|
|
آسيا – الولايات المتحدة تستهدف مضيق مَلَقَا، في قلب الشرق الأقصى
الطاهر المعز
الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 12:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يُعْتَبَرُ مضيق ملقا أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، وتمر عبره 20% من التجارة العالمية، مما يجعله موقعاً محورياً على الساحة الدولية، لا يقل أهمية عن قناة بنما، وهو مركز اتصالات وبوابة للأوروبيين في آسيا... قبل أن يُسيْطر الإستعمار الأوروبي على مضيق ملقا في القرن الخامس عشر، كانت الدّول الأوروبية تُسيْطر على البندقية ( إيطاليا)، وكان الإستعمار البرتغالي أول من سيطر على مدينة ملقا، خلال فترة حُكْم ألفونسو دي ألبوكيرك، حيث استولى البرتغال بالدّهاء وبالقوة، سنة 1511 على المدينة والمَضِيق لتكون بذلك أول سيطرة أوروبية على منطقة بين الهند والصين، ولا تزال هذه المدينة التجارية النابضة بالحياة تحتفظ بآثار الاحتلال البرتغالي والهولندي والبريطاني، وتنتشر فيها المساجد والكنائس والمعابد الصينية والهندوسية، مما يجعلها مركزًا بارزًا لثقافة البيراناكان، وهي جالية صينية ماليزية، وتقع بوكيت سينا، أكبر مقبرة صينية خارج الصين، على تلة خضراء وارفة، وتضم آلاف القبور القديمة بجوار آبار التنين، التي نقّبها بحارة الأدميرال تشنغ خه، وكانت سفن هذا الخصي المسلم، التي أمر ببنائها الإمبراطور يونغلي من سلالة مينغ، تتوقف في ملقا في طريقها إلى رحلات استكشافية قادتها إلى الساحل الشرقي لأفريقيا... لكن ملقا ليست مجرد ذكرى تاريخية للصين، فهي مضيق يربط سواحل ماليزيا بجزيرة سومطرة الإندونيسية، بطول 940 كيلومترًا وعرض 400 كيلومتر في شمالها الغربي و15 كيلومترًا في جنوبها الشرقي، ما يجعلها أقصر طريق بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي، وهي من أضيق الممرات المائية وأكثرها ازدحامًا في العالم، ولا يسبقها في ذلك إلا قناة السويس، حيث تعبرها نحو 85 ألف سفينة سنويًا... أعرب الرئيس الصيني هو جين تاو علنًا، سنة 2003، عن قلقه إزاء ضعف بلاده أمام هذا الممر الملاحي الذي يسهل إغلاقه، وهكذا وُلدت "معضلة ملقا"، ولم يهدأ بال استراتيجيي بكين حتى حلّوها، لأن نحو 80% من واردات الصين من النفط - وبعض السلع الأخرى كالكوبالت - القادمة من الشرق الأوسط وأفريقيا، فضلًا عن جزء كبير من صادراتها، تمر عبر مضيق ملقا الذي لا يقتصر ارتياده على سفن القراصنة فحسب، إذ تنتشر أساطيل ترفع أعلام دول مشاركة في استراتيجية الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (تحالف الأمم المتحدة وبريطانيا وأمريكا الشمالية، والتحالف الرباعي)، وهي دول معادية للصين، ولدى الولايات المتحدة حلفاء في المنطقة، بدءًا من سنغافورة والهند واليابان وأستراليا، الذين يعملون جاهدين على تعزيز قواتهم البحرية. تُشكّل المضائق - باب المندب وهرمز وملقا... - نقطة ضعف الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، ففي حال نشوب حرب صينية أمريكية على تايوان، يُمكن للبحرية الأمريكية والبحرية الهندية - رأس حربة سياسة مودي "التحرك شرقًا" - فرض حصار على المضائق. أما في الوضع الراهن، فليس أمام الصين سوى خيارات محدودة، فمضيقا لومبوك وسوندا، الواقعان عند طرفي جزيرة جاوة، يُشكّلان عائقًا، وبالنسبة للصادرات الصينية إلى أوروبا، يبقى الممر الشمالي الشرقي، وهو الطريق البحري عبر القطب الشمالي الروسي المُشتعل، في مرحلة تجريبية. في عام 2013، أعلن شي