أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - العراق تحت ضغط الدولار: الاقتصاد كساحة صراع بين الدولة والميليشيات














المزيد.....

العراق تحت ضغط الدولار: الاقتصاد كساحة صراع بين الدولة والميليشيات


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 17:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يشهد العراق في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر الأزمات المركبة تعقيدًا منذ عام 2003، حيث تتداخل الأبعاد المالية والأمنية والسياسية ضمن سياق إقليمي ودولي متوتر، يتسم بصراع غير مباشر بين الولايات المتحدة وإيران على الساحة العراقية. ولم يعد بالإمكان فهم القرارات الاقتصادية بمعزل عن هذا السياق، إذ تحولت الأدوات المالية، وفي مقدمتها تدفقات الدولار، إلى عنصر فاعل في معادلة النفوذ والضغط الاستراتيجي. وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى قرار واشنطن بتعليق أو تقييد تسليم شحنات من الدولار النقدي، إلى جانب تقليص بعض أوجه التعاون العسكري، بوصفه إجراءً تقنيًا أو ظرفيًا، بل باعتباره تعبيرًا عن توظيف واعٍ لما يمكن تسميته “القوة المالية” كأداة لإعادة تشكيل سلوك الدولة العراقية في المجالين الأمني والسياسي.
تستند هذه السياسة إلى بنية مالية خاصة بالعراق نشأت في مرحلة ما بعد 2003، حيث تُودع عائدات النفط، التي تمثل أكثر من 90% من إيرادات الدولة، في حسابات خارجية مرتبطة بالنظام المالي الأمريكي، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. هذا الترتيب يمنح واشنطن قدرة استثنائية على التأثير في توقيت وحجم تدفق السيولة نحو الداخل العراقي، ما يجعل الاقتصاد العراقي عرضة لآلية تحكم خارجية مرنة. ومن هنا، فإن تأخير تسليم شحنات نقدية، أو تشديد الرقابة على التحويلات، لا يُفهم بوصفه خللًا إداريًا، بل كجزء من استراتيجية ضغط ديناميكية، تقوم على مبدأ “التقييد الانتقائي للسيولة”، حيث لا يتم قطع التدفقات بالكامل، بل التحكم بها بشكل يسمح بتصعيد الضغط أو تخفيفه وفقًا للسلوك السياسي والأمني للحكومة العراقية.
ويكتسب هذا الضغط المالي بعدًا أعمق عندما يُربط مباشرة بملف الجماعات المسلحة داخل العراق، إذ ترى الولايات المتحدة أن بغداد لم تتخذ حتى الآن إجراءات حاسمة لضبط هذه الفصائل أو تفكيك بنيتها العسكرية المستقلة، رغم تكرار الهجمات التي تستهدف مصالح أمريكية، بما في ذلك المنشآت الدبلوماسية والعسكرية. وبهذا المعنى، يتحول الدولار إلى أداة ردع غير مباشرة، تُستخدم لمعاقبة الدولة على أفعال فاعلين غير رسميين، في سياق يعكس تعقيدات مفهوم السيادة في الدول الهشة. فالعجز عن احتكار العنف لا يبقى مسألة أمنية داخلية، بل يتحول إلى عامل يؤثر في موقع الدولة ضمن النظام المالي الدولي، ويعرّضها لضغوط خارجية متعددة الأبعاد.
في المقابل، يجد العراق نفسه أمام معادلة بالغة التعقيد، إذ لا يمكنه الاستغناء عن الدعم المالي والتقني الأمريكي دون المخاطرة بانهيار اقتصادي محتمل، وفي الوقت ذاته لا يستطيع تجاهل النفوذ الإيراني المتجذر داخل بنيته السياسية والأمنية. إن استمرار العلاقة بين بعض الفصائل المسلحة وطهران، وحضور شخصيات إقليمية مؤثرة في المشهد العراقي، يعكسان عمق هذا التشابك، ويؤكدان أن القرار العراقي لم يعد نتاج إرادة داخلية خالصة، بل نتيجة توازنات دقيقة بين قوى متصارعة. وفي ظل هذا الواقع، تتحول الدولة إلى ساحة تفاعل بين ضغوط خارجية وفاعلين داخليين، ما يحدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة.
تتجلى خطورة هذه الدينامية في انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية المباشرة، إذ إن تقييد تدفق الدولار يؤدي إلى اضطراب في استقرار سعر الصرف، نتيجة اعتماد السوق العراقية على العملة الأمريكية في الاستيراد والتسعير. ومع شح الدولار، يرتفع سعره في السوق الموازية، ما يؤدي إلى تراجع قيمة الدينار وارتفاع أسعار السلع، خاصة المستوردة، وهو ما ينعكس في زيادة معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. وفي ظل اقتصاد ريعي يعتمد على الإنفاق الحكومي، يبرز خطر أكثر حساسية يتمثل في احتمال تأخر أو تعثر دفع رواتب الموظفين، الذين يشكلون شريحة واسعة من المجتمع، ما قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية عميقة تشمل ارتفاع معدلات الفقر وتصاعد الاحتقان الشعبي.
ولا يقتصر التأثير على الجانب المالي المباشر، بل يمتد إلى مجمل النشاط الاقتصادي، حيث يؤدي نقص الدولار إلى صعوبات في تمويل الاستيراد، وتعطّل جزئي في حركة السوق، وظهور قنوات موازية غير رسمية لتأمين العملة الصعبة، ما يعزز من ظواهر المضاربة والفساد. وفي مثل هذا السياق، تصبح الأزمة الاقتصادية عاملًا محفزًا لعدم الاستقرار السياسي، إذ يمكن أن تتحول الضغوط المعيشية إلى موجات احتجاج، خاصة في بيئة تعاني أصلًا من ضعف الثقة بمؤسسات الدولة.
ومن زاوية تحليلية أوسع، يمكن فهم هذه الحالة ضمن إطار “الترابط القسري بين الأمن والاقتصاد”، حيث تُستخدم الأدوات المالية لإعادة تشكيل التوازنات الأمنية داخل الدولة. كما تعكس الحالة العراقية نموذجًا لما يمكن تسميته بـ“السيادة المقيدة”، حيث تمتلك الدولة مؤسسات رسمية، لكنها تفتقر إلى السيطرة الكاملة على مواردها وقرارها الأمني، نتيجة تداخل النفوذ الخارجي مع تعدد مراكز القوة الداخلية. وفي هذا السياق، لا يُستخدم الدولار فقط كوسيلة مالية، بل كأداة لإعادة هندسة موازين القوة، حيث يتحول التقييد الاقتصادي إلى وسيلة ضغط تهدف إلى دفع الدولة نحو إعادة ضبط علاقتها بالفاعلين المسلحين.
في ضوء ما سبق، يتضح أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بشحنات نقدية أو إجراءات مالية مؤقتة، بل تعكس خللًا بنيويًا عميقًا في طبيعة الدولة العراقية وموقعها ضمن النظامين الإقليمي والدولي. فالعراق يقف أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن يعيد بناء مؤسساته على أساس احتكار الدولة للعنف وتعزيز استقلال قراره المالي، أو أن يستمر في حالة التوازن الهش بين ضغوط خارجية ونفوذ داخلي متشعب، مع ما يحمله ذلك من مخاطر الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي. وفي كلتا الحالتين، يبقى المواطن العراقي هو المتأثر الأول، في معادلة تُدار فيها الصراعات الكبرى عبر أدوات مالية وأمنية، على حساب الاستقرار الداخلي ومستويات المعيشة.



