أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي عبد العال - حروب السرديات (5)















المزيد.....

حروب السرديات (5)


سامي عبد العال

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 03:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الصورة، اللقطة، الشريحة البصرية، جزءٌ من فضاء السرديات. فهي تقول" للعين والعقل" ما لا يُقال صراحةً. وتدمج الاثنين في وسيط ليس قابلاً للتأثير فقط، بل يبقى قيدَ التداول. التفاصيل المرئية تهمس بأنَّ هناك معنى يحرك خيوطاً وراء المَشاهد. في حروب السرديات، الصورة تحكي، الصورة تفضح، الصورة تتلاعب بأفكارنا، الصورة تتداعى، الصورة ترسم سيناريو الأحداث، الصور لا تخرجُ من رأسِكَ، لأنَّ رأسَكَ هو الهدف والغاية رغم كثرة الأهداف الأخرى. إنّها تلحُ على ما تنقله طوال الوقت، خلال كلّ مرةٍ تنظر إليها، ستمارس الصور تجسيداً لما نراه متفاعلةً مع عالمك. الصور ضمن الحروب تؤدي دور الحكاية التي تحاول برمجة ذهنية المتلقي. لكونّها ترسم قصصاً أنت ستكملها عاجلاً أم آجلاً . الصور" شرائح بصرية " تنطلق كالرصاصات التي لن تعود إلى فوهة البندقية مرةً أخرى.

أخطر شيء أنَّ : " الصور لا تخرج من رأسك "، لا تبارح المراكز العصبية وعمليات الإدراك وذكريات الأحداث واضحةً كانت أم غير واضحةٍ. مهما تكن الصورة قديمةً أو كامنةً أو لم ترها منذ فترة، إلاَّ أنها سضرب لك وعداً بالمجئ، لا لشيء إلاّ لكون الصورة "قطعة من وجود " بالغ الدلالة. تعبر بذاتها عما تجسد. صحيح أنَّ مشهد الوجود عام لا يتجزأ، غير أنَّ بعضاً منه يدل على كله. البعض في الدلالة يمثل عناصر الصورة الاجمالية للعالم. ولا يفهم العنصر إلاَّ بجانب الكل المؤسس له، لأنَّ المعنى يربط المفقود من الصورة بالمرئي الذي يلح على انتاج الفكرة. حيث يستحضر ما خفي من جهةٍ ويترك أثراً دالاً على الجانب الأكبر من جهةٍ أخرى. وحدُها الصورة تعبر عن وجودنا مشحونةً بالممارسة أينما كانت. فلا تُوجد صورة خاملةً من زخم التفاصيل.

اتصالاً بذلك، ارتبطت مسار ات الحرب الأمريكية الايرانية بالسرد البصري. جاء البصر في أرض الدول كأبرز الأدوات الحربية المهمة لتفاعل الأحداث. والأخيرة هي مستوى قدرتنا الخاصة على إدارة الصراع. و الصورة تستغل عجزنا عن مواصلة الحياة دون الرؤية. وتستثمر في عالمنا البصري المتحسب من فقدان الاتجاهات المرئية. هكذا نحن كائنات لا نعيش طويلاً إلاَّ في آفاق المعنى. الإنسان كائن قصير العيش في الزمن، حتى وإنْ تجاوز قرناً من الأعوام، ولكنه يستمر في الحياة إنْ استحال وجودُه إلى معنى.

صراع الصور

أشعلت السردية الامريكية تجاه ايران لعبة الصور واللقطات و الأشكال المرئية وحركة الشخصيات وإهاب القادة والتصريحات المتلفزة وفيديوهات الأسلحة والناقلات الحربية والمدمرات العابرة للبحار ولقطات القواعد وحركة الجنود والطائرات المسيرة ... كل ذلك مع وجود احداثيات إلكترونية بصرية. أي تؤسس الالكترونيات الحربية ( صور أقمار صناعية – مواقع جغرافية ديجيتال– خرائط إلكترونية للمواقع – مسارات الربط الالكتروني بين القوات – توجيه الصواريخ بالإحداثيات الافتراضية ...) لمسارات القوات والضربات العسكرية. بتنا واقعين في سيناريو بصري لم ينته بعد، ولكنه سيواصل، حتى يكمل مسيرته في أذهاننا. وغدا المتابع يتأهب بكل أعصابه إزاء ما سيحدث ولا يستطيع التخلص من صورةٍ واحدة. فقد رُشقت في إدراكه مثل السهم النافذ.

