أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - نخلةٌ … وجَرّةُ ماء














المزيد.....

نخلةٌ … وجَرّةُ ماء


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 11:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


Facebook: @NaootOfficial

لوحةٌ بالأكواريل رسمها ابني "عمر" وهو طفل: نخلةٌ، تميلُ بجزعها على جَرّة ماء. وضوءُ الشمس آتٍ من اليمين يرمي ظلاله على يسار الجرة والنخلة. وحولهما فراغٌ أبيضُ شاسع كأنّه الصمت. لا تفاصيلُ، لا زخارفُ، ولا بشر. لونان فقط بدرجاتهما. الأخضرُ، والبُنيّ. بساطةٌ مفرطة حدّ التعقيد. شيءٌ ما في هذه البساطة يُربكنا؛ لأننا اعتدنا أن نختبئ في التفاصيل، التي نُراكِمها؛ فلا نعودُ نميّز بين ما نحتاجُ إليه، وما هو فائضُ زحام.
حين نشرتُ اللوحة على صفحتي، هالني الصدى الواسع والتحليلات الجميلة لهذه اللوحة البسيطة التي رسمها طفلٌ متوحّد. ربما لأننا نشتاقُ إلى البراءة. من بين التعليقات أختارُ كلمة الأستاذ "عزّ الدين رضوان"؛ لأنه كتب ما بدا لي نصًّا موازيًا للوحة.
(لما شوفت اللوحة: نخلة وجرة ماء، افتكرت الحديث الشريف: “حسب ابنِ آدمَ لُقيماتُ يُقِمن صُلبَه". وقول المسيح: "للثعالبِ أوجِرَةٌ، ولطيورِ السماءِ أوكارٌ، وأمّا ابنُ الإنسان فليس له أين يسندُ رأسَه”. هو احنا بنتقاتل علي ايه بالضبط؟ هو الصراع اللي عايشين فيه ليه وعلي ايه؟! أصلها مش مستهلة؛ عشان نعيش في سلام، مش محتاجين إلا نخلة وجرة ماء. اللوحة بتقول كده. شوفتها كده.)
انتهى التعليق الجميل، الذي كان غوصًا في قلب اللوحة. التقطَ الخيطَ الخفيَّ الذي نسجه "عمر" ببساطة المتوحدين وتعقيده؛ ربط البساطة البصرية بسؤالٍ وجودي قديم: ماذا نحتاج لنحيا؟ وكم نُثقِل حياتنا بما لا يلزم؟ وهنا، تتسلّل فكرةٌ أخرى: الهدر. ليس وحسب هدر الموارد، بل هدر الحياة. نحن لا نستهلك، بل نُفرط في الاستهلاك حتى نصنع عالَمًا من الفائض الذي لا نحتاجه. نهدرُ الماءَ كما لو أنه لا ينضُب، ونهدرُ الطاقةَ كما لو كانت بلا حدود، ونهدر أعمارنا في سباقٍ محموم نحو المزيد، دون أن نسأل: المزيد عن ماذا؟
في الأثر النبوي: مرّ النبيُّ (ص) برجل يتوضأ فقال: “ما هذا السَّرَفُ يا سعد؟” قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: “نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ.” جملة تكفي لتقويض وهم الوفرة الدائمة. حتى النهر، حيث الماء يبدو بلا نهاية، يظلّ الاعتدال واجبًا. مسألة وعي. وفي الإنجيل، بعد معجزة الخبز والسمك، قال المسيحُ لتلاميذه: “اجمعوا الكِسَر الفاضلة لكي لا يضيع شيءٌ.” حتى المعجزة، بما تحمله من فيضٍ إلهي، لا تبرّرُ الهدر. هناك دائمًا دعوة خفية إلى احترام النعمة مهما بدت وفيرة.
إذا عدنا إلى لوحة "عمر"، سنجد أنها تقول هذا كله دون كلام. النخلة، في اللوحة، لا تقف منتصبةً، بل تميلُ على الجَرّة كأنها تعرفُ غايتها. لا تتباهى، لا تتزاحم، لا تطلب أكثر مما تحتاجه لتمنح: الظلال والثمر والحياة. إنها رمزُ الاكتفاء الذي لا يصرخ، بل يكتفي بأن يكون. والجَرّة، بتكوينها البدائي، تُعيدنا إلى أصل الأشياء: الماء، الطين، البقاء. لا زينةَ فيها، ولا فائضَ، بل وظيفة صافية لا تعرف التكلّف. الجَرّة ليست ممتلئة حدّ الفيض، بل بقدر الحاجة. والنخلة لا تُلقي ثمارها عبثًا، بل بانتظام الطبيعة. والفراغُ الأبيض، في أحد أوجهه، هو نقيض الهدر: لا فائض، ولا زحام، ولا استهلاك زائد. كأن اللوحة تُعيد ترتيب علاقتنا بالأشياء، لا على أساس الامتلاك، بل على أساس الكفاية. أما الفراغ الأبيض ليس نقصًا، بل حضورٌ مختلف. نحن، في عالمنا المكتظ، نخاف الفراغ. نملؤه بالصخب، بالصور، بالكلمات، بالمشاغل التي لا تنتهي. لكن "عمر"، بعفويته، تركه مفتوحًا، نظيفًا وصامتًا، كصفحة لم تُدنَّس. الفراغ هنا ليس غيابًا، بل إمكانية: مساحة سلام.
الأطفالُ، وخاصةً الواقفون على "طيف التوحّد"، يمتلكون القدرة على اختزال العالم. لا ينجذبون إلى الزوائد التي نعتبرها بديهيات. يرون الجوهر. لذا تأتي رسوماتهم، في كثير من الأحيان، محمّلة بصدقٍ حاد، يجرحنا لأنه يُعرّي تعقيداتنا الزائفة. "عمر"، في هذه اللوحة، لم يكن يقدّم درسًا في الاقتصاد والبيئة، لكنه، بعفويته، لامس واحدةً من أعمق أزمات عصرنا: أننا فقدنا حِسّ الكفاية. لم نعد نعرف متى نقول: "هذا يكفي.” ربما لهذا أثارت اللوحة كل هذا الصدى. لأنها لا تقول لنا ماذا نفعل، بل تسألنا: ماذا نفعل بكل هذا الذي نحمله فوق أكتافنا؟ لماذا نُحمّل حياتنا ما لا تحتمل؟ ولماذا نخاف أن نعيش ببساطة، كأننا فقدنا الثقة في أن القليل يمكن أن يكون كافيًا؟ "هو احنا بنتقاتل على إيه؟” نحن لا نتقاتل على ما نحتاجه، بل على ما نُهدره أيضًا. نخلق النُّدرة بأيدينا، ثم ندخل في صراعٍ عليها. ماذا لو كان السلام يختبئ في تلك المساحة البيضاء التي نخافها؟ ربما يكفي: نخلة، وجَرّة ماء، وقليلٌ من الشجاعة لنُصدّق أن هذا يكفي.