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قاآني في بغداد… القرار العراقي بين يد الدولة وظل الحرس الثور ...
- الشجرة الخبيثة: قراءة سوسيولوجية في أسطورة وطنية
- هدنة الأكاذيب… حرب خسرها الجميع ويُعلنها كل طرف انتصارًا
- النصر كخدعة كبرى: كيف تُدار الهزائم في العقل العربي
- بين وهم الاتفاق ولعبة الوقت… هل يفاوض ترامب أم يقترب من الحر ...
- بين اغتيال لاريجاني وغياب مجتبى خامنئي: هل بدأت مرحلة تفكك ا ...
- ولاية الفقيه بين الرمز والواقع: قراءة في خطاب مجتبى خامنئي
- الدولة الأمنية بين أسطورة الحصانة وواقع الاختراق: قراءة في ا ...
- بين خطاب الحسم وتحذير الجنرال: هل تقترب الحرب… وأين يقف العر ...
- الشرق الأوسط على حافة التصعيد: العراق في قلب العاصفة المقبلة
- الجنيّة التي أنقذت السردية: قصة أم كلثوم كما لم تُحكَ
- بين الردع والعقيدة: لماذا لا يريد ترامب الحرب مع إيران
- نوري المالكي ومعنى الدولة المفقود: الطائفية، السلطة، وانهيار ...
- قراءة في منطق الردع وإدارة الخوف في التوتر الأميركي–الإيراني
- إيران 2026: حين يتحوّل القتل الجماعي إلى سياسة دولة
- لماذا تُرك الحسين؟... قراءة تاريخية خارج السرد الطقسي
- التغلغل الإيراني في أوروبا: مقاربة مقارنة مع الإسلام السياسي ...
- العراق بين الدولة المعطوبة والهيمنة بالوكالة: تفكك السيادة ف ...
- إذا سقطت طهران: من سيربح الشرق الأوسط… ومن سيدفع ثمن الفوضى؟
- حين يصبح الإنسان تفصيلًا في السياسة الأميركية


المزيد.....




- دعا لتجنيد ذكور وإناث من فئة -ألفا-..هونغ كاو يقود البحرية ا ...
- مسؤول أمريكي: الصحفي أحمد شهاب الدين يغادر الكويت بعد احتجاز ...
- هجمات -منسّقة- تهزّ مالي.. وإعلان -السيطرة- على كيدال
- ثورة، مؤامرات سرية، مواجهة نووية: كيف تدهورت العلاقات بين كو ...
- وسط غياب رسمي لحماس: ماذا نعرف عن الانتخابات المحلية في الضف ...
- ألمانيا ترسل كاسحة ألغام إلى المتوسط استعدادا لمهمة محتملة ف ...
- برصاص مجهولين.. اغتيال قيادي في حزب الإصلاح اليمني بعدن
- ما حقيقة فيديو -غفوة ترمب- خلال مؤتمر صحفي رسمي؟
- نزوح بلا نهاية.. عائلات الأغوار تبحث عن أمان مفقود
- بسبب أزمة الإيواء بغزة.. عائلات تنصب خياما داخل المباني الآي ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مالك الجبوري - العراق تحت ضغط الدولار: الاقتصاد كساحة صراع بين الدولة والميليشيات