احتل دونالد ترامب مركز السرد البصري. أكاذيب ترامب يجسدها الإيقاع المرئي الدال. الأكاذيب لها سيناريو واخراج بصري كأنها حقائق. تهويمات ترامب ترسمها المشاهد أمام الجماهير. حركات ترامب نسيج بصري قابل للرصد لا التحقق. وعلامات وجهه مرآةٌ لما يعتمل في قلب الأحداث، لا بسبب قدرتها على العمل، بل على التجسد والتنفيذ. استباقه البصري في بعض المشاهد أمرٌ معبر عن مسارات الحرب. عندما يقول ترامب في 7 أبريل 2026 محذراً إيران: " إن هناك حضارة ستموت الليلة، ولن تعود إلى الأبد"، فملامح وجهه تعبر عن تهديد ليس جاداً. فهو كلام اسكاتولوجي( أخروي ) لا يحمل واقعاً قريباً، بقدر ما يفتح وعيداً قاتلاً للطرف الآخر، ليست الكلمات اجراءَ، بل رسالة بعنوان الموت. لا تعبر عن شيء منظور في الواقع، بل عن قنبلة خطابية كجزء من السرد الأمريكي. لأن ترامب لا يملك محو حضارة وإن كانت قديمة، ولكنه يملك كلاماً قيد الهواء. ولماذا قال ترامب كلمة حضارة تحديداً؟!

كذب ترامب عبارة عن " حدث فانتازي"، كأنّه يسرد حكاية لا تتوقف عن الهذيان. المدهش أنه يستعمل كافة ألوان السرد البصري: علامات الوجه وحركة الأيادي والأكتاف وألوان الملابس وسيمياء المواقف والابتسامات و صور السخرية والمفارقات. ويحدد الموقف الحالي بتوزيع النظرات الجانبية يميناً ويساراً. وقد يرمق من هو في المقدمة، حتى يصوب النظرات تجاهه مع الكلام. ويضع سيناريو للأكاذيب حتى تبدو مثل الحقيقة. ترامب يكذب كأنّه يتنفس، بشكل سلس ودال على قدرته ككائن حي على التلون. لا سياسة أمريكية دون كذب وأوهام. وجود الامبراطوريات وجود وهمي يرقى إلى درجة الخيال. ترامب كائن مهووس بالصورة حد التعلق بها طوال الوقت. رئيس يتلاعب بالصور كأسلحة حربية على شواطئ العولمة . حتى القصص التي يحكيها عن الملوك والرؤساء قصص مصورة. يقول العبارة بشكل تمثيلي أمام الكاميرا. يرسم الكلمات في شكل صورة ويعطيها قدرة واسعة على التردد وهو يعلم أنَّ الأصداء ستكون على قدر المعاني.

وكجزءٍ من السردية الأمريكية، وضعت اسرائية جدل الصورة والحركة في مقدمة المشاهد. اسرائيل تضع وجودها في هذا المربع لاشعار المتابع بزخم الكيان الصهيوني. هناك: " نزاع بصري سردي" بين الصور الاسرائيلية والصور الأمريكية. أساسه أن اسرائيل تريد جر أمريكا إلى دائرة مخططاتها. وتستبق إلى ذلك لا تحت جنح الظلام، بل في وضح النهار. اسرائيل ظاهرة في الصور التي تسوق للحرب، أي حرب تخوضها. ورغم كونها تحتل موقع الاجرام،إلا أنها تبدو في ثياب الحمل الوديع. تلاعب نتنياهو بصياغة الصور، لأن الجيش الصهيوني تحكم في إدارة الحرب البصرية مع إيران.

لم تنشر اسرائيل صور الدمار نتيجة الضربات الايرانية، ليس من باب الاخفاء، بل من جهة ألا يخضع المتابعون لتدهور المعنى. تاريخ اسرائيل هو تاريخ الصورة الذهنية البراقة. تسويق الصور الموعودة أمام المهاجرين من كل مكان. يظن المهاجرون أنهم سيذهبون إلى المعنى اليوتوبي للحياة الحرة. ومع وجود الموروثات اليهودية، تختلط الصور بالتاريخ التوراتي والحياة المنتظرة لشعب الرب. وترى اسرائيل أن التحكم في الصور لا يقل أهمية عن التحكم في الضربات العسكرية على إيران. وعليها أن تحافظ على الصور دون أضرار في عقول مواطنيها المحتملين.

