عبدالحكيم سليمان وادي
الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 04:58
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الدكتور/عبدالحكيم سليمان وادي
استاذ العلاقات الدولية
مقدمة
منذ فجر الحضارة، ارتبط المال بالسلطة، فمن سيطر على سك النقود، سيطر على التجارة، ومن سيطر على التجارة، سيطر على البشر. لكن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور في شكل النقود، بل ثورة في جوهرها ذاته. فالعملة الرقمية، وبخاصة العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، لا تبشر فقط بـ"إنهاء عصر الكاش"، بل تنذر بتحول جذري في علاقة الفرد بالدولة، وفي مفهوم الحرية المالية ذاته. في خطاب ألقاه خلال أسبوع هونغ كونغ للتكنولوجيا المالية 2025، أعلن بيل وينترز، الرئيس التنفيذي لبنك ستاندرد تشارترد، أن "كل الأموال ستصبح رقمية"، واصفاً هذا التحول بأنه "إعادة توصيل كاملة للنظام المالي". هذا التصريح، الذي يعكس اتجاهاً كونياً، يفتح الباب أمام سؤال جوهري؛ هل تمثل العملة الرقمية بديلاً مستقبلياً للسيطرة على البشر والتحكم بهم، بما في ذلك مسح رصيدهم الرقمي بسرعة كبيرة، أم أنها تحمل في طياتها إمكانات تمكينية غير مسبوقة للمجتمعات المهمشة.
غير أن هذا السؤال لا يُطرح في فراغ نظري. فبينما تستعد البنوك المركزية في العالم لإصدار عملاتها الرقمية، ثمة مختبر حي تجري فيه بالفعل تجربة "الحرمان المالي الرقمي" كأداة عقاب؛ إنها العقوبات التي تستهدف موظفي المحكمة الجنائية الدولية. هذه الحالة تقدم نموذجاً صارخاً لما يمكن أن يحدث عندما تتحول البنية التحتية المالية الرقمية إلى سلاح، ليس فقط ضد الدول، بل ضد الأفراد.
سؤال إشكالي
في ضوء هذا الجدل المحتدم بين وعود الشمول المالي ومخاطر المراقبة الشاملة، وفي ظل النماذج الحية للعقاب المالي الرقمي، يمكن صياغة السؤال الإشكالي المحوري على النحو التالي:
هل تشكل العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs)، بقدراتها على البرمجة والتتبع اللحظي وإنهاء سرية النقد، أداةً غير مسبوقة للسيطرة الاجتماعية والتحكم السياسي يمكن من خلالها "مسح الأرصدة" وإلغاء الوجود المالي للأفراد بضغطة زر؛ وإذا كان هذا الخطر قائماً، فكيف يمكن تصميم أنظمة نقدية رقمية توازن بين ضرورات الامتثال المالي ومكافحة الجريمة من جهة، وضمان الحريات المدنية والخصوصية الفردية من جهة أخرى؛ وهل السبيل إلى ذلك تقني بالأساس، أم أن المسألة في جوهرها سياسية ودستورية تتعلق بطبيعة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن في عصر التحول الرقمي.
