عائد زقوت
الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 15:43
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يبدو للوهلة الأولى أنّ التدرّج في تمديد الهدنة مع إيران من أيام محدودة إلى صيغة مفتوحة ليس ارتجالًا سياسيًا أو تقلبًا في القرار لدى دونالد ترامب، بقدر ما هو نمط ممنهج في إدارة الصراع، سبق توظيفه في غزة ولبنان.
وعلى الرغم من أنّ الزمن قد ينقلب، في البيئات المعقّدة، من أداة إخضاع إلى عامل توليد قوة لدى الخصم، فإنّ ذلك لا ينفي قدرته على تحقيق الهدف الأعمق: الإخضاع عبر تفكيك الاستقرار. فبدل الحسم السريع الذي طبع السلوك العسكري الأميركي منذ حرب الخليج الثانية وترسّخ في العراق، يتبلور نموذج يقوم على إبقاء الخصم في حالة استنزاف ممتد لا ينهار بالكامل، ولا يستعيد توازنه بما يسمح بإعادة بناء فعاليته.
وقد أظهرت تجارب العراق وأفغانستان، وكذلك في غزة ولبنان، أنّ هذا النمط ينتج معادلة مزدوجة: خصم قادر على الاستمرار بوصفه مقاومة، لكنه عاجز عن التحول إلى قوة مستقرة تفرض معادلة سيادية مكتملة. هنا، لا يكون الزمن امتدادًا للصراع، بل أداة لإنتاج حالة بينية: لا حرب حاسمة ولا سلم مستقر، بل إدارة دائمة للاختلال البنيوي.
في هذا السياق، لا يُفهم الزمن كقيمة محايدة، بل كمتغير استراتيجي تحكمه أربعة محددات: العسكري، والسياسي ، والاقتصادي، والتكنولوجي. والسؤال الجوهري: لصالح من يعمل؟
أولًا: الإطار الاستراتيجي الأميركي–الإيراني
تنطلق الفرضية من أنّ الهدنة المفتوحة تمثل توظيفًا مقصودًا للزمن كسلاح، يعمل بشكل غير متماثل على طرفين غير متكافئين بنيويًا.
المحدد العسكري
كشفت حرب يونيو 2025 هشاشة في العمق الدفاعي الإيراني، مع اختراق المجال الجوي واستهداف مواقع سيادية حساسة. غير أنّ ما جرى في 2026 لم يكن قطيعة مع تلك النتائج، بل مثّل انتقالًا نوعيًا من اختبار القدرة إلى تثبيت نمط التفوق، حيث تكرّس نمط الاختراق والقدرة على الوصول إلى أهداف عالية القيمة بصورة متكررة، ما يؤشر إلى أنّ الفجوة العملياتية لم تكن ظرفية بل بنيوية. إعادة بناء هذه القدرات تتطلب وقتًا وموارد وتطور تكنولوجي، بينما يعمل الحصار على تقويضها بصورة تراكمية. وحتى مع استعادة جزئية، يبقى التفوق الجوي الأميركي–الإسرائيلي عاملًا حاسمًا لا يُعادله عامل الزمن.
المحدد السياسي
التصدعات داخل بنية القرار الإيراني لم تعد مجرد سردية خارجية، بل أصبحت جزءًا من التقدير الاستراتيجي. المؤشرات الميدانية تعكس وجود تباينات داخلية تؤثر في تماسك القرار، دون الوصول إلى انهيار مؤسسي شامل.
المحدد الاقتصادي
الحصار منذ 2025 لم يعد عقوبات تقليدية فقط، بل تحوّل إلى ضغط جيو–اقتصادي عبر تضييق الخناق على حركة الطاقة والتجارة، خصوصًا عند مضيق هرمز بوصفه شريانًا حيويًا للصادرات الإيرانية. ومع اختبار هذه الورقة عمليًا، تراجعت فاعليتها كأداة ردع طويلة الأمد، لتتحول من وسيلة تعطيل استراتيجية إلى ورقة ضغط محدودة التأثير. وقد أدى ذلك إلى تراجع حاد في تصدير النفط وانهيار العملة، وفرض على إيران عزلة مزدوجة—اقتصادية وسياسية—قلّصت قدرتها على الوصول إلى الأسواق وضيّقت هامش حركتها الدبلوماسية. كما انعكس هذا الواقع على شركائها، إذ باتت الصين أكثر حذرًا، فيما حافظت أوروبا على مسافة محسوبة. الزمن هنا يعمل كآلية إضعاف تراكمي تُعمّق العزلة وتحدّ من القدرة على تمويل النفوذ.
