|
|
تفكيك خطاب اليأس في تغطية الجزيرة للحرب على إيران أمام ملحمة الصمود
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 09:25
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس الميدان وحده ساحة المعركة، فالأقلام والصفحات هي الأخرى تخوض حرباً لا تقل ضراوة. إنها الحرب على الروح المعنوية، حيث تُصنع الانتصارات تارة وتُفشل تارة أخرى بقدر ما تُصنع بقنابل الطائرات. في زمن تتقاتل فيه الإمبراطوريات العملاقة وحلفاؤها على بلادنا وثرواتنا، تبرز قناة الجزيرة كأداة نخبوية ذكية، تحمل على عاتقها مهمة تدمير الإرادة الوطنية عبر بث سموم التهويل والتشاؤم، متنكرة في ثياب الحياد والمهنية. وبينما كان العدوان الغاشم—أمريكياً وصهيونياً وخليجياً—يستعر على إيران العظيمة، لم تكن الجزيرة مجرد ناقل للأحداث، بل كانت طرفاً فاعلاً في المعركة النفسية، تعمل بمنهجية البروباجاندا على تقويض الجبهة الداخلية من خلال محاولة إيهام الرأي العام بأن الانهيار قادم، وأن التدهور الاقتصادي لا مناص منه، وأن الاستسلام لحتمية القوة الغربية هو الخيار الوحيد، متناسية أو متجاهلة بثاً للحقائق أن أساطين الفكر الاستراتيجي في واشنطن ذاتها يعترفون الآن بأن العدوان قد تحول إلى مستنقع يغرق فيه الحلف بأكمله.
هذه الصفحات ليست مجرد رصد للإعلام، بل هي تشريح للجسد المريض للنخب الإعلامية العربية التي أضحت صوتاً للجيش الإعلامي للعدو الصهيوني والأمريكي ، محاولة بيان كيف تستخدم الجزيرة ذات الأدوات التي أفلست في مصر و تونس واليمن وحتى سوريا لإعادة إنتاج نفس السيناريو في إيران، وكيف أن الواقع المرير من تضخم أمريكي خليجي إسرائيلي واعترافات كبار الاستراتيجيين من ميرشايمر إلى ساكس بحجم الهزيمة التي يتجرعها ترامب ونتنياهو ومحميات الخليج الصهيو أمريكية معاً يدحضون كل محاولات التشكيك في قدرة الإيرانيين على الصمود. إنها حرب شعوب ضد طغاة، والجزيرة اليوم، تجنح حيث تنفخ ريح القصر، تحاول أن تقنع الشرق بأنه مهزوم، بينما قد بدأ الغرب يقرع طبول الخروج من المستنقع الفارسي الجديد.
أدوات الحرب النفسية – كيف تصنع الجزيرة "واقعاً" موازياً من التشاؤم؟
لطالما كان الإعلام سلاحاً ذا حدين، لكن عندما يتحول إلى أداة إضعاف للشعوب تحت غطاء الموضوعية، فإنه يحول المعركة إلى "حرب أعصاب". تعتمد قناة الجزيرة في تغطيتها للعدوان على إيران على استراتيجية نفسية معقدة، تقوم على تكرار سردية واحدة: أن لا أمل في الصمود أمام الآلة العسكرية والاقتصادية الأمريكية، وأن الشعب الإيراني يعاني من تآكل داخلي لا يمكن إصلاحه، وبالتالي فإن الخيار العقلاني هو الانصياع وليس المقاومة.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل هي مستوردة من مصر وتونس واليمن و حتى سوريا ومن ليبيا قبلاً، حيث أعادت الجزيرة إنتاج خطابها التخويفي لإحداث شرخ بين الشعب وجيشه. جوهر هذه اللعبة يكمن في السردية التي تخلق "انسداداً في الأفق"، حيث تُقدم كل التطورات على أنها خطوة نحو الهاوية، ويتم تضخيم أي مشكلة اقتصادية أو اجتماعية لتصبح دليلاً على اقتراب السقوط الحتمي. فبدلاً من تقديم صورة متوازنة عن معاناة الشعب الإيراني في زمن الحرب *بصبره الأسطوري وتضحياته الكبيرة، تتحول هذه المعاناة في مرايا الجزيرة إلى سلاح في يد العدو لتكسير الإرادة.
