحُقُوقِ وَالاِلْتِزاماتِ الَّتِي لِكُلِّ طَرَفٍ وَنَمِيلٌ نَحْنُ إِلَى تَسْمِيَتِها اِتِّفاقَ الحُدَيْبِيَةِ لأنه بِتَقْدِيرِنا أصدق ما يعبر عَمّا جَرَى، وَفِي كُلِّ التَسْمِياتِ أشير إِلَى مَوْقِعِ الحَدَثِ أَوْ مَكانِهِ وَهِيَ الحُدَيْبِيَةُ، وَيُقالُ إن سَبَبَ هٰذا التَحَرُّكِ مِن النَبِيِّ أنه رأى حُلْماً فِي مَنامِهِ بأنه يَدْخُلُ مَكَّةَ مَعَ أصحابه يَهْدِفُونَ إِلَى العُمْرَةِ؛ وَلِذٰلِكَ أكد أنه لا يريد حَرْباً، وَيُؤَكِّدُ عَلَى أنه جاءَ مِنْ أجل العُمْرَةِ، وَلَيْسَ مُسَلَّحاً وَالسُيُوفَ فِي أغمادها يُرافِقُهُ 1400 مِنْ اِتِّباعِهِ، وَقِيلَ أقل وَقِيلَ أَكْثَرَ، جَزَعَتْ قُرَيْشٌ بادئ الأَمْرَ وَقَرَّرَتْ مَنْعَهُ مِنْ ذٰلِكَ، فَفِي مَسِيرَتِهِ وَعِنْدَما وَصَلَ عُسْفانُ لَقِيَهُ بَشَرُ بْنُ سُفْيان الكَعْبِي فَقالَ لَهُ: يا رسول اللّٰهُ هٰذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ سَمِعْتْ، بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ الأحابيش وَمَعَهُمْ العُوذُ المَطافِيلُ (أي خَرَجُوا وَمَعَهُمْ النُوقُ ذَواتُ اللَبَنِ مَعَ أطفالها، وَفِي تَفْسِيرِ آخر النِساءِ مَعَ أطفالهن مَنْ أجل أَنْ لا يَهْرُبُوا)، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُمُورِ (أَيْ تَهَيُّئُوا لِلحِقْدِ وَالعُدْوانِ)، وَقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوىً يُعاهِدُونَ اللّٰهَ لا تدخلها أبدا وَمَعَهُمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدَّمُوها إِلَى كُراعِ الغَمِيمِ عِنْدَما عَسْكَرَ مُحَمَّدٌ (وَكَما فِي المَواضِعِ الأُخْرَى سَنَتْرُكُ ما رافق ذٰلِكَ مِنْ قِصَصٍ لا لُزُومَ لَها)، وَكانَ قَرِيباً مِنْ مَكَّةَ جَرَى تَبادُلُ الرُسُلِ بَيْنَ الطَرَفَيْنِ، فَبَعَثُوا لَهُ بَدِيلَ بْنْ وُرَقاءَ الخُزاعِيِّ، حَيْثُ سأله لماذا جاءَ، فأخبرهم أنه لَمْ يأت يُرِيدُ حَرْباً، وإنما جاءَ زائِراً لِلبَيْتِ وَمُعْظَماً لِحُرْمَتِهِ، وَهٰكَذا عادوا إِلَى قُرَيْشٍ وَقالُوا: يا معشر قُرَيْشٌ إنكم تَعَجَّلُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ ، أنه لَمْ يأت لِقِتالٍ، وإنما جاءَ زائِراً لِلبَيْتِ وَتَعَنَّتَتْ قُرَيْشٌ وأرسلت مَكْرَزَ بْنُ حَفْصٍ، وَلَمّا شاهَدَهُ مُحَمَّدٌ قالَ: "هٰذا رَجُلٌ غادِرٌ" وَلٰكِنَّهُ أبلغه نَفْسُ الكَلامِ السابِقِ، وَعادَ لي قُرَيْشٍ ثُمَّ بَعَثُوا إليه الحَلِيسَ بْنَ عَلْقَمَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الأحابيش فَقالَ مُحَمَّدٌ فِيهِ:" أَنَّ هٰذا مِنْ "قَوْمٍ يتألهون" فابعثوا الهدى فِي وَجْهِهِ، حَتَّى يَراهُ" وَعادَ مَبْهُوراً؛ مِمّا رأى وَقالَ لَهُمْ إني رأيت ما لا يحل مَنْعُهُ رايَتْ الهَدْيَ فِي قَلائِدِهِ، قَدْ أكل اِوْبارَهُ فَقالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ اِجْلِسْ إنما أنت أعرابي لا علم لَكَ وَعِنْدَ ذاكَ غَضِبَ الحَلِيسُ، وَقالَ لَهُمْ وَاللّٰهِ ما عَلَى ها حالَفْناكُمْ، ثُمَّ هَدَّدَهُمْ أَنْ هُمْ أرادو السُوءِ، وَهٰكَذا تَبادَلَ الرُسُلُ فَبَعَثُوا عُرْوَةَ بْنُ مَسْعُودٍ، وَبَعَثَ مُحَمَّدٌ خُراشَ بْنُ أمية، ثُمَّ بَعَثَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ الَّذِي كانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ لَدَى قُرَيْشٍ فَهُوَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ، وَذَهَبَ عُثْمانُ وَقابَلَ زُعَماءَ قُرَيْشٍ، وَلٰكِنَّهُ تأخر فَظَنَّ المُسْلِمُونَ وَمُحَمَّدٌ أَنَّ عُثْمانَ قَدْ قُتِلَ، أَوْ ماتَ أَوْ هٰكَذا سُرَتْ إشاعات، فَقالَ مُحَمَّدٌ" لا نبرح، حَتَّى نُناجِزَ القَوْمَ" فَكانَتْ بَيْعَةُ الرِضْوانِ، وَكانَتْ عِنْدَ الشَجَرَةِ وَقَدْ قالَ الرَسُولُ ﷺ " لا يدخل النار أحد بايِعَ عِنْدَ الشَجَرَةِ" (السِيرَةُ الحَلَبِيَّةُ الجُزْءُ الثالِثُ غَزْوَةُ الحُدَيْبِيَةِ ص 62-99)هُناكَ البَعْضُ يَقُولُونَ بايَعَهُمْ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ عَلَى المَوْتِ، وَكانَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّٰهِ يَقُولُ إن الرَسُولَ ﷺ لَمْ يُبايِعْنا عَلَى المَوْتِ، وَلٰكِنْ بايَعْنا عَلَى أَنْ لا نَفِرَّ، وَلٰكِنْ بَمَا أَنَّ اِسْمَها بَيْعَةَ الرِضْوانِ، فإن ذٰلِكَ قَدْ يَعْنِي القِيامَ بِكُلِّ ما يرضى بِهِ مُحَمَّدٍ وَلٰكِنَّهُ وَفِي هٰذِهِ الفَتْرَةِ عادَ عُثْمانُ، وبدأت المَسارِ يَتَّجِهُ نَحْوَ الاِتِّفاقِ، فَقَدْ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرو، وَطالَ النِقاشُ بَيْنَ الطَرَفَيْنِ، وَلٰكِنْ في آخر المطاف اِتَّفَقَ الطَرَفانِ (سبق أن أَشَرْنا إِلَى هٰذا لِاِتِّفاقٍ مِنْ زاوِيَةٍ أُخْرَى)، دَعَا رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ عَلِيُّ بْنُ أبي طالِبٍ (رَضَ) فَقالَ اُكْتُبْ: "بِسْمِ اللّٰهِ الرَحْمٰنِ الرَحِيمِ" قالَ سُهَيْلٌ: لا أعرف هٰذا، وَلٰكِنْ اُكْتُبْ بِسَمَكِ اللّٰهُمَّ فَقالَ الرَسُولُ اللّٰهُ ﷺ اُكْتُبْ "بِاِسْمِكَ اللّٰهُمَّ" فَكَتَبَها ثُمَّ قالَ: اُكْتُبْ:" هٰذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ، سُهَيْلُ بْنُ عَمْرو " فَقالَ سُهَيْلٌ: لَوْ شَهِدْتَ أنك رَسُولَ اللّٰهِ ما قاتلتك، وَلٰكِنْ اُكْتُبْ اِسْمَكَ وَاِسْمَ أبيك فَقالَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ" اُكْتُبْ: هٰذا ما صالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللّٰهِ، سُهَيْلُ بْنُ عَمْرو، اِصْطَلَحا عَلَى وَضْعِ الحَرْبِ عَنْ الناسِ عَشْرَ سِنِينَ يأمن فِيهِنَّ الناسُ وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، عَلَى أنه مَنْ أتى مُحَمَّداً مِنْ قُرَيْشٍ بِغَيْرِ إذن وَلِيِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ جاءَ قُرَيشاً مِمَّنْ مَعَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ ، وأن بَيْنَنا عَيْبَةٌ مَكْفُوفَةٌ، وأنه لا إسلال وَلا إغلال (الصُدُورُ المُنْطَوِيَةُ عَلَى ما فيها واصَلَ الاِسْلالَ السَرِقَةَ الخَفِيَّةَ والأغلال الخِيانَةَ)، وأنه مِنْ أحب أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ مُحَمَّدٍ وَعَهْدِهِ، دَخَلَ فِيهِ وَمَنْ أحب أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ، وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ "ثُمَّ نَصَّتْ الاِتِّفاقِيَّةُ أَنْ يَرْجِعَ مُحَمَّداً هٰذا العامَ، دُونَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَلٰكِنْ فِي العامِ القادِمِ " خَرَجْنا عَنْكَ فَدَخَلْتُها بأصحابك، فأقمت بِها ثَلاثاً، مَعَكَ سِلاحُ الراكِبِ، السُيُوفُ فِي القُرْبِ، لا تَدْخُلُها بِغَيْرِها" (يَنْظُرُ السِيرَةُ النَبَوِيَّةَ لِاِبْنِ هِشامٍ الجُزْءُ الثالِثُ الصَفَحاتِ 197، وَما بَعْدَها وَهٰذا النَصُّ المُتَداوَلُ قَدْ لا يكون دقيقاً تماما، وَلٰكِنَّ عُمُومَ الاِتِّفاقِ وارِدٌ وَرُبَّما يَبْقَى بِنَفْسِ الإطار العامِّ)، ثُمَّ شَهِدَ عَلَى الصُلْحِ رِجالٌ مِنْ المُسْلِمِينَ، وَمِنْ قُرَيْشٍ فَلَمّا فَرَغَ مُحَمَّدٌ مِنْ الصُلْحِ قامَ إِلَى هديه، فَنَحَرَهُ كَما حَلَقَ رأسه وَاِقْتَدَى المُسْلِمُونَ بِهِ وَفَعَلُوا نَفْسَ الشَيْءِ، يَذْكُرُ الواقِدِي تَفْصِيلاتٍ لا يذكرها اِبْنُ إسحاق وَلا اِبْنُ هِشامٍ، فَيُذْكَرُ أنه فِي بِدايَةِ الأَمْرِ رَشَّحَ اِثْنانِ لِكِتابَةِ الاِتِّفاقِ، لٰكِنَّ سُهَيْلٌ اِعْتَرَضَ وَقالَ لا يكتب الاِتِّفاقَ إلا رَجُلٌ واحِدٌ، وَهٰكَذا كَلَّفَ الرَسُولُ عَلِيُّ بْن أبي طالِبٍ كَما يُذْكَرُ بَعْدَ اِعْتِراضِ سُهَيْلٍ عَلَى الصِياغاتِ اِعْتَرَضَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ (وَيُقالُ أن علي اعترض على