المحدد التكنولوجي
الفجوة في توظيف التكنولوجيا، خصوصًا الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية، تحولت إلى أداة ضغط مباشر. فتعطيل شبكات الكهرباء أو الموانئ أو الاتصالات لفترات قصيرة يُحدث شللًا وظيفيًا دون مواجهة عسكرية مباشرة.
حالة الردع الإيراني: التآكل وإعادة التشكّل
في الحالة الإيرانية، خضعت أدوات الردع التقليدي لاختبارات مكثفة. فالصواريخ الباليستية فقدت جزءًا من أثرها الردعي الحاسم، ومضيق هرمز لم يعد ورقة تعطيل استراتيجي فعّالة طويلًا، بينما تراجعت فاعلية الوكلاء الإقليميين تحت ضغط الاستنزاف.
لكن هذا لا يعني انهيار الردع، بل انتقاله إلى مستوى أدنى وأكثر مرونة، حيث يصبح الردع وظيفة لإدارة الاحتمال لا المنع المطلق. وهو يؤدي غايته ما دام غير مختبَر بشكل شامل، لأنّ اختباره الكامل يحوله من أداة ضبط إلى مواجهة مباشرة تعيد تشكيل التوازنات.
خلاصة ما سبق: الزمن يميل لصالح الطرف القادر على إنتاج ضغط مستدام، لا لصالح الطرف الذي يستهلكه تحت وطأة التآكل البنيوي.
إلى أين يتجه المسار؟
في ضوء فرضية التحليل، يمكن استشراف أربعة سيناريوهات محتملة من الأكثر احتمالًا إلى الأقل:
1. الاستنزاف المستمر والفوضى المدارة
يمتد مسار الهدنة دون تسوية شاملة، مع خروقات محدودة وتوترات بحرية متقطعة، واستمرار الحصار والضغط الاقتصادي على إيران، مقابل مطالب أميركية أوسع تشمل القيود الصاروخية وتقليص نفوذ الوكلاء.
2. صفقة جزئية " ترامبية"
يتبلور اتفاق محدود يعالج الملف النووي بصورة مؤقتة، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات وضمانات أمنية إقليمية، دون حسم الملفات الإقليمية الأخرى.
3. تصعيد محدود وانهيار الهدنة
تفشل الهدنة تدريجيًا نتيجة خروقات متبادلة، ما يؤدي إلى ضربات محدودة وردود محسوبة دون حرب شاملة، مع توسع التوتر البحري أو السيبراني.
4. تحول جذري: اتفاق شامل أو انفجار واسع
إما تسوية شاملة تعيد صياغة التوازنات الإقليمية بشروط صارمة، أو انهيار يقود إلى مواجهة واسعة النطاق.
ثانيًا: حدود فاعلية الزمن
لا يعمل الزمن بصورة خطية أو مضمونة، بل يظل مشروطًا بقدرة الطرف المتفوق على ضبط إيقاعه ومنع الخصم من تحويله إلى مورد بديل. فإطالة أمد الصراع قد تفقد فعاليتها إذا نجح الخصم في إعادة التكيف أو خفض كلفة الاستنزاف.
وهنا تتحدد فاعلية نموذج "الهدنة المفتوحة" بقدرته على إبقاء منظومة الردع في حالة غير مختبرة بالكامل، لأن انتقالها إلى اختبار شامل يعني إعادة تعريف التوازن بدل تثبيته.
ثالثًا: دول الخليج بين الثقل الاقتصادي والهشاشة الأمنية
أظهرت أزمة 2026 مفارقة الخليج البنيوية: مركز طاقوي عالمي من جهة، ونقطة انكشاف أمني من جهة أخرى. فالاضطرابات في الممرات البحرية قادرة على إحداث اختلالات ملموسة في الأسواق والإنتاج.