وهذه هي لعبة "الفوضى الخلاقة" التي تحدثت عنها كونداليزا رايس بعينها: لا تكتفي القناة بعرض حجم الدمار المادي، بل تعمد إلى استخدام مراسليها في طهران لتقديم تقارير تغلب عليها النبرة اليائسة والتشاؤمية التي تصل إلى درجة الوصاية على مشاعر المشاهد. يتحدثون بعبارات مثل "الإحباط يخيم على العاصمة" أو "الشعب يئس من القدرة على الصمود"، متناسين حقيقة أن الإنسان الإيراني، لديه من الفطنة ما يمكنه من تمييز لحظة الحقيقة. فالإيراني الذي يرى بأم عينيه التضخم قليلا في سعر الخبز لا يحتاج إلى محلل ليشرح له أنه يعيش ظرفاً صعباً؛ لكنه يحتاج إلى من يقدر صموده في وجه هذا العدوان الوحشي الذي يهدف إلى تجويعه وإذلاله، وليس إلى من يضرب على أوتار الألم ليشعره بأنه مضطر للاستسلام لأن الحياة أصبحت مستحيلة.
هنا يظهر التناقض التكتيكي في خطاب الجزيرة. ففي الوقت الذي يبث فيه مذيعوها من الدوحة تحليلاتهم عن "تآكل الدعم الشعبي" للحكومة الإيرانية، نجد الأكاديميين الغربيين الكبار، ممن يعدون جزءاً من المؤسسة الأكاديمية الأمريكية الصلبة، يخرجون بتصريحات تهز عروش النظرية الواقعية التي أسسوها. فها هو الأستاذ جون ميرشايمر، واضع نظرية الواقعية الهجومية، يصف الحرب على إيران بأنها واحدة من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الإمبراطورية الأمريكية على الإطلاق، معترفاً بفشل الذراع العسكرية الأمريكية في تحقيق أهدافها رغم كل التفوق التكنولوجي . وبينما تبث الجزيرة سردية أن طهران على وشك الانهيار، يعلن جيفري ساكس في خطاب محموم أننا على بعد أيام قليلة من انهيار الطاقة العالمي، وأن أمريكا وإسرائيل قد أوقعتا نفسيهما في "ورطة استراتيجية" قد تؤدي إلى دمارهما المتبادل إذا لم تتدخل قوى عظمى كروسيا والهند والصين لإنقاذهما .
هذا التطابق المثير بين نبرة الجزيرة التشاؤمية وموقف ميرشايمر وساكس المتشائم بنفس القدر، ولكن من الجهة الأخرى تماماً، يكشف عن الوجه البشع لهذه اللعبة. فساكس يصف ترامب ب"الأحمق"، ويتهم نتنياهو بالسعي وراء حرب لا يمكن ربحها، بينما تحاول الجزيرة إقناع الإيرانيين أنهم خاسرون. إنها مفارقة تاريخية: الولايات المتحدة وإسرائيل تعيشان أزمة وجودية مزدوجة، تضخمهما العقوبات الفاشلة والفشل العسكري، والجزيرة غارقة في إنكار الذات حتى أنها لا تستطيع التقاط هذا الخبر الذي يشكل قلب القصة.
مراسل طهران – الوهم المزدوج بين كادره الفاره وأزقة الشعب الصامد
لعل أبرز تجليات اللعبة الجزيرية تتركز في أداء مراسلها في طهران، ذلك الشخصية التي تُخلق في استوديوهات الدوحة لتؤدي دور "الشاهد الميداني"، بينما يكون أداؤه أقرب إلى ممثل ضمن مسرحية مكتوبة السيناريو. المطلوب منه هنا ليس تقديم الأخبار، بل تقديم تفسير يائس للخبر عبر تعليقات جانبية تخفي وراءها أجندة واضحة: تصوير الحياة في طهران وكأنها جحيم لا يُطاق، وأن الشعب لم يعد يحتمل، وأن بوابة الاستسلام هي الحل الوحيد.
