أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 3















المزيد.....

انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 3


بشرى الفكي

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 10:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من النظام الأحادي إلى التعدد القطبي القلق: تفكك الهيمنة وصعود عالم بلا مركز
ليست التحولات الكبرى في التاريخ الدولي مجرد انتقالٍ ميكانيكي من قوة إلى أخرى، بقدر ما هي لحظات كثيفة تتكثف فيها التناقضات البنيوية للنظام العالمي، فتظهر على السطح في شكل أزمات، وصراعات، وحروب تبدو منفصلة، لكنها في حقيقتها تعبير عن تحوّل أعمق. وما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع لقوة بعينها، بل تفكك لنمطٍ كامل من تنظيم العالم.
لقد تأسس النظام العالمي المعاصر، في مرحلته الأخيرة، على فكرة الهيمنة الأحادية، أن تكون هناك قوة قادرة على تنظيم التفاعلات الدولية، وضبط الصراعات، وفرض قواعد اللعبة. لكن هذه الفكرة، التي بدت ممكنة بعد نهاية الحرب الباردة، لم تكن إلا لحظة عابرة في تاريخ أطول من الصراع والتوازن.
بعد نهاية القرن العشرين، بدا وكأن العالم قد دخل مرحلة جديدة، حيث تراجعت المنافسة بين القوى الكبرى، وظهرت قوة واحدة في موقع القيادة. غير أن هذا الوضع لم يكن "نهاية التاريخ" كما رُوّج له، وإنما كان استثناءً تاريخيًا قصيرًا. وتشير تحليلات النظام العالمي إلى أن الهيمنة ليست حالة دائمة، لكنها مجرد مرحلة ضمن تسلسل تاريخي من القوى المهيمنة، حيث تنتقل القيادة من قوة إلى أخرى عبر الزمن، من هولندا إلى بريطانيا إلى الولايات المتحدة. وهذا التسلسل يعكس طبيعة النظام نفسه، الذي يعيد إنتاج الهيمنة ثم يقوضها، ولا يعكس فقط تغير موازين القوة. وبعبارة أدق، النظام العالمي لا يسمح بهيمنة أبدية، لأنه يقوم على ديناميكيات تولّد المنافسة باستمرار.
وقد قدّم جيوفاني أريغي أحد أهم المفاتيح لفهم هذه التحولات عبر مفهوم "الدورات النظامية للتراكم". فكل مرحلة هيمنة تمر بمرحلتين، المرحلة الأولى تتمثل في التوسع المادي (الإنتاجي)، ومن ثم تأتي المرحلة الثانية وهي مرحلة التوسع المالي (المضاربات والتمويل)، وحين ينتقل النظام من الأولى إلى الثانية، يكون قد دخل مرحلة الشيخوخة. إذ تتحول الأرباح من الإنتاج إلى المضاربة، ويصبح رأس المال عاجزًا عن إيجاد مجالات توسع حقيقية. وهذه اللحظة ليست مجرد تحول اقتصادي، إنها إشارة إلى أزمة أعمق، تراجع القدرة الإنتاجية، تصاعد التنافس بين القوى، وانتشار ما يسميه أريغي "الفوضى النظامية"، وقد بيّن أن الانتقالات بين الهيمنات تترافق دائمًا مع فترات اضطراب وغياب الاستقرار، حيث ينهار النظام القديم قبل أن يتشكل الجديد.
وغالبًا ما يُقدَّم "التعدد القطبي" كبديل مستقر للنظام الأحادي، لكن هذا التوصيف يخفي أكثر مما يكشف. فالتعدد الحالي لا يشبه توازن القوى الكلاسيكي، بقدر ما هو حالة انتقالية غير مكتملة. ووفقًا لتحليل النظام العالمي، فإن الفترات التي تضعف فيها الهيمنة لا تؤدي فورًا إلى نظام جديد، بل إلى إعادة توزيع غير مستقرة للقوة، حيث تتعدد المراكز دون وجود قواعد واضحة لتنظيم التفاعل بينها. وفي هذه الحالة، لا توجد قوة قادرة على فرض النظام، كما لا يوجد توازن مستقر يمنع الصراع، وإنما تتداخل المصالح والتناقضات في شبكة معقدة، وهنا، يتحول العالم من نظام "مركزي" إلى فضاء مفتوح على احتمالات متعددة، حيث يصبح الصراع أكثر احتمالًا. وكما يشير أنطونيو غرامشي، فإن الأزمة التاريخية تتجلى حين "يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد"، وهي اللحظة التي تظهر فيها أكثر الظواهر اضطرابًا وحدة كما سماها ظواهر مرضية. وفي هذا الفراغ، لا يسود النظام، بينما تتكاثر "الوحوش" التي هي تعبير عن عجز العالم عن إعادة تنظيم نفسه.
