أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 1














المزيد.....

انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 1


بشرى الفكي

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 09:21
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مفهوم النظام العالمي: كيف يُبنى… وكيف ينهار
إن النظرة إلى النظام العالمي كأنه بناءً قانونيًا محايدًا، أو كمجرد شبكة من الاتفاقيات الدولية، هي بالتأكيد نظرة قاصرة لا تفصح عن جوهر حقيقته، لأنها تتجاهل (عن عمدٍ أحياناً من باب خلق وعياً زائفاً) إنه (في جوهره العميق) بنية تاريخية تتشكل من تفاعل القوة والاقتصاد والمعرفة. كما تتجاهل أيضاً إنه نظام يُنتج الاستقرار بقدر ما يُنتج الصراع، ويؤجل الانفجار بقدر ما يراكم شروطه. ومن هنا، فإن فهم النظام العالمي لا يبدأ من قراءة الأحداث، بقدر ما هو يبدأ من تفكيك البنية التي تجعل تلك الأحداث ممكنة.
لقد نشأ النظام العالمي الحديث في سياق تحولات كبرى أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث أعيد تنظيم العالم ضمن إطار جديد يجمع بين الاقتصاد الرأسمالي والمؤسسات الدولية والتحالفات العسكرية. ولم يكن هذا النظام تعبيرًا عن نهاية الصراع، لقد كان تعبيراً عن إعادة صياغة الصراع ضمن قواعد أكثر تعقيدًا. ومع مرور الوقت، تطور هذا البناء إلى ما عُرف بالنظام الدولي الحديث، الذي يقوم على ترابط اقتصادي عالمي وهيكل سياسي متعدد الدول، لكنه غير موحد سياسيًا.
غير أن التحول الحاسم جاء مع انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث انتقل العالم من توازن ثنائي إلى هيمنة شبه مطلقة لقوة واحدة. هذه اللحظة لم تكن فقط تحولًا في توزيع القوة، لقد كانت لحظة إعادة تعريف للنظام نفسه، حيث أصبحت الهيمنة (لا التوازن) هي القاعدة.
لكن لفهم طبيعة هذا النظام، لا يكفي تتبع تاريخه السياسي، بقدر ما يجب النظر إليه من خلال عدسة إيمانويل والرشتاين ، الذي قدّم أحد أكثر التحليلات عمقًا عبر نظرية النظام العالمي. ففي هذا الإطار، لا يُنظر إلى الدول كوحدات مستقلة، بل كعناصر داخل اقتصاد عالمي واحد، تحكمه قسمة عمل دولية تحدد مواقعها ووظائفها. ووفقًا لهذا التحليل، ينقسم العالم إلى ثلاث مناطق رئيسية، المركز حيث تتركز التكنولوجيا ورأس المال والإنتاج عالي القيمة، والأطراف حيث يُنتج العمل منخفض القيمة وتُستخرج المواد الخام، ومن ثمّ شبه الأطراف وهي منطقة وسيطة تجمع بين الاثنين.
هذا التقسيم ليس جغرافيًا بقدر ما هو بنيوي؛ إنه يعكس علاقات قوة غير متكافئة، حيث تنتقل الفوائض الاقتصادية من الأطراف إلى المركز ضمن نظام تبادل غير عادل. ومن هنا تظهر الفكرة المركزية، بأن النظام العالمي ليس مجرد ترتيب، إنه نظام إنتاج للامساواة.
فالدول في الأطراف لا تعاني من تأخر طبيعي كما يتم تصنيفها داخل مؤسسات النظام العالمي، هذه الدول تعاني من موقع مفروض داخل بنية اقتصادية عالمية تعيد إنتاج هذا التأخر. إن الفقر، في هذا السياق، ليس حالة عرضية، إنه نتيجة مباشرة لقسمة العمل الدولية التي تجعل الأطراف تعتمد على تصدير المواد الخام والعمل الرخيص، بينما يحتكر المركز الأنشطة الأكثر ربحية.