من يتابع تقارير الجزيرة من طهران يلاحظ أن الكاميرا تتجه عمداً إلى زوايا معينة في المدينة، حيث الطوابير أمام المخابز أو حيث تظهر بعض مظاهر الغلاء، بينما يتم تجاهل مساحات واسعة من الحياة الطبيعية التي لا تزال تمارس رغم الحصار. الأهم من هذا هو التحليل المصاحب الذي يسبغ على الصورة البصرية طابعاً سياسياً بحتاً، حيث يتحول المشهد اليومي لأزمة معيشية (وهي نتيجة حتمية للحرب وليست علامة ضعف) إلى دليل على زوال الشرعية السياسية أو على استحالة المقاومة. فكأن المراسل يقول للمشاهد: "انظر كيف يعاني هذا الشعب، أفلا يستحق التخلص من قيادته لينعم بالسلام؟"
هذا النوع من التغطية هو، في التحليل النهائي، إهانة للذكاء الإيراني. فالشعب الإيراني يعي تماماً أن هذه المعاناة سببها الحصار الأمريكي الجائر والعدوان العسكري المتواصل، وليس سببها نقص في الإرادة الوطنية. بل على العكس، فإن معاناته اليومية هي التي تزيده إصراراً على الصمود؛ فالخبز المرير في زمن الحصار أشرف من الولائم في زمن التبعية. لكن الجزيرة، التي تنحاز دوماً إلى المشروع الاستخباراتي الصهيوني الامريكي في الهيمنة، لا تستطيع تقبل هذه الحقيقة، فتحاول أن تزرع الفتنة والنفور من خلال تكرار عبارات مثل "تذمر المواطنين" أو "لوم الحكومة".
والأدهى من ذلك هو التناقض الصارخ بين هذا الخطاب "الشارعي" الذي تقدمه الجزيرة عن التدهور المعيشي وبين التقارير الإخبارية الحقيقية عن "بازار" طهران. فالتجار في البازار، الذين كانوا يعتبرون ذات يوم العمود الفقري للثورة، لم يقوموا بإضراب شامل لإسقاط النظام كما تمنى بعض المحللين في الدوحة، بل كانوا جزءاً من النسيج الوطني المقاوم، يتحملون تبعات الحصار ويبحثون عن حلول داخلية لمواجهة التضخم. إن محاولة الجزيرة لتصوير أي موجة احتجاجات اجتماعية على أنها "ثورة مضادة" هي ضرب من الوهم، بل هي إعادة إنتاج لنفس الفشل الذي لاقته في مصر وتونس واليمن و ستلاقيه في سوريا قريبا ، حيث راهنت على "الربيع العربي" فإذا بالربيع يتحول إلى شتاء قارس من الإرهاب والتقسيم.
بينما تتحدث الجزيرة عن "يأس إيراني"، نجد حقيقة مختلفة تماماً في تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقناة الجزيرة نفسها! في مقابلة أجراها مع القناة مؤخراً، تحدث عراقجي بثقة واضحة قائلاً إن إيران قادرة على هزيمة خصومها حتى لو كانوا مسلحين نووياً، وإن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية هي مجرد "حرب نفسية" قد اعتاد عليها الشعب الإيراني منذ سنوات . هنا تتجلى المفارقة الكبرى: وزير إيراني يستخدم منصة الجزيرة نفسها ليقول إن الشعب الإيراني ليس مكسوراً ولا يخاف، بينما تقوم القناة في تقاريرها الأخرى ببث العكس تماماً! إنها متلازمة انفصام الشخصية الإعلامي لخدمة الإمبريالية الأمريكية و كيانها الصهيوني ، حيث تتحول القناة من أداة لبث التشاؤم إلى منبر لخصومها عندما لا تستطيع تجنب تغطية حقائق الانتصار.