ينبثق عن هذا السؤال المركب أسئلة فرعية ملحة؛ كيف تختلف مخاطر العملات الرقمية السيادية عن أدوات المراقبة المالية القائمة أصلاً في النظام المصرفي التقليدي؛ وهل يمثل اختفاء النقد تهديداً وجودياً للحرية، أم أن المجتمعات سبق أن تخلت عن الكاش في معاملاتها اليومية دون أن تفقد حريتها؛ وأخيراً، هل "برمجة الأموال" تعني بالضرورة "برمجة البشر"، أم يمكن توظيفها لتعزيز قيم أخلاقية كالاستدامة والعدالة الاجتماعية هذا ما سنجيب عليه كما يلي:
أولاً: ما هي العملة الرقمية للبنك المركزي (CBDC)؟ تفكيك المفهوم
لفهم التداعيات العميقة لهذا التحول، لا بد من تعريف دقيق للموضوع. العملة الرقمية للبنك المركزي (CBDC) هي شكل رقمي من العملة الوطنية تصدره الدولة مباشرة، وتكون التزاماً مباشراً على البنك المركزي، وليس على مصرف تجاري كما هو الحال في الودائع المصرفية الحالية. بخلاف العملات الرقمية اللامركزية مثل البيتكوين، أو العملات المستقرة الصادرة عن شركات خاصة، تتميز CBDC بكونها سيادية ومركزية وقابلة للبرمجة والتتبع بطبيعتها.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 130 دولة، تمثل 98% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تستكشف حالياً إصدار عملات رقمية لبنوكها المركزية. بعضها، كما في شرق الكاريبي ونيجيريا، أطلق العملة فعلاً. هذه ليست تجربة هامشية، بل إعادة تشكيل للنظام النقدي العالمي برمته.
تأتي العملات الرقمية للبنوك المركزية في شكلين رئيسيين هما:
-التجزئة (Retail CBDC): موجهة لعامة الناس لاستخدامها في المعاملات اليومية، وتُخزّن في محافظ رقمية. وهذا هو النوع الأكثر إثارة للجدل لأنه يمس حياة الأفراد مباشرة.
- الجملة (Wholesale CBDC): مخصصة للمؤسسات المالية لتسوية المعاملات الضخمة بين البنوك، وهي أقل إثارة للجدل من منظور الخصوصية الفردية.
ثانياً: وعود الثورة الرقمية بالشمول والكفاءة
قبل الغوص في الجانب المظلم، يجب الإنصاف بعرض الحجج التي يسوقها المدافعون عن هذا التحول، يقدم مؤيدو العملات الرقمية للبنوك المركزية أربع حجج رئيسية:
-الأولى: الشمول المالي. هناك أكثر من 1.4 مليار بالغ في العالم لا يملكون حسابات مصرفية. يمكن للعملة الرقمية، عبر تطبيق بسيط على الهاتف المحمول، أن تدخلهم إلى الاقتصاد الرسمي دون حاجة لفرع بنك أو إجراءات معقدة. تجربة نيجيريا مع "إي-نايرا" تسعى تحديداً إلى معالجة الإقصاء المالي في المناطق النائية.
-الثانية: الكفاءة وخفض التكاليف. إصدار النقد الورقي وطباعته ونقله وتخزينه باهظ التكلفة. المدفوعات الرقمية فورية وتختصر زمن التسوية من أيام إلى ثوانٍ، خصوصاً في التحويلات العابرة للحدود حيث تنخفض الرسوم من متوسط 6.5% إلى أقل من 1%.
-الثالثة: تعزيز إيصال السياسة النقدية. في أوقات الأزمات، يمكن للحكومة إيصال الحوافز المالية مباشرة إلى المواطنين دون وسيط. هذا "المال المبرمج" يمكن توجيهه لشرائح محددة، أو لقطاعات بعينها، أو حتى بربطه بإنفاق معين كالغذاء أو الإيجار.
-الرابعة: مكافحة الجريمة والتهرب الضريبي. النقد المادي هو ملاذ التهرب الضريبي وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب. في عالم رقمي بالكامل، تصبح كل معاملة مسجلة وقابلة للتدقيق والمراقبة الأمنية والبنكية، مما يحرم الاقتصاد غير الرسمي والإجرامي من الأكسجين النقدي؛ غير أن هذه الوعود ذاتها تحمل في طياتها بذور التهديد. فما يجعل النظام عادلاً هو نفسه ما يجعله خطيراً.
ثالثاً: الجانب المظلم: المراقبة والتحكم بضغطة زر وعقاب بدون وقوع جريمة.