لكن هذا النظام، رغم قدرته على الاستمرار لقرون، ليس ثابتًا. فهو يخضع لدورات تاريخية من الصعود والهيمنة والتراجع. ففي كل مرحلة، تظهر قوة مهيمنة تقود النظام (اقتصاديًا وسياسيًا) لكن هذه الهيمنة تحمل في داخلها شروط زوالها. إذ أن توسع النظام الرأسمالي، الذي يُعد مصدر قوته، يؤدي في الوقت ذاته إلى خلق منافسين جدد، ويزيد من تعقيد العلاقات التي يسعى إلى التحكم فيها.
تشير الدراسات المرتبطة بتحليل النظام العالمي إلى أن الاقتصاد العالمي يتطور عبر موجات من التوسع والانكماش، حيث تبرز في كل دورة قوة مهيمنة، ثم تبدأ في التراجع مع تصاعد التناقضات البنيوية. ومع كل دورة، تتعمق الفجوة بين المركز والأطراف، لكنها في الوقت ذاته تُنتج شروطًا جديدة لإعادة تشكيل النظام.
ومن هنا نصل إلى المفارقة الأساسية، في أن النظام العالمي ينهار بسبب نجاحه المفرط وليس بسبب ضعفه. فكلما توسع النظام، زادت قدرته على دمج مناطق جديدة، لكنه في الوقت ذاته يُنتج توترات جديدة لا يستطيع احتواءها. وكلما تعمقت العولمة، زادت الترابطات، لكنها أيضًا زادت من هشاشة النظام أمام الأزمات.
إن البنية التي يقوم عليها النظام العالمي (أي قسمة العمل الدولية) هي نفسها التي تضمن استمراره، وهي نفسها التي تهدد استقراره. فحين تتغير مواقع الدول داخل هذه البنية، أو حين تفقد القوة المهيمنة قدرتها على فرض قواعدها، يبدأ النظام في الدخول في حالة سيولة، حيث تصبح القواعد نفسها محل نزاع. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الأزمات العالمية المعاصرة (سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو عسكرية) كأحداث منفصلة، بل كأعراض لخلل بنيوي في النظام ذاته. إن الحروب، والأزمات المالية، والتوترات الجيوسياسية، هي تعبيرات عن حدود النظام ذاته، وليست انحرافات عنه كما يروّج النّاعون للشرعية والقانون الدوليين.
وهكذا، فإن النظام العالمي، الذي بدا في لحظة ما وكأنه نهاية التاريخ، يكشف اليوم عن طبيعته الحقيقي، إنه مرحلة تاريخية قابلة للتجاوز، وليس نظامًا نهائيًا أبدياً. إنه نظام وُلد من رحم الصراع، ويستمر عبر إدارته، وسينتهي (كما انتهت أنظمة سابقة) حين يعجز عن احتواء التناقضات التي صنعها بنفسه.

مرجع:
Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Durham: Duke University Press



#بشرى_الفكي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد ا ...


المزيد.....




- ولي عهد إيران السابق يوجه رسالة بفيديو بعد زيارة ألمانيا عن ...
- ملياردير سوري ومزاعم عقود بـ-12 مليار دولار- لإعادة الإعمار ...
- نتنياهو يطلب تأجيل نشر معلوماته الصحية لشهرين ويوضح السبب
- السيسي يوضح موقف مصر من هجمات إيران على الخليج والأردن والعر ...
- مفاوضو أمريكا يتوجهون إلى باكستان وإيران ترفض اللقاء المباشر ...
- مجموعة السبع: نشعر بالقلق إزاء -التوسع النووي- لروسيا والصين ...
- بريطانيا تتجه لوضع الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية ...
- ردا على وزير خارجية إيران وتدوينة -الجيران أولوية-.. سفير أم ...
- لقطات عبدالفتاح السيسي وأحمد الشرع باجتماع نيقوسيا تلاقي روا ...
- مهمة أوروبية -دفاعية- لتأمين مضيق هرمز.. ما تفاصيلها؟


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بشرى الفكي - انهيار النظام العالمي: من الهيمنة الأحادية إلى فوضى التعدد القطبي 1