من جهة ثانية، تلجأ الجزيرة إلى أسلوب آخر هو "تطبيع" الهزيمة، وذلك بإضفاء الشرعية على فكرة أن المقاومة ضد واشنطن هي مغامرة غير محسوبة. غالباً ما يُعاد التأكيد في البرامج الحوارية على أن "إسرائيل لا تُقهر" أو أن "أمريكا لديها القدرة على تدمير أي دولة"، متناسية الإخفاقات المتتالية في أفغانستان والعراق، وأخيراً في أوكرانيا. هذا النوع من البروباجاندا يهدف إلى خلق حالة من "العجز المتعلم"، حيث يستسلم الناس نفسياً قبل أن يخوضوا المعركة فعلياً.
لعبة مصر المعادة – كيف أفلست أداة الترهيب نفسها أمام صمود الشعوب؟
لكي نفهم مغزى ما تفعله الجزيرة اليوم في إيران، يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء، إلى مصر وتونس. هناك، في رحم الأزمة السورية، جربت القناة القطرية نفس السيناريو بالحرف الواحد، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً ليس لأن السيناريو كان سيئاً، بل لأنها راهنت على أن المصري أو التونسي أو اليمني في صنعاء سوف يتخلى عن وطنه بسبب شدة الألم. كان خطاب الجزيرة في ذروة الأزمات قائماً على محورين: الأول هو الترويع من "النظام" الذي لا أمل في تغييره دون تدخل خارجي، والثاني هو تضخيم معاناة العربي بشكل يصل به إلى قناعة بأن الثمن أصبح أكبر من أن يحتمل، وأن الاستسلام للخارج هو السبيل الوحيد للنجاة.
كانت الجزيرة تنقل يومياً صور القصف والدمار والمجازر، ليس على أنها جرائم حرب يجب أن توقف، بل على أنها "قدر محتوم" لا فكاك منه طالما بقي السيسي وقيس بن سعيد و الحوثي وحتى بشار الأسد في السلطة. وكانت تبث تقارير عن "نزوح جماعي" و"جوع" و"تعب من الحرب"، وكأن هذه المعاناة يجب أن تتحول إلى ضغط شعبي على الجيش المصري او السوري ليلقي سلاحه ويستسلم. لكن المفاجأة التي أذهلت صناع القرار في الدوحة وواشنطن معاً كانت أن المصري والتونسية و اليمني لم يستسلم، بل صمد. لم يقل الجندي المصري أو المقاومة اللبنانية : "لقد تعبت، سأسمح لإسرائيل باحتلال أرضي"، ولم يقل المواطن السوري: "سأدفع فواتير الكهرباء الباهظة وأصمت".
بل حدث العكس: تحول المواطن المصري والتونسي واليمني إلى عنصر مقاومة بامتياز. فمع أن هناك تضخم عالمي أصاب الدول العربية ، فإن ذلك لم يدفع المصري أو التونسي واليمني في صنعاء إلى الخيانة، بل دفعهم إلى الابتكار في العيش والصمود والمقاومة . لقد أدرك المصري والعربي أن الخيار ليس بين "حياة رغدة" و"حياة مريرة"، بل بين "الكرامة في العسر" و"الذل في اليسر". وهنا كان مكمن الفشل الذريع للأداة الإعلامية الجزيرية: إنها تتعامل مع الشعوب على أنها "آلات استهلاك" لا تحتمل الألم، بينما الحقيقة أن الشعوب الحية تتعامل مع الألم كجزء من كيانها، بل وتستمد منه طاقة هائلة للمقاومة.
ما جرى في مصر و تونس وصنعاء هو أن الشعوب العربية لم ينخدعوا بوعود الجزيرة و"ائتلافاتها" المزعومة. لقد رأوا بعيونهم أن من يهتفون باسم "الحرية" كانوا مجرد غطاء لمشروع تقسيمي إمبريالي هدفه الأساسي نهب النفط والثروات، وتفكيك الجيش الوطني، وتحويل البلاد إلى كانتونات متناحرة تحت الوصاية الإسرائيلية والتركية والأمريكية. صحيح أن شركات متعددة الجنسيات نهبت النفط والثروات، وصحيح أن المستعمر احتل أجزاء من الأرض باسم "الحماية"، لكن الجزيرة سكتت عن ذلك، أو تناوله بشكل عابر، وركزت على جانب واحد فقط: إضعاف الدولة.