ذلك) وارَوْا عَلَى كِتابَةِ الرَحْمٰنِ وَرَسُولِ اللّٰهِ وَلٰكِنَّ النَبِيَّ وَلِتَجاوُزِ الاِخْتِلافِ اِتَّفَقَ مَعَ الصِيَغِ الَّتِي ذَكَرَها سُهَيْلٌ، وَالمُشْكِلَةُ الأخيرة كانَت مَنْ الَّذِي يَحْتَفِظُ بِالاِتِّفاقِ المَكْتُوبِ، فَقَدْ أراد سُهَيْلٌ الاِحْتِفاظَ بِهِ وَكَذٰلِكَ أراد مُحَمَّدٍ لِذٰلِكَ مَرَّ النَبِيُّ أَنْ تُكْتَبَ نُسْخَةٌ أُخْرَى لِيَحْتَفِظَ بِها سُهَيْلٌ، وَلَنْ لَمْ تَصِلْنا أَيٌّ مِنْ النُسْخَتَيْنِ. فِي السِيرَةِ الحَلَبِيَّةِ يُذْكَرُ أَيْضاً رِوايَةً أُخْرَى إِلَى جانِبِ ما تقدم أعلاه وَالرِوايَةُ تَقُولُ إنه ﷺ هُوَ الَّذِي كَتَبَ الكِتابَ بيده الشَرِيفَةِ، وَحَيْثُ وَرَدَ فِي البُخارِيِّ أَنَّ اللّٰهَ أطلق يَدَهُ بِالكِتابَةِ فِي تِكِّ الساعَةَ خاصَّةً وَتُعَدُّ مُعْجِزَةً لَهُ. وَسبق أن أَشَرْنا إِلَى ذٰلِكَ.
إننا نَعْتَقِدُ، رَغْمَ أَنَّ العُمْرَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ، وأن بَعْضُ المُسْلِمِينَ غَضِبُوا لِذٰلِكَ، وَاِسْتَعْجَلُوا الأُمُورَ إلا الزِيارَةَ وَالأَحْداثَ كانَت فِي الواقِعِ لِصالِحِ مُحَمَّدٍ وَالمُسْلِمِينَ، بَلْ إنها أدت إِلَى تَدَهْوُرِ مَعْنَوِيّاتِ وَمَكانَةِ المُشْرِكِينَ القُرَيشِيِّينَ، بَلْ وَعَجَّلَت مَنْ تَلاحُقِ الأَحْداثِ ، وَلِهٰذا وَصَفَها أبو بَكْرٍ بِقَوْلِهِ" ما كانَ فَتِحَ فِي الإِسْلامِ أعظم مِن فَتْحِ الحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنَّ هٰذِهِ الحَمْلَةَ عَلَى مَكَّةَ أشرت بِالنِسْبَةِ لَنا أَيْضاً عَلَى قُوَّةِ التَقالِيدِ البَدَوِيَّةِ فَمُحَمَّدٌ الَّذِي جَنَّدَ مَعَهُ المهاجرون وَالأَنْصارَ مِنْ أجل العُمْرَةِ دَعَا القَبائِلَ الأُخْرَى الَّتِي أسلمت، أَوْ تَحالَفَتْ مَعَهُ لِلاِشْتِراكِ مَعَهُ، وَلٰكِنَّ بَعْضَ تِلْكَ القَبائِلِ وَبِما أنها زِيارَةُ حَجٍّ وَلا يأمل مِنْها غَنائِمَ أَوْ رِبْحٌ رَفَضَتْ الاِشْتِراكَ مَعَهُ فِي حَجِّهِ، وَمِنْهُمْ يُقالُ هُوزانُ وَيُقالُ بَنِي حَنِيفَةَ {سَيَقُولُ لَكَ المُخَلِّفُونَ مِن الأَعْرابِ شَغَلَتْنا أموالنا وَأَهْلُونا فَاِسْتَغْفَرَ لَنا يَقُولُونَ بألسنتهم ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم.. (11).