أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 4















المزيد.....

انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 4


بشرى الفكي

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 14:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحرب على إيران: لحظة انكشاف النظام العالمي
الحروب الكبرى، في لحظات التحول التاريخي، هي نقاط تكثيف تتجلى فيها بنية النظام العالمي في أكثر صورها عريًا، وليست مجرد صدامات عسكرية بين دول كما يظن أصحاب النظرة المتعجلة. إنها اللحظة التي يتخلى فيها النظام عن لغته الدبلوماسية، ويتحدث بلغته الأصلية وهي القوة. غير أن هذه اللغة، حين تُستخدم بكثافة، لا تعبّر عن الثقة بقدر ما تكشف عن القلق، ولا تدل على السيطرة بقدر ما تشير إلى فقدانها. من هذا المنظور، لا يمكن فهم الحرب على إيران بوصفها نزاعًا إقليميًا محدودًا، ولكن بوصفها حدثًا كاشفًا، يفضح حدود النظام العالمي ويكشف عجزه عن إعادة إنتاج نفسه.
لفهم هذا الحدث، لا بد من العودة إلى ما يسميه أنطونيو غرامشي لحظة "الفراغ التاريخي"، حين "يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد"، وهي اللحظة التي تتكاثر فيها ما وصفه بالظواهر المرضية (Gramsci, 1971). هذه ليست مجرد استعارة فلسفية، بقدر ما هي توصيف دقيق للحظة فقدان الهيمنة. فالنظام القديم لا يزال قائمًا شكليًا، يحتفظ بمؤسساته وقواعده، لكنه يفقد قدرته على ضبط التفاعلات التي يدّعي تنظيمها. في المقابل، لم يتشكل بعد نظام جديد قادر على فرض توازن بديل. وفي هذه المسافة بين النظامين، تتكاثر الأزمات، ليس كاستثناء، ولكن لأنها التعبير الطبيعي عن غياب النظام.
ضمن هذا الإطار، تأخذ إيران موقعًا يتجاوز كونها دولة طرفًا في صراع. إنها تمثل عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها أزمات متعددة: أزمة الطاقة، وأزمة الهيمنة، وأزمة التوازن الإقليمي. موقعها الجغرافي، وثقلها في معادلات الطاقة، واستقلالها النسبي عن المنظومة الغربية، كلها عوامل تجعلها نقطة احتكاك داخل بنية النظام العالمي. ولذلك، فإن الصراع معها لا يمكن اختزاله في خلاف سياسي أو أمني، إنه بمعنى أكثر دقة، يعكس توترًا أعمق في بنية النظام نفسه. إن إيران، بهذا المعنى، ليست سبباً في الأزمة، بقدر ما هي إحدى ساحاتها.
وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: ماذا تكشف هذه الحرب عن طبيعة القوة في النظام العالمي المعاصر؟ لقد أشار إيمانويل والرشتاين إلى أن الهيمنة ليست مجرد تفوق عسكري، ولكنها قدرة على تنظيم النظام العالمي عبر مزيج من القوة والشرعية (Wallerstein, 2004). وحين تتآكل هذه الشرعية، تصبح القوة عارية، وتفقد قدرتها على إنتاج الاستقرار. هنا تحديدًا، تتحول الحرب من أداة للسيطرة إلى علامة على فقدانها. فالقوة التي تحتاج إلى الاستخدام المستمر لإثبات نفسها، هي قوة بدأت تفقد قدرتها على العمل عبر القواعد.
إن ما نراه اليوم ليس عجزًا في امتلاك القوة، بل عجزًا في استخدامها بفعالية. وقد بيّن جيوفاني أريغي أن مراحل تراجع الهيمنة تترافق مع الانتقال من الاقتصاد الإنتاجي إلى التوسع المالي، وهي لحظة تدل على نضج النظام واقترابه من حدوده التاريخية (Arrighi, 1994). ففي هذه المرحلة، تصبح السيطرة أكثر صعوبة، لأن النظام نفسه يصبح أكثر تعقيدًا وتشابكًا. كل تدخل في طرف من أطرافه يولد ارتدادات غير متوقعة في أطراف أخرى، مما يجعل القوة أقل قدرة على تحقيق أهدافها.