والآن، تحاول الجزيرة إعادة نفس اللعبة في إيران بعد أن فشلت في مصر و تونس وصنعاء اليمن المقاوم ، وكأنها لا تتعلم من أخطائها. إنها ترى أن الوضع الإيراني مختلف، لأن العقوبات الاقتصادية أشد، لأن التضخم أعلى، لأن المجتمع الإيراني ربما "أكثر حداثة" وبالتالي أقل تحملاً للمشاق. لكن هذا الحكم خاطئ من جذوره. فالشعب الإيراني، كالشعب المصري والتونسي واليمني ، لديه شعور عميق بالكرامة الوطنية والتاريخ الطويل في مقاومة الهيمنة الأجنبية. إن ذكرى الثورة الإسلامية ونضالها ضد الشاه العميل هي وقود يومي يمنع تسلل سموم اليأس إلى القلوب.
حقيقة الميدان – انتفاضة الديمقراطية الزائفة ومظاهر الانهيار الحقيقية في واشنطن
بينما تقضي الجزيرة ساعات البث في تحليل تفاصيل "انهيار الريال الإيراني" أو "تذمر البازاريين"، فإنها تلتفت بدرجة أقل كثيراً، إن لم تكن معادية، إلى حجم الانهيار الذي يضرب حلفاءها أنفسهم. إن الحرب كانت مفترضة أن تكون "صريعة" لإيران، لكنها تحولت إلى كابوس يطارد صانعيها. لقد بدأ التضخم الأمريكي، الذي كان يُعتبر "مؤقتاً" في خطاب بايدن السابق، يعود ليضرب الاقتصاد الأمريكي بقسوة تحت إدارة ترامب، وأصبحت أثمان السلع الأساسية ترتفع بشكل جنوني، وبدأ الرئيس الأمريكي يخسر شعبيته بشكل متسارع ليس بسبب أخلاقه، بل بسبب جيوب الناخبين . فالمستهلك الأمريكي، الذي يظن الجزيرة أنه "ملك العالم"، يعاني اليوم من ارتفاع الفواتير والديون، ويحتج في الشوارع مثل أي مواطن اوروبي، لكن هذه الاحتجاجات لا تُعرض على شاشة الجزيرة لأنها لا تخدم السردية.
وفي إسرائيل، الأمور ليست أفضل. نتنياهو، الذي راهن على الحرب كمنقذ سياسي له من قضايا الفساد التي تلاحقه، يجد نفسه اليوم في موقف لا يحسد عليه. استطلاعات الرأي تشير إلى أن شعبيته في انهيار حاد، والجيش الإسرائيلي الذي يُفترض أنه "جيش لا يُقهر" يعاني من استنزاف حاد على عدة جبهات، والاقتصاد الإسرائيلي الذي يعتمد على الاستثمار الأجنبي بدأ ينهار مع هروب الشركات ورأس المال خوفاً من توسع رقعة الحرب . والأسوأ من ذلك، أن "وحش" المقاومة الذي ظنوا أنه يمكن قمعه في غزة ولبنان قد كبر وتوسع، وأصبحت إيران، التي كانت تعتبر "الخطر الوجودي"، قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي بعشرات الصواريخ الدقيقة في كل مرة، مما أفقد إسرائيل هيبتها الردعية التي كانت أساس وجودها.
ويبقى الجزء الأكثر إثارة للاهتمام هو حالة "المحميات الخليجية" التي شاركت في العدوان ظناً منها أنها تشتري الحماية الأمريكية، لتكتشف أن ثمن الحماية أغلى من ثمن الحرب نفسها. أنفقت الإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين مئات المليارات على تسليح جيوشها الحديثة وتطوير مدنها الفارهة، وإذا بها اليوم عاجزة عن حماية مجالها الجوي من هجمات إيرانية، أو حتى تأمين شواطئها من هجمات حكومة صنعاء . لقد أدركت بعض هذه المحميات، وفي مقدمتها الإمارات وقطر، أن ضمانات واشنطن لا تساوي شيئاً، وأنها إذا لم تجد قناة اتصال مباشرة مع طهران لحماية مصالحها، فسوف تدفع الثمن وحيدة في النهاية .