من ثمَّ تقع الصور تحت الوصاية الصهيونية. فلا تخرج الصواريخ الايرانية عن كونها ألعاباً مشتعلة في أجواء تل أبيب. تسقط فقط في المناطق المفتوحة من الشوارع والساحات. وعليها ألا تقتل ولا تصيب أحداً إلا بأرقام لا تذكر. وتأتي المشاهد من بعيد دون الاقتراب ولا إلقاء الضوء على التفاصيل. وطوال الوقت تصبح الأخبار أخباراً عن قوة القبة الحديدية ( بالعبرية: כיפת ברזל ) هو نظام دفاع جوي بالصواريخ ذات قواعد متحركة.

أي أن اسرائيل حولت الاخبار المتداولة حول الضربات الايرانية إلى سرد عن قوة القبة المانعة. تحول مقصود لا من قبيل الواقع، بل من جانب ألعاب الإلهاء. الواقع شيء والدفاع المضاد للصوايخ شيء آخر. الواقع الاسرائيلي مزري بينما الصورة تحاول تجميله إلى أقصى درجة. ومن وقت إلى آخر، تقطع صور نتنياهو مسار الاحداث الاسرائيلية ليعبر عن قدرته الوهمية على القيادة. وبتكلمم بملامح تبدو قوية ولكنها ذروة الانهيار الذي يتطلب التشبث بالقشة الأمريكية في المنطقة. رئيس وزراء اسرائيل ساقط سقوطاً مدوياً، ومع ذلك لا يبدو في الصورة ضعيفاً. بل يعتير الشرق الأوسط فضاء لتصريحاته.

في المقابل تدخل الكاميرا الامريكية الاسرائيلية إلى شوارع إيران استكمالاً للضربات العنيفة. تصور القصف على أنه قيامة أخروية كانت منتظرة منذ أربعين عاماً. والكاميرا تُشرّح جسد المؤسسات الايرانية. وهي في الحقيقة تنتهك حياة الإنسان كإنسان. لأن الصور الأمريكية عن إيران صور ممعنة في التدمير. مرة تأتي زواياها من الأرض وأخرى تهبط من أعلى وغيرهما ترسم مشهداً غسقياً من بعيد. وخرج دونالد ترامب قائلاً : لقد شهدت إيران تدميراً لم تشهده دولة من قبل. وتتداخل الصور مع الاسلحة لكسر الإرادة السياسية الايرانية. تنقل الصور: أن الحياة متوقفة وأن الضربات ستطال أي مكان. وأمريكا تحاول التركيزو في خطاب الصورة على المؤسسات العسكرية ومواقع الأسلحة كما تقول.

من جهة إيران، ركزت الصور على انتهاكات القصف الأمريكي – الاسرائيلي. أخذت المدرسة التي قتل فيها التلاميذ مكاناً بارزاً. مثلت مفتاحاً لتحريك أنظار العالم والمنظمات الحقوقية تجاه الحرب الدائرة. وكشفت الانتهاك الوحشي لبراءة الأطفال، ما يربو عن المائتين تعرضو ا لقصف مباشر من القوات الامريكية. وظل الايرانيون يرددون السرد البصري لتلك الواقعة. وهو ما يصف ضمنياً ما ارتكبته امريكا من تدمير لمستقبل الدولة الفارسية. ومع أن أمريكا قالت أنها ستبحث الأمر وتحقق في ضرب المدرسة الايرانية، غير أن الصور توارت واختفت في غبار الصراع. وبقت حادثة التلاميذ سردية تستحضر ها إيران من وقت لآخر.

جغرافيا الصور

تمثل الصور جغرافيا الحرب، لا الجغرفيا التي تنقل تضاريس، بل التي ترسم وقائع سردية. تهدف الصور ايجاد مشاهد ثابتة من جانب الطرفين. امريكا – سرائيل نهار استعماري طاغ على كافة سرديات المنطقة. لو تخيلنا الصور تحمل حركة، فهي تحازول استمرار ذاكرة بصرية.

لا تهدف جغرافيا الصور إلى التوثيق، ولكنها تريد الذاكرة. الذاكرة لها فعل السحر في تكوين الرأي والمعنى. وسواء أكانت الصور من هذا الطرف أو ذاك، فهو تغطي أرض الواقع. تنطوي كل صورة أمريكية إلى نزع الصور الايرانية الاحلال محلها. وتتحرش الصور الاسرائيلية بكل صور بإمكانها أن تراها بشكل غير مرغوب. لأنَّ السرد البصري الاسرائيلي سرد انتهازي إلى درجة الهوس. تختلق الصور وتقص صولاراً أخرى وتمزج صوراً مختلفة من أجل رسم سيناريو عبر أدمغة المتابعين. والصور الاسرائيلية عبارة عن جغرافيا بديلة لكيانها الكولونيالي في الواقع.