هنا نصل إلى جوهر القلق الذي تثيره فكرة "إنهاء عصر الكاش"؛ يكمن الخطر الحقيقي في ثلاث خصائص مترابطة للعملة الرقمية السيادية هي:
1. القابلية للتتبع المتأصلة (Traceability by Design): على عكس النقد المادي المجهول بطبيعته، تترك كل معاملة رقمية بصمة يمكن تتبعها. إذا رُبطت هذه البصمة بهوية مواطن مُوثَّقة، تصبح الحكومة قادرة على بناء ملف مالي كامل عن كل فرد؛ ماذا يشتري، أين، متى، ومن يدفع له؛ هذه "الرؤية الشاملة" للسلوك الاقتصادي تتجاوز بكثير قدرات المراقبة الحالية حتى في أكثر الأنظمة بيروقراطية.
2. القابلية للبرمجة (Programmability): هذا هو التهديد الأعمق. المال الرقمي ليس مجرد وسيط للتبادل، بل يمكن "برمجته" بقواعد مضمنة تحدد كيف ومتى وعلى يد من يمكن استخدامه؛ مثلا يمكن لأي حكومة أن تصدر أموالاً بشرط إنفاقها على الغذاء فقط، أو بصلاحية زمنية تنتهي بعد شهر، أو مقيدة جغرافياً، بل أكثر من ذلك، يمكن برمجة النقود بحيث تُجمَّد تلقائياً إذا استخدمت في نشاط "غير مرغوب فيه"، أو للأشخاص الخاضعين للعقوبات من طرف تلك الحكومات ، أو للمعارضين السياسيين وغيرهم.
في وصف بليغ حذّر (معهد كاتو)، وهو مركز أبحاث أمريكي ليبرالي، من أن "الحكومة ستتمكن من الوصول المباشر إلى النشاط المالي لكل مواطن؛ كل نشاطك المالي سيُخزَّن في سجل مركزي تسيطر عليه الحكومة، مع إمكانية تجميد النشاط المالي في لحظة"؛ العبارة المفتاحية هنا هي "في لحظة"؛ مسح الرصيد الرقمي بسرعة كبيرة ليس خيالاً، بل قدرة تقنية متأصلة في النظام ذاته.
3. إدماج المراقبة في أنظمة الرقابة الاجتماعية: في الأنظمة السلطوية تحديداً، يمكن أن تتكامل العملة الرقمية مع أنظمة الائتمان الاجتماعي القائمة، كما يُلاحظ في تجربة اليوان الرقمي الصيني. عندها، لا تكون عقوبة المعارضة سجناً فقط، بل "موتاً اقتصادياً"؛ تُمسح أموالك، وتُمنع من إجراء أي معاملة، وتُستبعد من الاقتصاد تماماً؛ هذا النوع من العقوبة أكثر فعالية ورهبة من السجن ذاته، لأنه يحولك إلى منبوذ اقتصادي لا يستطيع شراء الخبز أو دفع الإيجار.
رابعاً: نماذج حية من المختبر العالمي: معاقبة موظفي المحكمة الجنائية الدولية
قبل الانتقال إلى تحليل الحلول المطروحة، يجدر التوقف عند مختبر حي يُظهر أن "مسح الوجود المالي" ليس خيالاً مستقبلياً، بل ممارسة قائمة. إنها حالة العقوبات التي استهدفت موظفي المحكمة الجنائية الدولية، والتي تكشف كيف يمكن لشبكات المال الرقمي والتكنولوجيا أن تتحول إلى أدوات عقاب تستهدف الأفراد في صميم وجودهم.
1-تجميد الحسابات الشخصية،حيث تعرض المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ، كريم خان، لفصل كامل عن "النظام المالي"، بعد أن أغلقت بنوك بريطانية حساباته الشخصية وتم تجميد أصوله؛ لم يقتصر الأمر على حسابات رسمية، بل امتد ليشمل قدرته على إجراء معاملات يومية؛ هذا الإجراء، الذي يبدو تقنياً وإدارياً، هو في جوهره "مسح للرصيد" وحرمان من الوجود المالي كعقاب أمريكي له بعد قرار المحكمة الجنائية الدولية بإصدار قرار اعتقال المتهم نتن ياهو بارتكاب جرائم حرب في غزة.