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: بينما تبث الجزيرة تقارير عن "عجز إيران"، تتصل الإمارات وقطر سراً مع طهران لطلب "الأمان" وفتح قنوات سرية للتفاهم . وحتى ألمانيا، تلك القاطرة الأوروبية التي كانت صوت أمريكا الأول في أوروبا، بدأت تتبنى موقفاً أكثر اعتدالاً تجاه إيران، مُدركة أن الحرب لن تؤدي إلا إلى موجة لجوء جديدة تطيح باقتصادها الهش أصلاً وموجة غلاء قاتلة . هذه الحقائق تُظهر أن ميزان القوى لم يعد كما كان، وأن "المنتصر" في هذه الحرب قد يكون هو من يصمد أكثر، وليس من يملك أقوى قنبلة.
فواتير الكهرباء وخرائط النفط – عندما فضحت الجزيرة أطماعها بنفسها
لعل البلاغة الأدبية في هذا المقام تتطلب وقفة متأنية أمام واحدة من أكثر صور الخيانة الإعلامية وضوحاً، وهي الطريقة التي تعاملت بها قناة الجزيرة مع الملف الاقتصادي في مصر وتونس واليمن سابقاً ومحاولة تطبيقه الآن على إيران. فالجزيرة، في ذروة الأزمات العربية ، كانت تعرض فواتير المعيشة المرتفعة قليلا مقابل الخدمات المتدنية لتقول للعربي: "انظر كيف يسرقك نظامك، أليس من الأفضل أن تسقطه؟" لكنها كانت تتجاهل عمداً حقيقة أن هذا التدهور لم يأتي من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة للحرب الإرهابية التي مولتها ومولت قنواتها، والحصار الاقتصادي الغاشم الذي فُرض على هذه الشعوب العربية لمنع وصول قطع الغيار ومستلزمات الصيانة.
لقد كانت الجزيرة تتصرف وكأن العربي غبي لا يفهم السبب والنتيجة. فالمواطن البسيط في ريف القاهرة و تونس وصنعاء كان يعرف أن فواتير المعيشة أو انقطاع الكهرباء كانت بعد أن دمر الإرهاب المدعوم من الخارج محطات الكهرباء، لم تكن "خطيئة الانظمة ". بل كان يعرف أنها "جائحة الحرب". وبالتالي، فإن محاولة ربط المعاناة اليومية مباشرةً بشرعية الحكومة كانت مغامرة فاشلة، لأن المواطن يلوم من يسبب له الألم، وليس من يواجه هذا الألم نيابة عنه.
نفس اللعبة بدأت بالظهور في تقارير الجزيرة عن إيران. بعد العدوان الأخير، بدأت القناة تبث تقارير مفصلة عن انهيار قيمة الريال، وارتفاع التضخم إلى 42%، وفقر المواطنين الذين لم يعودوا قادرين على شراء اللحوم . تتعامل الجزيرة مع هذه الأرقام على أنها دليل على فشل "استراتيجية الصمود"، متناسية أن هذه ليست أزمة أولى أو أخيرة لإيران. فإيران تعيش تحت أقسى عقوبات في التاريخ منذ أربعة عقود، وقد استطاعت أن تحول "إرادة البقاء" إلى "تقانة علمية"، فصنعت طائراتها بدون طيار وصواريخها الباليستية ومفاعلاتها النووية ومصافي النفط والغاز وأقمارها الاصطناعية وكل ما تحتاجه من أدوية وغيرها رغم شح الموارد.
المشاهد الحقيقي الذي لا تظهره الجزيرة هو ذلك المشهد الإيراني الذي يقف في طابور الخبز الطويل ثم يذهب للتصويت في الانتخابات؛ ذلك الشعب الذي ينظر إلى صاروخ "شهيد سليماني" وهو ينطلق في السماء كأنه رسالة أمل وليس مجرد أداة قتل. إن الجزيرة، بعقلية النخبة المستهترة، تعجز عن فهم أن الشعوب المتدينة لها مقياس آخر للربح والخسارة لا يرتبط فقط بـ "سعر الدجاج" أو "سعر البنزين". هناك "رأس مال رمزي" اسمه الكرامة، وهناك "ربح أخروي" اسمه الجهاد. وعندما يكون الدين حاضراً في المعادلة، تصبح الحسابات المادية ثانوية.
