أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟














المزيد.....

حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟


يونس متي

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 03:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




حصر السلاح بيد الدولة يُعد من أكثر الشعارات تداولا في العراق بعد عام 2003 ، وهو في ظاهره مطلب بديهي يرتبط بفكرة الدولة الحديثة وسيادة القانون واحتكار العنف المشروع . فالدستور العراقي لعام 2005 ينص بوضوح على أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الرسمية هي الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح ، وأن أي وجود مسلح خارج هذا الإطار يُعد خرقا للقانون وتقويضا لأسس الدولة . غير أن الانتقال من النص إلى الواقع يكشف عن مشكلة أعمق ، فالشعار لا يكفي وحده ما لم تتوفر الشروط التي تجعله قابلا للتطبيق.
خلال العقدين الماضيين ، تشكل في العراق واقع تتعدد فيه مصادر القوة المسلحة ، بحيث لم يعد من الدقة القول إن السلاح موجود خارج الدولة فقط . فجزء من هذه القوى جرى دمجه بدرجات مختلفة داخل المنظومة السياسية والأمنية ، وأصبح جزءا من توازناتها الداخلية . وبهذا المعنى ، لم تعد الدولة كيانا يحتكر القوة بشكل كامل ، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مراكز نفوذ متعددة ، لكل منها امتدادات سياسية واجتماعية واقتصادية ، وأحيانا إقليمية . هذا الوضع أفرز ما يشبه (الدولة الموازية) ، حيث تمتلك قوى غير رسمية قدرة على التأثير في القرار العام ، بل وأحيانا فرضه من داخل مؤسسات الدولة نفسها.
هذا الوضع أدى إلى إنتاج مفارقة أساسية ، هي أن الدولة مطالبة نظريا بإحتكار السلاح ، لكنها عمليا تعتمد في استقرارها السياسي على توازنات تشمل قوى تمتلك السلاح خارج احتكارها الكامل . وبهذا المعنى ، يصبح السلاح ليس فقط أداة تحدي للدولة ، بل أيضا أحد عناصر استقرارها غير الرسمي.
إن انتشار السلاح بهذا الشكل لا يقتصر على البعد الأمني ، بل يمتد إلى السياسة والمجتمع . فالأحزاب والقوى التي تمتلك أذرعا مسلحة لا تعمل ضمن شروط تنافس سياسي متكافئ ، بل تدخل العملية السياسية وهي تمتلك أدوات ضغط إضافية . وهذا يضعف جوهر الديمقراطية ، ويجعلها أقرب إلى إطار شكلي يدار في ظل اختلال واضح في موازين القوة . وفي الوقت نفسه ، يعزز هذا الواقع الانتماءات الفرعية على حساب الانتماء الوطني ، إذ يجد المواطن نفسه أكثر ارتباطا بهوياته الطائفية أو الحزبية ، في ظل ضعف قدرة الدولة على احتكار الحماية وتوفير الأمان.
كما أن لهذه الظاهرة امتدادات اقتصادية مباشرة ، إذ ترتبط بعض الجماعات المسلحة بشبكات تمويل غير رسمية تقوم على التهريب والجبايات والسيطرة على موارد مختلفة . ومع الوقت ، يتشكل اقتصاد موازي خارج سيطرة الدولة ، يضعف مؤسساتها ويغذي الفساد ويكرس منطق القوة بدل القانون . وفي حالات عديدة ، تتداخل هذه البنى مع شبكات إقليمية ، ما يجعل بعض هذه القوى جزءا من توازنات تتجاوز الإطار الوطني ، وتؤثر في استقلال القرار السياسي.
في هذا السياق ، برز خطاب (المقاومة) بوصفه إطارا يمنح شرعية لوجود السلاح خارج الدولة ، عبر ربطه بمواجهة الاحتلال و داعش . غير أن التجربة العملية أظهرت أن هذا السلاح لم يبق محصورا في هذا الدور ، بل جرى توظيفه أيضا في الصراعات الداخلية ، وأصبح جزءا من أدوات إدارة النفوذ داخل الدولة نفسها . وبذلك تحولت الشعارات الكبرى إلى عنصر داخل مشهد سياسي معقد ، تختلط فيه المواقف المعلنة بحسابات السلطة والتوازنات الداخلية ، من دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على تحقيق نتائج حاسمة في الصراع الخارجي.
ضمن هذا الاطار ، يُطرح بشكل متكرر وبإلحاح في الخطاب السياسي العراقي مطلب حصر السلاح بيد الدولة كحل أساسي . وهو طرح صحيح من حيث المبدأ ، لكنه لا يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الواقع القائم . فالسلاح في العراق لم يعد مجرد ظاهرة خارجة عن الدولة يمكن معالجتها بإجراءات أمنية ، بل أصبح جزءا من بنيتها وتوازناتها الداخلية . ومن هنا ، فإن الدعوة إلى إنهاء هذه الظاهرة دون معالجة الأسباب التي أنتجتها واستمرّت في إعادة إنتاجها تبدو غير كافية ، لأنها تفترض وجود حل بسيط لمشكلة معقدة.
السؤال الجوهري هنا لا يتعلق فقط بضرورة حصر السلاح بيد الدولة ، بل بطبيعة الدولة نفسها . أي دولة يُراد لها أن تحتكر هذا السلاح ؟ هل هي الدولة القائمة التي تتشكل من توازن بين قوى متعددة ، بعضها يمتلك السلاح والنفوذ ؟ أم دولة مختلفة ينبغي إعادة بنائها أولا ، بحيث تصبح قادرة فعليا على احتكار القوة دون منافس داخلها ؟ إن تجاهل هذا السؤال يجعل الشعار أقرب إلى التمني منه إلى البرنامج السياسي القابل للتطبيق.
تجربة العراق بعد 2003 توضح أن الجماعات المسلحة لم تنشأ فقط خارج الدولة ، بل في سياق انهيار مؤسساتها ، وتفكك المجتمع ، وتداخل العوامل الطائفية والسياسية والاقتصادية ، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية . ومع مرور الوقت ، لم تبق هذه الجماعات في موقع الخارج ، بل جرى دمج بعضها أو تطبيع وجوده داخل النظام السياسي ، مما جعل الحدود بين الدولة وخارجها غير واضحة . وهذا التعقيد يجعل من أي معالجة جزئية أو أمنية فقط معالجة محدودة الأثر.
من هنا ، فإن التعامل مع مسألة السلاح لا يمكن أن يكون معزولا عن مشروع أشمل لإعادة بناء الدولة . فالمطلوب لا يقتصر على إجراءات أمنية ، بل يشمل إعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية ، وتفكيك بنية المحاصصة ، وتقليص نفوذ الاقتصاد غير الرسمي ، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة ، والحد من التدخلات الخارجية التي تغذي مراكز القوة غير الرسمية . دون ذلك ، سيبقى الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة هدفا نظريا يصطدم بواقع أكثر تعقيدا.
في النهاية ، لا يمكن فهم السلاح بوصفه مجرد أداة منفصلة عن سياقه ، بل هو تعبير عن توازنات القوة داخل المجتمع والدولة . وعندما يكون هذا التوازن مختلا أو غير مستقر ، يتحول السلاح إلى جزء من آليات التنظيم السياسي والاجتماعي ، لا مجرد انحراف عنه . لذلك ، فإن تجاوز هذه الإشكالية لا يتحقق بالشعارات وحدها ، مهما كانت مشروعة ، بل عبر عملية طويلة لإعادة تشكيل الدولة نفسها ، بحيث تصبح قادرة فعليا على احتكار القوة ، لا على التعايش مع تعددها.