2-العزل التكنولوجي والرقمي القاضية الكندية كيمبرلي بروست, لم تُمنع فقط من بنوكها، بل وجدت أن مساعدها الصوتي "أليكسا" من أمازون توقف عن الاستجابة لأوامرها، واختفت كتب إلكترونية من جهازها هذا يتجاوز المال ليشمل "مسحاً" لجوانب من حياتها الرقمية وامتد الحظر التكنولوجي ليشمل البريد الإلكتروني الرسمي للمدعي العام كريم خان حين أوقفت مايكروسوفت بريده الإلكتروني التابع للمحكمة، مما يعني قطع وصوله إلى ملفات قضايا حساسة واتصالات مهنية حيوية.
3-الخنق المالي للعائلات: القاضية البيروفية لوز ديل كارمن إيبانيز كارانزا أوضحت أن العقوبات لم تضربها مهنياً فقط، بل طالت بناتها اللواتي لم يعد بمقدورهن حضور مؤتمرات في الولايات المتحدة أو استخدام أنظمتها المالية. إنها عقوبة تتعدى الموظف في المحكمة الجنائية الدولية،لتطال أسرته مباشرة، هي عقوبة توريثية بالحرمان المالي.
4-أثر "العدوى" على الأبرياء: نتيجة للعقوبات، انسحبت منظمات غير حكومية ومقاولون من مشاريع المحكمة خوفاً من "العقوبات الثانوية" التي قد تطالهم، مما هدد قدرة المحكمة الجنائية الدولية على حماية الشهود وتقديم المساعدات المالية لهم. هذا أثر غير مباشر ولكنه قاتل لعمل المحكمة.
هذه النماذج ليست مجرد حوادث معزولة، بل تجسيد لما يمكن أن يصبح نمطاً؛ استخدام البنية التحتية المالية والتكنولوجية الرقمية لاستهداف الأفراد عبر "منطقة رمادية" لا هي حرب معلنة ولا هي سلام، بل عقاب اقتصادي صامت وشامل يتجاوز الهدف المباشر ليطال محيطه.
خامساً: بين النقد والعملة الرقمية: هل يوجد حل وسط.
في مواجهة هذه التهديدات، ينقسم المدافعون عن الخصوصية بين رافضين كلياً للعملة الرقمية السيادية، وبين مؤمنين بإمكانية تصميمها بضمانات تحمي الحرية الفردية. هذا الانقسام يعكس سؤالاً فنياً وسياسياً معاً: هل يمكن تصميم CBDC "تحترم الخصوصية"؛تقنياً، ثمَّة حلول مطروحة، أبرزها تقنية "إثباتات المعرفة الصفرية" (Zero-Knowledge Proofs)، التي تسمح بإثبات صحة معاملة دون الكشف عن تفاصيلها، تماماً مثل إثبات أن عمرك فوق 18 سنة دون كشف تاريخ ميلادك بالضبط. كما يقترح البعض نظاماً هجيناً؛ معاملات صغيرة مجهولة (حتى سقف معين) تحاكي النقد، ومعاملات كبيرة خاضعة للتدقيق، إضافةً إلى هوية لا مركزية تمنح المستخدم وليس الدولة التحكم في بياناته.
لكن المشكلة، كما يشير بحث صادر عن مركز حوكمة الابتكار الدولي، هي "مشكلة الاتساق الزمني" (Time-Consistency Problem)؛ فحتى لو بُني النظام بضمانات أولية قوية، يمكن للحكومة لاحقاً، بحجة "حالة الطوارئ" أو "مكافحة الإرهاب"، أن تُسن تشريعاً يلغي هذه الضمانات. البنية التحتية التقنية للمراقبة ستكون موجودة وجاهزة، بانتظار الإرادة السياسية لتفعيلها. وهذا ما تفعله الحكومات أصلاً، ففي الولايات المتحدة وحدها، قدمت المؤسسات المالية أكثر من 26 مليون تقرير عن عملائها للسلطات عام 2022 بتكلفة 45.9 مليار دولار، دون أذون قضائية في كثير من الأحيان، العملة الرقمية لا تخترع المراقبة، بل تجعلها أكثر شمولاً وفورية وأقل تكلفة.
سادساً: هل النقود الكاش بريئة، مقاربة نقدية للصراع الخفي.
لفهم الصورة كاملة، يجب ألا نرسم صورة وردية عن النقد المادي كملاذ للحرية؛ فالنقد، في واقع الأمر، هو أيضاً أداة تحكم ولكن بمعنى معكوس:
-النقد المادي الهارب من الرقابة يمكّن الفاسدين والمهربين وتجار المخدرات والممولين للإرهاب بقدر ما يحمي خصوصية المواطن العادي.
-"إقصاء الكاش" لا ينتج فقط سيطرة الدولة، بل ينتج أيضاً سيطرة للشركات؛ عندما تصبح كل معاملة رقمية، تتحكم فيزا وماستركارد وشركات التكنولوجيا المالية في بوابات الدفع، وتفرض رسوماً على كل حركة مالية، وتبني بدورها ملفات استهلاكية عن كل فرد.
-الأهم، النقد المادي يضر الفقراء أكثر مما يضر الأغنياء.
الفقراء هم من يدفعون تكاليف إضافية لاستخدام النقد (التنقل لإيصاله، عدم الفوائد، التعرض للسرقة)، بينما أموال الأغنياء رقمية أصلاً وتدر عوائد؛ في هذا السياق، يمكن القول إن "إنهاء عصر الكاش" قد يكون، في بعض جوانبه، أداة لكسر احتكار الأغنياء للمال الرقمي المدر للعوائد.
هذه النقطة الأخيرة تذكرنا بأن النقاش حول السيطرة معقد. الرأسمال الرقمي يسيطر بقدر ما تفعل الدولة الرقمية، والمعركة الحقيقية ليست دفاعاً عن النقد الورقي، بل دفاعاً عن مواطن له حقوق في العصر الرقمي.
سابعاً: من العالم إلى الوطن العربي-هل ثمة وقاية ممكنة.
بالنسبة للعالم العربي، هذه الإشكالية حادة بشكل خاص. فدول المنطقة تجمع بين أنماط حكم متنوعة تتفاوت في احترام الحريات المدنية، ومجتمعات تعاني أصلاً من ضعف في الحماية القانونية للخصوصية، واقتصادات يعتمد فيها الفقراء على النقد بشكل كبير،وبالتالي اختفاء الكاش في بيئة عربية يمكن أن يعني:
-تعميق تحكم الأنظمة المستبدة في مواطنيها عبر سلاح الاقتصاد بدل السجون.
-زيادة هشاشة الفقراء الذين قد لا يمتلكون هواتف ذكية أو اتصالاً دائماً بالإنترنت.
-القضاء على آخر ملاذ للاقتصاد غير الرسمي الذي يعيش منه ملايين البشر في المنطقة.
ولكن، في الوقت نفسه، يمكن للعملات الرقمية أن تقدم حلولاً حقيقية لأزمات مزمنة كالفساد، وتهريب الأموال للخارج، وعدم وصول الدعم الحكومي لمستحقيه. "برمجة الدعم" بحيث لا يصرف إلا على الغذاء والدواء يمكن أن يكون أداة عدالة اجتماعية حقيقية، إذا اقترنت بدولة قانون ورقابة مستقلة. المسألة ليست في الأداة، بل فيمن يستخدمها وتحت أي إطار.
ختاما، الحرية في تصميم النظام قبل تصميم التكنولوجيا، وفي نهاية التحليل، نعود إلى السؤال الإشكالي. نعم، تحمل العملة الرقمية إمكانات مرعبة للسيطرة على البشر، ومسح أرصدتهم، وتقويض حرياتهم؛ وهي بهذا المعنى "بديل مستقبلي للسيطرة" لا يقل خطورة عن أي أداة استبداد تقليدية. لكنها ليست قدراً محتوماً، لأن تصميمها النهائي لم يُحسم بعد، وهو موضوع صراع سياسي ومؤسسي ودستوري في كل دولة على حدى. وكما يذكرنا البحث الأكاديمي، "المال القابل للبرمجة يكون آمناً وخاصاً فقط بقدر أمان وخصوصية النظام الذي يديره".