محاولة الجزيرة إثارة روح "الاستسلام" بإظهار التدهور المعيشي تنم عن فهم سطحي لعلم النفس الاجتماعي للشعوب الشرقية. فالتاريخ يحكي أن الشعوب المستعمرة لم تستسلم يوماً لأنها كانت جائعة، بل استسلمت عندما فقدت الأمل في وجود بديل أخلاقي مقنع. وإيران اليوم تمتلك هذا البديل: فهو كامن في خطاب "المقاومة" الذي أثبت نجاحه في لبنان وفلسطين واليمن. فلماذا تخاف من بعض الفواتير وغالون البنزين بدولار واحد وهي ترى أعداءها يغرقون في مستنقعاتهم؟
الخاتمة – الإعلام بين الإنشاء السياسي والحقيقة التاريخية
في خضم هذه العاصفة الهوجاء من الدعاية المضللة، لا بد من العودة إلى الجوهر: إن قناة الجزيرة ليست مؤسسة إخبارية مستقلة تعاني من أخطاء مهنية عابرة، بل هي ذراع إعلامي لعبة جيوسياسية إقليمية معقدة المخابرات المركزية الأمريكية كما جاء في وثائق ويكيليكس وعلاقة السفير الأمريكي بوضاح خنفر تستهدف رسم خريطة جديدة للمنطقة وفقاً لمصالح محمية قطر الإرهابية و اسيادها في واشنطن واسرائيل . إخفاء هذه الحقيقة خلف شعار "الرأي والرأي الآخر" هو أكبر أكذوبة في تاريخ الإعلام العربي المعاصر. فالأدلة البحثية الأكاديمية، مثل دراسة الباحثة زينب عبد النبي، تؤكد أن الجزيرة طبقت "معايير مزدوجة" صارخة في تغطيتها للربيع العربي، حيث كانت متحيزة بالكامل للسياسة الخارجية القطرية الصهيونية الأمريكية ، متخلية عن أي شعارات مهنية أو موضوعية .
وما يجري اليوم في إيران هو تكرار محاكاتي لما جرى في مصر وتونس واليمن بعد عقد من الزمن، والنتيجة ستكون ذاتها: فشل ذريع لخطاب اليأس أمام حقائق الصمود. فمهما حاولت الجزيرة أن تظهر انهيار الريال أو تكسر الظهر، فإن الوعي الجمعي للشعب الإيراني، الذي استلهم من ملحمة عاشوراء روح التضحية والفداء، هو حصن منيع لا يمكن اختراقه بسموم الشاشات. إن المواطن الإيراني، كاليمني و المصري والتونسي ، يعلم اليوم أن الحرب التي تشن على بلاده ليست حرب ديمقراطية ضد طاغية، بل هي حرب إبادة اقتصادية هدفها تفكيك آخر معاقل السيادة في المنطقة، وجعله عبداً لأسياد جدد في تل أبيب أو واشنطن.
بينما تصر الجزيرة على التغني بهزيمة وهمية، فإن التاريخ يسجل اليوم انتصاراً آخر للإرادة الشعبية. ففي الوقت الذي يشتكي فيه ترامب من التضخم ويستجدي نتنياهو الدعم، وفي الوقت الذي تتسول فيه الإمارات الأمان من إيران سراً، يثبت الشعب الإيراني بوقوفه خلف قيادته أن المعادلة قد انقلبت: لم يعد السؤال هو "متى ستستسلم إيران؟" بل أصبح "متى سيعترف العالم بانتصار إيران؟".