جرى سرد الضربات الاسرائيلية انتقالاً بين الخارج والداخل.، أي يتم تصوير الآثار المدمرة للقصف الصهيوني داخل العمق الايراني. لتبدو قادرة على تحويل ايران إلى جغرافيا غير آمنة، ثم تنتقل سريعاً إلى صد الضربات الايرانية. في التفاتة إلى كون اسرائيل تمتلك زمام الحرب وتقدم سرداً بصرياً يداعب رغبات مواطنيها. ولا يخفى كون الصور مجالاً للتخييل وطرح البدائل إزاء الأحداث.

عندما انتشرت أخبار مقتل نتنياهو في إحدى الضربات الايرانية، صنع السرد البصري له مقاطع بالذكاء الاصطناعي. كي يكون السرد البصري نافذاً في اتجاه آخر. الآلة السردية الصهيونية تعْلم: أنَّ خروج نتنياهو من القصف الايراني يساوي خروجه واقعياً، وأن الاخبار كاذبة لمعرفة ردود أفعال الجمهور و مواصلة القصف بوتيرة أسرع. ونتيجة هذا، استطاع الكيان الصهيوني جذب الأنظار و تعمية المنظور البصري لإحداث فجوة سردية ضخمة. كان على الأحداث تغطيتها وتسمح بضرب ايران مرات ومرات. والوضع لون من التبرير الحربي لكيفية التجاوز في الصراع القائم.

نجحت السردية الصهيونية في رفع درجة التوتر البصري للمتابعين إلى الذروة، حيث توقعوا مقتل نتنياهو، وكانت العيون تفتش في الصور و اللقطات عن آثار الخبر. ولم يخرج نتنياهو أمام الكاميرات بشكل عاجل. وكان الموضوع مقصوداً. لأن زيادة التكهنات مع الأخبار الكاذبة تحدثان ارتباكاً معلوماتياً لدى الطرف الايراني. والارتباك يجيئ من التوقع الجازم بمقتل رئيس الوزراء، وعندما تأكدت اسرائيل من انتشار التوقع وارتفاع مستويات البحث عنه، ظهر نتنياهو في بعض الاجتماعات الحكومية دون تصديق ولا تكذيب للموضوع. مع أن اخراج السيناريو البصري كان معداً وصنعه خبراء الالكترونيات في الجيش الصهيوني!!

عندما ظهر نتنياهو بدت الصور ة زاهيةً كأن مجرد الظهور انتصار، لأنَّ رئيس الوزراء قد عاد لتوّه من الموت. لندقق في الصور: الصور التي اختفى منها كانت اعلاناً بمقتله وقد تم تداول بعض الصور التي تشير إلى جثته بين الركام وأن أمره بات محسوماً وعلى الكيان الصهيوني الاعلان عن اغتياله. ولكن فجأة تبدو كل تلك الصور غير حقيقية، وأنها تيمات في السردية البصرية المضادة. ليظهر نتنياهو مبتسماً وقد هزم اعداءه وأسقط دلالة الصور التي تحمل جثته. لقد كتبت له الحياة و كتبت أيضاً للكيان الصهيوني. انتصار بصري من لاشيء، خروج من بين الركام، انتصار على صعيد الخيال والذاكرة.

بينما عندما كان يُصوّر المرشد الأعلى للدولة الايرانية( مجتبى خامنئي )، تأتي الصورة لرجل قعيد و في حالة يرثى لها. في الصور الصهيونية انبعث ماهية رئيس الوزراء من بين الرماد كطائر الفينق، ولكن مجتبى خامنئي يأتي قعيداً ويقولون إنه لن يخرج سالماً من الضربات الامريكية. وظلت دلالة الصورة تجسد لا المرشد فقط، بل حال الدولة الايرانية القعيدة فيما يقول ترامب. أرادت الصورة تقول ذلك من زاوية الدعاية الصهيونية. ولم يخلو الشأن من استدراج المرشد الأعلى للخروج إلى الجماهير أيضاً. وفي كل الأحوال ستكون حرب الصور جزءاً من لحمة السرديات الرائجة. فهي تكتب مضمونها بلغة بالغة التشفير. و في الوقت نفسه تتملص الصور من الأطر وتشكل مساحة للبوح والافضاء.