هكذا، لا تبدو الحرب على إيران حدثًا معزولًا، إنها جزءًا من نمط أوسع يمكن وصفه بـ "عسكرة الأزمات". فحين تفشل الأدوات الاقتصادية في إدارة التناقضات، وتفقد المؤسسات الدولية فعاليتها، يُستدعى العنف كبديل. لكن هذا العنف لا يحل الأزمة، ولكنه يلعب دور الكاشف لها. إنه، بتعبير مجازي، حرارة الجسد التي تدل على المرض دون أن تكون هي المرض نفسه. فالحرب هنا عرض للأزمة، وليست سبباً لها.
ومع تكرار هذه الأنماط، يدخل النظام العالمي في حالة يمكن وصفها بـ "الفوضى المنظمة" كما كررنا مراراً. فالمؤسسات لا تختفي، والقواعد لا تُلغى، لكنها تفقد فعاليتها. وتستمر المنظومة الدولية في العمل شكليًا، لكنها تعجز عن ضبط التفاعلات التي تجري داخلها. وقد أظهرت تحليلات روبرت كوكس أن الهيمنة، حين تفقد قدرتها على تحقيق التوافق، تتحول إلى هيمنة قسرية تعتمد على القوة المباشرة، وهي حالة غير مستقرة بطبيعتها (Cox, 1983).
في هذا السياق، الحروب تصبح جزءًا من آلية النظام، ولا تعود انحرافًا عنه كما في الأنظمة الراسخة. إنها ليست فشلًا في السياسة، بقدر ما هي استمرار لها بوسائل أخرى حين تعجز الأدوات التقليدية. وهذا ما يجعل الحرب على إيران، وغيرها من الصراعات المعاصرة، مؤشرًا على مرحلة انتقالية، لا يمكن فهمها إلا بوصفها جزءًا من عملية إعادة تشكيل النظام العالمي.
التاريخ يخبرنا أن مثل هذه اللحظات لا تمر بهدوء. الانتقالات بين الهيمنات كانت دائمًا مصحوبة بصراعات، وأزمات، وفترات من عدم اليقين. لكن ما يميز اللحظة الراهنة هو عمق التشابك العالمي، الذي يجعل كل صراع محلي ذا أثر عالمي. لم يعد بالإمكان عزل الحروب، لأنها تحدث داخل نظام مترابط إلى درجة تجعل كل حدث فيه ذا صدى واسع.
في النهاية، لا يمكن قراءة الحرب على إيران إلا كعلامة على أن النظام العالمي قد دخل مرحلة يفقد فيها قدرته على تفسير نفسه. النظام القديم لم يعد قادرًا على فرض قواعده، والنظام الجديد لم يتشكل بعد. وفي هذه المسافة بين الاثنين، يصبح العالم أكثر اضطرابًا، ليس لأنه خرج عن النظام، ولكن لأنه لم يعد يمتلك نظامًا مستقرًا. إنها، بلغة غرامشي، لحظة تتكاثر فيها "الظواهر المرضية". لكنها، في مستوى أعمق، لحظة ولادة مؤلمة لنظام جديد لم تتضح ملامحه بعد. فالحروب، مهما بدت عبثية، قد تكون في سياقها التاريخي تعبيرًا عن محاولة العالم إعادة تنظيم نفسه، ولو عبر الألم.
قائمة المراجع
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers.
Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
Cox, R. W. (1983). Gramsci, hegemony and international relations. Millennium: Journal of International Studies, 12(2), 162–175.
Mearsheimer, J. J. (2001). The Tragedy of Great Power Politics. W.W. Norton.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- CNN أمام منزل المشتبه به في إطلاق النار خلال حفل عشاء مراسلي ...
- شاهد الإزهار السريع لنبتة أغاف نادرة بارتفاع يتجاوز 5 أمتار ...
- الرئيس الإسرائيلي يضع شرطا للنظر في طلب العفو عن نتنياهو.. م ...
- جريمة قتل أب لأطفاله الثلاثة طعنا بالسكين تروّع الأردنيين وت ...
- بعد عام من بدء التحقيقات.. نيابة أمن الدولة تضيف متهمًا جديد ...
- ترامب بعد حادثة إطلاق النار: إنها -مهنة خطيرة-- مقال في التا ...
- الأوكرانيون يحيون الذكرى 40 لكارثة تشيرنوبل النووية
- مالي: هل تشكل هجمات الجهاديين والانفصاليين -مأزقا- للمجلس ال ...
- في الذكرى الأربعين لكارثة تشيرنوبل... زيلينسكي يتهم روسيا بـ ...
- سوريا: بدء محاكمة بشار الأسد وشقيقه ماهر غيابيا في دمشق


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 4