أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب و مسرحية المؤسسات: وجوه تتغير ونفس الأزمات تتكرر














المزيد.....

المغرب و مسرحية المؤسسات: وجوه تتغير ونفس الأزمات تتكرر


فريد بوكاس
(Farid Boukas)


الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 19:24
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي


كلما تكاثرت الأحزاب السياسوية بالمغرب، كلما كثر التزوير والاختلاس والنهب والسرقة، وكلما تعددت النقابات، كلما تفاقمت مشاكل العمال الذين يجدون أنفسهم عرضة للتسريح والطرد التعسفي، أفراداً وجماعات، دون حماية حقيقية. وكلما تكاثرت الجمعيات والمنظمات والمنتديات الحقوقية، إلا واستفحل الظلم والطغيان إلى درجات خطيرة، تصل أحياناً إلى الاختطاف والاغتيال والتعذيب، وسجن الأبرياء دون وجه حق. وفي موازاة ذلك، كلما توسعت الشبكات الجمعوية، إلا وازدادت الطموحات الانتهازية، وتحول العمل المدني في كثير من الحالات إلى وسيلة لتحقيق مصالح ضيقة بدل خدمة الصالح العام.


والمفارقة الصادمة أن اتساع رقعة المساجد لم يواكبه بالضرورة ارتفاع في الوعي أو تراجع في الجهل، بل إن مظاهر التخلف ما زالت مستفحلة، في ظل توظيف الدين أحياناً خارج سياقه القيمي والأخلاقي. كما أن ولوج بعض التيارات المتأسلمة إلى المجال السياسي لم يؤدِّ إلى تخليق الحياة العامة كما كان يُروج، بل على العكس، اتسعت رقعة النفاق والمكر والخداع، وتحول الخطاب الأخلاقي إلى مجرد واجهة تخفي ممارسات لا تختلف كثيراً عما كان يُنتقد سابقاً.

بل إن بعض التأويلات المادية للنصوص الدينية، مثل استحضار عبارات من قبيل “وانكحوا ما طاب لكم من النساء”، تُستعمل خارج سياقها القيمي والإنساني، لتبرير سلوكات تفتقر إلى الاحترام والوقار، وأحياناً تُمارس حتى داخل فضاءات يُفترض أنها رسمية ومؤسساتية، مما يعكس عمق الأزمة الأخلاقية التي يعيشها المجتمع.

وفي خضم هذا التراكم الكمي للمؤسسات والهيئات، يغيب السؤال الجوهري: ماذا قدمت هذه الكيانات للمواطن البسيط؟ ذلك المواطن الذي يزداد فقراً وتهميشاً كلما ارتفعت شعارات “الإصلاح” و”التنمية” و”العدالة الاجتماعية”. فالمشهد العام يبدو وكأنه مسرحية متكررة الفصول، يتبدل فيها الممثلون بينما يظل النص ذاته، نص الهيمنة وإعادة إنتاج نفس البنية التي تفرز الاختلالات نفسها.

إن تعدد الأحزاب، الذي يفترض فيه أن يكون مؤشراً على التعددية والديمقراطية، تحول في الواقع إلى مجرد آلية لتفتيت الإرادة الشعبية، وإضعاف أي إمكانية لتشكيل قوة سياسية حقيقية قادرة على التغيير. فالأحزاب، بدل أن تكون مدارس لتأطير المواطنين والدفاع عن مصالحهم، أصبحت أدوات انتخابية موسمية، لا تظهر إلا عند اقتراب الاستحقاقات، لتعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الخطابات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

أما النقابات، التي وُجدت أصلاً للدفاع عن حقوق العمال، فقد أضحت في كثير من الأحيان جزءاً من المشكلة بدل أن تكون جزءاً من الحل. إذ تحولت بعض القيادات النقابية إلى وسطاء بين السلطة والطبقة العاملة، يساومون على الحقوق بدل انتزاعها، ويوقعون اتفاقات لا تعكس حقيقة معاناة الشغيلة، مما يفتح الباب أمام مزيد من الهشاشة والاستغلال.

وفي السياق ذاته، فإن التضخم المهول في عدد الجمعيات والمنظمات الحقوقية لم يواكبه تحسن فعلي في أوضاع حقوق الإنسان، بل على العكس، أصبح المجال الحقوقي نفسه عرضة للاختراق والتوظيف، حيث يتم استعمال بعض هذه الكيانات كواجهة لتلميع الصورة، أو كأدوات لتصفية حسابات سياسية، بينما تستمر الانتهاكات دون محاسبة حقيقية.

ولا يمكن فصل هذا الواقع عن طبيعة النظام السياسي القائم، حيث تظل السلطة الفعلية مركزة، رغم كل مظاهر التعدد والتنوع. فالمؤسسة الملكية، ممثلة في محمد السادس، تظل الفاعل الرئيسي الذي يحدد الإيقاع العام للحياة السياسية، مما يجعل باقي المؤسسات تدور في فلكها وتتحرك ضمن هوامش مرسومة سلفاً.

وفي هذا الإطار، يصبح الحديث عن الإصلاح مجرد شعار يفتقر إلى الإرادة الحقيقية، إذ لا يمكن تحقيق تحول ديمقراطي فعلي دون إعادة النظر في بنية السلطة، وضمان استقلالية المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي، لا شكلي.

أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فإن التناقضات تزداد حدة، حيث تتوسع مظاهر التدين الشكلي في مقابل تراجع القيم الأخلاقية في الفضاء العام. فالدين، الذي يفترض أن يكون منظومة قيمية تهذب السلوك وتحقق التوازن، يتم توظيفه أحياناً لأغراض سياسية أو شخصية، مما يفرغه من مضمونه الروحي، ويحولّه إلى أداة للهيمنة أو التبرير.

وفي ظل هذا الوضع، تتعمق الفجوة بين الخطاب والممارسة، بين ما يُقال وما يُفعل، مما يولد حالة من فقدان الثقة لدى المواطنين في مختلف المؤسسات، سواء كانت سياسية أو نقابية أو حقوقية. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة، لأن فقدان الثقة يعني اهتزاز الأسس التي يقوم عليها العقد الاجتماعي.

إن المغرب، وهو بلد يمتلك إمكانيات بشرية وطبيعية مهمة، يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في نفس النهج الذي أثبت محدوديته، أو الانخراط في إصلاح حقيقي وشجاع يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار، ويؤسس لدولة الحق والقانون، حيث الكرامة والعدالة ليست مجرد شعارات، بل واقعاً ملموساً يعيشه الجميع.

وفي غياب هذا التحول، ستظل الدائرة مغلقة، وسيبقى المواطن يدفع ثمن اختلالات لم يكن طرفاً في صنعها، بينما تستمر النخب في إعادة إنتاج نفسها، مستفيدة من واقع لا يخدم إلا القلة على حساب الأغلبية، في مشهد يعيد طرح نفس الأسئلة المؤجلة حول معنى السياسة، وجدوى المؤسسات، ومصير العدالة في مجتمع يتطلع إلى مستقبل أفضل.



#فريد_بوكاس (هاشتاغ)       Farid_Boukas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المغرب المختطف: سلطة تُحكم وشعب يُقمع
- مهاجرون بأجساد حرة وعقول أسيرة: كيف يطارد الخوف المغاربة خار ...
- حين تُهدم بيوت الفقراء وتُبنى إمبراطوريات العقار: من يحكم ال ...
- قصيدة ساخرة : المغرب ، أبراجُ السلطان… وقبورُ المنسيين
- المغرب: مملكة الخوف… حين يحكم القمع وتنهب الثروات
- المغرب: حين تُدفن الحقيقة في الزنازين وتُكتب الرواية الرسمية ...
- من المطالبة بالكرامة إلى زنزانات السجون: الوجه الخفي للسلطة ...
- قصيدة :المغرب مملكة السراب
- المغرب: الكارثة التي كشفت كل شيء… أين ذهبت 12 مليار دولار؟
- المغرب بين ثرثرة شعب… وصمت وطن: حين يصبح الكلام بديلا عن الك ...
- المغرب بين بريق الصورة وعتمة الواقع… حكاية شعب منهك
- المغرب بين مسرح الطاعة وكواليس الخوف
- المغرب: ثروات بالمليارات وشعب على الهامش: من يحاسب من؟
- المغرب: من دول بناها الشعب إلى نظام يحتكر الدولة بكل مفاصلها
- المغرب : لعنةُ الجوعِ على عرشِ الظلم
- المغرب بين خطاب التنمية ووجع المواطنين: الحقيقة الممنوعة
- حين تلهينا حروب الشرق الأوسط عن أسئلة الكرامة والثروة في الم ...
- الواجهة المزيفة للإنجازات: ثروات المغرب في يد الشركات الملكي ...
- ما بعد الاغتيال: الصحراء الغربية تدخل لعبة الرسائل الأمريكية ...
- إيران والحلفاء الوهميون: عندما تتراجع القوى الكبرى عن وعد ال ...


المزيد.....




- أطول حلوى تيراميسو في العالم تمتد على مساحة أربعة ملاعب كرة ...
- عن حكم -ممنوع سنجل حريمي-.. أشكال التمييز تُقنن وفق رؤى قضاة ...
- عن حكم -ممنوع سنجل حريمي-.. أشكال التمييز تُقنن وفق رؤى قضاة ...
- -السلطة تقدم تنازلات مجانية-.. حزب الله: المفاوضات المباشرة ...
- مصر تلغي إجراءات الإغلاق المبكر للمتاجر بعد نحو شهر من تطبيق ...
- ناخبون سويسريون يرفعون الأيادي في اقتراع شعبي عريق في الهواء ...
- كيم جونغ أون يجدد دعم بيونغ يانغ لموسكو في -حربها المقدسة- ض ...
- انتهاء مهلة الـ60 يوما - هل يعرقل الكونغرس حرب إيران؟
- ارتفاع نسبة الإنفاق العسكري العالمي للسنة 11 على التوالي
- طهران تقدم مقترحا جديدا لواشنطن بهدف إعادة فتح ?مضيق هرمز وإ ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - فريد بوكاس - المغرب و مسرحية المؤسسات: وجوه تتغير ونفس الأزمات تتكرر