لذلك، اتجهت دول الخليج إلى تقليل الاعتماد على مضيق هرمز عبر تطوير مسارات بديلة وتوسيع البنية اللوجستية، دون إنهاء مركزية المضيق، بل إعادة توزيع المخاطر.
وتقوم مقاربتها على:
مظلة أمنية أميركية لضمان الاستقرار البحري
شراكات اقتصادية متنامية مع آسيا، خاصة الصين
رابعًا: الصين واستراتيجية النفوذ بلا عسكرة
تواجه الصين معضلة مزدوجة: الاعتماد على تدفقات الطاقة من الخليج، ورفض تحويل أمنها إلى ساحة عسكرة غربية.
لذلك تعتمد أدوات دبلوماسية لمنع احتكار أمن الممرات البحرية، مع الحفاظ على تدفق الطاقة دون التورط في التزامات عسكرية مباشرة.
خامسًا: أوروبا بين التبعية الأمنية والقلق الطاقوي
تتحرك أوروبا كفاعل مُقيّد ضمن المنظومة الأطلسية، يعتمد على المظلة الأمنية الأميركية، وفي الوقت نفسه يتأثر مباشرة بأي اضطراب في أسواق الطاقة والممرات البحرية.
ورغم محاولات تقليل الاعتماد الطاقوي الخارجي، لا تزال أوروبا تفتقر إلى أدوات مستقلة لإدارة توازنات الخليج، ما يجعل دورها أقرب إلى إدارة المخاطر منه إلى صياغة المعادلات.
سادسًا: مصر والقوى الإقليمية
تتموضع مصر كمحور توازن جيوسياسي يربط الخليج بالبحر المتوسط وأفريقيا عبر قناة السويس، بما يجعلها عقدة مركزية في تدفقات الطاقة والتجارة والأمن البحري. ويتعزز هذا الدور مع تطور مشاريع الربط البري عبر سيناء، وفي مقدمتها مشروع جسر الملك سلمان، الذي يفتح إمكانية إنشاء اتصال بري متصل بين الخليج ومصر ثم إلى المتوسط وأوروبا.
هذا التحول لا يضيف بُعدًا لوجستيًا فحسب، بل يعيد تعريف موقع مصر كـعقدة ربط متعددة الوسائط "بحري–بري–طاقوي"، بما يمنحها دور الضرورة البنيوية في هندسة الاتصال بين آسيا العربية وأفريقيا وأوروبا، ويقلّص من احتكار نقاط الاختناق التقليدية.
وعلى مستوى أوسع، يندرج هذا المسار ضمن إعادة تشكيل شبكات التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، عبر مسارات الربط بين الهند والخليج والمتوسط، بما يعيد توزيع حساسية النظام العالمي تجاه الاضطرابات ويعزز دور مصر كنقطة عبور محورية.
أمّا القوى الإقليمية الأخرى بما فيها اسرائيل وتركيا، فتبقى أدوات ضغط وموازنة داخل الشبكة الإقليمية دون قدرة على فرض هيمنة مستقلة.
في نهاية المطاف لا تُقاس التحولات في الشرق الأوسط بحدة الصدامات وحدها، بل بقدرة الأطراف على إدارة الزمن بوصفه موردًا استراتيجيًا. وفي هذا الإطار، لا تبدو الهدنة المفتوحة نهاية للصراع، بل إعادة تشكيل له ضمن مستويات أقل حدة وأكثر تعقيدًا.
فالدول لا تسقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج الاستقرار أو تعطيله. غير أنّ هذا النمط من الاستقرار المعلّق يظل هشًا بطبيعته؛ إذ إنّ الفوضى، حين تُدار بدل أنْ تُحسم، لا تتلاشى، بل تعيد إنتاج نفسها في صور أكثر تركيبًا، وتبقى قابلة للانفجار عند أول اختلال في ميزان الردع أو إدارة الزمن.
#عائد_زقوت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