المفارقة أنَّ الصور تحمل هذا الازدواج: دلالة الصراع ودلالة البوُح. دلالة الحركة، دلالة السكون، دلالة الانطواء، دلالة التكشف، دلالة الصدق ، دلالة الخداع. الصور يصعب الهيمنة عليها لكونها معلنة في فضاء قابل للتأويل. ليست الصورة وفيةً لموضوعها إلى نهاية الشوط، لكنها تتجلى وتتعرى. الصور تسير إلى حتفها من أقرب النقاط، رغم أن التفاصيل قد تقول عكس ذلك. الصورة دون بلاغة السرد البصري تقف عند حد الهوس بالواقع. عكس ما هو متداول من كون الصور تُجمله، الصور في حروب السرديات تفتح الآفاق لقراءات مدهشة وبالغة العمق. وبالامكان معرفة الأهداف الكامنة في التفاصيل. فالصور هي التلاعب السردي بالحقائق. لأنّها تخضع لعمليات مونتاج وقص ولصق وإعادة انتاج. حتى ولو لم يحدث في غرف مغلقة، فهناك استراتيجيات لشخوص الصور. أي تكون الاستراتيجيات جزءاً من سياسات المرئي في الصراعات الحربية.

الصور من جانبٍ آخر مرعبة بطبيعتها إلى حد الغرابة. وحدها الصورة هي الرعب الفعلي لا المجازي. المجازي يشكل المشهد تماهياً مع الواقعي. وقد لا توجد نقطة فاصلة بين الاثنين. الواقعي هو المجازي والعكس في لحظة مكثفة وقوية التأثير. ولذلك تكون الصور في حروب السرديات صوراً مضاعفة، لكونها تستعمل بمنطق الصراع. هي تبرز كما لو أنها مستوى من الحياة التي ينبغي أن تتقمص الواقع. ترامب له أسلوب في هذا الاتجاه أنّه يدخل الصورة ويخرج منها بأساليب التعليق والسخرية.

الصورة تقول كونه رئيساً ويكون التلقي علىى مستواه، غير أنه في أكثر الأمور صرامة، يلجأ إلى الهزل والوقاحة والكذب. وهي أشياء تخرجه من الصورة وتدخله إليها، مما يربك الأطراف الأخرى. وتجسد الصورة معنى أن كل شيء ممكن. وجود الذكاء الاصطناعي أتاح للجماهير معاملة ترامب ونتنياهو بالأسلوب نفسه. هناك صور كثيرة لترامب في أوضاع مزريةٍ أو بملابس رثة أو وهو يغني أغاني شعبية نواحاً على أحواله. والوضع يعبر عن أسلوب السخرية التي تُعري طبيعة السرد البصري الذي تلجأ إليه أمريكا في حروبها. إنَّ الصور الساخرة نوعٌ من الدفق البصري الذي يغمر صرامة الصور الحربية. مقاومة بصرية لا ترى في الواقع غير ألعاب تنكشف عن المآرب.



#سامي_عبد_العال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حروب السرديات (4)
- حُروب السرديات (3)
- حروب السرديات (2)
- حروب السرديات (1)
- الايديولوجيا والموت
- الروح و الحرب
- وليمةٌ من بقايا الحُروب
- حقائق لا تُصدق
- كيف يفكر الكاوبوي؟!
- الاستعارات القاتلة (4)
- الاستعارات القاتلة (3)
- الاستعارات القاتلة (2)
- الاستعارات القاتلة (1)
- سلة مهملات كولونيالية
- خبز ٌبدماء الإنسانية
- إضاءة فلسفية .. ما الذي يجعل الجميل جميلاً؟
- صوت فيروز .. الفناء والبقاء
- اللغة... لحمُ الشُعراءِ
- العقل والسلطة في الثقافة العربية
- الكتابة ... الرؤية والزمن


المزيد.....




- مفكر أمريكي: ترمب لم ينتصر في الحرب على إيران ويعيش أزمة عمي ...
- لماذا رفض عبقري الفيزياء -الطائي- العمل ببرنامج العراق الذري ...
- ما دافع المسلح في هجوم حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض؟ تود بلا ...
- لحظة انفجار قنبلة على طريق سريع مزدحم في كولومبيا.. شاهد ما ...
- مصر: مشروع قانون ينص على حبس الزوج وتغريمه حال تزوير حالته ا ...
- -خطوط النفط الإيرانية ستنفجر خلال ثلاثة أيام-.. ماذا قال خبر ...
- قيود جديدة على الهجرة: الإدارة الأمريكية تربط منح -البطاقة ا ...
- مقتل وزير دفاع مالي، في هجمات للمتمردين
- تحقق في تهديد مزعوم باغتيال ترامب من قبل مدير مكتب التحقيقات ...
- رصاص قرب ترامب.. كيف اخترق المسلح الدائرة الأمنية؟


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامي عبد العال - حروب السرديات (5)