***



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل للذكاء الصناعي مشاعرُ؟!
- -اللون الأزرق-… في بيتي زُرقةٌ أخرى!
- تصنيفُ البشر: صُنّاعُ فرح - صُنَّاعُ ويل
- في مكتبة الأسكندرية… -طيف التوحد- يتكلم
- سعفةٌ ذهبية… لقلبِ مصرَ الأخضر
- إعدامُ أسير … ثقبٌ في ضمير العالم
- “دوريس خوري- … عصفورةُ المنفى
- فاجعةُ كرموز… الانتحارُ الممتد
- ماذا يُعذِّبُ المُسنّين؟ دارُ الخصومِ الأربعة
- العيدُ… ونوافذُ مفتوحةٌ على القصف!
- إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-
- الوطنُ للجميع … بأمر الرئيس
- مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!
- الحرب!
- عيد ميلاد -عمر-
- الكرامة الشعرية
- كانت لابسة إيه؟!
- نصومُ معًا… ونُفطرُ معًا
- شهر رمضان
- التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور


المزيد.....




- -دِبْل- مجددًا: بعد تحطيم تمثال المسيح.. جنود إسرائيليون يدم ...
- بين الخطاب الجامع وأدوات الفعل: هل تستعيد -فتح- روحها القياد ...
- مهاجراني: الروح الوطنية تصاعدت اثر الحرب المفروضة الثالثة
- مالي: جهاديون من -جماعة نصرة الإسلام والمسلمين- يعلنون مسؤول ...
- المطران عطاالله حنا: سيبقى الصوت المسيحي في هذه الديار صوتًا ...
- حرس الثورة الاسلامية: اعتقال 155 جاسوساً بينهم 4 يتبعون للمو ...
- سلاح الطائفية: كيف يحاول الاحتلال تفكيك النسيج اللبناني لفرض ...
- صوت من الجنة: رحيل الشيخ ناجي القزاز.. قيثارة السماء
- جدل في مراكش عقب أداء سياح يهود صلوات تلمودية أمام أسوار الم ...
- إدانة عربية وإسلامية واسعة لانتهاكات الاحتلال في القدس وتوسع ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - نخلةٌ … وجَرّةُ ماء