} {سَيَقُولُ المُخَلِّفُونَ إِذا اِنْطَلَقتُم إِلَى مَغانِمَ لتأخذوها ذُرُوناً نَتْبَعُكُم يرِيدونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللّٰهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذٰلِكُم قالَ اللّٰهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلاً (15)} (111/ 48 سُورَةُ الفَتْحِ عَدَدُ الآيات 29 هِجْرِيَّةً الآية الأولى رَقْمُ 11 والآية الثانِيَةِ رَقْمُ 15) وَهٰذا المَوْقِفُ يُفَسِّرُ تَصَرُّفاتِ البَدْوِ عَبْرَ التارِيخِ، فَهُوَ يَغْزُو مِن أجل الغَنِيمَةِ وَالسَلْبِ، وَلَيْسَ مِن أجل شيء آخر. وَفِي كُلِّ الأحوال، فإن الاِتِّفاقُ الَّذِي عقده مَعَ قُرَيْشٍ وَخِلالَ أقل سَنَتَيْنِ اِنْتَهَى بِفَتْحِ مَكَّةَ وَتَحْطِيمِ الأصنام وَالتَفَرُّغِ لِفِكْرَةِ التَوَسُّعِ العَدَدِيِّ وَالجُغْرافِيِّ، عَلَى أَنَّ السَنَتَيْنِ ما بين الحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحَ مَكَّةَ كانَت سَنَواتٍ مَلِيئَةً بِالأَحْداثِ المُهِمَّةِ فِي فَجْرِ الإِسْلامِ، وَذٰلِكَ لأنه نَحَّى جانِباً خَطَرَ قُرَيْشِ غَرِيمِهِ الأول وَالأَساسِيِّ.



#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محمد بن عبد الله الجزء الرابع عشر
- محمد بن عبد الله الجزءالثالث عشر
- محمد بن عبد الله الجزء الثاني عشر
- محمد بن عبدالله الجزء الحادي عشر
- محمدبن عبد الله الجزء العاشر
- محمد بن عبدالله الجزء التاسع
- محمد بن عبدالله الجزء الثامن
- محمد بن عبد الله الجزء السابع
- الدكتور شعبان وكتابي البدو والاسلام جذور التطرف
- محمد بن عبد الله الجزء السادس
- محمد بن عبدالله الجزء الخامس
- محمد بن عبد الله الجزء الرابع
- محمد بن عبد الله الجزء الثالث
- محمد بن عبد الله الجزء الثاني
- محمد بن عبد الله الجزء الاول
- يثرب والاسلام
- يثرب عشية الاسلام
- يثرب- المدينة المنورة
- وجهاء واسماء في مكة
- حلف الفضول الحلقة الثانية


المزيد.....




- المقاومة الاسلامية تستهدف جرافة D9 ودبابة ميركافا جنوب لبنان ...
- سلطات الاحتلال تبعد الشيخين رائد صلاح وكمال خطيب عن المسجد ا ...
- إسرائيل تبعد الشيخين رائد صلاح وكمال الخطيب عن المسجد الأقصى ...
- نواب مجلس الشورى الاسلامي الإيراني: نطالب جميع النشطاء السي ...
- انتهاكات الاحتلال في جنوب لبنان تطال المقدسات المسيحية وتكذب ...
- كيف تحوّلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى تهديد في مالي؟
- الشيخ نعيم قاسم: لم يكن ليحصل وقف إطلاق النار لولا الجمهورية ...
- -يكره المسيحيين-.. تصريحات جديدة لترامب عن مطلق النار بحفل ع ...
- السياسة الإسلامية في بنغلاديش: جذور تاريخية وتحديات بناء الد ...
- مشرّع إيراني يستشهد بأمر من المرشد الأعلى: هرمز لن يعود كالس ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام حافظ الزند - محمد بن عبد الله الجزء الخامس عشر