ولا يعني تراجع الهيمنة غياب النظام بالكامل، لكنها تعني تحوّله إلى شكل جديد يمكن وصفه بـالفوضى المنظمة، حيث تستمر المؤسسات، وتبقى القواعد، لكن فعاليتها تتآكل، وتشير الدراسات الحديثة إلى أن فترات الانتقال بين الهيمنات تتسم بـتصاعد التنافس على الموارد والأسواق، عسكرة التفاعلات الدولية، وتزايد عدم اليقين في العلاقات الدولية، وهذا ما يجعل الحروب في هذه المرحلة ليست استثناءً، بقدر ما هي جزءًا من آلية إعادة تشكيل النظام.
وفي غياب قوة مهيمنة قادرة على ضبط النظام، يصبح الصراع أداة لإعادة توزيع القوة. الحروب، والأزمات، والتوترات ليست فقط نتائج للانهيار، بل أيضًا وسائل لإعادة بناء التوازن. وضمن هذا الإطار، لا يمكن فهم الصراعات الكبرى المعاصرة (بما فيها المواجهات المرتبطة بـ إيران) كأحداث معزولة، وإنما كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام العالمي. ففي لحظات الانتقال، تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، وتتداخل الصراعات الاقتصادية والعسكرية، وتتحول المناطق الاستراتيجية إلى ساحات اختبار للنظام الجديد.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد انتقال من نظام إلى آخر، ولكن يمكننا تسميته أزمة بنيوية للنظام العالمي. فالنظام لم يعد قادرًا على أداء وظائفه الأساسي في ضبط التوازنات، إدارة الأزمات، وإنتاج الاستقرار. وبحسب تحليل النظام العالمي، فإن مثل هذه اللحظات تمثل نقاط تحول تاريخية، حيث يصبح مستقبل النظام مفتوحًا على احتمالات متعددة، وليس مسارًا محددًا مسبقًا.
إن الانتقال من النظام الأحادي إلى التعدد القطبي ليس مجرد تغيير في توزيع القوة، ولكنه تحول في طبيعة النظام نفسه. إنه انتقال من عالمٍ يمكن فهمه عبر مركزٍ واحد، إلى عالمٍ بلا مركز واضح، تتعدد فيه القوى، وتتشابك فيه المصالح، وتتعقد فيه التفاعلات. وفي هذا العالم، لم تعد الهيمنة ممكنة بالشكل القديم، ولم يتشكل بعد نظام بديل مستقر، ونتيجة لذلك أصبحت الفوضى جزءًا من بنية النظام، لا انحرافًا عنه، وهكذا، فإن ما نعيشه ليس نهاية نظام فقط، بل بداية مرحلة تاريخية جديدة، لم تتحدد ملامحها بعد. إنه عالم يتشكل عبر الصراع، وليس عبر الاستقرار.
قائمة المراجع
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.
• Arrighi, G. (1997). Financial expansions in world historical perspective. New Left Review.
• Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
• Wallerstein, I. (1974). The Modern World-System I. Academic Press.
• Chase-Dunn, C., & Grimes, P. (1995). World-systems analysis. Annual Review of Sociology, 21, 387–417.
• Frank, A. G. (1998). ReOrient: Global Economy in the Asian Age. University of California Press.
• Modelski, G. (1987). Long Cycles in World Politics. University of Washington Press.
• EBSCO Research Starters. (n.d.). World-Systems Theory.
• University of California (IROWS). (n.d.). Hegemonic sequence in world-systems theory.
• Robinson, W. I. (2011). Global capitalism theory and the emergence of transnational elites.



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- CNN أمام منزل المشتبه به في إطلاق النار خلال حفل عشاء مراسلي ...
- شاهد الإزهار السريع لنبتة أغاف نادرة بارتفاع يتجاوز 5 أمتار ...
- الرئيس الإسرائيلي يضع شرطا للنظر في طلب العفو عن نتنياهو.. م ...
- جريمة قتل أب لأطفاله الثلاثة طعنا بالسكين تروّع الأردنيين وت ...
- بعد عام من بدء التحقيقات.. نيابة أمن الدولة تضيف متهمًا جديد ...
- ترامب بعد حادثة إطلاق النار: إنها -مهنة خطيرة-- مقال في التا ...
- الأوكرانيون يحيون الذكرى 40 لكارثة تشيرنوبل النووية
- مالي: هل تشكل هجمات الجهاديين والانفصاليين -مأزقا- للمجلس ال ...
- في الذكرى الأربعين لكارثة تشيرنوبل... زيلينسكي يتهم روسيا بـ ...
- سوريا: بدء محاكمة بشار الأسد وشقيقه ماهر غيابيا في دمشق


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 3