منصور رفاعي اوغلو
الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 02:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يُنظر إلى سلوك تركيا في سوريا على أنه نموذج واضح لازدواجية المعايير في السياسة الإقليمية. فالدولة التي تأسست على يد مصطفى كمال أتاتورك على مبدأ العلمانية الصارمة، والتي طالما قدّمت نفسها كنموذج لدولة تفصل الدين عن الحكم، تبدو مستعدة للتخلي عن هذا المبدأ عندما تعبر حدودها جنوبًا.
هذا التناقض لا يمكن تجاهله بسهولة. داخليًا، لا تسمح أنقرة بقيام نظام ديني صريح، بل تحافظ على إطار قانوني ودستوري يمنع ذلك، وتُبقي المؤسسات الدينية تحت رقابة الدولة. لكن في سوريا، دعمت أو تعاملت مع فصائل ذات طابع ديني واضح، وهو ما يطرح سؤالًا مباشرًا: هل العلمانية مبدأ ثابت، أم مجرد أداة تُستخدم حين تخدم المصالح وتُهمل حين تعيقها؟
منتقدو السياسة التركية يرون أن الإجابة واضحة: المسألة لا تتعلق بالقيم، بل بالسلطة والنفوذ. فقيادة رجب طيب أردوغان، بحسب هذا المنظور، تدير السياسة الخارجية بعقلية براغماتية حادة، حيث يتم توظيف كل ما هو متاح – بما في ذلك الدين – كوسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية. في هذا السياق، تصبح الفصائل الدينية في سوريا أدوات نفوذ، لا شركاء أيديولوجيين بالضرورة.
الأمر يتجاوز مجرد “تحالفات ظرفية”. فهناك من يرى أن أنقرة حاولت تشكيل بيئة سياسية في شمال سوريا تكون أقرب إلى رؤيتها ومصالحها، حتى لو كان ذلك عبر دعم قوى لا تتماشى مع نموذجها الداخلي. وهذا ما يثير اتهامات بأن تركيا تسعى لتصدير نموذج نفوذ هجين: ليس علمانيًا بالكامل كما في الداخل، ولا دينيًا خالصًا، بل مزيج يخدم السيطرة ويضمن التبعية.
ومن زاوية أكثر حدة، يُقال إن هذا السلوك يعكس نوعًا من “الانتقائية السياسية”: فالدين داخل تركيا يتم ضبطه وتقييده حتى لا يتحول إلى قوة مستقلة تنافس الدولة، بينما في الخارج يمكن إطلاقه وتوظيفه كأداة ضغط وتأثير. هذا الاستخدام المزدوج يُضعف مصداقية الخطاب الرسمي، ويجعل الحديث عن المبادئ يبدو أقرب إلى غطاء سياسي منه إلى التزام حقيقي.
كما أن هذا التناقض يضع تركيا في موقف حرج دوليًا. فمن جهة، تحاول الحفاظ على صورتها كدولة حديثة ذات مؤسسات، ومن جهة أخرى، تنخرط في صراعات معقدة عبر دعم أطراف ذات طابع ديني، ما يفتح الباب لانتقادات من حلفائها وخصومها على حد سواء. وهذا التذبذب بين خطابين – علماني في الداخل وبراغماتي في الخارج – يخلق حالة من الغموض حول هوية السياسة التركية نفسها.
في النهاية، يمكن القول إن ما يحدث ليس استثناءً في عالم السياسة الدولية، حيث كثيرًا ما تتصرف الدول وفق مصالحها لا مبادئها. لكن في حالة تركيا، يبدو التناقض أكثر وضوحًا وحدّة، لأنه يمس أحد أهم الأسس التي قامت عليها الدولة الحديثة. وهذا ما يجعل سياستها في سوريا هدفًا دائمًا للانتقاد، ويفتح نقاشًا أوسع حول مدى صدقية الشعارات عندما تصطدم بحسابات القوة والنفوذ.
#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