المعركة الحقيقية إذن ليست تقنية، بل سياسية ودستورية. التكنولوجيا تحدد الإمكانات (ما يمكن فعله)، أما السياسة والقانون فيحددان القيود (ما يُسمح بفعله). الدرس المستفاد من الدراسات المتاحة واضح؛ لكي تكون العملة الرقمية أداة تمكين لا سيطرة، يجب أن تُحاط بضمانات تسبق إطلاقها، لا أن تُضاف كلاحق تجميلية. هذه الضمانات ينبغي أن تشمل:
1. حماية دستورية للخصوصية المالية تعطل مفعول "مبدأ الطرف الثالث" الذي يحرم البيانات المالية من الحماية الدستورية.
2. حظر قانوني صريح على "المال القابل للبرمجة" المقيد للاستخدام الفردي، والسماح بالبرمجة فقط للمدفوعات المشروطة بموافقة المستخدم.
3. حماية قانونية للنقد المادي، بحيث لا يصبح التحول الرقمي إلغاءً قسرياً للكاش، بل خياراً إضافياً.
4. آليات رقابة مستقلة وشفافة، وإشراك الجمهور في عملية التصميم، تماماً كما يُطلب في حوكمة الذكاء الاصطناعي.
في المحصلة، الجواب على سؤال "إنهاء عصر الكاش للسيطرة على العالم" هو أن الخطر حقيقي وعميق، لكنه ليس قدراً غيبياً. "مسح الرصيد الرقمي بسرعة كبيرة" هو قدرة تقنية متأصلة في العملة الرقمية، لكن تفعيلها من عدمه رهين بالعقد الاجتماعي والسياسي لكل مجتمع. وما حدث لموظفي المحكمة الجنائية الدولية ليس نبوءة تحققت، بل إنذار مبكر. فحين يصبح المال سلاحاً صامتاً، يصبح كل فرد، أياً كان موقعه، عرضة لأن يُمحى اقتصادياً بضغطة زر. وكما يقول أحد الباحثين، "المال القابل للبرمجة لديه القدرة على تبسيط المدفوعات وتقليل الاحتكاك، لا التحكم في كيفية إنفاق الناس. وهو، كأي أداة، يعتمد أثره على كيفية تصميمه واستخدامه". إنها لحظة تأسيسية نادرة، العالم يعيد اختراع النقود، والطريقة التي نصمم بها هذه النقود الجديدة ستقول الكثير عن نوع المجتمعات التي نريد أن نكونها.
المراجع:
· Freiman, Ori. CBDC Governance: Programmability, Privacy and Policies. Centre for International Governance Innovation s Digital Policy Hub Working Papers, 2024.
· Netcoins Blog. What are Central Bank Digital Currencies (CBDCs). November 2025.
· Sezer, Selin. "Programmable Money: Aligning Your Money with Your Values." In Tokenizing the Future. Springer, 2025.
· Damen, Alexis. What is programmable money? Everything you need to know. MONEI Blog, September 2025.
· Cato Institute. CBDC Spells Doom for Financial Privacy. Free Society, Fall 2024.
· Patel, Manisha, Safari Kasiyanto, and André Reslow. Positioning Central Bank Digital Currency in the Payments Landscape. IMF Fintech Note 2024/006, International Monetary Fund, October 2024.
· TipRanks / Business Insider. Standard Chartered CEO Predicts the End of Cash, Saying All Money Will Be Digital . November 2025.
· Król, Patryk Janusz, and Krzysztof Kaczmarek. "CBDC as an Element of the Fight against Financial Exclusion on the Example of Nigeria." Economics and Business Review, Vol. 9, No. 2, 2025, pp. 97–116.
#عبدالحكيم_سليمان_وادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