وفي هذا السياق، يبقى على عاتق المثقفين والكتاب الأحرار في العالم العربي واجب مقدس: فضح هذه اللعبة القذرة وكشف الأقنعة عن وجه الجزيرة الحقيقي. إنها ليست "صوت العرب" كما تدعي، بل هي "صوت القصر الصهيو امريكي " الذي لا يهمه من العرب إلا ما يخدم مشاريع التجزئة والتطبيع والتبعية. وعلينا أن نقولها صريحة: إن أي إعلام لا يدعم حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والعدوان هو إعلام خائن، مهما زينتها عبارات "الحياد" أو "المهنية". والجزيرة اليوم، من خلال حملتها ضد إيران، تثبت مرة تلو الأخرى أنها تقف في خندق المعتدي لا في خندق الضحية. فلتذهب الجزيرة ونعاة المقاومة إلى الجحيم الذي يستحقون، وليعيش الشعب الإيراني حراً أبياً، ولتعيش أمة العرب والمسلمين عزيزة بكرامتها، بعيدة عن هذه الأصوات النشاز التي تريد لها أن تموت قبل أن تحيا.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سلاح النمر الورقي التركي : كيف تحول التحديث التكنولوجي إلى ف
...
-
قصة قصيرة : العراف والملكان
-
رواية قصيرة : جدار يبكي في القدس
-
من دولة المؤسسات إلى سلطة الغنيمة الاحتلالية: سوريا بين منطق
...
-
نورد ستريم وأزمة الطاقة و السردية الألمانية الجديدة
-
القارة التي لا تُقصف: لماذا فشل التهديد النووي في ثني إيران؟
-
تفجيرات السيل الشمالي: بين التحقيق الألماني، كشف سيمور هيرش،
...
-
رواية : امارات الفقاعة..سياسية ساخرة
-
مسرحية -طاولتان في الربيع-..كوميديا سياسية
-
مسرحية : «مَلْعَبُ العَبِيدِ وَعَرْشُ البَرَامِيلِ».. كُومِي
...
-
ملف الأوقاف العثماني.. كيف تنظر المحاكم الدولية إلى جرائم عص
...
-
مسرحية -فينيق طهران: كوميديا القواعد الذهبية-
-
يأس ترامب يحول هزيمته إلى خطاب نصر على طريقة هتلر؟
-
أمريكا ترتعش: كيف كسرت حرب الاستنزاف الثانية عرش هيمنتها ؟
-
الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية الإمبريالية من غزة إلى ميناب
-
انتصار طهران الاستراتيجي: قراءة في تحول ميزان القوة العالمي
...
-
شرق لا يرتجف: حين يصبح التهديد مرآةً لا سيفاً
-
إسرائيل – العضلة العسكرية للنظام، لا الدولة..الفصل الاول من
...
-
مقدمة كتاب : غرب آسيا: من نظام التكامل الاستعماري إلى فضاءات
...
-
مسرحية -سرداب المنامة: كوميديا الضمائر المعلبة-
المزيد.....
-
أطول حلوى تيراميسو في العالم تمتد على مساحة أربعة ملاعب كرة
...
-
عن حكم -ممنوع سنجل حريمي-.. أشكال التمييز تُقنن وفق رؤى قضاة
...
-
عن حكم -ممنوع سنجل حريمي-.. أشكال التمييز تُقنن وفق رؤى قضاة
...
-
-السلطة تقدم تنازلات مجانية-.. حزب الله: المفاوضات المباشرة
...
-
مصر تلغي إجراءات الإغلاق المبكر للمتاجر بعد نحو شهر من تطبيق
...
-
ناخبون سويسريون يرفعون الأيادي في اقتراع شعبي عريق في الهواء
...
-
كيم جونغ أون يجدد دعم بيونغ يانغ لموسكو في -حربها المقدسة- ض
...
-
انتهاء مهلة الـ60 يوما - هل يعرقل الكونغرس حرب إيران؟
-
ارتفاع نسبة الإنفاق العسكري العالمي للسنة 11 على التوالي
-
طهران تقدم مقترحا جديدا لواشنطن بهدف إعادة فتح ?مضيق هرمز وإ
...
المزيد.....
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
-
تأملات علمية
/ عمار التميمي
-
في رحيل يورغن هبرماس
/ حامد فضل الله
المزيد.....
|