منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 08:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليست العنصرية ظاهرة حكرًا على مجتمع بعينه، لكنها في الحالة التركية تأخذ أبعادًا مركبة، تمتزج فيها القومية بالتاريخ، والسياسة بالهوية، والخوف من الآخر بإرثٍ إمبراطوري لم يُحسم بعد. هذه التركيبة جعلت العلاقة بين الأتراك وجيرانهم، سواء كانوا شعوبًا داخل الحدود أو دولًا على أطرافها، علاقة متوترة في كثير من الأحيان، تقوم على الشك أكثر مما تقوم على الثقة.
منذ انهيار الدولة العثمانية، سعت الجمهورية التركية إلى بناء هوية قومية صلبة، ترتكز على “التركية” بوصفها الإطار الوحيد المقبول. هذا التوجه، الذي كان مفهومًا في سياق تأسيس دولة حديثة، تحوّل مع الوقت إلى أداة إقصاء، خاصة تجاه المكونات غير التركية مثل الأكراد والعرب والأرمن. لم يكن الأمر مجرد اختلاف ثقافي، بل جرى تصوير هذه المكونات أحيانًا كتهديد داخلي، وهو ما زرع بذور الانقسام داخل المجتمع نفسه.
هذه الذهنية لم تبقَ محصورة داخل الحدود. في علاقات تركيا مع جيرانها، يظهر أثرها بوضوح. فمع اليونان، لا تزال النزاعات التاريخية مشحونة بخطاب قومي حاد. ومع أرمينيا، لم تُحلّ عقدة الماضي، بل تُدار غالبًا بمنطق الإنكار أو التبرير. أما في سوريا والعراق، فقد اختلط الأمني بالقومي، حيث يُنظر إلى بعض المكونات هناك من زاوية تهديد محتمل، لا كشركاء في الجغرافيا والتاريخ.
اللافت أن هذه النزعة لا تقتصر على الدولة، بل تمتد إلى جزء من المجتمع، حيث تُغذّى عبر الإعلام والخطاب السياسي. يتم تصوير الآخر—سواء كان لاجئًا أو جارًا—كعبء أو خطر، مما يبرر سياسات أكثر تشددًا. وهذا ما انعكس بوضوح في التعامل مع اللاجئين السوريين خلال السنوات الأخيرة، حيث تصاعدت لهجة الكراهية، وتحولت إلى مادة انتخابية تُستثمر سياسيًا.
لكن هذه السياسة لها ثمن. فالعلاقات المتوترة مع الجيران تعني عزلة إقليمية نسبية، وتراجع فرص التعاون الاقتصادي والسياسي. كما أن استمرار الخطاب العنصري يضعف من صورة تركيا كدولة تسعى للاندماج مع العالم، خاصة في محيط أوروبي يضع معايير صارمة فيما يتعلق بحقوق الإنسان والتعددية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل وجود أصوات داخل تركيا تعارض هذا المسار، وتدعو إلى الاعتراف بالتنوع والانفتاح على الجوار. هذه الأصوات، وإن كانت أقل تأثيرًا في بعض المراحل، تمثل إمكانية لتغيير حقيقي، إذا ما توفرت لها بيئة سياسية تسمح لها بالظهور.
في النهاية، تبقى العنصرية—بأي شكل كانت—عامل هدم لا بناء. وإذا أرادت تركيا أن تبني علاقات مستقرة مع جيرانها، فعليها أن تعيد النظر في الطريقة التي ترى بها “الآخر”، ليس كتهديد، بل كفرصة للتعاون. فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، لكن طريقة التعامل معها يمكن أن تصنع الفارق بين صراع دائم واستقرار طويل الأمد.
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