#يونس_متي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أزمة المعايير في اليسار المعاصر
- إقصاء الآخر وإشكالية المواطنة
- عندما تُعامل الدولة ، كغنيمة لا كوطن
- -التحالفات- في تجربة الحزب الشيوعي العراقي
- حين تعجز السلطة عن تحويل العداء للإمبريالية إلى دفاع عن الوط ...
- رواية (ألوان العار) ومرارة التحوّلات الاجتماعية
- شرعية المشاركة والبيئة الانتخابية المختلّة في العراق
- نظام الكوتا بين فرص الإصلاح وحدود التطبيق في التجربة العراقي ...
- مقاومة أم نفوذ ؟ ميليشيات محور إيران وأثرها على السيادة الوط ...


المزيد.....




- تحديث مباشر.. إخلاء ترامب خلال حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض ...
- من هو؟.. ترامب ينشر صورة المسلح المشتبه به بحادث حفل مراسلي ...
- شاهد.. لحظة إخلاء ترامب بعد إطلاق نار في حفل عشاء مراسلي الب ...
- أول تعليق لمدير الخدمة السرية بعد إطلاق النار وإخلاء ترامب ب ...
- أول تعليق لترامب بعد إخلائه من قاعة حفل مراسلي البيت الأبيض ...
- القاعدة ومتمردو الطوارق يتبنون -أكبر هجوم منسّق- في مالي
- بينهم رئيس البرلمان.. ألمانيا تتهم روسيا باختراق هواتف 300 م ...
- من بنسلفانيا إلى ملعب الغولف ثم عشاء البيت الأبيض.. محاولات ...
- بعد حادث العشاء.. قادة العالم يتضامنون مع ترمب ويرفضون العنف ...
- مشاهد هلع وإجلاء.. ماذا أظهرت المقاطع المصورة من حادث إطلاق ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - يونس متي - حصر السلاح بيد الدولة… لكن أي دولة ؟