جين بينغ، سنة 2013، إحْياء طريق الحرير القديمة، برًّا وبَحْرًا، وهو مشروع اقتصادي يتمحور حول الربط: يهدف إلى منع الصين من تطويق المنطقة، ويتضمن ذلك تنويع الإمدادات - ففي حالة النفط، من إيران إلى فنزويلا عبر نيجيريا - وتنفيذ استراتيجيات بديلة عبر ممرات برية، وترتبط العديد من جوانب هذا المشروع ارتباطاً مباشراً بمعضلة ملقا. يُعدّ الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، وهو برنامج استثماري ضخم في البنية التحتية للنقل والطاقة والمناطق الاقتصادية الخاصة، مثالاً بارزاً على ميناء غوادر المدني والعسكري، الذي يُتيح الوصول إلى بحر العرب لمنطقة شينجيانغ الصينية المضطربة غرب البلاد، كما يُوفّر الممر الاقتصادي الصيني الميانماري منفذاً إلى خليج البنغال، رابطاً مقاطعة يونان الصينية عبر ماندالاي بكياوكفيو، وهو ميناء ميانماري للمياه العميقة ومنطقة اقتصادية خاصة، ومع ذلك، تعرّضَتْ مشاريع خطوط الأنابيب والسكك الحديدية وغيرها من مشاريع "مبادرة الحزام والطّريق" للعَرْقَلَة بسبب جائحة كورونا والانقلاب العسكري في ميانمار (شباط/فبراير 2021)، ولا يزال ممر الصين- ميانمار- بنغلاديش- الهند، الذي سيربط كونمينغ، عاصمة مقاطعة يونان الصينية، بكلكوتا ( الهند) عبر ماندالاي، في مراحل التخطيط، وفي الهند، يُثير مصطلح "طريق الحرير" مخاوف، إذ يمرّ الممر الصيني الباكستاني عبر أراضٍ تُطالب بها حكومة نيودلهي. حلت خطوط أنابيب النفط والغاز بين كازاخستان أو تركمانستان والصين محل الجمال، على طريق الحرير القديم الذي ربط حوض النهر الأصفر بالبحر الأبيض المتوسط لقرون، بينما تُظهر خطوط أخرى في الشمال شراكة صينية روسية "بلا حدود"، في انتظار "القوة السيبيرية 2"، وهو خط أنابيب غاز عابر لمنغوليا مستقبلي بسعة أكبر من نورد ستريم 1، لكن هذه البدائل ليست سوى مُسَكِّن لمضيق ملقا الذي لا يمكن استبداله، لكن ثمة سلاح فتاك للنصر في ملقا، ألا وهو كرا الذي يقع جنوب مملكة سيام السابقة وهو برزخ ضيق، يحده من الغرب بحر أندامان ومن الشرق خليج تايلاند، فقبل قرون، كَلَّف أحد حكام سيام مهندسًا بدراسة إمكانية إنشاء قناة، وهو أمر كان مستحيلاً آنذاك، ثم عادت الفكرة إلى الظهور في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بدعم من شركة الهند الشرقية البريطانية، وكان فرديناند دي ليسبس ( مُهندس قناة السّويس) يجوب المنطقة، حوالي سنة 1880، مما أثار استياء الملك شولالونغكورن، الذي كان قلقًا من الطموحات الفرنسية على أبواب الهند الصينية، وفي النهاية، اتفقت سيام وبريطانيا العظمى على دفن المشروع: فلن يُمس سنغافورة، جوهرة التاج الفيكتوري. أعاد مشروع طريق الحرير الجديد إحياء حلم إنشاء قناة بنما آسيوية، بطول 120 كيلومترًا وتكلفة 30 مليار دولار، ويحظى المشروع بدعم واسع في بانكوك (رجال أعمال وضباط عسكريون) يحلمون بأرباح طائلة، وفي المقابل، يساور آخرين القلق بشأن تداعيات هذا المشروع، الذي تُمَوِّلُه وتبنيه الصين بالكامل، على سيادة البلاد وديونها، ويخشى معظمهم من أن يُعمّق المشروع الانقسام بين شمال المملكة البوذية ومقاطعاتها الجنوبية، التي عانت منذ ثمانينيات القرن الماضي من ويلات الصراع الانفصالي الإسلامي، وهو صراع حصد بالفعل آلاف الأرواح، وينْصَبُّ التّركيز في الوقت الراهن، على مشروع الطرق السريعة والسكك الحديدية الذي سيربط ميناءين مستقبليين على كل من الساحلين. اتفاقية إندونيسيا مع الولايات المتحدة للسيطرة على مضيق ملقا تُعلن إندونيسيا إنها لا تنحاز لأي طرف، لكنها وقعت اتفاقية دفاعية مع الولايات المتحدة تشمل مضيق ملقا وتُوَسِّعُ التدريب المشترك للقوات الخاصة، ويشمل الاتفاق الجديد صيانة وإصلاح وتفتيش المضيق، ويُستثنى من ذلك التحليق العسكري، ولكن مؤقتاً فقط، وترغب الولايات المتحدة في توقيع اتفاقية منفصلة بهذا الشأن. أولت الصين اهتماماً بالغاً لهذا الأمر نظراً لاعتمادها على الإمدادات القادمة عبر هذا الطريق، لا سيما النفط من الخليج العربي، فقد استوردت الصين 11,6 مليون برميل من النفط الخام يومياً سنة 2025، وصل أكثر من 90% منها عبر البحر، ويستحوذ الشرق الأوسط على نحو نصف هذه الواردات. لا يكمن أكبر عائق أمام تجارة النفط الآسيوية في مضيق هرمز، بل في مضيق ملقا، ففي النصف الأول من سنة 2025، تدفق 23,2 مليون برميل يومياً عبر ملقا، ما يمثل نحو 29% من تجارة النفط البحرية العالمية، وهي أقصر طريق ملاحي بين مُوَرِّدي الخليج والمشترين الآسيويين، وتنطلق خطوط أنابيب استيراد النفط الخام الرئيسية للصين من روسيا وكازاخستان وميانمار، ومع ذلك، تظل هذه المسارات مكملة لبعضها البعض، إذ لا تصل سوى نسبة ضئيلة من الواردات عبر خطوط الأنابيب. تُجري القوات المسلحة الإندونيسية والأمريكية أكثر من 170 مناورة مشتركة سنوياً، وتستعد واشنطن لاتخاذ تدابير أمنية لمنع تكرار حادثة هرمز في مَلَقَا.
#الطاهر_المعز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل دخلت الإمبريالية الأمريكية مرحلةً جديدةً؟
-
استفادة الإحتلال الصهيوني من -المساعدات- الدّولية
-
الإتّجاه التّصاعدي للإنفاق الحربي
-
فلسطين قبل تاسيس الدّولة الصّهيونية
-
من مظاهر الغطرسة الأمريكية خلال الرّبع الأول من سنة 2026
-
الأضرار الجانبية للعدوان الأمريكي الصهيوني على إيران
-
العلاقلات الإماراتية الفرنسية في ظل التنافس بين الإمارات وقَ
...
-
فرنسا – عنصرية الحكومة وأجهزة الدّولة
-
أَرُونْدَاتِي رُويْ: صوت نِسْوِي مناهض للإمبريالية
-
المنظمات -غير الحكومية- بين شَرْعيّة المبادئ المُعْلَنَة وشُ
...
-
رياضة كرة القدم -أفيون الشّعوب-؟
-
المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج 2/2
-
المخططات الأمريكية الصهيونية في الخليج
-
في جبهة الأصدقاء - المناضل النقابي العُمّالي الأمريكي الزنجي
...
-
مُتابعات – العدد الواحد والسّتّون بعد المائة بتاريخ الواحد و
...
-
الحصار و-العقوبات-، سلاح امبريالي ضدّ الشُّعُوب
-
أوروبا والهند، صَفْقَة ضَخْمَة
-
مايكل بارينتي 30/09/1933 - 24/01/2026
-
من دافوس إلى غزة
-
فلسطين - دَوْر الدّعم الخارجي في الإبادة والتّهجير
المزيد.....
-
أطول حلوى تيراميسو في العالم تمتد على مساحة أربعة ملاعب كرة
...
-
عن حكم -ممنوع سنجل حريمي-.. أشكال التمييز تُقنن وفق رؤى قضاة
...
-
عن حكم -ممنوع سنجل حريمي-.. أشكال التمييز تُقنن وفق رؤى قضاة
...
-
-السلطة تقدم تنازلات مجانية-.. حزب الله: المفاوضات المباشرة
...
-
مصر تلغي إجراءات الإغلاق المبكر للمتاجر بعد نحو شهر من تطبيق
...
-
ناخبون سويسريون يرفعون الأيادي في اقتراع شعبي عريق في الهواء
...
-
كيم جونغ أون يجدد دعم بيونغ يانغ لموسكو في -حربها المقدسة- ض
...
-
انتهاء مهلة الـ60 يوما - هل يعرقل الكونغرس حرب إيران؟
-
ارتفاع نسبة الإنفاق العسكري العالمي للسنة 11 على التوالي
-
طهران تقدم مقترحا جديدا لواشنطن بهدف إعادة فتح ?مضيق هرمز وإ
...
المزيد.....
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
المزيد.....
|